بدأ الأمر مع توماس كوديل برغبةٍ في تسهيل عملية تصنيع الطائرات. وفي عام ١٩٩٠ — كان كوديل آنذاك عالمًا في شركة بوينج — كان يحاوِل التوصُّل لطريقةٍ تساعد العمَّال في تجميع حُزَم الأسلاك الطويلة المستخدَمة في الطائرة النفاثة ٧٧٧ الجديدة.

رسوم: إيمانويل بولانكو.
رسوم: إيمانويل بولانكو.

لتوصيل الأسلاك على نحو سليم، كان على العمَّال تبادُل النظر باستمرارٍ بين ورقة التعليمات والوحدة التي يقومون بتجميعها؛ مما أدَّى إلى تعقيد مهمة صعبة في الأساس. خطرت لكوديل وزميله ديفيد مايزيل الفكرة التالية: ماذا لو استطاعوا تزويد عمَّال التجميع بشاشة عرض شفَّافة توضِّح أماكن استقرار الأسلاك؟ كانت الطائرة ٧٧٧ هي أول طائرة نفاثة أُعِدَّ لها نموذج رقمي كامل قبل تجميعها؛ ومن ثَمَّ توفرت بالفعل صورٌ رقمية لمكوناتها.

صمَّمَ كوديل ومايزيل نظامًا يستطيع العمَّال ارتداءه على رءوسهم، لكن هذا النظام لم يَلْقَ رواجًا، مثله مثل غيره من المحاولات الأولى لتطعيم عالم الواقع بأجزاء من العالم الافتراضي. يقول كوديل إن ذلك يرجع في الغالب إلى أن تكنولوجيا تَتَبُّع الرأس لم تكن تستجيب بالشكل الكافي، فضلًا عن كون أجهزة الكمبيوتر القابلة للارتداء وقتها أبعد ما تكون عن مستوى كفاءتها الحالي. رغم ذلك ابتكَرَ كوديل مصطلحًا يصف هذا النوع من الرؤية الرقمية، أَلَا وهو: الواقع المعزز.

وخلال العقود اللاحقة، أصبح الواقع المعزز تدريجيًّا تكنولوجيا مقبولة، لكنها ظلَّتْ بعيدة عن الانتشار لأن الأجهزة المحمولة لم تحقق الدرجة المطلوبة من الاندماج، في حين لا تزال النظارات الذكية باهظة الثمن وعجيبة الشكل. لكن الشركات التي تتوق إلى تقنيات تساعد على زيادة كفاءة موظفيها لا تعبأ بالموضة أو السعر. فعلى سبيل المثال، بدأت شركة رايثيون المتعاقدة مع وزارة الدفاع، وشركة ميتسوبيشي إلكتريك لتصنيع الإلكترونيات، وغيرهما من الشركات الكبرى، في تجربة الواقع المعزز في أماكن العمل وفي العمل الميداني. يعلِّق سليمان عيتاني — مؤسِّس شركة أثير لابس التي تنتج برامج ونظارات الواقع الافتراضي الثلاثي الأبعاد، ومدير الشركة التنفيذي — على ذلك قائلًا: «ترى بعض الشركات أن هذه التكنولوجيا مثيرة حقًّا للاهتمام، وقرَّرَتِ المراهنة عليها؛ إذ تعتقد أن الفرصة مواتية لنجاحها.» تعمل الشركة التي يقع مقرها في كاليفورنيا على إجراء اختبارات تجريبية للواقع المعزز في المستشفيات، ومواقع الإنشاء، والمصانع.

إضافةً إلى ذلك، فإن شركة داكري — وهي شركة ناشئة أخرى متخصِّصة في برمجيات الواقع المعزز ويقع مقرها في لوس أنجلوس — تشجِّع الشركات أيضًا على استكشاف هذه التكنولوجيا. ومثل أثير، ترى داكري أن شاشات العرض المثبتة على الرأس هي الطريقة التي سنستخدم بها هذه التكنولوجيا في النهاية، لكن حاليًّا ينصبُّ معظم تركيزها على الهواتف الذكية وشاشات الأجهزة اللوحية.

يشرح براين مولينز — مؤسِّس الشركة ومديرها التنفيذي — تكنولوجيا شركته الناشئة باستخدام ورقةٍ تعرض رسمًا تخطيطيًّا للقلب البشري، وجهازِ آي باد، وتطبيقٍ من تطوير داكري. يجعل التطبيق القلب يظهر محلِّقًا في الهواء فوق الورقة نابضًا بخفة، بينما يجري ضخ دم كرتوني عَبْره. يتتبَّع برنامج داكري حركة الآي باد، بحيث يسمح برؤية القلب من زوايا مختلفة. ليست هذه التكنولوجيا ذات نفع في ورش المصانع بعدُ، لكن العديد من الشركات — من ضمنها شركة رايثيون — تجرِّبها حاليًّا.

استخدمت شركة رايثيون نموذجًا ثلاثيَّ الأبعاد من إنتاج داكري لعرض التطور الذي طرأ على جهاز أسطواني للتشويش على الإشارات سوف يُثبَّت على أجنحة الطائرات المقاتِلة التابعة للبحرية. وعند وضع نموذجٍ للجهاز باستخدام تقنية الواقع المعزز أصبح في وسع المشاهدين التجوُّل في أرجائه، وفتح الأبواب بسرعة، واكتشاف الأجزاء الداخلية، والتركيز على الأنظمة الفرعية المتنوعة.

كذلك قد تساعد تكنولوجيا الواقع المعزز في تسهيل مهام الموظفين البعيدين عن مكاتبهم أو العمَّال البعيدين عن مصانعهم؛ إذ تستخدم شركة ميتسوبيشي إلكتريك برنامجًا من إنتاج شركة ميتايو لبرامج الواقع المعزز على نظارات موفاريو الذكية، التي تنتجها شركة إبسون لاختبار إن كان فنِّيُّو الخدمة سيستفيدون من عرضٍ ثلاثيِّ الأبعاد يحدِّد أجزاءَ جهازِ التكييف المنزلي الأكثر انتشارًا بين منتجات الشركة.

يقول توبياس هوليرير — الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا، والذي يَدْرُس الواقع المعزز — إن إقناع الناس بقبول هذه التكنولوجيا يعتمد على عوامل قد لا تتمتع بنفس مستوى التطور الذي وصلت إليه تكنولوجيا التتبع والشاشة، أَلَا وهي تقنيات التحكُّم في النظام، سواء كانت عبر الحركات أو الصوت أو عبر وسيلة أخرى مختلفة تمامًا.

يضيف هوليرير: «بالتأكيد يوجد تأخُّر في انتشار تلك التقنيات منذ أن أصبحت متاحةً إلى أن امتلكت الكفاءة اللازمة للانتشار الفعلي في سير العمل، لكني أعتقد أن لتكنولوجيا الواقع المعزز مزايا تشفع لها لتحقيق تلك النقلة.»

وبالفعل بدأت التكنولوجيا في التوجُّه نحو الصناعة التي كان كوديل يأمل في تعزيزها في الماضي في تسعينيات القرن العشرين، فبعض عمَّال صناعة الطائرات يستخدمون نظارات موفاريو لتبسيط عملية تركيب الأجزاء المكونة لمحركات الطائرة.

رسوم: إيمانويل بولانكو.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.