عندما غادرت سفينة لويس ماجيستي السياحية مدينة برشلونة في شرق إسبانيا متجهة إلى جنوا في شمال إيطاليا، كانت تقطع الجزء الأخير من رحلتها الترفيهية عبر البحر المتوسط، لكن البحر كان يحمل لها في جعبته مصيرًا آخر.

كيف تتنبأ بالأمواج الهائلة كتلك التي نراها في هذه الصورة؟
كيف تتنبأ بالأمواج الهائلة كتلك التي نراها في هذه الصورة؟

كانت سحب العاصفة تتجمَّع في الوقت الذي انطلقت فيه السفينة نحو الشرق مُغادِرةً الميناء في حوالي الساعة الواحدة ظهرًا يوم ٣ مارس ٢٠١٠. تزايدت حركة أمواج البحر بمعدل ثابت أثناء الساعات الأولى من الرحلة على نحوٍ كافٍ لاختبار معدن مَن لم يعتادوا دوار البحر، إلا أنه لم يكن هناك شيء خارج عن المألوف.

في الرابعة وعشرين دقيقة مساءً، اصطدمت السفينة بغتةً بجدار مائي يبلغ ارتفاعه ٨ أمتار أو أكثر. حسبما يمكن ترتيب الأحداث، فإن انكفاء السفينة أثناء انحدارها على جانب الموجة تسبَّب في ميلها نحو موجة ضخمة ثانية — وربما موجة ثالثة كذلك — خلف الموجة الأولى مباشرة. اندفعت المياه مُحطِّمةً نوافذ قاعة جلوس على السطح ٥، الذي يرتفع ١٧ مترًا عن خط الماء. لقي اثنان من المسافرين مصرعهما على الفور، وجُرِح ١٤ آخرون، ثم اختفت الأمواج فجأةً مثلما ظهرت فجأةً، واستدارت السفينة عائدةً مترنِّحة إلى برشلونة.

قبل بضعة عقود، كانت الأمواج العملاقة كتلك التي ضربت سفينة لويس ماجيستي تُعتبر أسطورةً مثيرة يرويها البحارة العُجُز لا أكثر، إلا أن الملاحظات الفعلية التي تدعمها النظريات المُطوَّرة والتجارب المعملية لم تَعُدْ تَدَعُ مجالًا للشك في حدوث الأمواج الضخمة، وبمعدل غير قليل. وأصبح السؤال المطروح هو: هل نستطيع التنبؤ بوقت حدوث تلك الأمواج ومكانها؟

تأخَّر العلم في دراسة الأمواج العملاقة، بل لا يوجد حتى الآن أي تعريف مقبول عمومًا لها. أحد التعريفات الواسعة الانتشار يحدِّد الموجة العملاقة بكونها تبلغ على الأقل ضعف ارتفاع الموجة الكبيرة، والذي يُعرَّف بدوره باعتباره متوسط ارتفاع ثلث أطول الأمواج في أي منطقة. إن ما يشير ذلك التعريف إليه يعتمد بعض الشيء على البيئة المحيطة؛ ففي بحر هادئ حيث يصل ارتفاع الأمواج الكبيرة إلى ١٠ سنتيمترات، ربما تُعتبر موجةٌ يبلغ طولها ٢٠ سنتيمترًا موجةً عملاقةً.

إذا بدا ذلك التعريف ضعيفًا، فإن النماذج التي استخدمها علماء المحيطات للتنبؤ بارتفاع الأمواج أشارت على نحو خاطئ إلى أن الأمواجَ الطويلة نادرةُ الوجود. اعتمدت تلك النماذج على مبدأ التَّراكُب الخطِّي، والقائل بأنه عند تقابل سلسلتين من الأمواج فإن ارتفاعات قمم الأمواج وقيعانها عند كل نقطة يضاف بعضها إلى بعض ببساطة. وفي أواخر ستينيات القرن العشرين فحسب، اكتشف توماس بروك بنجامين وجي إي فير — من جامعة كامبريدج — نوعًا من الاضطراب في القواعد الرياضية التي تحكم ذلك المبدأ. فعندما تلحق الأمواج ذات الطول الموجي الأكبر بالأمواج ذات الطول الموجي الأصغر؛ فإن طاقة سلسلة الأمواج بأكملها قد تتركَّز فجأة في بضع أمواج ضخمة، أو في موجة واحدة فحسب.

ترتحل الأمواج الأطول بمعدل أسرع في عمق المحيط؛ ومن ثم يعتبر هذا السيناريو مقبولًا وواقعيًّا تمامًا. شرع الباحثان يختبران النظرية مستعينين بحوضِ سَحْب يبلغ طوله ٤٠٠ متر، ومزوَّد بصانع أمواج — كان يُعَد قمة التطور التكنولوجي وقتها — وذلك في إحدى المنشآت التابعة للمختبر الفيزيائي الوطني البريطاني في ضواحي لندن. بالقرب من صانع الأمواج — الذي كان يقلِّب المياه بسرعات متنوعة — كانت الأمواج منتظمة ومستقرة، لكن بعد ٦٠ مترًا تقريبًا تشوَّهت الأمواج، وتحوَّلت إلى أمواج أضخم أقصر عمرًا يمكن أن نَصِفها الآن بالأمواج العملاقة (مع أن طول الأمواج الأولى كان لا يزيد على بضعة سنتيمترات لتجنُّب تناثر الماء غير المبرر).

مرَّ بعض الوقت إلى أن انتشرت هذه المعلومة الجديدة تدريجيًّا. يعلِّق تاكوجي واسيدا — عالم المحيطات في جامعة طوكيو باليابان — على ذلك قائلًا: «تُصبح الأمواج غير مستقرة، ويمكنها حشد الطاقة بنفسها، لكنْ ظلَّ الناس لوقت طويل يعتقدون أن تلك ظاهرة نظرية غير موجودة في المحيطات الحقيقية.»

في النهاية اصطدمت النظرية بالملاحظة عام ١٩٩٥ في بحر الشمال، على بعد ١٥٠ كيلومترًا تقريبًا قبالة ساحل النرويج؛ إذ ساد الاضطراب في اليوم الأول من ذاك العام حول منصة دراوبنر البحرية، حيث بلغت الأمواج ارتفاعات عالية تصل إلى ١٢ مترًا، إلا أنه عند الساعة الثالثة وعشرين دقيقة تقريبًا مساءً، سجَّلت مقاييس التسارع ومستشعِرات الجهد المُرَكَّبة على المنصَّة موجةً تبلغ ٢٦ مترًا عن القيعان المحيطة. ووفقًا للمعتقد السائد، فإن هذه الظاهرة تحدث مرة كل ١٠ آلاف عام.

أعلنت موجة دراوبنر عن بداية حقبة جديدة في علم الأمواج العملاقة، على حد قول الفيزيائية أيرا ديدنكولوفا، من جامعة تالين التكنولوجية في إستونيا. وفي عام ٢٠٠٠، أطلق الاتحاد الأوروبي مشروع «ماكس ويف» الذي استمر لمدة ثلاث سنوات، وخلال فترة زمنية بلغت ثلاثة أسابيع في بداية عام ٢٠٠٣، استخدم المشروع بيانات أجهزة رادار على قوارب وبيانات الأقمار الصناعية للبحث عن الأمواج العملاقة في محيطات العالم، وعثر على ١٠ أمواج بلغ طولها ٢٥ مترًا أو أكثر.

ومن ثم نعرف الآن أن الأمواج العملاقة قد تظهر في جميع المحيطات. ومن المناطق الأكثر عُرضة لهذه الأمواج يأتي: شمال المحيط الأطلنطي، وممر دريك بين القارة القطبية الجنوبية والطرف الجنوبي لأمريكا الجنوبية، والمياه قبالة الساحل الجنوبي لجنوب أفريقيا (انظر الخريطة بالأسفل). من الممكن كذلك أن تظهر الأمواج العملاقة في بعض المسطحات المائية العذبة الضخمة مثل البحيرات العظمى في أمريكا الشمالية. أدى ذلك الاكتشاف إلى إلقاء الأضواء من جديد على عدد من الحوادث التاريخية (انظر الجزء بعنوان «العمالقة السبعة»)، ويُعتقد أن الأمواج العملاقة لعبت دورًا في حوادث غرق غير مفسَّرة لحوالي مائتي سفينة شحن في العقدين السابقين لعام ٢٠٠٤. ومؤخرًا، تعرَّضت السفينة السياحية ماركو بولو لما يُعتقد أنه موجة غير تقليدية في القناة الإنجليزية في شهر فبراير من هذا العام متسببة في تحطيم نوافذ مطعم على السطح ٦ ومصرع أحد الركاب.

وحوش في أعماق المحيطات: بتحليل التقارير الإعلامية من ٢٠٠٦ إلى ٢٠١٠، وقعت تسع حوادث مؤكدة لسفن ضربتها أمواج عملاقة وسط مياه المحيطات العميقة. وربما تتحمل أمواج عملاقة أخرى مسئولية الكثير من حوادث الغرق غير المبررة لسفن.
وحوش في أعماق المحيطات: بتحليل التقارير الإعلامية من ٢٠٠٦ إلى ٢٠١٠، وقعت تسع حوادث مؤكدة لسفن ضربتها أمواج عملاقة وسط مياه المحيطات العميقة. وربما تتحمل أمواج عملاقة أخرى مسئولية الكثير من حوادث الغرق غير المبررة لسفن.

أمواج عملاقة

الأمواج العملاقة حقيقية إذن، لكن ما الذي يتسبَّب في حدوثها؟

قضى ميجيل أونوراتو — من جامعة تورينو في إيطاليا — ما يزيد على عقد في محاولة الإجابة على ذاك السؤال. استخدم أونوراتو معادلة شرودنجر غير الخطِّية، والتي طالما استُخدِمتْ لتَوقُّع الأوضاع غير المُتوَقَّعة في كلٍّ من الفيزياء الكلاسيكية والكَمِّية. وقد استخدمها أونوراتو لبناء محاكَيَات حاسوبية، وللمساعدة في تصميم تجارب حوض الأمواج في محاولة لخلق أمواج عملاقة من تموجات صغيرة.

إن أونوراتو وغيره من الباحثين بصدد إعداد دليل بالمواقف المتسبِّبة في ظهور الأمواج العملاقة في عالم الواقع؛ أحدها: هو اصطدام أمواج العاصفة بتيار قوي يسير في الاتجاه المقابل. وهو ما يحدث غالبًا باتجاه تيار الخليج في شمال الأطلنطي، أو عندما تواجه الأمواج البحرية تيار أجالاس قبالة جنوب أفريقيا. أحد المواقف الأخرى كذلك هو «التقاطع البحري»؛ حيث يلتقي نظاما أمواج — غالبًا أحدهما ناتج عن الرياح الإقليمية، والآخر عبارة عن موجة بحرية قادمة من بعيد — من اتجاهين مختلفين، ويتسببان في حالات من عدم الاستقرار.

لطالما ظلَّت التقاطعات البحرية عاملًا مشتبهًا فيه؛ إذ استخدم تحليل أُجري عام ٢٠٠٥ بيانات من مؤسسة خدمات المعلومات البحرية، لويدز ليست إنتليجانس؛ لإثبات أنَّ نِصْفَ حوادث السفن التي نُسبت إلى سوء الأحوال الجوية وقعت في تقاطعات بحرية، وذلك بناءً على التعريف المحدَّد.

في عام ٢٠١١، أُلقيت تَبِعَة حادث دراوبنر على تقاطع بحري. ويَعتقد أونوراتو أن حادث السفينة لويس ماجيستي قد يرجع كذلك إلى تقاطع بحري. وعندما أضاف مع فريقه بيانات الرياح والأمواج إلى نموذجه، بهدف «محاكاة» حالة البحر في المنطقة في ذلك الوقت، أشار النموذج إلى تلاقي سلسلتين من الأمواج عند السفينة؛ إحداهما من الاتجاه الشمال الشرقي، والأخرى من الجنوب الشرقي، وتفصلهما زاوية تتراوح بين ٤٠ إلى ٦٠ درجة.

وقد تتسبَّب مواقف أبسط في توليد أمواج عملاقة أيضًا؛ ففي العام الماضي أعاد واسيدا دراسةَ حادثةٍ وقعت في ديسمبر ١٩٨٠، عندما تسبَّبت موجة ضخمة — يُقدَّر ارتفاعها بعشرين مترًا — في تحطيم مقدمة سفينة شحن محمَّلة بالفحم بأكملها، وذلك في منطقة «مثلث التنين» التي تقع في المحيط الهادي جنوب اليابان، وتحظى بسمعة سيئة حيال ما يقع فيها من حوادث. وقد ألقى تحقيق الحكومة اليابانية اللوم على تقاطع بحري، لكن عندما استخدم واسيدا نموذج أمواج أكثر دقةً لمحاكاة الظروف، اكتشف أن إعصارًا قويًّا أدى — على الأرجح — إلى تدفق الطاقة في نظام أمواج واحد على نحو أكبر بكثير مما تسمح به النماذج التقليدية.

ويعتقد واسيدا أن تلك الأمواج العملاقة التي تنشأ في نظام واحد قد تكون المسئولة عن حوادث أخرى كذلك، وأن النماذج تحتاج إلى مزيد من التحديث؛ إذ يقول: «اعتدنا الاعتقاد بأنه من السهل وصف أمواج المحيط، لكن اتضح أنها تتغيَّر بنفس السرعة والمقياس الزمني للرياح التي تتغير سريعًا.» في عام ٢٠١٢، أثبت أونوراتو وآخرون أن النماذج تسمح كذلك بإمكانية حدوث «أمواج خارقة» تبلغ ارتفاعًا شاهقًا يبلغ ١١ ضعف ارتفاع البحار المحيطة، وهي احتمالية تأكَّد وجودها في تجارب أحواض الماء.

إنذار مبكر

ومع إمكانية تسبُّب التغيُّر المناخي في مزيد من العواصف العاتية، تحوَّلت تلك الاحتمالات النظرية إلى هاجس فعلي خطير؛ ومن ثم موَّل الاتحاد الأوروبي — في الفترة من ٢٠٠٩ إلى ٢٠١٣ — مشروعًا أطلق عليه إكستريم سيز، يجمع العاملين في مجال بناء السفن مع الباحثين الأكاديميين — من ضمنهم أونوراتو — من أجل صنع سفن ذات هياكل مُصمَّمة للتصدِّي للأمواج العملاقة على نحو أفضل.

إلا أن ذلك يعتبر حلًّا طويل المدى بالغ الكلفة؛ ومن ثم تظل أفضل طريقة للوقاية هي ببساطة معرفةُ متى — على الأرجح — ستضرب الأمواج العملاقة ضربتها. يقول وسيدا: «يمكننا — على الأقل — التحذير من التغيُّر السريع لحالة البحر. على الأرجح، التغيُّر الخطير.»

طوَّر الباحثون العديد من المؤشرات التي تهدف إلى تحويل بيانات حالة البحر والأقمار الصناعية غير المعالجة إلى تحذير من هذا النوع. أحد المؤشرات الشائعة الاستخدام هو مؤشر بنجامين-فير، الذي سُمِّي تيمُّنًا بالباحثَيْن الرائدَيْن في مجال الأمواج العملاقة. صُمِّم المؤشر عام ٢٠٠٣ على يد بيتر يانسن — من المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية المتوسطة المدى في مدينة ريدنج بالمملكة المتحدة — وهو محسوب للتنبؤ بمربعات بحرية يبلغ طولها وعرضها ٢٠ كيلومترًا، ومُتضَمَّن حاليًّا في نشرة المركز لحالة البحر التي تصدر مرتين يوميًّا. يقول يانسن: «يستخدمه ضباط توجيه السفن كمؤشر لمعرفة إن كان يمكنهم المرور عبر منطقة معينة.»

يتمحور الهدف النهائي حول تمكين السفن من تحقيق ذلك بنفسها. وحاليًّا تحمل معظم السفن الضخمة التي تعبر المحيطات مستشعرات للمسح الشامل تحدِّد ارتفاعات الأمواج عبر تحليل أصداء الرادار. يستطيع برنامج كمبيوتر تحويل قياسات الرادار تلك إلى خريطة ثلاثية الأبعاد لحالة البحر تعرض حجم وتحركات الأمواج المحيطة. وسيكون من السهل نسبيًّا إضافة خوارزميات برمجية تعرض مؤشرات تُحذِّر من قُرْب تحوُّل البحر إلى حالة خطيرة؛ مثل الرياح السريعة التغير، أو التقاطعات البحرية. قد يتيح ذلك النظام لطاقم السفينة وللركاب تجنُّب المناطق المُعرَّضة للخطر من السفينة.

لكن العائق الرئيسي أمام تنفيذ ذلك هو القدرة الحاسوبية؛ فالنماذج الحالية لا تستطيع معالجة جميع تقلُّبات المحيط السريعة الحركة بالسرعة اللازمة لإطلاق إنذارات دقيقة في الوقت الفعلي. يرى وسيدا أن الحل هو نظام إنذار مبكر مركزي — مثل الأنظمة التي تتنبَّأ بأمواج التسونامي والعواصف الاستوائية — يُخْطِر السفن المُوشِكة على مغادرة الميناء. وبفضل التطورات التي حقَّقناها في فهم ظاهرةٍ كان مشكوكًا في وجودها منذ بضعة عقود فحسب، لا يوجد سبب يمنعنا من تحقيق ذلك في حالة الأمواج العملاقة، على حد قول واسيدا الذي يضيف: «في هذه المرحلة لا يتعلَّق الأمر بعَجْزٍ في النظرية، بل عَجْز في نقل المعلومات.»

العمالقة السبعة

في عام ٢٠٠٧، جمع بول لو — من الإدارة الوطنية الأمريكية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي — قائمةً تضم ما يزيد على ٥٠ حادثة تاريخية ترتبط — على الأرجح — بالأمواج العملاقة، وفيما يلي بعض من أبرزها:

عام ١٤٩٨: يروي كولومبوس كيف رفعت موجة عملاقة قواربه أثناء الليل بينما تمرُّ عبر مضيق بالقرب من ترينيداد في رحلته الاستكشافية الثالثة إلى الأمريكتين. من المفترض — حسب وصف كولومبوس — أن تلك المنطقة تُدعى حتى يومنا هذا باسم «بوكاس ديل دراجون»، أو أفواه التنين.

عام ١٨٥٣: غرقت سفينة تُدعى آني جاين كانت تحمل ٥٠٠ مهاجر من إنجلترا إلى كندا. وصل ١٠٠ فحسب من الركاب على قيد الحياة إلى شاطئ جزيرة فاترساي، إحدى الجزر الغربية التابعة لاسكتلندا.

عام ١٨٨٤: تسبَّبت موجة عملاقة قبالة غرب أفريقيا في غرق يخت يُدعى مينيونيت كان يبحر من إنجلترا إلى أستراليا. هرب طاقم اليخت — المُكوَّن من أربعة أشخاص — في قارب صغير، وبعد ١٩ يومًا من الانجراف على غير هدًى، قتَل الكابتنُ خادمَ اليختِ المُراهِقَ لتوفير الطعام للثلاثة الناجين الآخرين.

عام ١٩٠٩: اختفت السفينة البخارية إس إس واراتا دون أثر وعلى متنها ٢٠٠ راكب قبالة ساحل جنوب أفريقيا، في ممرٍّ بحري يُعرف الآن بارتفاع معدل حدوث الأمواج العملاقة فيه.

عام ١٩٤٣: ضربت موجتان عملاقتان في تعاقُب سريع الباخرة السياحية كوين إليزابيث وهي تعبُر شمال المحيط الأطلنطي، وتسببتا في تحطيم نوافذ ترتفع ٢٨ مترًا عن خط الماء.

عام ١٩٧٨: اختفت ناقلة البترول الضخمة التابعة للأسطول التجاري الألماني، والتي تُدعى إم إس ميونخ، في شمال المحيط الأطلنطي العاصف، وهي في طريقها من مدينة بريمرهافن إلى مدينة سافانا-جورجيا، تاركةً خلفها قواربَ نجاةٍ وعوَّامات طوارئ متناثرة.

عام ٢٠٠١: تعرَّضت السفينتان السياحيتان بريمين وكالدونيان ستار في جنوب المحيط الأطلنطي لتحطيم نوافذ غرفتي القيادة بهما، على أثر أمواج يُقدَّر ارتفاعها بثلاثين مترًا، وذلك في حادثتين لا يفصلهما سوى بضعة أيام.

مياه راكدة

في الوقت الذي تشكِّل فيه أمواج السطح العملاقة خطرًا على السفن؛ فإن ما يحدث في الأعماق قد يكون شديد الأهمية؛ ففي ٢٩ أغسطس عام ١٨٩٣، كان المستكشِف النرويجي، فريتيوف نانسن، يُبحر بمحاذاة ساحل سيبيريا — أثناء رحلة استكشافية إلى القطب الشمالي باءت في النهاية بالفشل — عندما توقَّفت سفينته تقريبًا بين جزيرتين، رغم أن محركاتها كانت تعمل بأقصى طاقتها.

كان نانسن عالقًا في «مياه راكدة»، وهي ظاهرة يعرفها الصيادون منذ زمن في المضايق البحرية النرويجية. تُرجِع بعض التفسيرات هذه الظاهرة إلى صخور مغناطيسية غارقة ومغمورة، أو أسراب منظمة من أسماك صغيرة جدًّا.

إلا أن الفيزيائي فيلهلم بييركنيس توصل إلى تفسير عام ١٨٩٨: عندما تطفو المياه العذبة فوق المياه المالحة الأكثر كثافة — كما يحدث غالبًا في مداخل المضايق المالحة — يتسبَّب قارب متحرك في إثارة الأمواج السطحية وسطح المياه المالحة-العذبة المشترك بالأسفل، بحيث يضطر إلى مواجهة كتلتين من الماء. وكان نانسن قد واجَه منطقة مياه راكدة حيث تلتقي مياه النهر السيبيري بالبحر.

منذ ذلك الحين خضعت تلك الأمواج الداخلية لدراسات مكثفة. وفي هذا العام، وضع علماء المحيطات الروس مستشعرات في أعماق مختلفة من بحر آرال — الذي تجري عند سطحه مياه عذبة، وفي أعماقه مياه مالحة — واكتشفوا أمواجًا يبلغ طولها ٥ أمتار تجري على طول الطبقة السفلية، بينما ظل السطح هادئًا.

وعلاوة على ذلك، قد يزداد حجم تلك الأمواج كثيرًا في المياه الأعمق بالمحيطات. وقد زجَّ البعض بالأمواج الداخلية في المنحدر الحراري — وهو حدٌّ غير مرئي بين الأعماق الباردة الكثيفة في المحيط وطبقاته السطحية الأدفأ — في مصير الغواصة النووية «يو إس إس ثريشر»، التي انهارت بفعل الضغط عام ١٩٦٣ في شمال المحيط الأطلنطي؛ مما تسبَّب في مصرع كامل طاقمها المكون من ١٢٩ فردًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.