أصغر الأحجام: حرباء بروكيسيا ميميما.
أصغر الأحجام: حرباء بروكيسيا ميميما.

بينما كان كريستوفر أوستين يسير عائدًا إلى المعسكر في جنح ليل بابوا غينيا الجديدة، إذ سمع صوتًا حادًّا يشبه نداء الحشرات صادرًا من أرض الغابة. كان كريستوفر هناك مع رفاقه يبحثون عن أنواع جديدة، فبدءوا يبحثون بين أوراق الأشجار المتراكمة على الأرض.

يقول أوستين: «لكننا لم نجد شيئًا. بحثنا مرارًا وتكرارًا أثناء الليل ولم نستطع التوصل إلى مصدر الصوت. لذا قررنا في النهاية أن نأخذ حفنة كاملة من الأوراق المتناثرة ووضعناها في حقيبة بلاستيكية.»

بعد عودتهم إلى المعسكر، بدءوا ينقبون داخل الكومة ببطء مستفيدين من وضوح الإضاءة. وسرعان ما اتضح لهم لماذا لم يستطيعوا العثور على أي شيء في الغابة المطيرة. كان طول الكائنات التي كانت تصدر الضوضاء لا يتعدى ٧٫٧ ملليمترات. لكنها لم تكن حشرات، وإنما كانت ضفادع يافعة. يقول أوستين: «بدا جليًّا أنها كانت ذكور ضفادع يافعة، لأنها كانت تنادي لجذب الإناث.»

هذا الحيوان البرمائي الضئيل الذي اكتُشف عام ٢٠٠٩ هو الأخير في سلسلة من الفقاريات المنمنمة التي اكتُشفت خلال السنوات القليلة الماضية. أطلقت هذه الاكتشافات ما يشبه السباق للعثور على أصغر الفقاريات في العالم، ومع أنهم لم يكن لديهم أي فكرة عن الموضوع في ذلك الوقت، فإن ضفدع أوستين هو المنافس الأقوى المرشح للحصول على هذا اللقب. فهذا الضفدع قد يكون أصغر بكثير من صاحب الرقم القياسي السابق؛ سمك الشبوط النهري الذي ينتمي إلى جزيرة سومطرة الإندونيسية والذي اكتُشف عام ٢٠٠٦.

فهل توجد حولنا فقاريات أصغر من هذا تنتظر الخروج للنور؟ وما حدود صغر حجم الحيوان الفقاري؟ وما الذي أدى إلى تضاؤل حجم هذه الحيوانات هكذا في المقام الأول؟

لا نزال نكتشف العديد من الأنواع طبيعية الحجم كل عام، بدءًا من القردة وحتى الغزلان، لذا ليس من الغريب أن نكون قد أغفلنا أصغر الفقاريات حجمًا طيلة هذه الفترة. قد يرجع تلاحق الاكتشافات الذي شهدناه حديثًا إلى الوعي المتزايد بوجود هذه الحيوانات من جهة، وإلى توافر أدوات جديدة من جهة أخرى. يقول أوستين بجامعة ولاية لويزيانا في باتون روج: «لقد استخدمت الكاميرا الرقمية كمجهر مرتجل مما أتاح لي أن أدرك سريعًا أن هذا الضفدع ينتمي إلى فصيلة مميزة.»

أما في المختبر، فكثيرًا ما تشير نتائج تحليل الحمض النووي إلى أن الحيوانات شديدة التشابه تنتمي لأنواع مختلفة. وكما نعلم، فقد كانت أصغر الأسماك حجمًا تنزلق من فتحات الشبكة، حتى صادف أن استخدم عالمان من المتخصصين في علم الأسماك في سنغافورة شبكة ذات فتحات أضيق وبدءوا يصطادون الأسماك الدقيقة. وسرعان ما حذا الباقون حذوهما.

أيًّا كانت الأسباب، فإن الاكتشافات تتوالى بسرعة. اكتشف علماء الأحياء في أغلب المجموعات — التي تشمل الأسماك والضفادع والعظاءات والثعابين — أمثلة على أشد حالات التقلص.

ثمة عوامل مختلفة وراء تطور أنواع الحيوانات المختلفة. على سبيل المثال، يعيش العديد من الأسماك الضئيلة في المستنقعات ويُعتقد أن حجمها يساعدها على البقاء حية في البِرك الصغيرة أثناء فترات الجفاف.

ربما تكون الضفادع قد تطورت ببساطة نتيجة توافر ظرف بيئي ملائم لحيوان مفترس ضئيل. يقول أوستين: «نعتقد أن أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى تطور صغر الجسم في هذه الضفادع هو وفرة الفرائس دقيقة الحجم مثل العث الموجود بين أوراق الأشجار المتناثرة على الأرض، وهو كائن لا يشكل مصدر غذاء رئيسي لأي كائن آخر. ذلك المصدر الغذائي، أو تلك الطائفة أو الظرف البيئي، هو الذي سبب التضاؤل المستقل في حجم الضفادع في أنحاء العالم.»

قد يوضح هذا السبب وراء وجود أغلب الفقاريات الضئيلة في الجزر، لا في القارات. «ليس لدى كل الكائنات القدرة على الوصول إلى الجزر»، هذا رأي بلير هيدجيز أستاذ علم الأحياء التطوري بجامعة ولاية بنسلفانيا، الذي أثمرت مجهوداته في منطقة الكاريبي عن اكتشاف بعض أصغر الفقاريات الموجودة على الإطلاق. ويضيف قائلًا: «هذا يعني وجود ظروف بيئية مفتوحة وأن الأنواع التي تنجح في الوصول تستطيع توسيع نطاق وجودها البيئي لأبعد من النطاق المعتاد في المناطق القارية. أحيانًا، يقتضي هذا أن يكون الكائن بالغ الصغر.»

عظام مفقودة

إن أبسط طريقة لتصغير الحجم هي التوقف عن النمو مبكرًا. أما أدق الحيوانات حجمًا، فتتخذ خطوة إضافية؛ فهي تتوقف عادةً عن النمو في مرحلة مبكرة كغيرها، وهذا يعني أن بعض سمات البلوغ لا تتكون بداخلها أبدًا. فالضفادع الضئيلة مثلًا تتسم بهيكل عظمي بسيط إلى حد ما، ربما لأن العظام التي تظهر في مرحلة متأخرة من مراحل النمو في الأنواع الأكبر لا تتكون أبدًا. يقول كريستوفر رازويرذي، أخصائي علم النباتات في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي بنيويورك — الذي ساعد في اكتشاف أنواع عديدة من الضفادع ضئيلة الحجم في مدغشقر — إنه «في الضفادع بالغة الصغر، يقل عادةً عدد أصابع اليدين والقدمين».

تتخطى بعض هذه الضفادع أيضًا خطوة أو أكثر أثناء مراحل نموها المبكرة. فالعديد منها يتطور «تطورًا مباشرًا»؛ أي إنها تتخطى مرحلة اليرقة بأكملها وتقفز مباشرة خارجة من البيضة. قد يرجع هذا إلى أنها تعيش في بيئات تفتقر إلى المياه الراكدة وأن المرحلة المائية تشكل خطورة كبيرة، خاصةً على الحيوانات التي تتكاثر بأعداد قليلة.

يشبه هذا ما يحدث لسمك الشبوط النهري الذي اكتُشف عام ٢٠٠٦ في سومطرة. فهذه الأسماك تشبه إلى حد ما يرقات السمك، لكنها تحمل خصائص تبين أنها يافعة ومكتملة مثل وجود البيض داخل الإناث. عندما درس رالف بريتز أخصائي علم الأسماك في متحف التاريخ الطبيعي بلندن هياكلها العظمية، وجد أن عشرات العظام مفقودة في هذه الأسماك الضئيلة مقارنةً بالأسماك الشبيهة بها. وأغلب هذه العظام من النوع الذي يظهر عادةً في مرحلة متأخرة من مراحل النمو، وبهذا يصبح ذلك النوع من الأسماك مثالًا آخر على ما يُعرف باسم اقتضاب النمو.

غير أن الأسماك المتقزمة ليست مجرد يرقات توقفت عن النمو؛ فالعديد منها طور خصائص فريدة، كالزعانف الحوضية التي تحورت على نحو غريب في ذكر الشبوط النهري ضئيل الحجم، والتي تحولت إلى زوائد على شكل عصا لقرع الطبول تتصل بها كلابات وحواف متنوعة. يقول بريتز: «عندما رأيتها، لم أكد أصدق عيني.» فلا يوجد أي وجه شبه بين هذا النوع من الشبوط النهري وقرابة الثلاثة آلاف نوع الأخرى التي تنتمي للعائلة نفسها.

يعرض فيديو نادر صوّره أحد هواة تربية الأسماك طقوس التزاوج بين هذه الأسماك، حيث يستخدم الذكر بالفعل هذه الزوائد التي تشبه عصا قرع الطبول، ويحركها إلى أعلى وإلى أسفل حتى تصدر نقرًا إيقاعيًّا على الجانب السفلي لورقة شجر عائمة. يظن بريتز أن هذا قد يكون له دور في جذب الإناث، لكن لم يدرس أحد حتى الآن الوظيفة المحددة لهذه الزوائد.

يعتقد بريتز أن النمو المقتضب في الأسماك مهد الطريق لإمكانات تطورية جديدة. يقول: «إن حجمها اليرقي منحها متسعًا من الحرية من حيث النمو لتستخدم هياكلها العظمية في فعل أشياء لا تستطيع أسماك أخرى القيام بها.» الأمر أشبه ببناء بيت، «وكلما زاد عدد الطوابق قلت حريتك في وضع أشياء فوقها، لكن إذا عدت إلى نقطة البداية؛ إلى مرحلة الأساس، تستطيع فعل ما يحلو لك».

مع ذلك، يوجد حد يقيد مدى تضاؤل الجسد. وتُستمَد العديد من هذه القيود من حقيقة أنه بالنسبة لأي شكل، تزداد نسبة مساحة السطح إلى الحجم مع نقص الحجم. هذه مشكلة كبرى تواجهها الطيور والثدييات ذات الدم الحار؛ كلما قل حجمها، زاد معدل فقدانها للحرارة، لذا يكون عليها توليد الحرارة بسرعة أكبر لتعويض الفاقد. ترفع الطيور والثدييات الضئيلة معدلات الأيض في أجسادها إلى أقصى درجاتها. يقول هيدجيز: إن «أكبر دليل على وجود هذا الحد المقيد للحجم يتمثل في الزبابيات الأصغر حجمًا التي تأكل باستمرار لتجدد الطاقة التي تفقدها بسرعة من خلال جلدها.»

لهذا نجد أصغر الطيور المعروفة — وهو خفاش النحل الطنان البالغ طوله ٣٠ ملليمترًا في كوبا — وأصغر الثدييات المعروفة — زباب سافي القزم الذي يبلغ طوله ٤٠ ملليمترًا وينتشر في أوروبا وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا — أكبر بكثير من أصغر الزواحف المعروفة، وهي البرص القزم الذي يعيش في منطقة الكاريبي ويبلغ طوله ١٤ ملليمترًا من الأنف حتى الشرج. اكتُشفت حرباء ماكرة للغاية من مدغشقر وقيل إنها المنافس على لقب أصغر الزواحف في وقت سابق من هذا العام، لكن هيدجيز يقول إنها أطول بقدر ضئيل من البرص الذي اكتشفه هو وأحد زملائه.

في حين لا يُعد فقدان الحرارة مشكلة في ذوات الدم البارد، فإنها تواجه مشكلة فقدان المياه. وهذه المشكلة تعانيها البرمائيات بشكل خاص وفقًا لرأي رازويرذي الذي يقول: «إذا خرج ضفدع ضئيل للغاية إلى هواء جاف، فقد يصاب بالجفاف في غضون دقائق.»

كان أوستين حريصًا على تجنب هذا عندما كان يختبر قدرات القفز لدى الضفادع دقيقة الحجم التي اكتشفها في بابوا بغينيا الجديدة. يقول: «في وجود هذا الجلد المسامي بدرجة غير معقولة، وهذه النسبة الكبيرة جدًّا بين مساحة السطح والحجم، يصبح الجفاف مشكلة حقيقية.» ربما يكون هذا هو السبب في بقاء الضفادع داخل أكوام أوراق الأشجار المتساقطة الرطبة.

قد يبدو الأمر أسهل في الأسماك. فنظرًا لكونها من ذوات الدم البارد ولأنها تعيش في الماء، فلا تواجهها مشكلتا فقدان الحرارة والجفاف. غير أنها مقيدة بقيود أخرى تظهر عندما تكون الأسماك في مثل هذا الحجم الصغير. قد لا يشكّل فقدان بعض العظام هنا وهناك اختلافًا كبيرًا لحيوان ضئيل للغاية، لكن يظل على جميع أجزاء جسمه أن تقوم بوظيفتها؛ فلا بد أن يحتفظ بقدرته على الرؤية والسمع وما إلى ذلك. إضافةً إلى أنه توجد حدود أساسية لمدى تقلص حجم الأعضاء؛ أحدها هو أن الأعضاء تتكون من خلايا، ويلزم وجود عدد معين من هذه الخلايا لتكوين أعضاء معقدة كالمخ والعينين. الخلاصة هي أن نسبة حجم العضو في الحيوان الصغير إلى حجم جسمه عادةً تكون أكبر من النسبة في الحيوان الكبير.

كلما تضاءل حجم الفقاريات، أصبح من الصعب أن تتسق داخل أجسامها كل الأعضاء التي تحتاجها؛ خاصةً النسل الأصغر حجمًا بطبيعة الحال. وفقًا لهيدجيز: «لا يوجد نصف جنين. والطريقة الوحيدة هي أن يكون النسل أصغر حجمًا، ولكن هذا يقلل فرصه في الحياة.» ومن ثم، يؤدي تضاؤل الحجم إلى تناقص أعداد النسل.

يتضح هذا في أصغر ثعابين العالم حسب وصف هيدجيز عام ٢٠٠٨؛ ثعبان باربادوس الخيطي البالغ طوله ١٠٠ ملليمتر. تبيض أنثاه بيضة واحدة في المرة، وحتى في هذه الحالة، تسبب لها البيضة ازدحامًا حيث تحتل نصف تجويف الجسم. يقول هيدجيز: «على الأنثى أن تملأ هذا التجويف الجسدي الأنبوبي الذي يشبه مكرونة الإسباجيتي بنسلها. ويفوق طول البيضة الناتجة عرضها بنحو عشر مرات.»

الأصغر على الإطلاق؟

في أغلب البرمائيات والزواحف والثدييات الضئيلة التي تتكاثر بالإخصاب الداخلي، لا توجد مساحة إلا لجنين واحد كبير الحجم نسبيًّا؛ مما يشير بوضوح إلى أن هذا هو أصغر حجم ممكن.

قد يفسر شكل الجسم إذن حقيقة أن أصغر البرمائيات المعروفة أقصر من نظيراتها من الزواحف بالرغم من مشكلة فقدان المياه. يقول هيدجيز: «الضفدع أشبه بكرة ذات أطراف»، وهذا ييسر احتواء الأعضاء مع ترك مساحة خالية لبيضة واحدة.

تشير كل هذه الاعتبارات إلى أنه في حين قد توجد فقاريات أصغر لم تُكتشف بعد، فلا يُرجح أنها ستكون أصغر بدرجة كبيرة. وفي الوقت ذاته، لا يزال علماء الأحياء يتجادلون بشأن أصغر حيوان فقاري معروف.

تحظى الضفادع بمزية كبيرة في هذه المنافسة. يقول أوستين: «ليس للضفادع ذيول، لكن الأسماك لها ذيول.» ويرى أن أصغر العينات التي جلبها من بابوا في غينيا الجديدة يبلغ طولها ٧ ملليمترات من الأنف حتى الشرج، وبهذا تفوق الشبوط النهري الذي اكتشفه بريتز والذي كان طول أقصر أفراده البالغين ٧٫٩ ملليمترات من الأنف حتى بداية زعنفة الذيل؛ إذ إن هذه هي الطريقة التي يعتمدها علماء الأسماك في قياس طول الجسم.

ينحّي بريتز هذا التحدي البرمائي جانبًا زاعمًا أنها مقارنة غير متكافئة الأطراف، ويقول: «إن استخدمت مقياس البرمائيات (أي من الأنف إلى الشرج)، فستكون أسماكنا الأصغر بمراحل. سيكون طولها أقل من ٥ ملليمترات.»

لا يقبل أوستين أيًّا من هذا، ويقول: «تشير كلمة الأصغر بوضوح إلى مقياس الطول، والذيل يدخل في قياس طول السمكة كما يعلم أي صياد. وليس هذا خطأ الضفادع ولا الأسماك ولا العلماء، بل هي مجرد حقيقة بيولوجية وتشريحية.»

بالرغم مما سبق، ربما يجب علينا أن نتريث بضع سنوات قبل أن نمنح أي جوائز. قد يكون الضفدع هو الكائن الأصغر، لكن ربما لا يكون الأخير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.