من بين أباطرة الرومان الأوائل، لم يكن ثمَّة منازع لكاليجولا في شهرته بالوحشية الجامحة الخالصة سوى نيرون. لم يكن قد تجاوز ١٦ عامًا من العمر عندما نصَّبه الحرس الإمبراطوري إمبراطورًا عام ٥٤ ميلاديًّا؛ ليكون خلَفًا للإمبراطور كلاوديوس. ويُزعَم أنه وُلِد في الوضع المِقعديِّ، وهو ما كان يُعَدُّ نذير شؤم، إلَّا أنه — على ما يبدو — بدأ بداية واعدة، تحت إرشاد لوكيوس أنَّايوس سينيكا، الفيلسوف الرواقي الذي تتلمذ نيرون على يديه، وس‍كست‍وس أفراني‍وس ب‍ورُّوس، قائد الحرس الإمبراطوري. كان لدى نيرون اهتمام جادٌّ بالفنون، وكان يكتب الشعر ويعزف على القيثارة، ويستعرض صوته الغنائي على خشبة المسرح. كان الأحرى به أن يمتهن الفن عوضًا عن تولِّي الإمبراطورية، وهو المنصب الذي تحوَّل فيه إلى سفَّاح ماجن مصاب بجنون العَظَمة. وكان سينيكا — الذي أُجبِر على الانتحار في عام ٦٥ ميلاديًّا — أحد ضحاياه الكُثر.

«يا قيثارتي، يا قيثارتي، إن روما تحترق.» بيتر أوستينوف (في المنتصف) يمثِّل دور نيرون في فيلم كوفاديس، من إنتاج هوليوود عام ١٩٥١.
«يا قيثارتي، يا قيثارتي، إن روما تحترق.» بيتر أوستينوف (في المنتصف) يمثِّل دور نيرون في فيلم كوفاديس، من إنتاج هوليوود عام ١٩٥١.

كان معظم سكان روما في عام ٦٤ ميلاديًّا يعيشون في بيوت وأكواخ من الخشب مثَّلت فريسة سهلة للنيران. وقد ورد أقدمُ سرْدٍ مفصَّل باقٍ للحريق الذي اندلع، عندما كان القمر بدرًا في تلك الليلة من شهر يوليو، عن المؤرِّخ الروماني تاكيتوس، الذي كان صبيًّا صغيرًا آنذاك. وهو يقول إن الشرارة اندلعت في متاجر بسيرك ماكسيموس، عند مدرَّجات سباق عربات الخيل. وإذ أججتها الرياح، سرعان ما استحالت حريقًا مستعرًا، اجتاح الشوارع الضيقة والأزقَّة المزدحمة لِتتعالى في إثْره صرخات السكان المذعورين. كان الأطفال عديمي الحيلة مثلهم مثل الشيوخ، وتدافعت حشود من مواطنين متخبِّطين هنا وهناك في محاولة للهرب، بينما فقد بعضهم حياته أثناء محاولته الباسلة إنقاذ الآخرين. وتعرقلت جهود إخماد الحريق على يد عصابات من الرجال، الذين راح بعضهم يُلقي شُعُلات ملتهبة لإذكاء النيران، ولم يتبيَّن أكانوا من مرتكبي أعمال النهب أم أنهم — مثلما زعموا — كانوا ينفِّذون أوامر مسبقة؟ وبعد خمسة أيام بدا أن الحريق قد توقف إثْر تهدُّم المباني في مساحة واسعة عند سفح هضبة إسكيلين، لكنه اندلع من جديد بنفس القدر من الشدة وراح ينتشر على نطاق أوسع. وعندما هدأت النيران أخيرًا، كان معظم المدينة إما دُمِّر تمامًا أو تكبَّد خسائر فادحة.

يقول تاكيتوس إن نيرون كان في مدينة أنتيوم على الساحل عندما اندلع الحريق، ثم عاد إلى روما لتنظيم جهود الإغاثة. فسُمِح للأشخاص الذين فقدوا بيوتهم أن يضربوا خيامًا في البنايات العامة والمساحات المفتوحة والحدائق، وجُلِبت مُؤَن غذائية من أوستيا وغيرها من البلدات المجاورة، كما خُفِّض سعر الذرة. إلا أنه انتشرت آنذاك أقاويل مفادها أنه بينما كانت النيران تلتهم المدينة شُوهِد الإمبراطور يغني على مسرح أحد المنازل الخاصة عن سقوط طروادة ودمارها؛ فبدأ الناس يعتقدون أن نيرون هو من أشعل الحريق متعمِّدًا؛ حتى يتسنَّى له آنذاك إعادة بناء روما لتكون مدينة جديدة مهيبة ويطلق عليها اسمه.

لم يُعرِب تاكيتوس عن رأي واضح بشأن إذا ما كانت الكارثة وليدة المصادفة أم أن الإمبراطور قد دبَّرها غدرًا، فقال: إن «كلتا الروايتين وردَتَا عن الرواة.» وقد انتهز نيرون الفرصة بالفعل ليبني لنفسه قصرًا جديدًا — أَطلق عليه «البيت الذهبي» — ولم يكن ثمَّة شك لدى المؤرخين اللاحقين من أمثال سويتونيوس وديو كاسيوس في أن نيرون كان مسئولًا عن نشوب الحريق، وأنه كان يشدو منتشيًا بينما راحت المدينة تحترق. وقال ديو كاسيوس إن الإمبراطور كان قد أرسل رجالًا تظاهروا بأنهم سكارى لإشعال النار في المدينة.

حسب رواية تاكيتوس، بلغ انزعاج نيرون بانتشار الاعتقاد بأن النار قد أُشعِلت بناءً على أوامر منه مبلغًا حدا به إلى إلصاق التهمة بالمسيحيين واتخذهم كبش فداء؛ فقد كانوا مؤمنين بما أسماه تاكيتوس: «تطيُّر أثيم» انتشر حتى بلغ حدود روما؛ «حيث تجد فظائع العالم أجمع ومعايبه كلها بؤرة تنصبُّ فيها وتكتسب رواجًا.» فقُبِض على المسيحيين وعُذِّبوا حتى اعترفوا تحت وطأة هذا التعذيب، ثم كانوا يُلقَون إلى الكلاب لتمزِّقهم إرْبًا، أو يُصلَبون، أو يُحرَقون أحياء ويُستخدَمون كمشاعل آدمية ليلًا. وقد ورد في نصٍّ مسيحي من القرن الثاني أنَّ نيرون هو المسيح الدجَّال.

بصفة عامَّة يشكك مؤرِّخو عصرنا الحالي في أن يكون نيرون قد أمر أتباعه بإشعال الحريق. وسواء أكان فعل ذلك أم لم يفعل، فهو لم يكن أمامه متسع من الوقت؛ فقد بدا أنَّ تَكرار ظهوره على خشبة المسرح — وهو الأمر الذي كان يعتمد عليه لاكتساب الشعبية — يحطُّ من قدره أكثر فأكثر. حِيكت مؤامرات خطيرة ضد الإمبراطور في روما، وبدأ الجيش يفقد ثقته فيه، وهبَّت انتفاضات في إسبانيا وبلاد الغال والمقاطعات الشرقية. وفي عام ٦٨ ميلاديًّا — عندما تخلَّى عنه الحرس الإمبراطوري بِدَوْره — فرَّ إلى فيلَّا خارج حدود روما، وهناك انتحر وهو في الثلاثين من عمره. قيل إنه كان قد أَمَر بحفر قبرٍ لنفسه، وأمر أمينَ سِره بمساعدته على طعن نفسه بالخنجر في عنقه. وطَوَال ذلك الوقت ما فتئ يهتف: «ما أعظمَ الفنانَ الذي سيموت بداخلي!»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.