التكنولوجيا الثورية: استخدام أداة لتعديل الجينوم من أجل إنتاج قردتين لديهما طفرات جينيَّة معيَّنة.

سبب أهميتها: إن القدرة على تعديل جينات معيَّنة لدى الرئيسيات تُعَدُّ أداة قيِّمة في دراسة الأمراض التي تصيب البشر.

أبرز المساهمين:

  • مختبر يونان الرئيسي للبحوث الطبية الحيوية للرئيسيات.
  • جينيفر دودنا، جامعة كاليفورنيا، بيركلي.
  • فنج جانج، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
  • جورج تشيرش، جامعة هارفرد.
بتصريح من مختبر يونان الرئيسي للبحوث الطبية الحيوية للرئيسيات.
بتصريح من مختبر يونان الرئيسي للبحوث الطبية الحيوية للرئيسيات.

التجربة، بقلم: كريستينا لارسون

حتى وقتٍ قريبٍ، كانت مدينة كونمينج، عاصمة مقاطعة يونان التي تقع في جنوب غرب الصين، معروفةً غالبًا بأشجار النخيل وسمائها الزرقاء وجوِّها الذي يساعد على الاسترخاء والتدفق المستمر للمرتحلين الأجانب المتوجهين إلى الجبال القريبة والممرات ذات المناظر الطبيعية الخلابة. إلا أنَّ سمعةَ كونمينج بوصفها مكانًا ريفيًّا منعزلًا آخذةٌ في التغيُّر سريعًا. فعلى قطعة من الأرض في ضواحي المدينة — والتي كانت منطقة مقفرة منذ ١٠ سنوات، وأصبحت حاليًّا مقرًّا لمنشأة خاصة بالبحوث الجينومية — أجرى العلماءُ تجربةً مثيرةً. وقد أنتجوا زوجًا من قردة المكاك لديهما طفرات جينيَّة محددة.

في نوفمبر الماضي وُلِدَت القردتان التوءمتان؛ مينجمينج ولينجلينج، هنا في الموقع مترامي الأطراف لشركة كونمينج بيوميديكال إنترناشونال ومختبر يونان الرئيسي للبحوث الطبية الحيوية للرئيسيات التابع لها. تَمَّ تخليق قردتَيِ المكاك هذين عن طريق تكنولوجيا الإخصاب المجهري. بعد هذا استخدم العلماءُ طريقةً جديدةً لتعديل الدنا تُعرَف باسم كريسبر؛ من أجل تعديل البويضات المخصبة من خلال تعديل ثلاثة جينات مختلفة، ثم تمَّتْ زراعة البويضات في أُمٍّ بديلة من قردة المكاك. كانت الولادة الصحية للتوءمتين شاهدًا على المرة الأولى التي تُستخدَم فيها تكنولوجيا كريسبر من أجل إجراء تعديلات جينية محددة في الرئيسيات، وربما يبشِّر هذا بحقبة جديدة للطبِّ الحيويِّ يمكن فيها إحداث نماذج للأمراض المعقدة في القردة ودراستها.

إن تكنولوجيا كريسبر، التي طوَّرها باحثون بجامعة كاليفورنيا، ببيركلي، وجامعة هارفرد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأماكن أخرى على مدار السنوات العديدة الماضية، تُغيِّر بالفعل من طريقة تفكير العلماء في الهندسة الوراثية؛ لأنها تسمح لهم بإجراء تغييرات على الجينوم بدقة وسهولة نسبية. إن الهدف من التجربة التي أُجْرِيَتْ في كونمينج التأكيد على أن هذه التكنولوجيا بإمكانها إنتاج رئيسيات لديها طفرات متعددة، هذا على حدِّ قول ويتزو جي؛ أحد مصمِّمي التجربة.

بدأ جي حياته المهنية في معهد كونمينج لعلم الحيوان التابع للحكومة في عام ١٩٨٢، وكان تركيزه الأساسي دراسة التكاثر عند الرئيسيات. يقول جي إنَّ الصين كانت في هذا الوقت «بلدًا فقيرًا للغاية، ولم يكن يوجد لدينا تمويل كافٍ للبحوث. فقد كنا نقوم ببحوث بسيطة للغاية، مثل دراسة كيفية تحسين تغذية الرئيسيات.» لقد تغيرت الطموحات العلمية للصين كثيرًا منذ ذلك الوقت. يضم الموقعُ البحثيُّ في كونمينج مسكنًا شاسعًا للقردة يتكوَّن من ٧٥ بيتًا مغطًّى بها أكثر من ٤ آلاف من الرئيسيات؛ يقوم الكثير منها بالتأرجح بحماس على السلالم المعلَّقة والصعود والنزول على الجدران السلكية. يعتني بهذه الحيوانات طوال الوقت ستون حارسًا مدربًا يرتدون زيًّا أزرق اللون.

يحتوي المختبر الذي أُجْرِيَتْ فيه التجربة على نُظُم حَقْنٍ مجهريٍّ، وهي عبارة عن مجاهر مُوجَّهة نحو صحن بتري وإبرتين دقيقتين، تتحكَّم فيها رافعات ومؤشرات. تُستخدَم هذه المجاهر في حقن الحيوان المنوي في البويضات؛ من أجل التعديل الجينيِّ الذي يستخدم جزيئات الحمض النووي الريبي (الرنا) «الموجهة» التي ترشد إنزيم قطع الدنا نحو الجينات. عندما زُرْتُ المكان، كان فنيُّ مختبرٍ شابٌّ مُركزًا باهتمام على ضبط المؤشرات حتى تعمل على اصطفاف أحد الحيوانات المنوية مع بويضة. يستغرق حقن كلِّ حيوانٍ منويٍّ بضع ثوانٍ فقط، وبعد تسع ساعات عندما يكون الجنين ما يزال في مرحلة الخلية الواحدة، يستخدم الفنيُّ الآلةَ نفسها من أجل حَقْنِه بمكونات كريسبر الجزيئية، ومرة أخرى لا تستغرق هذه العملية سوى بضع ثوانٍ.

خلال زيارتي للمكان في شهر فبراير الماضي، لم يكن عمر قردتي المكاك يتجاوز بضعة أشهر وكانت كلٌّ منهما تعيش في حضَّانة، ويتابعها عن كثب العاملون بالمختبر. في الواقع يخطط جي وزملاؤه للمتابعة الدقيقة للقردتين؛ من أجل رصد أية تبعات للتعديلات الجينية الرائدة التي أدخلوها عليهما.

جون ماكنيل، المصدر: مجلة «سيل».
جون ماكنيل، المصدر: مجلة «سيل».

النتيجة، بقلم: أماندا شيفر

إن أداة التعديل الجيني الجديدة التي تُسمَّى كريسبر، التي استخدمها الباحثون الصينيون من أجل التعديل الجيني للقردتين، تُعَدُّ طريقة دقيقة وسهلة نسبيًّا لتغيير الدنا في مواضع معيَّنة في الكروموسومات. في أوائل عام ٢٠١٣، أوضح العلماء في الولايات المتحدة أنه يمكن استخدام هذه الطريقة في التعديل الجيني لأي نوع من خلايا الحيوانات — بما في ذلك خلايا الإنسان — في صحن بتري. إلا أن الباحثين الصينيين كانوا أول من أثبت أن هذا المنهج يمكن استخدامه في الرئيسيات لإنتاج ذرية لديها تغيرات جينية معيَّنة.

تقول جينيفر دودنا، أستاذة علم الأحياء الخلوي والجزيئي بجامعة كاليفورنيا، ببيركلي وأحد مطوِّري تكنولوجيا كريسبر: «إن فكرة أننا نستطيع تعديل الرئيسيات بسهولة باستخدام هذه التكنولوجيا فعالة.» إن إنتاج رئيسيات لديها تعديلات جينية متعمدة قد يؤدي إلى ظهور طرق جديدة وفعالة لدراسة الأمراض البشرية المعقدة. كذلك فإنه يطرح إشكاليات أخلاقية جديدة. فمن منظور فني، يشير البحث الصيني على الرئيسيات إلى إمكانية تغيير العلماء للبويضات البشرية المخصَّبة باستخدام تكنولوجيا كريسبر؛ فبناءً على ما حدث مع القرود، يمكن أن تنمو هذه البويضات المعدلة لتصبح أطفالًا مُعدَّلين جينيًّا. إلا أن دودنا تقول: «السؤال الأصعب بكثير هو ما إذا كانت هذه فكرة جيدة أم لا؟»

يظل احتمال إنتاج أطفال بهذا الشكل بعيدًا ومستبعدًا في عقول معظم الباحثين الذين طوروا تكنولوجيا كريسبر. فالأقرب إلى التحقيق هو إنتاج حيوانات لديها طفرات ترتبط بالأمراض البشرية. تقول دودنا إن التجارب على الرئيسيات باهظة ويمكن أن تُسبِّب مخاوف بشأن مسائل الرفق بالحيوان. إلا أن إثبات أن استخدام تكنولوجيا كريسبر ينجح مع القرود جعل «كثيرًا من الناس يفكرون في حالات يمكن فيها أن تكون نماذج الرئيسيات مهمة.»

على رأس هذه الحالات دراسة الاضطرابات العقلية. يقول روبرت دسيموني مدير معهد مجافرن للبحوث العقلية التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إن ثمة «اهتمامًا كبيرًا» باستخدام تكنولوجيا كريسبر في إنتاج نماذج لدى القردة من أمراض؛ مثل: التوحد، والفصام، وألزهايمر، والاضطراب العاطفي ثنائي القطب. تصعب دراسة هذه الاضطرابات لدى الفئران والقوارض الأخرى؛ فلا يوجد فحسب اختلافٌ كبيرٌ بين السلوكيات المتأثرة لدى هذه الحيوانات والبشر، بل إن الدوائر العصبية المتعلِّقة بهذه الاضطرابات قد تكون مختلفة أيضًا. إن كثيرًا من الأدوية النفسية التجريبية التي ظهر نجاحها على الفئران لم يثبت نجاحها في التجارب على البشر. ونتيجةً لهذا الفشل عملت كثيرٌ من شركات الأدوية على تقليل جهودها في إنتاج طرق علاجية أو وقفها تمامًا.

يمكن لنماذج الرئيسيات أن تكون مفيدة على وجه الخصوص للباحثين الذين يحاولون فهم العدد المتزايد من الطفرات التي ربطتها البحوث الوراثية بالاضطرابات العقلية. فعادةً ما تكون دلالة شكلٍ متغيِّرٍ لجينٍ ما غير واضحة؛ فقد يكون سببًا لاضطرابٍ ما، أو ربما يرتبط فقط على نحو غير مباشر بالاضطراب. يمكن لتكنولوجيا كريسبر مساعدة الباحثين في تحديد الطفرات التي تتسبب فعليًّا في هذه الاضطرابات؛ فيتمكنون من الإدخال المنهجي للأشكال المتغيرة للجينات المشكوك فيها في القردة وملاحظة النتائج. وتُعَدُّ تكنولوجيا كريسبر مفيدةً أيضًا لأنها تسمح للعلماء بإنتاج حيوانات لديها توليفات مختلفة من الطفرات؛ من أجل تقييم أيها — أو أية توليفات منها — لها دور مهم في التسبب في الأمراض. يكاد يكون هذا المستوى المعقَّد من المعالجة مستحيلًا مع الطرق الأخرى.

إنَّ جوبينج فنج أستاذ العلوم العصبية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وفنج جانج أحد زملائه بمعهد برود ومعهد مجافرن للبحوث العقلية الذي أظهر أن تكنولوجيا كريسبر يمكن استخدامها من أجل تعديل الجينومات في الخلايا البشرية، يعملان مع الباحثين الصينيين من أجل إنتاج قرود مكاك لديها شكل مُعَيَّن من مرض التوحُّد. إنهم يخططون لإحداث طفرة في جين يُعرَف باسم «شانك٣» في البويضات المخصَّبة؛ مما ينتج قردة يمكن استخدامها في دراسة الجانب العلمي الأساسي لهذا الاضطراب واختبار العلاجات الدوائية المحتملة. (توجد لدى نسبة قليلة فقط ممن يعانون من التوحُّد هذه الطفرة في جين «شانك٣»، لكنه أحد الأشكال الجينية المتغيرة القليلة التي تؤدي إلى زيادة احتمال الإصابة بنسبة كبيرة بهذا المرض.)

يقول ويتزو جي، الذي ساعد في قيادة العمل في مختبر يونان الرئيسي للبحوث الطبية الحيوية للرئيسيات في كونمينج إن الباحثين الصينيين المسئولين عن ميلاد القردتين المُعدَّلتين وراثيًّا ما زالوا يركزون على تطوير هذه التكنولوجيا. إلا أن فريقه يأمل في إنتاج قردة لديها مرض باركينسون، وغيره من الاضطرابات العقلية الأخرى. سيكون الهدف من ذلك هو البحث عن العلامات المبكرة للمرض ودراسة الآليات التي تسمح له بالتطور.

إن أكثر الاحتمالات الخطيرة التي تطرحها تلك البحوث التي تتم على الرئيسيات هي بالطبع استخدام تكنولوجيا كريسبر في تغيير التركيب الجيني للأجنة البشرية في أثناء عملية الإخصاب المجهري. إلا أنه في حين يمكن إجراء هذا من الناحية الفنية، فإن معظم العلماء لا يبدو أنهم متحمسون للسعي وراء القيام به.

في واقع الأمر، إن المخاوف بشأن السلامة ستكون كبيرة. فعندما نفكر في «التلاعب بخلية يمكن لها أن تصبح طفلًا حيًّا»، فقد يكون لأقل الأخطاء أو الآثار الجانبية الصغيرة عواقب وخيمة، هذا على حدِّ قول هانك جريلي مدير مركز القانون والعلوم الحيوية بجامعة ستانفورد. لكن لِمَ كلُّ هذا العناء؟ يقول إنه بالنسبة لكثيرٍ من الأمراض ذات المسببات الوراثية البسيطة، لن يكون من المُجْدي استخدام تكنولوجيا كريسبر؛ فمن المنطقي أكثر للزوجين «اختيار جنينٍ آخَرَ لا يحمل المرض». يمكن تحقيق هذا بالفعل بوصفه جزءًا من الإخصاب المجهري، باستخدام طريقة يُطلَق عليها اسم الفحص الجيني قبل الزرع.

يمكن توقُّع أن يرغب الوالدان في تغيير جينات متعددة؛ من أجل تقليل خطر إصابة أطفالهم بأمراض مثل مرض القلب أو السكر، التي تتميز بتعقُّد مكوناتها الجينية. إلا أن جريلي يقول: على الأقل في السنوات الخمس أو العشر القادمة «يبدو هذا لي أنه يتراوح بين الجنون واللامعقولية.» فكثيرٌ من السمات — إن لم يكن معظمها — التي قد يرغب الوالدان المستقبليان في تغييرها في أطفالهما ربما تكون أيضًا شديدة التعقد أو غير مفهومة بحيث يصعب أن تكون أهدافًا معقولة للتدخُّل. على سبيل المثال: لا يفهم العلماء الأساس الجيني للذكاء أو وظائف المخ العليا الأخرى؛ ومن غير المحتمل أن يتغيَّر هذا الوضع لفترة طويلة.

يقول جي إنَّ إنتاج بشر بجينومات معدَّلة باستخدام تكنولوجيا كريسبر أمرٌ «ممكن جدًّا»، لكنه يؤيِّد أنه «عند وضع قضية السلامة في الاعتبار، سيظل أمامنا طريق طويل.» في هذه الأثناء، يأمل فريقُه استخدام القردة المعدَّلة جينيًّا في «إنشاء نماذج حيوانية فعَّالة للغاية للأمراض التي تُصِيب البشر؛ من أجل تحسين صحة الإنسان في المستقبل.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Mohammad Shalaby ·٣ ديسمبر ٢٠١٤، ١١:٣٩ ص

    اكثر من رائع شكرا