يوافق شهر أكتوبر ٢٠١٢ ذكرى مرور مائة عام على اندلاع «حرب البلقان الأولى» عندما أعلنت دولة الجبل الأسود الحرب على الإمبراطورية العثمانية. وكان الأمير بيتر — الابن الثالث للملك نيكولا ملك الجبل الأسود — هو من أطلق أول قذيفة مدفعية عبر حدود الجبل الأسود والإمبراطورية العثمانية. وبعدها بتسعة أيام أعلنت الإمبراطورية العثمانية الحرب على حلفاء الجبل الأسود البلقان: بلغاريا، واليونان، وصربيا. وفي الصراع الذي تمخضت عنه الحرب واجه هذا التحالف المفكك الأتراك الذين كانوا عتاة فيما مضى. وفي العام التالي، في حرب البلقان الثانية القصيرة وإن كانت دامية، حاربت بلغاريا حلفاءها السابقين، وفي الوقت نفسه تعرضت للاحتلال من القوات العثمانية والرومانية. مثَّلت هاتان الحربان ظهور القومية باعتبارها أساس الشرعية السياسية في جنوب شرق أوروبا، وكذلك نهاية حكم العثمانيين الذي دام خمسمائة عام. أسست هاتان الحربان أيضًا لنمط من الصراعات الوحشية والمعقدة التي تكررت في الجزء الغربي من شبه الجزيرة بين عامي ١۹٤١ و١۹٤٥ ومرة أخرى في نفس المنطقة إبان الحروب اليوغوسلافية بين عامي ١۹۹١–٢٠٠١.

ظهور القومية

إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر، صارت دول البلقان منطقة توتر قومي متزايد وموجَّه بالأخص ضد النفوذ المضمحل للإمبراطورية العثمانية التي كان يُطلق عليها «رجُل أوروبا المريض». في منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر اندلعت الثورات في كل من البوسنة وبلغاريا احتجاجًا على السلطة العثمانية. وفي العام التالي، تدخل الروس في دول البلقان متخذين صف البلغاريين. وبعد الانتصار على العثمانيين عام ١٨٧٨، أقام الروس مستوطنة في سان ستيفانو (يسلكوي حاليًّا، بالقرب من إسطنبول)، وبذا قامت دولة بلغارية كبيرة ضمت مقدونيا، غير أن الإمبراطورية النمساوية المجرية وبريطانيا العظمى رفضتا هذه الخطوة لأنها تمنح روسيا نفوذًا كبيرًا في المنطقة. وبناءً على دعوة من المستشار الألماني أوتو فون بسمارك، التقى ممثلو القوى الأوروبية العظمى في وقت لاحق من ذلك العام في «مؤتمر برلين» للوصول إلى تسوية شاملة بشأن جنوب شرق أوروبا. غير أن «معاهدة برلين» التي تمخض عنها المؤتمر أخفقت في تلبية الطموحات القومية لشعوب المنطقة. وبدلًا من دولة بلغاريا الكبيرة، قضت التسوية بإقامة إمارة بلغارية صغيرة وأعادت مقدونيا إلى الحكم العثماني المباشر. ومنذ ذلك الحين فصاعدًا، سعت كل من بلغاريا، واليونان، والجبل الأسود، وصربيا إلى الحصول على المزيد من أراضي الإمبراطورية العثمانية. لكن مع نهاية هذا القرن ومطلع القرن الجديد، أعاق تنافسهم المتبادل على هذه الأراضي تقدُّم أي جهود موحدة. وفي تلك اللحظة تداخلت صراعاتهم في مقدونيا حيث تقاتلت القوات غير النظامية البلغارية واليونانية والصربية بعضها ضد بعض وضد السلطات العثمانية أيضًا.

تضافر دول البلقان

أثار انقلاب «تركيا الفتاة» عام ١۹٠٨ المخاوف بين دول البلقان من أن تعزز الإصلاحات التحررية الإمبراطورية العثمانية ومن ثم تحرم بلغاريا واليونان والجبل الأسود وصربيا من الأراضي العثمانية التي تضم رعاياها. دفعت هذه المخاوف تلك البلدان إلى التغلب على صراعاتها والتعاون ضد العثمانيين قبل أن تنال إصلاحات حركة «تركيا الفتاة» فرصة النجاح. أقنع اندلاع التمرد الألباني عام ١۹١٠ ونشوب الحرب بين إيطاليا والإمبراطورية العثمانية عام ١۹١١ حكومات البلقان أن هذا هو الوقت المناسب لبلوغ طموحاتها مرة وإلى الأبد. وبحلول صيف ١۹١٢، وبتشجيع من روسيا، أسفرت هذه الجهود عن تأسيس «اتحاد البلقان» المفكك. وقد تكون من معاهدات ثنائية الأطراف بين بلغاريا، واليونان، والجبل الأسود، وصربيا. وكان أهم هذه الاتفاقيات هو التحالف البلغاري الصربي في الثالث عشر من مارس ١۹١٢، الذي منح شمال ألبانيا لصربيا، ومعظم مقدونيا لبلغاريا. أما مزاعم الحق في شمال غرب مقدونيا فقد ظلت محل نزاع. قسَّم أحد بنود معاهدة مارس ١۹١٢ مقدونيا إلى مناطق «متنازع» عليها و«غير متنازع» عليها. وعند استحالة إقامة دولة مقدونيا المستقلة، وهو أمر مرجح، كانت بلغاريا ستحصل على المنطقة غير المتنازع عليها التي تتكون من مقدونيا الواقعة جنوب شرق جبال سار، في حين حمل القيصر نيكولاس الثاني على عاتقه مسئولية حل أي خلاف قد ينشأ بين الحليفين البلقانيين بشأن المنطقة المتنازع عليها شمال غرب جبال سار. لم تشتمل أي من الاتفاقيات الثنائية الأخرى بين دول البلقان على بنود تتعلق بتقسيم الأراضي. كان هذا من شأنه أن يخلق المشكلات، ولا سيما بين البلغاريين واليونانيين بشأن تقسيم جنوبي مقدونيا وسالونيك (ثيسالونيكي).

في جولة الصراع الأولى من حرب البلقان الأولى انتصر الحلفاء الإقليميون في كل مكان، وهو ما كان مذهلًا للغاية للقوى العظمى ومفاجئًا إلى حد ما للحلفاء أنفسهم. ردَّ البلغاريون العثمانيين عبر منطقة تراقيا إلى مواضع دفاعية خارج القسطنطينية في مدينة كاتالكا وحاصروا مدينة أدرنة الحصينة. واجتاح اليونانيون إبيروس وثيساليا وحاصروا يانينة (يوانينا). دخلت القوات اليونانية سالونيك في السابع من نوفمبر ١۹١٢، قبل دخول البلغاريين بيوم واحد. واجتاحت قوات الجبل الأسود أجزاء من شمالي ألبانيا وسنجق نوفي بازار، محاصرة بذلك مدينة سقوتاري (شقودرة) شمال ألبانيا. غزا الصرب كوسوفو ومقدونيا. وفي الوقت الذي عقدت فيه بلغاريا، والجبل الأسود، وصربيا هدنة مع العثمانيين في الثالث من ديسمبر، كانت الإمبراطورية العثمانية في أوروبا تضم ثلاث مدن محاصرة فقط — أدرنة، ويانينة، وسقوتاري — وشبه جزيرة جاليبولي والجزء الصغير من تراقيا وراء حدود كاتالكا.

انتقلت الجهود الرسمية لإنهاء الحرب إلى لندن في منتصف ديسمبر ١۹١٢، حيث عُقد مؤتمران في الوقت نفسه. الأول كان اجتماعًا بين ممثلي الحلفاء البلقان والإمبراطورية العثمانية وكان الغرض منه إنهاء الحرب. والثاني كان مؤتمرًا للتشاور بين سفراء القوى العظمى الموفدين إلى بريطانيا. عقدت القوى العظمى الست هذا الاجتماع بغرض الإشراف على المفاوضات البلقانية وضمان الحفاظ على مصالحها في اتفاقية السلام. وبناء على إلحاح من الإمبراطورية النمساوية المجرية وإيطاليا، اعترف مؤتمر السفراء باستقلال ألبانيا في العشرين من ديسمبر ١۹١٢.

لكن سرعان ما توقفت المفاوضات في لندن واستؤنفت الحرب في الثالث من فبراير ١۹١۳. استولى اليونانيون على يانينة في السادس من مارس، والبلغاريون على أدرنة في السادس والعشرين من مارس، ودخلت قوات الجبل الأسود سقوتاري في الثالث والعشرين من أبريل. بدأت من جديد مفاوضات السلام في لندن حيث وقَّع الحلفاء البلقان أخيرًا معاهدة سلام مع العثمانيين في الثلاثين من مايو ١۹١۳. وبموجب معاهدة لندن، تنازلت الإمبراطورية العثمانية عن كل أراضيها في أوروبا غرب خط مستقيم يمتد من ميناء إينيز على بحر إيجه إلى ميناء ميدي في البحر الأسود. تنازل العثمانيون أيضًا عن المطالبة بأحقيتهم في جزر بحر إيجه وكريت. ومع أن المعاهدة أقرت استقلال ألبانيا، احتفظت القوى العظمى لنفسها بالحق في تعيين حدود الدولة الجديدة.

صراع ضروس

في تلك الآونة، كان الصراع على الأراضي العثمانية قد مزق تحالف البلقان. وإبان الشهر الأول من الحرب، احتل الصرب الجزء الأكبر من مقدونيا. وحالت المعارضة النمساوية المجرية وقيام ألبانيا دون بلوغ الصرب هدفهم المتمثل في الحصول على شمالي ألبانيا مع منفذها على البحر الأدرياتيكي. وكي يعوض الصرب هذه الخسارة، أشاروا إلى أنهم ينوون البقاء في مقدونيا متحدين بذلك معاهدة مارس ١۹١٢ التي عقدوها مع بلغاريا. ولم يتوصل اليونانيون قط إلى أي اتفاق مع البلغاريين بشأن توزيع جنوبي مقدونيا، وسرعان ما أدركت أثينا وبلجراد أن لديهما قضية مشتركة ضد العاصمة البلغارية صوفيا. واندلع صراع متقطع بين القوات البلغارية واليونانية حول مدينة نيجريتا في جنوب شرق مقدونيا في ربيع ١۹١۳.

وفي يونيو ١۹١۳، أفسدت الحكومة الروسية محاولة الفصل في النزاع البلغاري الصربي. ونتيجة لذلك نشبت حرب البلقان الثانية بين بلغاريا وحلفائها السابقين وذلك بهجوم بلغاريا على مواقع يونانية وصربية في مقدونيا في الثلاثين من يونيو ١۹١۳. وبعد عدد من الهزائم في بادئ الأمر، وازن البلغاريون وضعهم. غير أن دخول رومانيا — التي أرادت الحصول على دوبروجا — في الصراع في العاشر من يوليو، ثم دخول العثمانيين الذين سعوا إلى استرداد أدرنة بعدها بيومين أدى إلى فشل مساعي بلغاريا الحربية. ولمّا وجدت بلغاريا الأعداء يكتنفونها من جميع الجهات، سعت إلى السلام، فوقَّعت معاهدة مع اليونان، والجبل الأسود، ورومانيا، وصربيا في بوخارست في العاشر من أغسطس، وأخرى مع الإمبراطورية العثمانية في القسطنطينية في الثلاثين من سبتمبر. أنهت رسميًّا معاهدة أثينا — الموقَّعة في الرابع عشر من نوفمبر — الصراع بين اليونان والإمبراطورية العثمانية. ووقَّع الصرب معاهدة أخرى في القسطنطينية في الرابع عشر من مارس ١۹١٤، وبذلك انتهت الحرب أخيرًا ضد العثمانيين.

حصلت كل دول البلقان على بعض الأراضي والسكان من الصراعين. فعلى الرغم من هزيمة بلغاريا في حرب البلقان الثانية، فإنها حصلت على جزء من جنوب شرق مقدونيا، وغربي تراقيا (بما فيها منفذ على بحر إيجه) ومنطقتين صغيرتين من شرقي تراقيا. وحصلت اليونان على معظم إبيروس وجنوبي مقدونيا، بما فيها ميناء سالونيك الرئيسي. وحصل الجبل الأسود على نصف سنجق نوفي بازار، واستولت رومانيا على الجزء البلغاري في دوبروجا، في حين حصلت صربيا على معظم مقدونيا، وكوسوفو، والنصف الآخر من نوفي بازار.

غير أن معاهدات أثينا، وبوخارست، والقسطنطينية لم تنه الصراع في شبه جزيرة البلقان؛ فقد استمرت القوات الصربية في مناوشاتها مع القوات الألبانية غير النظامية على طول الحدود الألبانية الصربية التي لم يُحسم أمرها بعد. أصدرت الإمبراطورية النمساوية المجرية إنذارًا في الثامن عشر من أكتوبر ١۹١۳ تطالب فيه صربيا بإخلاء الأراضي الألبانية. أذعنت حكومة بلجراد للمطلب، غير أن الألبان والصرب مضوا قدمًا في صراعهم في المنطقة، وهكذا فعل الألبان واليونانيون أيضًا في جنوبي ألبانيا.

تمهيد لحرب أشد

أنذرت حروب البلقان بوقوع الحرب العالمية الأولى بطرق شتى؛ فقد اشتملت على جيوش مُجندة، وبدأت بحركات هجوم كبيرة على أجنحة الجيوش، وظهر فيها استخدام المدفعيات بأعداد ضخمة، واستخدام الرشاشات بكثافة، وشن هجمات على مواقع محصنة وطائرات. وترتب على ذلك خسائر عسكرية هائلة، وبلغ إجمالي عدد ضحايا حروب البلقان أكثر من ١٥٠ ألف قتيل، وكان أكبر عدد من القتلى من البلغاريين والعثمانيين. أُصيب جنود آخرون كثر من جميع الأطراف أو فُقدوا. أما المدنيون الذين لقوا حتفهم على إثر الإصابة بالأمراض والتهجير والأفعال الوحشية المتعمدة فيقدر عددهم بعشرات الآلاف. ومرة أخرى شهدت ساحات قتال حروب البلقان في دواران وجاليبولي وكوسوفو قتالًا إبان الحرب العالمية الأولى.

أهم نتائج حروب البلقان كان تراجع مكانة روسيا في المنطقة. فانهيار «اتحاد البلقان» وفشل روسيا في إنقاذ بلغاريا أثناء حرب البلقان الثانية دفعا الحكومة في صوفيا إلى اللجوء لكل من برلين وفيينا من أجل الحصول على تعويض. كانت بلغاريا أكثر أهمية لروسيا من صربيا من الناحية الاستراتيجية، يكفي أنها قريبة من القسطنطينية. بعدما فقدت روسيا بلغاريا لم يتبق لها حليف مقبول في جنوب شرق أوروبا سوى صربيا. وعندما أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية الحرب على صربيا في الثامن والعشرين من يوليو ١۹١٤، انتقلت الحرب في دول البلقان إلى مرحلة جديدة. واجهت روسيا خطر الاستبعاد من دول البلقان تمامًا إذ خضعت صربيا لهيمنة الإمبراطورية النمساوية المجرية، وهو ما جعلها تتخذ قرارًا بخوض الحرب مع دول المركز في أغسطس ١۹١٤.

في الحرب العالمية الأولى انحاز البلغاريون والعثمانيون إلى دول المركز (على الرغم من أنه بانتهاء الحرب، كاد العدوان السابقان يجددان العداء بينهما مرة أخرى). وانضم الجبل الأسود وصربيا ورمانيا في آخر المطاف إلى دول الوفاق. وانقسم اليونانيون ما بين فصائل مؤيدة لدول المركز وأخرى مؤيدة لدول الوفاق. ولم تعلن اليونان انضمامها الرسمي إلى دول الوفاق إلا بعد فترة طويلة من الانقسام السياسي وإجبار الملك قسطنطين على التنازل عن العرش في السابع والعشرين من يونيو ١۹١٧. احتلت دول المركز شمالي ألبانيا، في حين أرسلت دول الوفاق قواتها إلى الجنوب، وكوّن كلا الطرفين وحدات ألبانية مسلحة. وخارج ألبانيا كان القتال تقليديًّا إلى حد ما، وامتدت الجبهة البلقانية من البحر الأدرياتيكي إلى بحر إيجه. ولمّا كانت هذه الجبهة قد تأسست في نهاية عام ١۹١٥، فإنها ظلت مستقرة إلى حد ما إلى أن اجتاح هجوم لدول الوفاق في سبتمبر ١۹١٨ مواقع بلغارية في دوبرو بول. وقَّع البلغاريون المنهكون هدنة مع دول الوفاق في سالونيك في التاسع والعشرين من سبتمبر، وهو ما وضع حدًّا لصراع دام ست سنوات في جنوب شرق أوروبا.

أسماء جديدة ومنافسون قدامى

أسفرت تسوية الحرب العالمية الأولى في دول البلقان عن قيام دولة رومانية أكبر، ومملكة جديدة من الصرب والكروات والسلوفينيين يهيمن عليها الصرب (أصبحت يوغوسلافيا عام ١۹٢۹)، وضمت الجبل الأسود. وحصلت اليونان على ساحل بحر إيجه التابع لبلغاريا، لكنها عانت هزيمة نكراء في الأناضول بسبب الحماس القومي نفسه الذي ميز مشاركتها في حروب البلقان والحرب العالمية الأولى. احتلت بلغاريا مقدونيا، لكنها أخفقت مرة أخرى في الاحتفاظ بها وفقدت ساحل تراقيا وبعض الأراضي الصغيرة لمصلحة الدولة اليوغوسلافية الجديدة. وفي أعقاب الحرب لم تعمل ألبانيا كدولة منظمة إلا بالكاد.

مرة أخرى تأججت المشاعر القومية التي ثارت أثناء حروب البلقان في الحرب العالمية الثانية عندما انهارت يوغوسلافيا الخاضعة لسيطرة صربيا إبان الغزو والاحتلال اللذين تعرضت لهما على أيدي ألمانيا النازية وحلفائها البلغاريين والمجريين والإيطاليين عام ١۹٤١. استمرت الحرب ضد الغزاة، وأيضًا بين المجموعات القومية اليوغوسلافية المتعددة. وتشكلت الوحدات الصربية كي تساعد الغزاة وتقاومهم في الوقت نفسه. أما القوات الكرواتية والسلوفينية فقد دعمت الغزاة بوجه عام. وفي مواقف متفرقة تعاونت المجموعات الكبرى — التشتنيك الصرب، والأوستاشي الكروات، والبارتيزان الشيوعيين — مع الغزاة. أيضًا تقاتلت هذه المجموعات بعضها مع بعض. دار معظم القتال الضاري في البوسنة والهرسك ومنطقة كرايينا التي يسكنها الصرب في كرواتيا، وكلتا المنطقتين كانت خاضعة لحكم الأوستاشيون اسمًا، لكنهما أصبحتا ساحتي قتال دامية حيث تقاتلت قوات التشتنيك والأوستاشي والبارتيزان إلى جانب وضد قوات الاحتلال الألمانية والإيطالية وبعضها ضد بعض. وتورط مسلمو البوسنة والهرسك في هذه المعارك. ساند بعض المسلمين الأوستاشي باعتبارهم كرواتًا مسلمين، فيما حارب آخرون من أجل البارتيزان. عادةً ما اعتمد ولاء الكثير من اليوغوسلافيين على قضايا محلية. وكان الظافر النهائي في هذا الصراع متعدد الأطراف هم البارتيزان بقيادة الشيوعي جوزيف بروز تيتو. وبعد انتهاء الحرب منع تيتو أي تحليل لهذه الأحداث المتشابكة لا يُظهر تحيزًا صريحًا للبارتيزان. وبدا أثناء حياته أن حكومته الشيوعية قد نجحت في احتواء القومية البغيضة التي ألحقت الهلاك بالمنطقة في الفترة ما بين ١۹١٢–١۹١٨ ومرة أخرى أثناء الحرب العالمية الثانية.

على أنه بعد وفاة تيتو عام ١۹٨٠ وَهَنَ النظام الذي أسسه. قوض تفكك أنظمة الحكم الشيوعية في أوروبا الشرقية عام ١۹٨۹ شرعية الأيديولوجية الشيوعية الحاكمة في يوغوسلافيا. وبزغت القومية من جديد. وكما حدث عام ١۹٤١ انهارت يوغوسلافيا بين الفصائل العرقية. ومرة أخرى دار معظم القتال في البوسنة وفي منطقة كرايينا الكرواتية التي يسكنها غالبية من الصرب. وأصبحت البوسنة هي بؤرة الصراعات. هذه المرة لعب المسلمون السلافيون — الذين يُطلق عليهم الآن البوسنيون — دورًا مهمًّا في الصراع. ولا عجب في أن القوات الكرواتية تبنت أساليب الأوستاشي، في حين أن القوات الصربية حاكت أسلافها التشتنيك. في عامي ١۹۹۳ و١۹۹٤ تحارب البوسنيون والكروات والصرب بعضهم ضد بعض في البوسنة. البوسنيون أنفسهم لم يكونوا متحدين، إذ حاربت قوات «فيكريت أبديتش» في بيهاتش شمال غرب البوسنة حربًا منفصلة. وفي أوقات معينة تعاونت مع المجموعات الصربية حتى إنها حاولت إقامة «بوسنة غربية» مستقلة. ومن خلال تحالف فرضه الناتو بين البوسنيين والكروات فحسب، هُزم الصرب أخيرًا في البوسنة في صيف عام ١۹۹٥. بعدئذ أجرى الأطراف الثلاثة مفاوضات من أجل سلام هش في دايتون، أوهايو في نوفمبر من العام نفسه.

لم تنه اتفاقيات دايتون النزاع في يوغوسلافيا السابقة. فبين عامي ١۹۹٧ و١۹۹۹ تمرد الألبان ضد حكم الصرب في كوسوفو. وفي عامي ٢٠٠٠ و٢٠٠١ تمردت الأقلية الألبانية في مقدونيا ضد الحكم السلافي للبلاد. وفي ٢٠٠٦، استعاد الجبل الأسود استقلاله بعد ٨٨ عامًا من الارتباط السياسي بصربيا. في ٢٠٠٨ أعلنت كوسوفو من جانبها فحسب استقلالها عن صربيا. والمثير للسخرية أن هذا الأمر منح صربيا — التي بادرت بكثير من القتال الذي قضى على يوغوسلافيا — أراضي أكثر قليلًا من تلك التي كانت تملكها عام ١۹١٢ قبل اندلاع حرب البلقان الأولى.

غلبت على صراعات البلقان الثلاثة بعض الصفات المشتركة؛ فقد مرت أطراف النزاع الرئيسية إبان كل منها بفترات من الانتصار والهزيمة. أيضًا اتسمت التحالفات العسكرية والسياسية بالهشاشة أثناء النزاعات الثلاثة. صار الحلفاء أعداءً، ولم تسفر أي من الصراعات عن نتائج حاسمة.

غير أن التجارب التي مرت بها كل دولة من دول البلقان إبان هذه الصراعات اختلفت بعضها عن بعض اختلافًا جذريًّا. أثناء الحرب العالمية الثانية عانت كل من ألبانيا واليونان الاحتلال الألماني والإيطالي ومن حرب أهلية متزامنة. استولت بلغاريا مرة أخرى على مقدونيا لكنها لم تشارك في قتال رئيسي. أما رومانيا فتكبدت خسائر فادحة بقتالها جنبًا إلى جنب مع ألمانيا النازية في روسيا السوفييتية ثم قتالها لمصلحة السوفييت في المجر. كل هذه الدول تحاشت إلى حد بعيد التورط في الحروب اليوغوسلافية في أواخر القرن العشرين.

اتحادٌ واهٍ

بعد مرور قرن على اندلاع حروب البلقان، لم ينته بالضرورة الصراع القومي في المنطقة؛ فبعض المشكلات لا تزال باقية. لا يزال الاتحاد الفيدرالي للبوسنة والهرسك — الذي تأسس في نوفمبر عام ١۹۹٥ في دايتون — كيانًا واهيًا؛ فالطرفان المكونان له — الاتحاد البوسني الكرواتي وجمهورية صربيا — لا يزالان يكنان العداء أحدهما للآخر. ويؤدي الجهاز الفيدرالي — بقايا قيادة جمعية للمؤسسة التي خلفت تيتو في يوغوسلافيا بعد موته — عمله بالكاد. وبقاء الدولة على هذا النحو أمر غير مؤكد.

فشلت حروب البلقان أيضًا في حل مشكلة مقدونيا. في عام ١۹١۳ استولت صربيا واليونان على معظم أراضيها. وحصلت بلغاريا على جزء صغير من جنوب شرق مقدونيا، لكنها طالبت بحقها في المناطق التي استولت عليها صربيا واليونان. غزت بلغاريا هذه المناطق أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية. أصبحت مقدونيا واحدة من الجمهوريات الست التي تكونت منها دولة يوغوسلافيا بقيادة تيتو، لكن عقب انهيار الدولة المركَّبة عام ١۹۹١ أعلنت المنطقة الصربية القديمة من مقدونيا استقلالها. وقد أعاق إصرار اليونان على أن اسم مقدونيا يشير ضمنًا إلى حقها في هذه الأرض جهودَ الدولة المستقلة — التي يُطلق عليها أحيانًا جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة — نحو التنمية الاقتصادية. ونتيجة لتعنت اليونان تظل مقدونيا منعزلة عن كل من الاتحاد الأوروبي والناتو.

أوروبا ودول البلقان

ثمة قضية معاصرة أخرى أسفرت عنها حروب البلقان تخص كوسوفو. احتلت القوات الصربية هذه المنطقة التي أغلب سكانها من الألبان في بداية حرب البلقان الأولى. وفيما عدا الفترة ما بين ١۹١٥–١۹١٨ عندما خضعت كوسوفو لاحتلال الإمبراطورية النمساوية المجرية وبلغاريا، والفترة ما بين ١۹٤١–١۹٤٤ عندما ضُمت إلى ألبانيا التي كانت تخضع للحكم الإيطالي أولًا ثم للحكم الألماني، ظلت كوسوفو تخضع للهيمنة الصربية حتى تمرُّد عام ١۹۹٧ وما تلاه من وصاية الأمم المتحدة عام ١۹۹۹. وفي فبراير عام ٢٠٠٨ أعلنت كوسوفو استقلالها. ولا تزال صربيا تطالب بأحقيتها بها.

ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمشكلة كوسوفو مشكلة الألبان في كل أنحاء جنوب شرق أوروبا. أعلن القوميون الألبان الاستقلال في فالونا منذ وقت بعيد يعود إلى الثامن والعشرين من نوفمبر عام ١۹١٢، وهو إجراء اعترفت به القوى العظمى في لندن ذلك العام. غير أن ألبانيا فشلت في تحقيق الاستقرار السياسي حتى عشرينيات القرن العشرين. والواقع أنه بعد سنوات من السيطرة الإيطالية والألمانية واليوغوسلافية، والسوفييتية، بل الصينية، لم تنضم ألبانيا إلى المجتمع الأوروبي الأكبر إلا بعد سقوط نظامها الشيوعي في ١۹۹٢. وفي الوقت الحالي توجد دولتان ألبانيتان هما ألبانيا وكوسوفو وعاصمتاهما على التوالي تيرانا وبريشتينا. وما دامت القومية تحتفظ بقوتها، وتواصل ألبانيا نموها الاقتصادي وتتعرض كوسوفو للركود، فسيكون لدى ألبانيا وكوسوفو حافز قوي لتكوين دولة ألبانية كبرى. إذا حدث هذا، فقطعًا سيسعى الألبان الذين يشكلون ما يزيد عن ربع سكان مقدونيا إلى الانضمام إلى هذه الدولة الكبرى. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يسعى الصرب القاطنون في جمهورية البوسنة الصربية إلى الانضمام لصربيا، وسينسحب الكروات من الاتحاد البوسني الكرواتي تاركين البوسنة مجرد أطلال دولة بوسنية حول سراييفو. وعندئذ ربما نرى بقايا مقدونيا — التي ستكون قد انفصلت بالفعل عن اليونان والصرب — وهي تحاول الوصول إلى نوع من الوفاق مع بلغاريا. وبعيدًا، قد تحاول مولدوفا تعزيز روابطها الثقافية والاقتصادية والسياسية مع قرينتها رومانيا المتحدثة باللاتينية.

أطلق اندلاع حروب البلقان ١۹١٢-١۹١۳ شرارة بدء فترة من الصراع في أوروبا استمرت طيلة قرن تقريبًا. والآن بعد مرور مائة عام على اندلاع الصراعات، تسعى جميع دول هذه المنطقة إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد نجحت بالفعل كل من بلغاريا وكرواتيا واليونان ورومانيا في ذلك. ولا تزال البوسنة والهرسك وكوسوفو ومقدوينا والجبل الأسود والصرب تترقب انضمامها. ويبدو أن منظورًا أوروبيًّا أوسع وحده قد يتغلب على الانقسامات القومية لدول البلقان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.