السياسيون البريطانيون مُغرَمون بالإطراء على التسامح كفضيلة قومية في الأوقات التي يسود فيها عدم التسامح غير المعتاد. ففي ٢٠٠٦ — في ظلِّ التوتر الديني الذي أعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر والخوف من معدلات الهجرة المتزايدة — طلب وزير المالية جوردون براون من مؤيدي حزب العمَّال التحلِّي بالوطنية، واصفًا علم الاتحاد بأنه «رمز بريطاني للوحدة والتسامح والاحتواء». وفي عام ٢٠٠٧، طالَبَ ديفيد كاميرون بإلغاء «مذهب التعددية الثقافية» وإحلال ثقافة بريطانية أكثر توحيدًا محله؛ أي «ثقافة مشتركة تتسم بالتعددية والتسامح». وفي خطاب في وقت لاحق من ذلك العام للاحتفال بالذكرى المئوية الثانية لإلغاء العبودية، قال وزير الثقافة ديفيد لامي: «يجب أن نشرح للشباب لماذا يحظى التسامح، والحرية، وحقوق الإنسان بهذه الأهمية الكبرى، وكيف وصلنا إلى هذه القناعة في وقتنا الحالي.»

مشهد يجسد الوئام لأشخاص احتشدوا في مسيرة سلام أُقِيمت في برمنجهام، في أعقاب أحداث شغب عام ٢٠١١.
مشهد يجسد الوئام لأشخاص احتشدوا في مسيرة سلام أُقِيمت في برمنجهام، في أعقاب أحداث شغب عام ٢٠١١.

يروِّج هؤلاء السياسيون لرواية منمقة تخدم أهدافًا بعينها عن التسامح، بدأت في القرن السابع عشر بمقاومة المنشقين للاضطهاد الديني، وانتهت بالحرية الدينية في العصر الحالي، وهذه الرواية فيكتورية الأصل إلى حدٍّ كبير. وأثناء رواج البيوريتانية مرة أخرى — ممثلة في إحياء سيرة أوليفر كرومويل والهجرة الجماعية — شهدت أواخر القرن التاسع عشر بناء دراسة تاريخية وطنية عن التسامح تُرجِع جذوره إلى الحروب الأهلية. ومع انتشار الفاشية في أرجاء أوروبا في أوائل القرن العشرين، أصبحت الحاجة إلى استعادة الماضي المتسامِح أكثر إلحاحًا؛ فشهدت ثلاثينيات ذلك القرن نَشْر ثلاثة أعمال رائدة عن نشأة الحرية الدينية، وكانت تلك الأعمال للمؤلِّفين دبليو كيه جوردن، وويليام هالر، وإيه إس بي وودهاوس.

ورغم ذلك، ففي السنوات الأخيرة أصبح الاحتفاء بالتسامح البريطاني يحمل نوعًا من الإجبار. وفي واقع الأمر، يتزايد التشابُه بين التسامح وعدم التسامح، كما اتضح في خطابٍ ألقاه توني بلير في ٢٠٠٦ محذِّرًا: «تسامُحنا هو أحد الأمور التي تجعل بريطانيا بريطانيا، فالتزموا به أو لا تأتوا إلى هنا.»

ويبدو أن المخاوف من الطائفية والتطرف الإسلامي والهجرة قد بلغت ذروتها؛ إذ أعلنت وزيرة شئون الأديان والجاليات — سعيدة وارسي — في خطاب لها في نوفمبر الماضي عن «أزمة عالمية» متعلِّقة بالاضطهاد الديني، الذي «نرى فيه اعتداءَ دينٍ على دين آخَر، وطائفةٍ على طائفة أخرى.» ومع تزايد الأصولية الإسلامية، تفاقَمَتْ حدة المشكلة الليبرالية المتمثلة في كيفية التسامح مع غير المتسامح. وفي عام ٢٠١١، شدَّدَ ديفيد كاميرون على ضرورة «تقليل» التسامح مع المتطرفين الإسلاميين، ويشير رواج مصطلح «سياسة عدم التسامح» إلى هذا التحوُّل الكبير.

ولقد قمتُ بتحرير مجموعة من المقالات تحمل عنوان «التسامُح الديني في أوائل عصر الحداثة في إنجلترا: تأملات تاريخية ومعاصرة» (بالجريف، ٢٠١٤) تقارِن التسامح — وعدم التسامح — الديني المعاصِر بنظيره في القرن السابع عشر. ورغم أن الدراسات التي تتناول العديد من الفترات التاريخية يجب أن تكون مصحوبةً بتحذيرٍ لتجنُّب المفارقات التاريخية، فإن أوجه الاختلاف والتشابُه في هذه الحالة قدَّمَتْ معلوماتٍ منيرة.

لقد اتضح أن فكرة التسامح الديني كفضيلة إيجابية واضحة كانت ظاهرةً مؤقتة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ وأنها كانت نتاج أفكار حالمة، وذات أصول تاريخية مزيفة. أما في واقع الأمر، فالتسامح مفهوم إشكالي للغاية؛ فهو لا يحمل في طيَّاته كرمًا بل إثارةً للضغائن، وينطوي ضمنًا على استهجانِ ما سيتم التسامح معه، فضلًا عن تذكيره للأقليات على نحوٍ مهينٍ بمَن لديه اليد العليا في التسامح معهم. وكما توضِّح المؤرخة ألكسندرا وولشم، فإن تسامح القرن السابع عشر كان أبعد ما يكون عن الليبرالية، وتستطرد قائلةً: «في ظل عالَم كان يُنظَر فيه إلى الحقيقة باعتبارها مفردةً وغير قابلة للتقسيم»، كان التسامح يُعتبَر «محرَّمًا وسببًا للاضطراب والفوضى السياسية». وبدون السياق التاريخي، لا يمكن تحليل المفارقات الخادعة التي تنطوي عليها الخطب السياسية المعاصرة.

يُنظَر للتسامح في الوقت الحاضر كمبدأ مجرد وليس كنتيجة لعلاقة محدَّدة بين الدين والدولة، ورغم ذلك، فقد كانت تلك المخاوف التنظيمية تمثِّل أهمية محورية لدعاة التسامُح الديني من أمثال روجر ويليامز الذي كان كتابه الرئيسي «مذهب الاضطهاد البغيض» (١٦٤٤) مخصَّصًا في معظمه لتقديم مثالٍ جادٍّ عن الفصل بين الكنيسة والدولة. أما السياسيون المعاصرون، فيصرحون تصريحات حالمة عن الحرية الدينية، ولا يولون اهتمامًا كافيًا بالظروف التنظيمية اللازمة لتحقيق المساواة والاحتواء.

في خطاب أُلقِيَ عام ٢٠١١ للاحتفال بالذكرى المئوية الرابعة لنسخة الملك جيمس من الكتاب المقدَّس، شنَّ ديفيد كاميرون دفاعًا قويًّا ومراوغًا عن الكنيسة الرسمية للبلاد فقال: «نحن دولة مسيحية، ويجب ألَّا نخشى قول ذلك. ودعوني أوضِّح أنني لا أقول مطلقًا إن اتباع دين آخَر — أو عدم اتباع أي دين من الأديان — يُعَدُّ أمرًا خاطئًا بحال من الأحوال.» واستطرد قائلًا: «كثير من الأشخاص يقولون لي إن تواجُدَهم كيهودٍ أو مسلمين في بريطانيا أسهل من تواجُدهم في دولة علمانية مثل فرنسا. لماذا؟ لأن التسامح الذي تطلبه المسيحية من مجتمعنا يمنح مساحةً أكبر للأديان الأخرى أيضًا.» وكان روجر ويليامز سيرد غاضبًا ويقول إن وصْف التسامح بالفضيلة المسيحية، ووصْف الدولة بالمكان المسيحي، يمثِّل مفارَقةً مستفزَّةً.

ما نراه اليوم هو التزايد غير المجدي للسيطرة غير المعترَف بها من جهة، وسياسات الهوية الدفاعية من جهة أخرى؛ مما أدَّى إلى انتشار المدارس الدينية، واستحواذ القادة المتعصبين دينيًّا على مقاليد الإدارة في المؤسسات العامة، واقتراح الفصل بين الذكور والإناث في الجامعات البريطانية، وكل هذه الأمور تمَّتْ تحت دعوى التسامح والحرية الدينية.

يتشابه عصرنا الحالي في عدة جوانب مع التقسيمات الطائفية التي ظهرت في إنجلترا في فترة ما بعد الإصلاح؛ فقد اختار جون لوك ألَّا يتسامح مع الروم الكاثوليك لأسباب سياسية أكثر منها دينية، فقد كان يرى أن الولاء للبابا يمثِّل تهديدًا للدولة المدنية. والمناقشات الدائرة في بريطانيا حول تطبيق الشريعة الإسلامية تدور حول أمور مشابهة متمثِّلة في الولاء والتشريع. وفي نوفمبر ٢٠١٣، نشرت فرقة مكافحة التطرُّف التابِعة للحكومة الائتلافية، والتي شُكِّلَتْ في أعقاب مقتل الجندي لي ريجبي، تقريرًا يتناول التطرُّف في المملكة المتحدة، كما قامت بمحاولةٍ غير واقعية للتفرقة بين النسخة الدينية والنسخة السياسية من الإسلام، ذلك الفَرْق الذي لم يدركه كثيرٌ من المسلمين، وربما يؤدِّي إلى نتيجة عكسية تتمثَّل في تطبيقٍ أقوى للشريعة.

وكما أَوْضَحَ المؤرخ جون كوفي، فإن دعاةَ التسامح في القرن السابع عشر — الذين لم يكونوا علمانيين؛ نظرًا لأن ذلك المصطلح لم يكن قد ظهر بعدُ — كانوا حريصين بشدة على تقديم نصوص من الكتاب المقدس تبرِّر موقفهم المتسامح. واليوم نجد أن الليبراليين المسلمين يستشهدون بموقف لوك لتبرير موقفهم المشابِه والمتمثِّل في أن التسامح قيمة راسخة في القرآن.

إن هذين المثالين المتشابهين المناقضين للمنطق يجيبان عن السؤال التالي: لماذا في القرن الحادي والعشرين ما زلنا ندور في دوامة عدم التناغم الديني؟ علاوة على ذلك، فإنهما يشكِّكان في الافتراضات المتعلِّقة بالتقدُّم المُحرز في التعامل مع التسامح، وكذلك خرافة اتباعنا للطبائع النبيلة التي روَّجَها روَّادُ التسامح، ويذكِّرَانِنَا أيضًا بأن تسامح القرن السابع عشر لم يكن صريحًا، وأنه ليس هو التسامح الذي ورثناه. وعلى عكس المتوقع، فربما يؤدِّي إدراكنا لمشكلتنا المزمنة مع التسامح إلى تقدُّمٍ حقيقي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.