كانت جوديث بارتليت في الثامنة والعشرين من عمرها عندما أصبحت في عداد المفقودين؛ فقد اختفت أثناء ذهابها إلى العمل في أحد الأيام عام ١٩٦٤ في بلدة باثيرست في نيو ساوث ويلز. وأُجريت العديد من التحقيقات، لكن لم يوجد أي دليل يُسترشَد به. ونشأ صغارها الثلاثة في حَيرة وألم؛ لِظَنِّهم أن أمهم قد تخلَّت عنهم. وقالت فرانسيس رايان — ابنة بارتليت، التي كانت في العاشرة من عمرها في ذلك الوقت — للصحفيين مؤخرًا: «كان لي أم اعتقدت أنها تحبني، ثم قيل لي إنها رحلت.»

في أستراليا وحدها، يُصنَّف كل عام حوالي ١٦٠٠ شخص في عداد المفقودين، الذين مضى على اختفائهم فترات طويلة. وفي كثير من الأحيان، لا تكتشف الأُسر أبدًا حقيقة ما حدث. ولكن في عام ٢٠٠٩، عُثِر على بقايا بشرية في أدغال نائية تبعُد أكثر من مائتي كيلومتر عن باثيرست. لم يكن يوجد سوى القليل من الآثار للتعامل معها، ولكن الشُّرطة أرسلت شظايا العظام إلى عالِمة الآثار فيونا بيتشي في جامعة وايكاتو في نيوزيلندا لتحليلها. كانت بيتشي — بوصفها خبيرةً في التأريخ باستخدام الكربون المُشِعِّ — معتادة على التعامل مع شظايا العظام التي خلَّفها السكان الأوائل لجزر المحيط الهادئ قبل نحو ٣٠٠٠ سنة. ولكن تحديد تاريخ تلك العظام الأحدث عُمرًا بكثير يتطلب أدوات مختلفة.

بدلًا من تأسيس تحليلها على معدل اضمحلال نظائر الكربون الموجودة طبيعيًّا — وهي القاعدة العامة في التأريخ باستخدام الكربون المُشع — تستخدم بيتشي مصدرًا آخر، وهو: الغبار الذري الناتج عن القنابل النووية الذي بقي في الغلاف الجوي منذ ذِروة تجارب اختبار الأسلحة خلال الحرب الباردة في أوائل ستينيات القرن العشرين. واستطاعت بيتشي أن تؤكِّد أن الشرطة بصدد التعامل الآن مع قضية قتل.

منذ أول عرض لتقنية الطب الشرعي تلك في عام ٢٠٠٥، استخدم عدد من المختبرات في جميع أنحاء العالم هذه التقنية لتحديد تاريخ الجَثامين؛ فهي الطريقة الدقيقة الوحيدة لتحديد وقت الوفاة عندما لا يكون لديك أي شيء آخر تعتمد عليه، ولكنها ليست مجرد أداة جديدة فاصِلة بالنسبة للطب الشرعي الجنائي؛ إذ يمكن أيضًا لهذا النوع من التأريخ باستخدام الكربون مساعدة المحققين في تحديد تاريخ قرون العاج وقرون وحيد القرن للتأكد من مشروعية مصدرها. ويستخدم باحثون آخرون هذه التقنية لدراسة تجدد خلايا المخ لدى الإنسان، واكتشفوا أن تغير الخلايا داخل المخ يحدث بمعدل أكبر وفي مناطق أكثر مما كنا نظن؛ مما يساعد على فهم المرض وآثار الشيخوخة.

يبدو أن أحد أسوأ موروثات القرن العشرين سيكون مفتاحًا لعدد كبير من الأسرار. ولكننا إزاء مشكلة؛ فالوقت آخذٌ في النفاد؛ إذ إنه مع امتصاص المحيط الحيوي للزيادة المصطنعة في الكربون المُشع التي سبَّبتها اختبارات القنابل، يعود التركيز في الغلاف الجوي ببطء إلى مستوياته الطبيعية. وشيئًا فشيئًا سوف تقل الدقة. وربما لم يبقَ أمامنا إلا عَقْدٌ واحد أو عَقدانِ فحسبُ.

قبل اختراع الأسلحة النووية الحرارية في خمسينيات القرن العشرين، كانت الأشعة الكونية هي المسئولة عن إنتاج المستويات الطبيعية من الكربون المُشِع. فالنيوترونات النشطة للغاية، المتحركة بسرعة عبر الغلاف الجوي تصطدم مع ذرات النيتروجين، مكوِّنةً نظائر مُشِعَّة من الكربون تُعرَف باسم الكربون ١٤ عن طريق طرد بروتون من ذَرَّة النيتروجين واحتلال مكانه. تمتص النباتات الكربون ١٤ خلال عملية التمثيل الضوئي وتمرِّره في السلسلة الغذائية، ويصل في نهاية الأمر إلى خلايا جميع الكائنات الحية.

يتحلل الكربون ١٤ إلى الكربون ١٢ بعُمر نصف يبلغ حوالي ٥٧٠٠ سنة، وهكذا فإن كمية الكربون ١٤ في خلايا الكائن الحي ستنخفض من لحظة وفاته وتوقُّفِه عن امتصاص كربون جديد. ومن خلال قياس نسبة الكربون ١٢ إلى الكربون ١٤، يمكن للتأريخ باستخدام الكربون المُشع أن يعطي العمر التقريبي للأنسجة العضوية حتى ٤٠ ألف سنة. وهذه هي الطريقة التي تستخدمها بيتشي لتحديد تاريخ الأنسجة القديمة على سبيل المثال.

التأريخ باستخدام الكربون العادي رائع بالنسبة لدراسة الأنظمة الغذائية من العصر الحجري القديم أو لإثبات هوية الهيكل العظمي لريتشارد الثالث، ولكن عندما يتعلق الأمر بموادَّ أحدثَ تكوينًا فإنك تكون إزاء مشكلة. فعلى مدى المائتي سنةٍ الماضيتين، كانت انبعاثات الكربون ١٢ الناتجة من الوقود الحفري تقلل كمية الكربون ١٤ في الغلاف الجوي؛ مما يجعل تحديد التاريخ الدقيق للمواد الحديثة مستحيلًا.

وسيظل الوضع هكذا حتى نتعلم الكَفَّ عن القلق واستخدام بيانات القنابل. في الفترة بين عامي ١٩٥٢ و١٩٦٣ — عندما حُظِرت التجارب فوق سطح الأرض — ضاعفت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كمية الكربون ١٤ في الغلاف الجوي عن طريق تفجير الأسلحة النووية الحرارية. وبينما هُرِعَت الدولتان لاستكمال اختباراتهما قبل أن يدخل هذا الحظر حيِّز التنفيذ، ارتفعت المستويات بحدَّة ثم تراجعت بانتظام (انظر الرسم البياني).

منحنى القنبلة: يمكن تحديد تاريخ الخلايا الحيوانية والنباتية من خلال تحديد كمية أحد نظائر الكربون الثقيلة التي يحتوي عليها. يُنتَج الكربون ١٤ طبيعيًّا في الغلاف الجوي عن طريق تفاعل كيميائي تُحدثه الأشعة الكونية. وأدت اختبارات الأسلحة النووية في فترتي الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين إلى ارتفاع سريع في مستوياته الموجودة في الغلاف الجوي؛ مما يسمح بتأريخ أدق.
منحنى القنبلة: يمكن تحديد تاريخ الخلايا الحيوانية والنباتية من خلال تحديد كمية أحد نظائر الكربون الثقيلة التي يحتوي عليها. يُنتَج الكربون ١٤ طبيعيًّا في الغلاف الجوي عن طريق تفاعل كيميائي تُحدثه الأشعة الكونية. وأدت اختبارات الأسلحة النووية في فترتي الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين إلى ارتفاع سريع في مستوياته الموجودة في الغلاف الجوي؛ مما يسمح بتأريخ أدق.

يقدم لنا هذا الرسم البياني ما يُعرف باسم منحنى القنبلة. من خلال قياس كمية الكربون ١٤ في المواد العضوية ومطابقتها مع القِيَم المسجَّلة لمستويات الكربون المُشِع في الجو التي تعود إلى خمسينيات القرن العشرين، يمكننا معرفة الوقت الذي تكوَّنت فيه. وبالنسبة للأنسجة التي تجدد نفسها — مثل كولاجين العظام — فإنها تعطي تقديرًا جيدًا لتاريخ الوفاة. على سبيل المثال، تطابقت كمية الكربون ١٤ في عظام بارتليت مع الكمية التي كانت موجودة في الغلاف الجوي عندما تُوفِّيَت. وأكدت اختبارات الحمض النووي أنه كان رُفاتَ بارتليت.

عندما لا تتوفر أنسجة أخرى، يقوم كولاجين العظام بالمهمة، ولكنه يكون أقل دقة من الأنسجة الأخرى في تحديد وقت الوفاة؛ لأنه يُستبَدل كل ١٠ إلى ٢٠ سنة خلال حياة الشخص؛ فربما يكون الكربون ١٤ قد دخل عند أية مرحلة خلال تلك الفترة. والشعر أو الأظفار أكثر فائدة بكثير؛ لأنهما أسرع نموًّا، ويمتصان الكربون على نحو أكثر تواترًا في حين يصنعان خلايا جديدة؛ وبالتالي فإن مستوى الكربون المُشع في هذه الحالة يعطي معلوماتٍ أحدث وأدق. وباستخدام منحنى القنبلة، فإن الأنسجة السريعة النمو تؤرِّخ وقت الوفاة بدقةٍ مقدارها فارق شهور قبل تاريخ الوفاة الفعلي أو بعده. وحيثما لا تُستبَدل الخلايا — كما هو الحال في مينا الأسنان — يقدم المنحنى أيضًا عُمر الشخص عند وفاته.

يشير بروس بوكولز — وهو فيزيائي في مختبر لورنس ليفرمور الوطني في كاليفورنيا، وقد ساعد الشرطة الكندية مؤخرًا في التعرف على عُمر شخصين من رُفاتهما — إلى أنَّ مينا الأسنان بمنزلة «الساعة» للطب الشرعي. أحد هذين الشخصين، وهو طفل يبلغ من العمر أربع سنوات ونصفًا من بريتش كولومبيا، كان يُعتقد في البداية أنه في السابعة من عمره تقريبًا. ولم يبقَ سوى جمجمة من أجل تعيين هُوِيَّة الرجل المكتشفة جثتُه في نيوفنلاند؛ أكدت مينا الأسنان أنه تُوفي في الخمسينيات من عمره، واستُدِلَّ من شعره على تاريخ الوفاة بالضبط.

تُحلَّل العينات باستخدام مِطْياف كتلي، يقول بوكولز: «يستغرق تحليل العينة خمس دقائق، وتكون النتيجة دقيقة على نحو لا يُصدَّق.» وعلى الرغم من أن باحثين أمثال بيتشي وبوكولز حققوا نجاحًا كبيرًا مع هذه التقنية، فإن كثيرًا من الناس لا يعرفها. يضيف بوكولز قائلًا: «يوجد آلاف الأشخاص المَجْهولي الهُوِيَّة يمكن لهذه الأداة أن تساعد في تحديد هوياتهم، ولكن العديد من وحدات الطب الشرعي ليست على علم بها.»

وبينما ينظف بوكولز آخر شظية من الأنسجة، فإن فيزيائيًّا آخر — على الجانب الآخر من الساحل الشرقي للولايات المتحدة — يعمل على بقايا مختلفة للغاية.

تحليل الأنياب

يستخدم كيفن أونو — من مرصد لامونت دوهيرتي الأرضي في باليسيدس بنيويورك — منحنى القنبلة لمكافحة الصيد غير المشروع. تنمو أنياب الفيل طوال حياته؛ ولذلك يكشف قياس نسبة الكربون ١٤ في لُبِّ الناب عن وقت وفاة الحيوان. ويُعَدُّ هذا أداة حيوية في تحديد إذا ما كانت المشغولات العاجية مصنوعة من ناب من فيل كان على قيد الحياة بعد اتفاقية التجارة الدولية بالأنواع المهدَّدة بالانقراض، التي حظرت تجارة العاج في عام ١٩٨٩.

يعمل أونو مع هيئة البيئة الكندية، التي يمكنها مصادرة أشياء من بيوت المزادات وأخذ عينات فعلية منها، وعلى نحوٍ مُتلِفٍ لها، إذا ما اشتبهت في أن تلك الأشياء مصنوعة من العاج المحظور قانونًا. حظرت كندا تجارة العاج في عام ١٩٧٥، وتعتبر أي أشياء مصنوعة من عاج أحدث عمرًا من ذلك محظورةً هناك. ويمكن أيضًا استخدام تلك التقنية لتحديد تاريخ المنتجات المرتبطة بحيوانات برية أخرى؛ مثل: قرون وحيد القرن، وجلد النمر، وجلود حيوان أم قرفة، وكذلك الأخشاب الصلبة المقطوعة على نحو غير قانوني.

يأمل أونو أن التأريخ باستخدام منحنى القنبلة سوف يعطيه مؤشرًا على تجارة الحيوانات البرية على نطاق عالمي؛ ففي كل عام، واعتمادًا على الكميات الكبيرة التي جرى ضبطها من أنياب الأفيال، يحسب أنصار الحفاظ على البيئة عدد الأفيال المقتولة، وعدد الأفيال الباقية في البرية، ويقول أونو: «ولكن ماذا لو تبيَّن أن مصدر بعضٍ من هذه الأنياب يعود في الواقع إلى العاج المهرَّب من الكميات الكبيرة التي تُصادرها الحكومات؟»

ثمة كثير من المكاسب التي يمكن للمسئولين الفاسدين تحقيقها من جرَّاء استغلال مخازن العاج تلك، ويضيف أونو قائلًا: «يُقدَّر الاتِّجار غير المشروع في الحيوانات البرية بنحو ٢٠ مليار دولار سنويًّا.» وباستخدام منحنى القنبلة لتحديد تاريخ عينة عشوائية من الأنياب المضبوطة، سيكون من الممكن اكتشاف عدد الأنياب التي تأتي من مخازن الحكومة.

بينما يستخدم بوكولز وأونو منحنى القنبلة لكشف أسرار الموتى، يتعقب البعض الآخر أسرار الأحياء. كان يوناس فريسان — من معهد كارولينسكا في ستوكهولم بالسويد — واحدًا من أوائل من استخدموا هذه التقنية في الطب الشرعي، ولكنه سرعان ما أدرك أن نظائر الكربون المُشع لا تخبرنا فحسب بوقت وفاة الشخص، بل إنها تحدد أيضًا تاريخ وفاة الخلايا الفردية. وقد مكَّن هذا فريقَ فريسان من فهم كيفية نمو الأعضاء وتطورها، ومعدل تجدد الخلايا في أجزاء الجسم المختلفة، وأجزاء الجسم التي تبقى في حالة شباب إلى الأبد.

على سبيل المثال، تُستبَدل بطانة الأمعاء كل خمسة أيام، في حين — على الجانب الآخر — تبقى العضلات بين الأضلاع حوالي ١٦ عامًا. ويُستبدل الجسم بأكمله تقريبًا على مدار حياة الشخص، بما في ذلك الهيكل العظمي. لكن أبرز اكتشافات فريسان تتضمن الأعضاء التي لا تُجدِّد نفسها بالكامل: الدماغ والقلب.

باستخدام منحنى القنبلة لتحديد تاريخ خلايا المخ في الجثث البشرية العام الماضي، وجد فريسان أدلة على تخلُّق نسيج عصبي كبير في منطقة التلفيف المسنَّن. وهذه الخلايا العصبية مهمة من أجل الوظائف المعرفية وتصنيفات الذاكرة؛ مما يساعدنا على التمييز بين الأشياء المتماثلة. ويقول فريسان: «كانت فرقتا رولينج ستونز والبيتلز تعزفان موسيقى الروك، ولكن التلفيف المسنَّن يساعدك على التمييز بينهما.»

فحص فريقه أيضًا البصلة الشَّمِّية لدى الإنسان — مركز الشم في المخ — ووجدوا أنه على عكس الثدييات الأخرى فإن الخلايا في هذا الجزء من المخ لا تجدد نفسها؛ ففي الثدييات الأخرى، يُنتِج جدار البطين الجانبي القريب خلايا جذعية تنتقل بعد ذلك في صورة خلايا عصبية جديدة إلى البصلة الشَّمية. ويُنتِج البشر أيضًا خلايا جذعية عصبية في جدار البطين، ولكنها لا تنجح في الوصول إلى البصلة الشَّمية. بدلًا من ذلك، فإنها تنتقل إلى منطقة الجسم المخطَّط المركزي. ومرةً أخرى، فهذا أمر ينفرد به البشر دون غيرهم. وعن ذلك يقول فريسان: «وجدنا تخلُّق نسيج عصبي واضح للغاية في الجسم المخطَّط لدى الإنسان، على الرغم من أنها مسألة نادرة أو منعدمة الحدوث لدى أي حيوان آخر. إنه لَأمر مثير للغاية.»

تشارك منطقة الجسم المخطَّط — وهي عبارة عن أعضاء في حجم كرة الجولف على كل جانب من جانبي المخ — في التحكم في الحركة، ولها وظائف معرفية ترتبط بالتعلم والإصابة بالإدمان على سبيل المثال. وكثيرًا ما تتأثر بالسكتة الدماغية وغيرها من الأمراض، بما في ذلك مرض باركنسون وهنتنجتون، وهي أمراض غير قابلة للشفاء في الوقت الراهن. ويعتقد فريسان أن الاكتشافات الجديدة يمكن أن تغير ذلك، ويضيف قائلًا: «يمكننا أخذ الخلايا الجذعية من جدران البطين لدى هؤلاء المرضى، وربما نزرع الخلايا المتمايزة في منطقة الجسم المخطَّط لديهم.»

ألغاز جوهرية

في الوقت نفسه، يدرس مختبر فريسان أيضًا تجدد خلايا القلب لدى الإنسان. وجد الباحثون أن خلايا القلب تُستبَدل بالفعل، ولكن ببطء شديد؛ فلدى الشباب، يُستبَدل حوالي ١ بالمائة سنويًّا، وتنخفض النسبة إلى ٠٫٥ بالمائة مع تقدمنا ​​في العمر. ويستطرد فريسان قائلًا: «هذا يعني أنه أيضًا لدى الأشخاص المتقدمين جدًّا في العمر، أنَّ نصف خلايا قلوبهم هي الخلايا التي وُلِدوا بها. فلا تُستبَدل الغالبية العظمى من خلايا القلب وقشرة المخ؛ إنما تؤدي وظيفتها عَقدًا تلو الآخر.»

بالتأكيد توجد مخاطر للتجدد المتكرر للخلايا؛ مثل السرطان بأشكاله المختلفة، ولكنه أمر تعتريه أيضًا بعض الشكوك؛ حيث يضيف فريسان قائلًا: «سرطان القولون شائع جدًّا، في حين أننا نكاد لا نسمع شيئًا عن سرطان الأمعاء الدقيقة. لماذا؟ فانقسام الخلايا يحدث بالمعدل نفسه في كليهما.»

يشعر فريسان أنه بمساعدة منحنى القنبلة على أعتاب حل الألغاز الجوهرية المرتبطة بآلية صمود جسم الإنسان وقوة تحمُّله وشفائه وتقدمه في العمر؛ وهو الأمر الذي يمكن أن يُحدِث ثورة في علاج الأمراض وإبطاء تدهور الجسم في سن الشيخوخة. ولكن لا يزال يوجد الكثير مما يمكن اكتشافه؛ فعلى سبيل المثال: هل استبدال خلايا المخ قابل للتطبيق؟ فيقول: «إن استبدال هذه الخلايا ربما يكون مثل استبدال قرص صلب؛ فسوف تُفقَد الذكريات الطويلة المدى، وربما لا تدخل الذكريات الجديدة وتُدمَج في المخ.»

التأريخ باستخدام منحنى القنبلة حتى الآن هو الطريقة الوحيدة للحصول على صورة دقيقة لتجدد الخلايا البشرية، لا سيَّما في المخ. ومع ذلك، فإن المدة الزمنية لاغتنام تلك الفرصة في سبيلها إلى النفاد؛ فقريبًا لن يتبقى من الكربون ١٤ الناجم عن اختبارات القنابل في الجو سوى القليل جدًّا لدرجة أنه سيكون من المستحيل التمييز بين العينات من مختلف السنوات، ويقول أونو: «كلما أصبح منحنى القنبلة أكثر استواءً، ازدادت الشكوك في التأريخ.»

كان فريسان يعتمد حتى الآن على تحسينات المطياف الكتلي لتعويض تأثير استواء منحنى القنبلة، كما أن لديه أيضًا أنسجةً مخزَّنة في بنوك حيوية، أُوقِفت الساعة البيولوجية بالنسبة لها على نحو أساسي. لكن لا يوجد ما يكفي لتغطية السبل المتعددة التي ربما يرغب الناس في استكشافها. ويُسرع الباحثون أمثال أونو وفريسان للقيام بأكبر قدر مما يمكن القيام به قبل نفاد الوقت.

في النهاية، من المحتمَل أن تظهر تقنيات تأريخ أخرى، مع عدم وجود شيء في الأفق القريب. يقول بوكولز: «سيكون من المفيد أن نحظى بارتفاع آخر لنسبة الكربون ١٤، لكن لا أحد يريد قنبلة نووية أخرى.» ربما يمكن استخدام أحد النظائر الأخرى التي أنتجتها التجارب النووية الماضية، إذا لم تنخفض كميته الموجودة مثل الكربون ١٤؟ لا يوجد أي منافس واضح. فالسترونتيوم، على سبيل المثال، لا يبقى في الهواء لفترة كافية لتمتصه الأنسجة الحية. وتوجد أيضًا وسيلة لتحديد تاريخ المواد العضوية تعتمد على حقيقة أن الأحماض الأمينية في الخلايا تحتوي على نوع من الكربون يمكن أن يوجد في صورتين؛ إذ إنه بعد موت الخلية يتغير من صورة إلى أخرى. ولكن معدل التغير حساس للتأثيرات البيئية مثل درجة الحرارة والرطوبة؛ مما يجعله غير صالح لتحديد التاريخ بدقة.

في نيو ساوث ويلز، جلبت الحقيقةُ الرهيبةُ التي اكتُشِفت حول بارتليت الراحةَ لأبنائها؛ حيث قالت رايان: «اكتشفنا أنا وأخواي أن والدتنا لم تتركنا.» كان من غير المرجح أن يتم التعرف على والدتها دون منحنى القنبلة. ولكن يشير بوكولز إلى أنهم ربما لم يبقَ أمامهم سوى عَقد آخر فقط لإجراء التحليلات الخاصة بتحديد تاريخ الوفاة؛ إذ يتوقف كل شيء في الوقت الراهن على منحنى القنبلة؛ لذا «علينا أن نُسرع الخُطى أكثر فأكثر.» حسبما يقول فريسان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.