ربما يكون من السهل اعتبار محاولة روسيا فرضَ سيطرتها على شبه جزيرة القرم محاولةً لا تعدو كونَها مجردَ انتزاع سافِرٍ للأرض. لكن رغم أنه لا يمكن إنكار الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لشبه جزيرة القرم، فإن الهُوية الروسية هي العامل الرئيسي الذي يقف وراء أزمة شبه الجزيرة. فمع إحكام الجيش الروسي قبضته على العديد من المواقع الرئيسية مؤخرًا، أصبح من الواضح أن القادة السياسيين في كلٍّ من سيمفروبول وموسكو يتصرفون من منطلق الاعتقاد بأن شبه الجزيرة المضطرب هو جزء من روسيا عرقيًّا وثقافيًّا. فلم يطلب رئيس الوزراء الفعلي سيرجي أكيسونوف مساعدة الرئيس فلاديمير بوتين في تأمين المنطقة من التهديدات المحتملة التي تشكلها الحكومة الجديدة الموالية لأوروبا في كييف إلا بعد أن رفرف العلم الروسي فوق برلمان القرم. ومع انتشار المظاهرات الواسعة النطاق الموالية لروسيا في شبه جزيرة القرم، طالب بوتين بنفسه مجلس الدوما بإعطائه الضوء الأخضر لنشر قوات في المنطقة بحجة حماية «المواطنين الروس». وفي نظر أكيسونوف وبوتين ومؤيديهما على الأرض أن القرم روسية قلبًا وقالبًا.

رأس ساريتش في أقصى جنوب شبه جزيرة القرم.
رأس ساريتش في أقصى جنوب شبه جزيرة القرم.

هذا الادِّعاء يُجانبه الصواب إلى حدٍّ كبير؛ فمن الناحية الديموغرافية ثَمَّةَ مشكلات مزعجة؛ ففي الإحصاء السكاني لعام ٢٠٠١ لم تكن تمثل الإثنية الروسية سوى أغلبية هزيلة ومتضائلة من سكان القرم (٥٨٫٥٪ بعد أن كانت ٦٥٫٦٪ في عام ١٩٨٩). ونظرًا لأنهم يعيشون جنبًا إلى جنب مع مجموعات كبيرة من الأوكرانيين (٢٤٫٤٪) والتتار (١٢٫١٪)، فإن عددًا كبيرًا منهم يعتبرون أنفسهم «أوكرانيين» تمامًا. وفي استفتاء عام ١٩٩١ على قيام جمهورية القرم المستقلة، لم يؤيد هذا الاستقلال سوى ٥٤٪ من سكانها. في الواقع، يندمج السكان الروس اندماجًا كاملًا في أوكرانيا لدرجة أن مزاعم الهُوية الروسية قوبلت بمظاهر مذهلة من الولاء لأوكرانيا. يكفينا مثال في هذا الصدد؛ إذ رفض مكسيم إيميليانينكو — قائد السفينة الحربية الأوكرانية ترنوبل والمنتمي عرقيًّا للروس — تسليم سفينته الحربية لقائد روسي في ٤ مارس بحجة أنه — باعتباره روسيًّا — لا يمكنه الحنث بقسمه بالولاء لشعب أوكرانيا. وهكذا فمن غير الواضح تمامًا ما إذا كان شعب القرم سيختار الانفصال عن أوكرانيا، ناهيك عن قبوله الهيمنة الروسية إذا ما أُجريت انتخابات حرة ونزيهة.

وواقع الأمر هو أن ادِّعاء روسيا بأحقيتها في شبه جزيرة القرم يقوم على رغبتها في توسيع أراضيها، والأهم من ذلك أنها تستند إلى التاريخ في ادِّعائها هذا؛ فبوتين وأكيسونوف يعيان جيدًا أن الروابط بين شبه جزيرة القرم وروسيا تعود إلى أوائل العصر الحديث؛ فبعد سلسلة من الغارات الحربية غير الحاسمة في القرن السابع عشر، نجحت روسيا في كسر سيطرة الإمبراطورية العثمانية على شبه جزيرة القرم بموجب معاهدة كوجوك كاينارجي (١٧٧٤)، قبل أن تضم شبه الجزيرة رسميًّا في عام ١٧٨٤. وعلى الفور أصبحت شبه جزيرة القرم عاملًا أساسيًّا في بزوغ نجم روسيا كقوة عالمية؛ فنظرًا لأن شبه جزيرة القرم تضم عددًا من الموانئ الطبيعية ذات المياه الدافئة، فقد جعلت لروسيا منفذًا على طرق التجارة في البحر الأسود، ومنحتها ميزة هائلة في حربها من أجل الاستيلاء على القوقاز. وبمجرد فوز روسيا بشبه جزيرة القرم، اعتبرتها جائزة لا يمكن التخلي عنها طواعية، وسرعان ما أصبح «إضفاء الهُوية الروسية» على شبه جزيرة القرم أساس التصور السياسي لدى القياصرة. وعندما تفاقم الخلاف المزعوم حول إدارة الأماكن المسيحية في الأرض المقدسة وأدَّى إلى نشوب معركة للسيطرة على البقايا المتداعية من الإمبراطورية العثمانية في عام ١٨٥٣، خاضت روسيا حربًا ضارية للاحتفاظ بسيطرتها على أرضٍ مكَّنتها من تهديد كلٍّ من القسطنطينية والوجود الفرنسي البريطاني في البحر المتوسط. وبعد حوالي قرن أصبحت شبه جزيرة القرم موقعًا لأعتى معارك الحرب العالمية الثانية. وعندما أدرك النازيون أهميتها العسكرية والاقتصادية شنُّوا حملة وحشية للاستيلاء عليها لجعلها موقعًا للاستيطان الألماني وجسرًا موصلًا إلى جنوب روسيا. وعندما استُعيدت في النهاية عام ١٩٤٤ اكتسبت إعادة إعمار سيفاستوبول — التي كانت قد دُمرت بالكامل خلال فترة حصار طويل ودامٍ — قيمةً رمزيةً هائلةً، تحديدًا بسبب الأهمية السياسية والتاريخية للمنطقة. وحتى بعد اندماجها مع جمهورية أوكرانيا السوفييتية الاشتراكية واعتبارها فيما بعدُ جزءًا من أوكرانيا المستقلة في أعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي، كان سحر شبه جزيرة القرم قويًّا لدرجة أن الرئيس الأوكراني الجديد ليونيد كرافتشوك زعم أن محاولات روسيا الرامية إلى فرض سيطرة غير مباشرة على شبه الجزيرة تكشف عن استمرار تأثير «مرضها الإمبريالي».

ورغم ارتباط شبه جزيرة القرم وروسيا بروابط تاريخية، فإن الأساس الثقافي والديموغرافي للمزاعم الروسية يشير إلى طبيعة علاقتهما البالغة الاضطراب. فرغم أن المنتمين للعرق الروسي قد يمثلون مجرد أغلبية هزيلة من سكان القرم، ورغم أنهم قد لا يؤيدون فرض السيطرة الروسية، فإن وجود الكثير منهم في شبه الجزيرة يعد شهادة على ماضٍ دموي وبغيض اتَّسم بالتهجير القسري والإبادة الجماعية.

منذ الظهور الأول لروسيا في مشهد القرم، كان مجتمع شبه الجزيرة مجتمعًا غير متجانس؛ فمنذ أوائل العصور الوسطى كان الجزء الأكبر من السكان مكونًا من التتار، وكان بينهم عدد من مسلمي آسيا الوسطى، والقرَّائين اليهود، بل وحتى بعض الغوثيين. وبفضل وجود الإمبراطورية العثمانية لفترة طويلة كان هناك أيضًا عدد كبير من أتراك الأناضول واليونانيين وأهل الأفلاق والأرمن وأهل مولدافيا، وكان أيضًا من ضمن هذا المزيج أهل جنوة الذين بقوا منذ أن كانت المدينة تسيطر على تجارة شرق البحر المتوسط، وكان هناك أيضًا عدد من أهل قوزاق القادمين من منطقة نهر الدون.

ورغم ذلك، جاء التغيير مع مجيء السيطرة الروسية. في البداية كان الوضع سلميًّا إلى حدٍّ كبير، لكن بعد فترة قصيرة من بسْط الإمبراطورة كاثرين الثانية هيمنتها على المنطقة بدأ عدد السكان الروس يتضخَّم نظرًا لتزايد معدلات الهجرة. أما حرب القرم فقد أشارت إلى بداية عملية تحوُّل أكثر دراماتيكية وأقل قبولًا إلى حدٍّ كبير. وفي أعقاب الدمار الذي خلَّفه الصراع واستيلاء الدولة على الأراضي عَنْوةً، نزحت أعداد كبيرة من التتار الأصليين إلى دلتا نهر الدانوب؛ مما جعل أعدادًا كبيرة من الروس تحل محلهم. وبينما كان التتار يمثلون ٨٣٫٥٪ من السكان في عام ١٨٣٩، فقد انخفض عددهم إلى ٣٥٫٦٪ فقط في عام ١٨٩٧.

كان مُقدَّرًا لغير الروس من سكان القرم أن يذوقوا مزيدًا من العذاب تحت وطأة الاتحاد السوفييتي، وخلال الفترة ما بين عامَي ١٩٢١ و١٩٤٥ قوَّضت مرحلتان من الاضطهاد على نطاق واسع وجودهم في شبه الجزيرة. شهدت المرحلة الأولى الآثار المترتبة على السياسة الاقتصادية المروعة التي انتهجها ستالين. فمن أجل الالتزام بالأهداف المركزية للخطة الخمسية الأولى (١٩٢٨–١٩٣٢)، أصبح الإنتاج الزراعي في القرم جماعيًّا، ولم يعد تركيزه منصبًّا على زراعة المحاصيل التقليدية كالحبوب. علاوة على ذلك، فرض المديرون غير الأكْفَاء توريد حصص كبيرة يستحيل تحقيقها من المحاصيل للدولة، وكانت النتيجة كارثية؛ ففي عام ١٩٣٢ اجتاحت شبهَ الجزيرة مجاعةٌ من صنع البشر. ورغم أن علماء الزراعة كانوا قد حذَّروا القادة السياسيين من هذا الخطر منذ البداية، فإن القيادة في موسكو لم تفعل أي شيء لتخفيف الوضع، بل فعلت العكس؛ فعندما بدأت المجاعة في التفشِّي، لم يكتفِ ستالين باعتقال الأشخاص الذين حاولوا جمع ما تبقى من الحبوب من المزارع الجماعية القليلة المتبقية التي كانت تنتج الحبوب، بل فرض أيضًا حصارًا صارمًا على المناطق التي تعاني من العجز. لقد كان يستخدم المجاعة للتطهير العرقي لسكان متنوعين عرقيًّا. وكانت هذه المجاعة المصطنعة المعروفة باسم هولودومور (أو «القتل بالتجويع») إبادة جماعية حقيقية؛ حيث قتلت ما يصل إلى ٧٫٥ ملايين أوكراني، من بينهم عشرات الآلاف من سكان القرم. وفي النهاية عندما انحسرت المجاعة استغل ستالين الفرصة ليملأ شبه الجزيرة بالروس، حتى إنه بحلول عام ١٩٣٧ بلغت نسبة الروس ٤٧٫٧٪ من السكان مقارنةً بنسبة التتار التي بلغت ٢٠٫٧٪.

أما المرحلة الثانية التي امتدت في الفترة ما بين عامَي ١٩٤١ و١٩٤٥، فقد زادت الآثار المريعة المترتبة على مجاعة هولودومور سوءًا. إن الخسائر الرهيبة التي خلَّفتها معركة القرم الوحشية كانت كفيلة وحدها بتدمير شبه الجزيرة؛ فقد خسرت قوات الجيش الأحمر ١٧٠ ألف فرد من أفرادها، وكانت الخسائر في السكان المدنيين مساويةً لهذا العدد تقريبًا. ورغم ذلك، بعد أن استعاد الاتحاد السوفييتي سيطرته خضعت المنطقة لموجة رعب جديدة؛ فقد اتهم ستالين التتار بالتعاون مع النازيين أثناء الاحتلال، وهجَّر السكان بالكامل إلى آسيا الوسطى في ١٨ مايو ١٩٤٤. وفي الشهر التالي لَحِق المصير نفسه ببقية الأقليات الأخرى بما فيهم اليونانيون والأرمن، ومات نحو نصف المهجَّرين في الطريق إلى أماكنهم الجديدة، وحتى بعد إعادتهم في ظل حكم الرئيس ليونيد بريجنيف مُنع التتار من العودة إلى موطنهم القرم، حيث حلَّ محلهم المنتمون عرقيًّا إلى روسيا حيث بلغت نسبتهم نحو ٧١٫٤٪ بحلول عام ١٩٥٩، تلاهم الأوكرانيون لكن بنسبة أقل.

الدرس المستفاد من هذا التاريخ المريع واضح. فلو كان استيلاء روسيا على القرم مستندًا إلى المزاعم القائلة بأنها روسيةٌ ثقافيًّا وعرقيًّا، فإن شبه الجزيرة قد اكتسبت هذه الصفة فقط بسبب الوحشية الروسية. وإذا صرفنا النظر عن حقيقة أن قلةً من المنتمين عرقيًّا إلى روسيا يرغبون في خضوع القرم لسيطرة موسكو، فإن إدراك أن روسيا مارست قهرًا مُمنهجًا ضد مواطنيها على مدار قرون لا بُدَّ أن يدق جرس الإنذار ضد استعادتها للسيطرة على شبه الجزيرة. ولو تأمل فلاديمير بوتين الماضيَ بمزيد من التعمق لأدرك أن التكفير عن خطايا الماضي — وليس الغزو — هو الأمر المطلوب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Mohammed Helmi ·١ يونيو ٢٠١٤، ١٦:١٦ م

    a must read

  • default avatar
    Mohammed Elkhwas ·٣٠ مايو ٢٠١٤، ٢١:٤٨ م

    رائع