قصة القبر: إذا تُركت أجسادنا في العراء، فستتحول إلى ثرًى في غضون شهور فحسب.
قصة القبر: إذا تُركت أجسادنا في العراء، فستتحول إلى ثرًى في غضون شهور فحسب.

ليس هذا بالأمر الذي يريد المرء أن يتأمله، لكن اصرف عن ذهنك فكرة أن ما سنذكره فيما يأتي سيصيبك أو يصيب أحبتك، وستجد أن ما يحدث لأجسادنا الفانية عندما تنتهي حاجتنا لها هو شيء غاية في الروعة؛ فهو يثبت على الأقل أن الطبيعة تعمل بكفاءة منقطعة النظير على إزالة الفوضى التي تعتريها.

تُتَوَفَّى قلة قليلة من الناس في العالم المعاصر على الطريقة القديمة؛ أي في العراء، حيث يكونون معرضين لعوامل البيئة، ولكنه على الأقل أمر وارد الحدوث. ولهؤلاء تعتمد سرعة تحلل الجثة إلى ثرًى على مزيج من العوامل التي تشمل: درجة الحرارة والرطوبة والحيوانات والحشرات والميكروبات التي يتصادف وجودها. ففي البقاع الدافئة الرطبة نسبيًّا حيث تكثر الحشرات والحيوانات التي تتغذى على الجثث، يمكن أن تتحلل جثة الإنسان ولا يبقى منها عظام خلال بضعة أسابيع وتختفي تمامًا في غضون شهور.

ولكن ماذا عن أغلبية الأجسام التي تُبرَّد فور موتها ثم تُحنَّط وتوضع في تابوت؟ مرة أخرى، يتوقف الأمر على عدة عوامل. ويأتي على رأس هذه العوامل أيضًا درجة الحرارة والرطوبة، لكن تتدخل العديد من العوامل الأخرى بدءًا من جودة عملية التحنيط ووصولًا إلى إحكام قفل التابوت ودرجة حموضة التربة والمياه الجوفية التي تتسرب في النهاية داخل التابوت. يشير هذا كله إلى استحالة التنبؤ بالفترة التي قد يستغرقها جسد معين خلال رحلته الأخيرة؛ فقد تمتد شهورًا أو عقودًا.

إلا أننا نستطيع أن نقول إنه مهما تكن المدة الزمنية، فالغالبية العظمى من الجثث تمر بمراحل التحلل نفسها.

أولى المراحل هي مرحلة «الجثة حديثة الوفاة». في غضون دقائق من الوفاة، يبدأ ثاني أكسيد الكربون يتراكم في الدم ليزيد من حموضته؛ ويؤدي هذا إلى انفتاح الخلايا مطلقة إنزيمات تبدأ في هضم الأنسجة من الداخل.

تظهر أولى علامات التحلل المرئية بعد نصف ساعة تقريبًا، عندما يتجمع الدم في أجزاء الجسم الأقرب إلى الأرض. في البداية يظهر هذا في شكل بقع حمراء ضاربة إلى اللون الأرجواني، وفي اليوم التالي تقريبًا تتحول إلى علامة أرجوانية تغطي تقريبًا كل الأجزاء القريبة من الأرض وتُعرف باسم الزُّرقة الرِّمِّية. ويميل لون بقية الجسم إلى الشحوب التام الذي ينم عن الموت.

في الوقت نفسه تقريبًا، تصبح العضلات لينة ثم تتيبس مع بداية مرحلة التخشب الموتي. عندما يكون الجسد حيًّا، تتحكم المضخات الموجودة في أغشية خلايا العضلات في كمية أيونات الكالسيوم في الخلية؛ حيث تحث المستويات العالية منها على انقباض العضلات وتتيح المستويات المنخفضة ارتخاءها. بعد الوفاة، تتوقف هذه المضخات عن العمل؛ لذا تنتشر أيونات الكالسيوم داخل الخلايا من مناطق التركيز الأعلى خارجها؛ مما يؤدي إلى انقباض العضلات.

تنقضي مرحلة التخشب الموتي بعد يومين أو ثلاثة أيام. لكن ما يبدو وكأنه ارتخاء يكون في الواقع بداية التعفن؛ حيث تكسر الإنزيمات البروتينات التي كانت تحافظ على حالة انقباض العضلات.

يؤدي التحنيط إلى إيقاف تطور التعفن، على الأقل مؤقتًا. بخلاف محنطي القدماء المصريين الذين كانوا ينشدون الحفاظ على سلامة الجسد إلى الأبد، يهدف التحنيط المعاصر إلى الحفاظ على مظهر الجثة وتماسكها لفترة كافية حتى يتم تنظيم الجنازة.

يجري هذا عن طريق تطهيرهم للجثة واستبدالهم بالدم والسوائل الأخرى مزيجًا من الماء والصبغة والمواد الحافظة التي تشمل غالبًا الفورمالدهايد. تُستخدم الصبغة لإعادة لون الجلد إلى ما يشبه لون البشرة النضرة، في حين يحافظ الفورمالدهايد على الجسد بطرق عديدة، أُولاها إبعاد الحشرات وقتل البكتيريا. وهو أيضًا يوقف عمل الإنزيمات ويزيد مقاومة الأنسجة للتحلل عن طريق إضافة روابط تساهمية إلى سلاسل الأحماض الأمينية التي تكوِّن البروتينات.

غير أن هذا التأثير الوقائي يستمر فترة محدودة، ثم يرجع الجسم إلى الحالة التي كان عليها قبل هذا الإجراء.

تبدو المرحلة التالية — وهي التعفن — أكثر قبحًا، ناهيك عن رائحتها الكريهة؛ حيث يبدأ عمل الإنزيمات بمساعدة الميكروبات وتحفيزها. بعد ٤٨ ساعة تقريبًا عندما يخرج سائل كافٍ غني بالعناصر الغذائية من الخلايا المنفجرة، تنتشر هذه الميكروبات بسرعة. ويعد المستفيد الرئيسي هو أنواع البكتيريا المائة تريليون التي أمضت حياتها تعيش في انسجام معنا داخل أمعائنا. عندما تكسِّر هذه البكتيريا البروتينات، ينتج عنها مركبان يحملان اسمين كريهين كرائحتيهما؛ وهما البوتريسين والكادافيرين، وهما المسئولان عن الرائحة الكريهة التي تنبعث من الجثث.

من الخارج، تظهر مرحلة التعفن في صورة لون أخضر ينتشر ببطء من مقدمة البطن وحتى الصدر ويمتد إلى أسفل الجسم. وينتج اللون الأخضر عن عمل البكتيريا اللاهوائية التي تُحوِّل الهيموجلوبين الموجود في الدم إلى سلفا-هيموجلوبين.

يُنتج كل هذا النشاط البكتيري أيضًا غازات، منها غاز الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون والميثان والأمونيا وثاني أكسيد الكبريت وكبريتيد الهيدروجين. وتسهم هذه الغازات في انبعاث الرائحة الكريهة، وأيضًا في تشوُّه الجثة؛ حيث تؤدي إلى انتفاخها كالبالون، وفي النهاية بعد مرور قرابة الشهر تنفجر. يتحد أيضًا كبريتيد الهيدروجين مع الحديد الموجود في الهيموجلوبين لينتج كبريتيد الحديد أسود اللون الذي يعطي الجلد لونًا أغمق.

ينبئ هذا ببداية المرحلة الثالثة: التحلل النشط. يتسارع الآن معدل التحلل ويستهلك ما تبقى من اللحم بسرعة، حتى لا يتبقى سوى الهيكل العظمي. غير أنه أحيانًا يحدث شيء آخر أيضًا؛ إذا تصادف وجود الجثة في تربة شديدة البرودة، فقد يتكون غشاء شمعي يُعرف بدهن الجثة أو شمع القبر. شمع القبر هو تأثير جانبي مخيف جدًّا ينتج عن عمل بعض أنواع البكتيريا اللاهوائية مثل «المطثية الحاطمة» عندما تهضم دهون الجسم. يستغرق هذا نحو شهر حتى يبدأ في التكوُّن، وقد يترك الجثة محاطة بما يشبه الغشاء الشمعي.

تستغرق المرحلة الأخيرة — وهي تفكك الهيكل العظمي — الوقت الأطول. وحتى تختفي العظام يلزم أن تتفتت الأجزاء الصلبة غير العضوية. ويحدث هذا عندما تلامس تربة أو مياهًا حمضية، ويتسارع معدله إذا ما كُسرت بفعل جذور الأشجار أو الحيوانات. وما إن ينتهي أمر الأجزاء الصلبة، حتى تخضع بروتينات الجسم الأخيرة — بما فيها الكولاجين الذي كان يمنح العظام المرونة في وقت من الأوقات — للبكتيريا والفطريات وتختفي.

في بعض الحالات لا تقع الأحداث بهذا التسلسل إطلاقًا ولا تتسنى للجثة الفرصة حتى تتحلل. إذا حُوفظ على الجثة في حالة جافة تمامًا، لا تقوم البكتيريا بعملها وتتحنط الأنسجة. ينطبق الأمر نفسه على الجثث التي تقع في بيئات حافظة طبيعية مثل المستنقعات أو المستنقعات المالحة أو الثلج؛ حيث لا تنمو البكتيريا ولا تعمل إنزيمات الجسم.

علاوة على ذلك، ثمة حالات نادرة يُتَوَفَّى فيها الشخص بين الحيوانات الجائعة من تلك التي تتغذى على الجثث. في هذه الحالات، تسلخ الجثة وتتحول إلى عظام وتُمضغ لتقطع إلى قطع صغيرة في خلال أيام. وقد يحدث الأمر نفسه تحت مياه البحر.

بالطبع إذا لم يكن ثمة مستنقع أو حيوان مفترس أو قرش أو قبر ثلجي، فإن الطريقة الوحيدة لتفادي حقائق التحلل القاسية هي الحرق. في غرفة تصل درجة حرارتها إلى ٧٥٠ درجة مئوية، يمكن أن يُحرق التابوت والجثة بالكامل في أقل من ٣ ساعات. وبعد هذا، يُمرَّر الرماد عبر مطحنة تُعرف باسم طاحنة العظام لتتولى أمر أي عظام كبيرة الحجم أو شديدة الصلابة لم تُحرق بالكامل؛ ومن ثَمَّ تُحوَّل كل البقايا إلى رماد ناعم.

وكما يقولون، هكذا ينقضي الأمر. ربما على نحو لا يروق لنا، لكنه إحدى الحقائق الأكيدة القليلة في الحياة: من الرماد إلى الرماد، ومن التراب إلى التراب، وفي النهاية لا يتبقى منا الكثير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    100 ·١٥ أغسطس ٢٠١٤، ١٧:٣٩ م

    رائع ما سطر هنا من معرفة ولدي استفسار هام امل الإجابة عنه اجابة علمية ولك جزيل الشكر والعرفان لوسقط طفل في خزان ماء ممتلئ الى النصف تقريبا والخزان في مكان مكشوف يعني شارع متى تظهر رائحة الطفل