مرحبًا بكم في أفريقيا! أنا في الأدغال النائية في جنوب السودان بالقرب من الحدود غير المرسومة مع جمهورية أفريقيا الوسطى (حوالي ٥ درجات شمالًا و٢٣ درجة شرقًا، إذا كنتَ ترغب في البحث عنها على الخريطة). يعيش معظم الناس هنا في أكواخ من الطين، ويقضون وقتهم في زراعة المساحات الصغيرة الخالية من الأشجار في الغابة، وهم يعيشون في فاقة مدقعة. ومع أنهم لم يُقابِلوا شخصًا من بريطانيا من قبلُ، كانوا أسخياء جدًّا؛ فقد قدَّموا لي الأناناس والنمل المجفَّف، وقدَّموا لي تفسيرًا للصواب والخطأ — وهي أعظم هداياهم.

كان طعم النمل المجفَّف يُشبِه قليلًا طعم الجزء القشري من الجمبري، ولكنه أكثر ملوحةً. ويراودني الفضول لمعرفة كيفية اصطياد هذه الحشرات، وكيفية مقاومة مستعمرات النمل المحارِبة لذلك، ولكن لا يهمني أي مستعمرة ستفوز، أو عدد النمل الذي يموت؛ فالكثير من الأشياء تموت في الغابة، فحروب النمل هي مجرد عملية تطورية قائمة.

ولكن يختلف ردُّ فعلِي كثيرًا عندما أسمع عن أناس هنا يتقاتلون ويموتون. ويوضِّح رجل قاطن بالمنطقة مدى خوفهم من جيش الرب للمقاومة سيئ السمعة؛ الميلشيات المسلَّحة التي تجوب الغابة والتي قتلت أحد القرويين مؤخرًا. ويشكو زعيم المجموعة أن الزراعة في الغابة لم تَعُدْ آمنةً، وأخذت مجموعة من النساء تعوِّل مؤيداتٍ وجهة نظره. الآن أشعر بالتعاطف، لم يكن قتل القروي عمليةً تطورية قائمة، وإنما كان خطأً. بالنسبة إلي، وإلى السكان المحليين، كان حقًّا خطأ، ونحن على يقين من ذلك، مثل يقيننا من أن ثمار المانجو صفراء. ولا أحتاج حتى أن أعرف القروي الذي قُتِل؛ فقد تدفَّقَ ردُّ فعلي العاطفي بسهولةٍ بسبب ما أتصوَّره حول جرائم القتل الأخرى، على الرغم من أنني لم أشهد واحدة في الواقع.

تطوُّر الحقائق الأخلاقية

من السهل التنظير لتطوُّر الكراهية الشديدة لجرائم القتل؛ ففي بلدي الأم إنجلترا، وكذلك هنا في الغاب، لدى مجموعات الناس الذين أحجموا عن قتل بعضهم بعضًا فرصٌ أكبر للبقاء؛ لأنه بإمكانهم أن يثق بعضهم في بعض ويتعاونوا على نحوٍ أفضل. وستفوز المجتمعات التي تضم أناسًا يحملون كراهية غريزية للقتل في هذه اللعبة التي لُعِبت على مدى آلاف الأجيال.

وبالنسبة إلى بعض المسائل الأخرى، تطوَّرت قوانين الغاب الأخلاقية على نحوٍ مختلف عن قوانيني؛ فأنا لا أريد لابنتي أن تتزوج في سنٍّ صغيرة مثلما تتزوج الفتيات هنا، والقرويون المحليون مِضْيَافون للغرباء أكثر بكثير مني في لندن. ويدعم معظمهم أيضًا عقوبة الإعدام، ويريدون أن يكون لديهم ملكٌ قويٌّ مرة أخرى؛ وهذه وجهات نظر تجعلني أُصاب بالغثيان.

يمكننا أن نَقْبَل ببعض هذه الاختلافات؛ فأنا سعيد أنه لدى القرويين تعدُّد الزوجات، لكنني لن أُرحِّب بتعدُّد الزوجات في بريطانيا. ومع ذلك، بعض هذه الاختلافات لا أستطيع تقبُّله؛ ففكرة عقوبة الإعدام تروعني أينما تسري.

على الرغم من أننا يمكن أن نفسِّر طريقة تطوُّر قِيَمنا الأخلاقية الراسخة من خلال التأقلم مع البيئة، بحيث تؤدي البيئات المختلفة إلى معتقدات مختلفة، فإن هذا لا يقلِّل إيماننا بها. كان داروين محقًّا، ولكن لا يزال القتل أمرًا خاطئًا.

ربما رصدتَ ثغرة واضحة في المنطق هنا: كيف يمكنني قبول عشوائية التطوُّر، ومع ذلك أضع منتجات هذه العملية — اشمئزازي من القتل (يشاركني فيه الناس هنا)، ونفوري من تعدُّد الزوجات (لا يشاركونني فيه) — في منزلة الحقائق؟ الجواب هو أننا واقعون في شَرَك التطوُّر، ولا فكاكَ منه.

توجد طريقتان لدحض هذه الإجابة، وكلتاهما معيبة. إذا كنتَ لا تقبل التطور؛ فتعالَ إلى هنا وشاهِد كثيبَ النمل يخضع للانتقاء الطبيعي لإثبات أن نظرية داروين كانت صحيحة. وإذا كنتَ تَقْبَل التطوُّر ولكن لا تقدِّر قوة الغرائز التي غرستها فيك تلك العملية، أتحداك إذن إثبات أنك لا تقدِّرها، وذلك بالتخلي عن إرادتك الطبيعية للبقاء على قيد الحياة، عن طريق السماح لثعبان من الغابة بلدغك. لا يمكنك، أليس كذلك؟ وذلك لأنه حتى لو تحلَّى الشخص بمبدأ «التخلي عن كل شيء» يجب أن يتمسك بشيء عزيز، حتى لو كان فقط حياة الشخص الذي ينادي به.

تُثبِتُ حياةُ الغابة ببساطة مدى حقيقة غرائزنا المتطوِّرة؛ فقد شكَّلَ الأشخاص هنا ميليشيتهم الأمنية الخاصة، وهي «صبيان الأسهم» (سُمِّيَتْ هكذا لأن السهام هي السلاح الرئيسي في مواجهة رشاشات الكلاشينكوف التي يستخدمها جيش الرب للمقاومة). ويُظهِر صبيانُ الأسهم جميعَ الفضائل القتالية من الشجاعة وحُسْن رفقة السلاح، ومن السهل إدراك كيف يمكن لقوة قتالية مشكَّلَة من أفراد فريق من الشجعان أن تكون أكثر تخويفًا من مجموعة من المنفردين الجبناء. ويمكننا تخمين كيفية تطوُّر استجابةِ الشجاعة البشرية في مواجهة تحدٍّ لتصبح سمة من سمات العالَم. ولكن هنا، وفي أماكن أخرى، يمكننا أن ندرك أنها حقًّا ضرورة من أجل البقاء. ربما تكون هذه الغرائز الأخلاقية في رءوسنا فحسب، ولكنها لا تزال مع ذلك حقيقيةً، وهي حقيقية مثل حقيقة طيران طيور الغابة من فوق الأشجار عندما أصرخ فيها. إن غرائزنا الأخلاقية حقيقة من حقائق العالم.

قرارات صعبة

لا تتطلب كل القرارات في الغابة تفكيرًا أخلاقيًّا. فعلى الرغم من وجود طريقة صحيحة وطريقة خاطئة لتقطيع ثمرة الأناناس، فإنه مهارة وليس حكمًا أخلاقيًّا. وتصبح القرارات أكثر خطورةً عندما تكون المخاطر أعلى والعواقب مشتركة؛ فعندما يندر الطعامُ يفكِّر القرويون مليًّا فيمَن سوف يحصل على بعض الطعام، ومَن لن يحصل عليه، وعلى أكثر المستويات تقدُّمًا يفكِّر الأشخاص هنا فيمَن سيبقون ويقاتلون وربما يموتون، ومَن سيهربون، إذا عاد «جيش الرب للمقاومة» مرةً أخرى. واتخاذ قرارٍ حول التخلِّي عن رجال القرية المقاتلين أو الوقوف بجانبهم يتطلَّب بالتأكيد مبادئ أخلاقية.

هَبْ أنهم طلبوا مني أن أقاتِل معهم، أينبغي عليَّ ذلك؟ بعض الأشخاص — معظمهم في كليات الاقتصاد في الجامعات الغربية — سيقولون إنه من المعقول بالنسبة إليَّ أن أكون أنانيًّا عندما يحين وقت هذه القرارات. يقولون إنه يجب أن أفعل ما هو أفضل بالنسبة إليَّ، وإذا استطعتُ إقناعَ الآخَرين بذلك، فهذا أفضل. ولكن هذا يتجاهل ما تربيتُ عليه، وهو أن التخلِّي عن الآخَرين يبدو خطأً فادحًا؛ فهذا يتساوى مع السرقة والأنانية ورفض مساعدة الأشخاص الذين يحتاجون للمساعدة حقًّا، وهذا النوع من العقلانية ليس مناسبًا لي أو لكثير من الأشخاص، ولحسن الحظ ليس مناسبًا للأشخاص الموجودين هنا أيضًا، الذين يمكنهم استغلالي مثلما يمكنني استغلالهم، ولكننا لا نفعل ذلك.

عندما يحين وقت القرارات المشتركة الصعبة، فإني والأشخاص الموجودين هنا نعتمد على غرائزنا حيال الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله. وإذا اتفقنا، يتأكد هذا الحكم المشترك لدى كلٍّ منَّا على أنه صحيح من الناحية الأخلاقية. وحيثما نختلف توجد ثلاثة خيارات؛ أولًا: يمكننا أن نستنبط شيئًا ما بيننا؛ وهو ما يعني أننا سوف نقرِّر فيما بيننا ما نتفق عليه، وبالتالي نحدِّد القانون الأخلاقي المشترك بيننا. ثانيًا: يمكن لأحدنا أن يُملي على الآخَر ما يريد، وإذا قُبِلت الإملاءات، يصبح لدينا ميثاق أخلاقي مشترك مرة أخرى (إننا جميعًا نقبل أحيانًا النصيحة لأنها جاءت من مصدر موثوق، حتى لو بدت خاطئة في البداية). وفي الحالة الثالثة فقط، حينما يظل الخلاف موجودًا وعندما تُرفَض الإملاءات، فإن ما قد أصبح معايير أخلاقيةً مشتركة يعود مرة أخرى ليصبح آراء شخصية.

وبينما نعمل على حلِّ خلافاتنا عمومًا — على سبيل المثال: تقسيم المانجو، ولكن التأكُّد من حصول المرضى على أفضل الثمار — ستُتَّخَذ القرارات المشتركة التي ينبغي أن تخدم مصالحنا المشتركة. هذا هو العدل على الرغم من أننا قد نكون مخطئين حول ما هو في مصلحتنا (أحبُّ أكل الظباء التي يقدِّمونها إليَّ، ولكن تبيَّن لي لاحقًا أنها ضارة بالنسبة إليَّ)، وتشمل مصالحنا «جميعَ» الأشياء التي نقدِّرها، حتى أشياء مثل التضحية من أجل الآخَرين، والتي قد لا تبدو في «مصلحتنا» على الإطلاق.

التوفيق بين المصالح

يمكنك الآن أن تتوقَّع مني أن أبني حجتي على تعظيم سعادة (أو منفعة) الجميع ومحاولة تضخيمها، كما يفعل النفعيُّون. رغم كل شيء، تبدو محاولة تلبية مصالحي ومصالح هؤلاء القرويين حِمْلًا ضخمًا، مثل محاولة توليد أكبر قدر من السعادة (أو المنفعة) لأكبر عدد. لكن الأمر لا يسير تمامًا بهذه الطريقة. ليس تمامًا.

كما ترى، طريقة توفيق مصالحي مع مصالح الآخرين في الغابة ليست بأن نجمع جميعًا كل شيء نهتم به في وعاء، ثم نرى أي مزيج من الاحتياجات المُشبَعَة من شأنه أن يولِّد أكبر قدر من السعادة (المنفعة). فإذا فعلنا ذلك، فإنهم سيفوقونني عددًا بالتأكيد؛ فإذا كان الأشخاص هنا يؤيدون العبودية على سبيل المثال (لم أسألهم عن ذلك)، فحينها ستبلغ السعادة الجماعية أقصاها إذا أصبحتُ عبدًا؛ وهذا ليس جيدًا!

لا، الطريقة التي نوفِّق بها بين المصالح هي المشاركة الوجدانية؛ فنحن نتخيَّل أنفسنا مكان الآخَرين.

فالمشاركة الوجدانية هي حجر أساس مبادئ البشر الأخلاقية، والقدرة على المشاركة الوجدانية قوية في أدغال جنوب السودان بنفس قوتها في بريطانيا. تطوَّرت المشاركة الوجدانية مثل غيرها من جوانب الأخلاق، تطوَّرت لدى الجميع عدا الأشخاص السيكوباتيين البالغة نسبتهم ١٪ في العالم الذين يفتقرون إلى هذه القدرة، بل هو سمة حقيقية من سمات العالم مثل الجاذبية. (يرجح بعض العلماء أننا نشعر حقًّا بآلام الآخَرين متخيلين ذلك بطريقة شبه مطابِقة لطريقة شعورنا بالألم في أجسادنا.)

والمشاركة الوجدانية تكون فردًا لفرد؛ لأننا نتخيَّل أنفسنا في ذهن شخص آخَر واحد فقط في وقت ما. وحتى عندما أتشارك وجدانيًّا مع «الأشخاص» هنا — على سبيل المثال، عندما أسمع عن الصعوبات التي تواجِهها جميع النساء في إيجاد مياه نظيفة — أتخيَّل حقًّا كيف سيكون الأمر لو كنتُ «واحدة» من هذه النساء. ولا أستطيع أن أتخيَّل نفسي أكثرَ من شخص واحد في وقت معين، ولا يمكنكم أنتم أيضًا.

إذا كنتُ واحدًا من مجموعة من أربعة تحاول أن تقرِّر ما هو صحيح، فإني بحاجة إلى أن أتشارك وجدانيًّا مع كل شخص من الثلاثة الآخَرين تباعًا، وفي كل مرة سوف نَصِل أنا وهم إلى اتفاق — وبالتالي تحديد قاعدة لما هو صحيح — من خلال تحقيق التوازن بين مصالحنا: لو كان وقتي وجهدي يستحقُّهما واحدٌ منهم أكثر مني؛ فإنني سوف أساعده، والعكس صحيح. ولكن المشاركة الوجدانية فردًا لفرد أيضًا تضع حدودًا؛ فهي تمنعني من أن أصبح عبدًا؛ لأن تأثير ذلك على مصالحي سوف يتجاوز أي منفعة يمكن أن يجلبها ذلك لأي واحد منهم، حتى لو أن المنفعة الجماعية لعدد منهم ستكون أكبر.

مبدأ المساعدة

هذا يؤدي إلى مبدأ بسيط ولكنه مبدأ محوري؛ وهو مساعدة شخص ما إذا كان يستحق وقتك وجهدك أكثر منك. وهذا المبدأ الذي سنطلق عليه «مبدأ المساعدة» يقع في جوهر المبادئ الأخلاقية في بريطانيا وكذلك في الأدغال، بل وأينما يُوجَد بشر يحتاجون المساعدة، أي في كل مكان تقريبًا.

إن فكرة وجوب مساعدة شخص ما إذا كان سيستفيد من وقتنا وجهدنا أكثر مما سنستفيده منهما، تتضمن الكثير من الأمور من الناحية الأخلاقية. إليك أربعة فحسب منها:

أولًا: نشأتها. إن مبدأ المساعدة مبدأ حقيقي؛ إذ إن المشاركة الوجدانية التي يولِّدها يمكن ملاحظتها وإثبات وجودها. كما أنه «خيالي»؛ فهو موجود في رءوسنا، تمامًا مثل وجود الصواب والخطأ في رءوسنا؛ وبالتالي فإن نشأة مبدأ المساعدة توفِّر جسرًا رائعًا بين أولئك الذين يعتقدون أن الصواب والخطأ هما سمتان مطلقتان في الكون، وأولئك الذين يعتقدون أنهما أقرب للميول الشخصية. وهو يمثِّل الاثنين بالنسبة إلى البشر أمثالي، وكذلك بالنسبة إلى القرويين في أدغال جنوب السودان.

ثانيًا: مبدأ المساعدة يمكن اختباره. ربما يبدو ذلك عاديًّا؛ فرغم كل شيء، فإن أي فكرة أخلاقية يمكن اختبارها بهذه الطريقة، ما عليك إلا أن ترى إن كنتَ تحب ما توصي به أم لا. ولكن مبدأ المساعدة مختلف؛ لأنه هو التطبيق المباشِر للحقائق التي يمكن ملاحظتها. ويمكن إثبات أن المشاركة الوجدانية تحفز الآخَرين، ويمكن أيضًا اختبار الارتباط الجوهري بين المشاركة الوجدانية وعواطفنا الأخلاقية من خلال الملاحظة، ويبيِّن المنطق أن هذا التحفيز يؤدِّي مباشَرةً إلى مبدأ المساعدة. على سبيل المثال، نجد أنه على النقيض من «التصرف بطريقة ترغب في أن تصبح قانونًا عامًّا» (إعادة صياغة لمبدأ الضرورة الحتمية لإيمانويل كانط)، فإن مبدأ المساعدة يتدفَّق مباشَرةً من دوافع مشتركة بين كافة البشر غير السيكوباتيين.

ثالثًا: مبدأ المساعدة يتجنَّب المشاكل الرئيسية التي تصاحِب الهدف النفعي المتمثِّل في محاولة تحقيق أكبر قَدْر من السعادة لأكبر عدد. وكما أوضحت حالة استعبادي الافتراضية، زيادة السعادة لأقصى درجة يمكن أن تطغى على حقوق الإنسان؛ إذ يُداس الفرد لو سار ضد تيار الجماهير. يتجنب مبدأ المساعدة هذا الخطر؛ إذ إنه يقوم على أساس المشاركة الوجدانية فردًا لفرد؛ لأن الفرد يظل في موضع مركزي، وهذه ليست نفعية، ولكن شبه نفعية. وعندما يُطبَّق على المجموعات، فإن مبدأ المساعدة يدعو لاختيار أي خيار سيفيد أي فرد على نحو أكبر، طالما سيتبادل الجميع المساعدةَ التي يتلقَّونها. ويسير مبدأ المساعدة مع الحقوق جنبًا إلى جنب بسلاسة، وهذا أمر جيد.

رابعًا: يمكن بَسْط نطاق مبدأ المساعدة إلى مجموعة كاملة من المبادئ والنصائح، التي يتناسب بعضها مع بعض على نحوٍ متماسِك، وتتوافق مع الأفكار البديهية الأخلاقية لدى معظم الناس؛ سواء في الغرب المتقدم أو الأدغال النائية. وهذا ممكن لأن معاييرنا وغرائزنا يمكن توسعتها من خلال عملية منطقية، تمامًا كما يمكنني أن أبتكر نصائح للبقاء على قيد الحياة في الغابة من بعض الدروس وقليل من المنطق. وهكذا تعلَّمْتُ أن أفضل وسيلة لحصاد ثمار المانجو هي إلقاء ثمرة سقطت على الفروع لإسقاط الثمار الناضجة، وبعد ذلك أستنتج أنني أستطيع تطبيق هذا الأسلوب على جميع أشجار الفاكهة الطويلة في الغابة. وبالمثل، إذا كانت عملية قتل متعمدة وغير مبررة خطأ، فإنه يمكنني استنتاج أن جميع عمليات القتل المتعمد وغير المبرر سوف تكون خطأً أيضًا.

من أجل استخدام المنطق لتوسيع مبدأ المساعدة، دَعْنا نفكِّر للحظة واحدة في المشاركة الوجدانية؛ لأننا نتشارك وجدانيًّا مع الآخَرين في الماضي والمستقبل وكذلك في الوقت الحاضر، فإن معظم الأشخاص يحترمون الوعود؛ فنحن نقيِّم السعادة التي سبَّبَها وعد من الوعود بالفعل — حتى بالنسبة إلى شخص متوفى منذ ذاك الحين — وكذلك المنافع التي قد تأتي من الحِنْث بوعد. وهذا يعني أن مبدأ المساعدة لا يدعو للحِنْث بالوعد، إلا عندما يجلب خيارُ الحِنْث بالوعد منافعَ أكبر من منافع الماضي والمستقبل مجتمعةً التي يجلبها الوفاء بالوعد. وهذا عادةً ما يتطلب تغييرًا غير متوقَّع وغير قابل للتوقُّع إلى حدٍّ معقول في الموقف أكثر أهميةً من الوعد نفسه، والذي يظهر بعد تقديم الوعد. وهذا هو نهج عملي للوعود يجعل الحِنْث بالوعد نادرًا ولكنه يظل محتملًا. ومبدأ المساعدة يجعل الوعود مهمة في حد ذاتها، ولكنها ليست مهمة على نحوٍ مطلَق، وهو الأمر الذي يجب أن يكون صحيحًا.

مزيد من المنافع لمبدأ المساعدة

بالمثل، مبدأ المساعدة يجعل من الممكن السيطرة على الكذب أيضًا؛ فإنه لا يشجِّعنا على الكذب إذا كان في مصلحتنا طالما لا يكتشف ذلك أحد، وهو ما قد يدعو إليه مناصِرو بلوغ أقصى درجات السعادة. ولا يكون الكذب ممنوعًا منعًا باتًّا؛ أي منهج البيوريتانية (وكانط) الذي يدين حتى الكذب الأبيض. بدلًا من ذلك، يفيد مبدأ المساعدة بأنه لا ينبغي لنا أن نكذب إلا إذا كان بإمكاننا من خلال الكذب تغيير السلوك بطريقةٍ تستحق ما هو أكثر من الثقة المفقودة، إذا اكتُشِف الكذب (سواء افتُضِح الكذب فعلًا أم لا). يبدو هذا بالنسبة إليَّ قاعدة للكذب جديرة بالثقة.

علاوة على ذلك، فإن مشاركة الناس وجدانيًّا في الماضي وكذلك في المستقبل تعني أن العدالة لا تتمحور فحسب حول الروادع أو التطبيق الأعمى للقانون، وإنما تعني إصدار العقوبات التي تناسب كلًّا من الجريمة والمجرم، وهذا ينسجم جيدًا مع غرائزي، ومع غرائزك أيضًا كما آمل.

في الواقع، من السهل للغاية توسيع مبدأ المساعدة إلى مجموعة من المبادئ الأخلاقية متماسكة بشدة، وهي أكثر تماسكًا من محاولة تحقيق أقصى قَدْر من السعادة مثلًا (فيمكن لمجرد التفكير في الوصول لأقصى قَدْر من السعادة أن يجعلك حزينًا للغاية). يقدِّم مبدأ السعادة قانونًا لأفعالنا؛ فهو يفكِّر في العواقب، ويستند إلى فضيلة المشاركة الوجدانية؛ وبالتالي فإن مبدأ المساعدة يمكنه حتى أن يسمو فوق مدارس الأخلاق الثلاث الرئيسية — الأنظمة المبنية على الشخصية والقواعد والنتائج — وهو ثالوث المناهج الذي سيطَرَ على الفكر الأخلاقي الغربي لعدة قرون.

إن مجموعة المبادئ الأخلاقية التي تنبع من مبدأ المساعدة مقبولة على نحو بديهي، ولكن أفضل ما في الأمر على الإطلاق، هو أنه إضافةً إلى تفسيرِ أفكارنا عن الصواب والخطأ، وتحديد تفاصيل ردود أفعالنا الأخلاقية، وإعادة ما نعرفه ونفكِّر فيه ونشعر به بالفعل علينا؛ فإنه يساعدنا أيضًا على سدِّ الثغرات؛ فحينما لا نكون متيقِّنين، فإنه يمكن أن يقدِّم النصح. كما يجيب على السؤال الأساسي للفلسفة الأخلاقية: «ماذا علينا أن نفعل؟» وإجابته توسِّع الفجوة المزعجة بين الحقائق والقِيَم التي تركت الكثيرَ من العقول العظيمة في حيرةٍ من أمرها.

أترك أدغال جنوب السودان سعيدًا وأنا أَتُوق إلى تطبيق مبدأ المساعدة في مكان آخَر، مطمئنًّا إلى أن المشكلة قد حُلَّتْ، وحلَّ طعمُ المانجو الحلو محلَّ طعم النمل المجفَّف المالح في فمي إلى الأبد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.