الكاميرا موجَّهة إلى رجل مستغرق في نوم قلِق، وفجأةً ألقى الأغطية عن جسده، ثم رفع جسده جالسًا على ركبتيه، وبدأ — وفمه متراخٍ من أثر النوم — يسدِّد لكماتٍ محمومة مرة بعد أخرى. وفجأةً، ألقى ذراعيه من فوق رأسه إلى ظهره، وأمسك بما بدا سيفًا غير مرئي، ثم غرسه في السرير، مرارًا وتكرارًا، فتركت قبضتاه آثارًا غائرة في حَشِيَّة الفراش بجواره، حيث يمكن أن يكون ثمة شخص آخر نائم.

على غرار الكثير من التسجيلات التي تُجرَى في عيادات اضطرابات النوم، ذلك التسجيل «مخيف جدًّا»، على حدِّ قول جون بيفر مختص علم الأعصاب الذي يدرس اضطرابات النوم بجامعة تورونتو في كندا. وهو تسجيل غريب أيضًا؛ فدماغ ذلك الرجل نائم، إلا أنَّ جسده يتحرك بنشاط وعنف. يأتي الناس إلى هذه العيادات؛ طلبًا للمساعدة. قد يكونون تناولوا أشياء أثناء نومهم ما كانوا ليقربوها قط أثناء النهار؛ ربما بعض الثلج أو طعام الكلاب أو مسحوق غسَّالة الأطباق. وربما يكونون قد مارسوا الجنس دون علمهم، وربما يحلمون بأنهم يحاولون إنقاذ طفل أو حبيب، لكنهم يستيقظون ليجدوا أنَّهم يعرِّضون ذلك الشخص للأذى بدلًا من إنقاذه.

تلك حالات من الخَطَل النومي، وهي اضطرابات في النوم تطمس الخطوط التي يُفتَرَض أنْ تفصل بين النوم واليقظة. وإذ نشرع في إماطة اللثام عن الآليات التي يمكن أن تكمن وراءها، نكتشف أنَّ الحدود بين حالات الوعي أَوْهَى مما توقَّعنا.

إننا نوجد في ثلاث حالات بالأساس: اليقظة، والنوم العميق، ونوم الأحلام. أثناء اليقظة نتحرك حركاتٍ واعيةً متجاوبةً عبر العالم الخارجي. وفي النوم العميق، نتحرَّك ونتقلَّب ولكن ليس عن عمد، ونكون إلى حدٍّ بعيد غير واعين بالعالم الخارجي. وأثناء مرحلة الحلم، لا نتحرك ولا نستطيع أن نتحرَّك أصلًا، ويكون العالم الوحيد بالنسبة لنا هو العالم الموجود داخل الدماغ. ولفترة طويلة، افترض الباحثون في مجال النوم أننا نوجد في كل حالة من تلك الحالات الثلاث على حدة.

وقد تأكَّد ذلك الافتراض عن طريق اختلاف طريقة تصرُّف الدماغ والجسد في كل حالة من تلك الحالات. فيقول مايكل هاوِل — مختص علم الأعصاب بجامعة مينيسوتا في مينيابوليس والذي يدير عدة برامج لطب النوم: إنَّ تلك الحالات «كيانات تختلف جوهريًّا فيما بينها.» ففي مرحلة نوم حركة العين السريعة، يكون الدماغ نشطًا ومستغرقًا في الأحلام. فيكون الجسد «مُطفأً» فعليًّا ويفقد القدرة على التحكم في درجة حرارته؛ وتتجمَّد العضلات الهيكلية حتى تمنع المرء من تمثيل أحلامه. ويقول هاوِل: إنَّ نوم حركة العين غير السريعة «يختلف عن نوم حركة العين السريعة مثلما يختلف عن اليقظة.» ففي هذه المرحلة يصير الدماغ أقل نشاطًا، ويقصر نفسه على الأحلام الخفيفة العادية. وتكون عضلات المرء مرتخية، لكنه قادر على الحركة.

يقول بيفر: إنَّ مختصي علم الأعصاب يفهمون إلى حدٍّ ما كيف نبقى في كل حالة من تلك الحالات. أما ما لا يتضح بالقدر ذاته فهو كيفية تحوُّل الحالات من واحدة لأخرى. أي مهندس جيد كان سيتحكم في الحالات بمفتاح تشغيل رئيسي ثُلاثي: عندما تكون حالة حركة العين السريعة قيد التشغيل، يوقف تشغيل حالتَي نوم حركة العين غير السريعة واليقظة. ولكن لو أن مفتاحًا كهذا موجود، فسيجعله خَطَل النوم يبدو وكأنه يتيح مساحة كبيرة للتلاعب به. والواقع أن خَطَل النوم جعل الباحثين يتساءلون عن مدى انفصال تلك الحالات عن بعضها فعليًّا. ففي كثير من تلك الاضطرابات، يبدو أنَّ النوم يختلط ببعض جوانب اليقظة.

يتجلَّى ذلك كأوضح ما يكون في حالات الخطل المصاحبة لنوم حركة العين غير السريعة، وهي الأكثر شيوعًا؛ وفيها تنزلق مناطق الدماغ المسئولة عن الحركة والكلام وتحديد المسار إلى حالة اليقظة. ولكن باقي المناطق — بما في ذلك مناطق الدماغ المسئولة عن إدراك حركات الجسد وإمكانية التحكم فيها — تظل في سبات. وينتج عن ذلك كائن غير واعٍ قادر على السير والأكل والجِماع والصراخ. ولا تمثِّل أسماء تلك الاضطرابات سوى أوصاف، مثل: السير أثناء النوم، والأكل أثناء النوم، والجِماع أثناء النوم، والفزع أثناء النوم. لا أحد يتذكر أي شيء في اليوم المقبل، ولكن الأدلة تفضحه؛ فثمة امرأة استيقظت شاعرة بتوعُّك غير مبرَّر، ثم وجدت لفافة تبغ مدهونة بالزبد مأكولًا نصفها.

ثمة أكثر من صورة للوعي.
ثمة أكثر من صورة للوعي.

إنَّ الخطل المصاحب لنوم حركة العين السريعة أصعب على التفسير. أحد صوره — يُدعَى شلل النوم — على درجة من الفزع حتى أنه حُمِّل مسئولية قصص ظهور العفاريت أو الاختطاف من قِبل كائنات فضائية. ففي حين تظل العضلات غير قادرة على الحركة، يبدو أن المنطقة الدماغية المنخرطة في الحلم تستيقظ؛ فيصير المرء واعيًا لكنه ليس في حالة يقظة كاملة. ونظرًا لأن الأحلام التي يراها المرء في نوم حركة العين السريعة تكون — على حد قول هاوِل — «واضحة وغريبة وغير مترابطة إلى حدٍّ كبير، ومشحونة بالعواطف»، فإن النتيجة تكون الشعور بوجود كيان خبيث في الغرفة، يكون شريرًا في كثير من الأحيان، وبالطبع مخيفًا، ولا مجال للهروب منه مطلقًا.

الحالة الأخرى من حالات خطل نوم حركة العين السريعة — الاضطراب السلوكي المصاحب لنوم حركة العين السريعة — تصيب المرء بالأحلام الواضحة المزعجة نفسها، ولكنها توقف حالة الشلل التي تمنع المرء من التصرُّف وفقًا للحلم، فيفعل الجسد ما يمليه عليه الحلم. وعندما يكون الحلم عنيفًا، يتعرَّض أشخاص حقيقيون لأذًى كبير، بل وحتى للقتل.

وقد بدأ الباحثون يركِّزون على بعض الآليات المادية التي تكمن وراء الاضطرابات المصاحبة لنوم حركة العين السريعة. وقد وجد بيفر وزملاؤه تفسيرًا محتمَلًا لبقاء المرء مشلولًا رغم استيقاظه. فأثناء نوم حركة العين السريعة الطبيعي، تُفرَز في الدماغ مادتان كيميائيتان تُدعَيان حمض الجاما أمينوبوتيريك (جابا) والجلايسين تمنعان المرء من الحركة. ويُفتَرَض أن تتبدَّد هاتان المادتان عندما ينتهي نوم حركة العين السريعة، ولكن يبدو أنهما تبقيان أثناء شلل النوم، حتى عندما تشرع مناطق أخرى من الدماغ في الاستيقاظ.

أما الاضطراب السلوكي المصاحب لنوم حركة العين السريعة فله سبب آخر، ويمكن أن يشير إلى وجود خَطب أخطر في الدماغ. فخلافًا لغيره من اضطرابات الخطل النومي، هذا الاضطراب ناتج على الأرجح عن إصابة في مكان ما من المسار العصبي المعقَّد الذي يصيب الجسد بالشلل أثناء نوم حركة العين السريعة. وفي كثير من الأحيان، يصاب الأشخاص الذين يعانون من ذلك الاضطراب بأمراض تنكُّسية فيما بعد مثل مرض باركنسون أو الخَرَف الناجم عن أجسام ليوي.

وبصرف النظر عن الاضطراب السلوكي المصاحب لنوم حركة العين السريعة، ففكرة أنَّ الحدود الفضفاضة وغير المحكمة القائمة بين حالات الوعي هي المسئولة عن جميع حالات الخطل النومي تقريبًا صارت تلقى قبولًا في السنوات الأخيرة. ويقول مارك ماهُوالد مدير مركز مينيسوتا الإقليمي لاضطرابات النوم في مينيابوليس: «النوم واليقظة ليسا حالتين منفصلتين تمامًا، وإنما حالتان متدرِّجتان.»

يمكن أن تُعزَى ثغرات أخرى في الوعي إلى اختراق هذه الحدود الفاصلة. على سبيل المثال: يعاني الأشخاص في يقظتهم من الهلاوس إذا حُرِموا من النوم فترة كافية. ويقول ماهوالد: «يكون الضغط الدافع إلى المرور بتجربة الحلم كبيرًا لدرجة أنك تتعرَّض لتجربة نوم حركة العين السريعة أثناء اليقظة.»

الواقع أنه مع تنقُّل أناس ما بين حالة وأخرى كل ليلة من حياتهم، ربما يكون اللغز الحقيقي هو: لماذا لا يحدث الخطل النومي أكثر من ذلك؟

الخوف من الظلام

يُوصَد الباب وتُطفأ الأنوار، وتصير غرفتك التي كانت مألوفة من قبلُ مجهولةَ المعالم ومظلمةً. وفي الركن القصيِّ، يتجمَّع الظلام ويزداد. فتتسارع خفقات قلبك ويضيق صدرك وتشعر بتقلصات في معدتك. وقطعًا لن تذوق عيناك النوم …

الخوف من الظلام — أو رهاب الظلام كما يُطلَق عليه ضمن عدة تسميات أخرى — شائع للغاية؛ فثلثا الأطفال يتعرَّضون له. إلا أنَّه لم ينل حظًّا كبيرًا من الدراسة ولا أحد يعلم سبب حدوثه. يشير الدليل التشخيصي للطب النفسي — الطبعة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية — إلى أنه مغروس فينا لا أكثر، مثله مثل الخوف من الأشياء الأخرى «الخطيرة من وجهة النظر التطورية»؛ مثل الثعابين والبرق والغَرَق. ليس ثمة مسح للدماغ يمكن أن يقدِّم دليلًا على أنَّ الخوف من الظلام قد غرسه التطور في نفوسنا، ولكن حتى تصدِّق ذلك ما عليك إلا أنْ تقرأ عن جماجم خمسة أشخاص من حقبة ما قبل التاريخ جرَّتهم حيوانات ليلية آكلة للحوم إلى عُرُنها تحت الأرض (مجلة ساينس، المجلد ٣٤٢، صفحة ٢٩٧).

معظمنا يتغلَّب على رُهاب الظلام مع التقدُّم في العمر، ولكن ليس كلنا. فإذا استمر الرُّهاب أكثر من ستة أشهر، فإنه يُعتَبَر رُهابًا نوعيًّا أو محددًا ويعالَج على هذا الأساس بالعلاج النفسي أو الأدوية، تلك العلاجات المعتادة لدينا نحن الكائنات النهارية عديمة المخالب الفَزِعة التي تعيش في هذا العالم الخطير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.