منذ وفاة جوزيف ستالين في عام ١٩٥٣، ولا سيما في أعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات من القرن العشرين، اجتمع المؤرخون وعامة الناس بجميع أنحاء العالم على التنديد بالقائد السوفييتي ونظام حكمه. أدت قسوة ستالين، إلى جانب عمليات التطهير، ومعسكرات العمل القسري (الجولاج)، والمجاعات التي فتكت بالملايين من أفراد شعبه، إلى اعتباره — على أحسن تقدير — شرًّا لا بد منه، وذلك تقديرًا لدافعه لتوجيه اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية إلى الحداثة والتصنيع. لكن على الرغم من الملايين الذين تعرضوا للمعاناة والموت نتيجة لسياسات ستالين، فطالما حظي بالتوقير في روسيا لقيادته البلاد إلى النصر على النازيين في «الحرب الوطنية العظمى»، وهو الإنجاز الذي عاد للأذهان خلال الاحتفالات بالذكرى السنوية الستين له في عام ٢٠٠٥.

منذ ذلك الحين ويبدو أن الحركة في روسيا لردِّ اعتبار ستالين أخذت تتوسع، وصورة أكثر إزعاجًا بدأت تتجلى، وهي الصورة التي يُعاد فيها صياغة أعمال «الأب الصغير»، وإرثه، وشخصيته، وإضفاء خصائص مختلفة تمامًا عليها. في عام ٢٠٠٧، قادت حكومة بوتين مبادرة لإعادة هيكلة المنهج الدراسي القومي لتعليم الأطفال في المدارس أن أفعال ستالين كانت «عقلانية تمامًا». وفي العام نفسه، أُغير على سجلات منظمة ميموريال المرموقة لحقوق الإنسان، وصادرت الشرطة صور أعمال ستالين الشنيعة، بالإضافة إلى شهادات شفهية أُخذَت على مدار عشرين عامًا تؤرخ الحياة اليومية في ظل نظام حكمه. والأهم هو أنه عندما أجرت إحدى المحطات التليفزيونية استفتاءً عن «أعظم شخصية روسية على الإطلاق» في عام ٢٠٠٨، جاء ستالين في المركز الثالث، حتى بعد أن التمست المحطة من الأمة التصويت لمرشحين آخرين.

أُعيدَ تقديم ستالين للواقع المادي والثقافي في روسيا. فصار رمزًا استهلاكيًّا بانتشار ساعات يد وغير ذلك من الأدوات المعروضة للبيع تحمل صورته. وفي عام ٢٠٠٩، جُدِّدت إحدى محطات مترو الأنفاق في موسكو بوضع نقوش كبيرة نصها «غرس فينا ستالين الولاء للشعب، وألهمنا العمل والبطولة» في اقتباس صريح من النشيد الوطني للاتحاد السوفييتي قبل عام ١٩٧٧.

تتزامن الشهرة المتنامية لستالين، وتحويله إلى أسطورة، مع التغيرات التي يشهدها حكم روسيا. فقد علت الأصوات المتخوفة داخل البلاد وخارجها، مثيرة تساؤلات بشأن سياسات الذاكرة في ظل التشريع المثير للجدل، الذي تسرع الحكومة حاليًّا في تنفيذه. تشمل المقترحات زيادة العقوبات على انتهاك قوانين الاحتجاج، ووصف المنظمات غير الحكومية التي تتلقى تمويلًا أجنبيًّا ﺑ «العملاء الأجانب»؛ وهو مصطلح مرادف للمصطلحات التي استخدمها ستالين للإشارة إلى «الجواسيس» و«المنشقين» (ومشروع قانون المنظمات غير الحكومية، الذي وافق عليه حديثًا بوتين وتبنته الحكومة الروسية، واضح في إصراره على أن تصف المنظمات غير الحكومية نفسها على هذا النحو)، والتصريح للحكومة بالرقابة على صفحات معينة على الإنترنت.

ثمة تضارب في رد الفعل الروسي تجاه هذا التحول في النموذج الفكري. فتشتعل الخلافات حول تفسير الماضي الصعب للاتحاد السوفييتي السابق، وتمثيله. وفي مقابل كل نُصب تذكاري يقام لستالين، ثمة نُصب آخر يُحطم.

لا تقتصر ازدواجية الآراء حول عهد ستالين على الأجيال القديمة، التي لا تزال تتذكر ستالين بخوف، بل أيضًا الشباب. تشير استطلاعات الرأي التي أُجريت حديثًا أن ٤٦ بالمائة فقط من الأفراد تحت سن الثلاثين ما كانوا ليصوتوا لستالين لو رُشح في الانتخابات الآن. وفي الوقت نفسه، بعض مَن يتذكرون حكمه يفتقدون الاستقرار الذي كان يوفره، ومكانة البلاد كقوة عظمى، فضلًا عن نظام النقل العام الأفضل على مستوى العالم.

لم تسلم أفعال بوتين المستبدة من المعارضة. فبعد ما شهده شهر يونيو ٢٠١٢ من غارات الشرطة على منازل قادة المعارضة في موسكو، بدأ هاش تاج “#hello1973” في الانتشار على موقع تويتر في روسيا. وأدت محاولات ردِّ الاعتبار لصورة ستالين إلى احتجاجات في كازاخستان. وفي الوقت نفسه، تنظر أوكرانيا لمثل هذه الصور على أنها تدمر فرصها في أن يُنظَر إليها باعتبارها «دولة غربية».

ينتشر الالتباس بجميع المستويات. فرئيس الوزراء، ديمتري ميدفيديف، من المعارضين لستالين، ويستمر الجدل قائمًا داخل الحزب الشيوعي الروسي الذي لا يزال كبيرًا حول كيفية «التعامل» مع ستالين. في عام ٢٠١٠، صوَّت مجلس الدوما الروسي لمصلحة تحميل ستالين مسئولية مذبحة كاتين التي وقعت في عام ١٩٤٠، وراح ضحيتها ٢٠ ألف ضابط بولندي. وفي العام السابق لذلك التاريخ، رفع حفيد ستالين دعوى تشهير ضد صحيفة روسية وصفت جده ﺑ «المجرم المتعطش للدماء». ورُفِضت دعوته.

وبينما ينشغل العالم الأكاديمي الأوسع نطاقًا بهذه التحولات، بدأت كتب جديدة أكثر تعاطفًا مع ستالين في الظهور، وإن كان الكثير من المؤرخين، بما في ذلك أورلاندو فايجيز، ينتقدون بصراحة عملية ردِّ الاعتبار، ويتواصل الجدل التاريخي.

هذا وقد أشارت المحاكمة الأخيرة لفرقة موسيقى الروك النسائية الروسية «بوسي ريوت»، بسبب عرض احتجاجي قدمته الفرقة في كاتدرائية المسيح المنقذ في موسكو، إلى أن المعارضة السياسية لبوتين تتجمع في روسيا، وإن كان الحكم الذي صدر بشأنهن لاحقًا بالسجن لمدة عامين يوضح أن بوتين لا يخشى الاعتماد على أساليب استبدادية للتعامل مع الأمر.

ليست الحكومة الروسية الأولى في محاولة تغيير الرواية أو تحوير التاريخ لاستغلاله سياسيًّا في الوقت الحالي. وتغييرها للتاريخ في هذه الحالة يُطهَّر ويُصقَل ويُعاد تأهيله ويُستخدَم كنموذج لصورة معاصرة من القيادة مركزية التحكم. لكن مع الوضع في الاعتبار تاريخ ستالين الضخم في روسيا، نجد جميع القضايا المتعلقة بالاختيار والتفسير والذاكرة والتمثيل أكثر إشكالية.

على الرغم من حقيقة أن العرض المثير للجدل الذي قدمته فرقة «بوسي ريوت» لم ينتهك أي قوانين، فقد أوضح استفتاء أجراه مركز ليفادا حديثًا أن خمسة بالمائة فقط من الروس رأوا أن الفرقة لا تستحق إنزال أي عقاب بها؛ ففي الأوقات التي يسود فيها الشك بشأن الأحوال الاقتصادية والسياسية، ينشأ الحنين للماضي، والشوق لقيادة قوية، ومن ثم يصبح إرث ستالين سببًا للاحتفاء به بدلًا من القلق منه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.