كثيرًا ما وُصِف كارل ماير بالأب السياسي لهتلر، وهو وصف في محله. فبصفته رئيس قسم الاستخبارات والدعاية في قيادة مجموعة قوات الدفاع البافارية، نظَّم ماير دورات تعليمية سياسية في يونيو ١٩١٩. وكان أحد المشاركين في تلك الدورات وكيل عريف يدعى أدولف هتلر. وحينما تنبَّه ماير إلى موهبته الخطابية، وظَّفه للقيام بأعمال دعائية إضافية وليطَّلِع على بواطن الأمور ويخبرهم بما عرف. وبهذه الصفة أصدر ماير أمرًا لهتلر عام ١٩١٩ بحضور مؤتمر لحزب العمال الألماني وكتابة تقرير عن إحدى الجماعات الوطنية اليمينية المتعددة التي نشأت في ميونخ بعد الثورة. وطوال الشهور التالية كان ماير على اتصال شبه يومي بموظفه، متابعًا تحركاته كافة وداعمًا لها. أما عن هتلر فسرعان ما وجد مساحة للتعبير عن آرائه السياسية وتنامى دوره داخل الحزب. وعندما أصدر بيان الحزب الذي صار اسمه حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني في فبراير ١٩٢٠ كان لا يزال مقيدًا بكشوف الرواتب لدى القوات الدفاعية بصفته يعمل تحت إمرة ماير. ودون رعاية ماير ربما ما كان هتلر تحوَّل إلى السياسة مطلقًا. أما فيما يخص ماير فقد تبين أن الدعم المنتظم من الجماعات العرقية المناهضة للجمهورية عامي ١٩١٩ و١٩٢٠ لم يدم طويلًا في مسيرته السياسية.

فمن كان ماير، ضابط الجيش المتنسك هذا، الذي أثار تحريكه للخيوط من وراء الستار شكوك حتى أقرب أصدقائه في الوسط السياسي؟ ولماذا تخلَّى عن الحزب النازي الوليد وتحوَّل في المقابل إلى الديمقراطية الاجتماعية وإلى أي درجة كان تحوله صادقًا؟ يكشف الخوض في تلك التساؤلات عن حياة متقلِّبة انتهت نهاية مأساوية. إلا أن نشاط ماير — عند النظر إليه في سياق تنظيم جماهيري من الجمهوريين المتفانين — يساعد على تحدِّي النموذج التأريخي النمطي الذي يذهب إلى أن ديمقراطية فايمار لم تحظَ بتأييد قوي.

انقلاب كاب

وُلد كارل ماير في بلدة ميندلهايم في إقليم سوابيا البافاري ونشأ في بيئة مريحة وتحظى بالاحترام في كنف أسرة كاثوليكية من الطبقة الوسطى. وبعد أن حصل على الدبلوم الثانوي عام ١٩٠١، التحق بالجيش البافاري كضابط عامل. ارتقى السلم الوظيفي حتى بلغ رتبة ملازم أول بحلول عام ١٩١١، وعندما اندلعت الحرب عام ١٩١٤ انتُدب إلى القوات الجوية البافارية حديثة النشأة ولكنه عاد للخدمة في كتيبة مشاة عام ١٩١٥ وترقى إلى رتبة نقيب في العام ذاته. وفي الفترة من سبتمبر ١٩١٦ إلى يناير ١٩١٨ شغل ماير منصب ضابط أركان لدى فيلق الألب البافاري، ثم عاد بناءً على طلبه إلى الخدمة على الجبهة خلال الشهور الأخيرة للحرب، تضمنت فترة وجيزة قضاها مع جيش الإمبراطورية العثمانية، حليف ألمانيا المتعثر. وعندما أخذ إجازة قصيرة في فبراير ١٩١٩ كان ماير ضابطًا يحمل العديد من الأوسمة، إذ نال الصليب الحديدي بمرتبتيه الأولى والثانية، وكذلك نال أوسمة عسكرية بافارية وبروسية وتركية مميزة. وحتى تلك المرحلة لم تلُح بادرة على آرائه السياسية، ولكن في أبريل ١٩١٩ عندما استولى الشيوعيون على السلطة وحوَّلوا ميونخ وأجزاء من جنوب بافاريا إلى جمهورية اشتراكية سوفييتية، لم يتردد ماير في الانضمام إلى صفوف وحدة دفاع مرتجلة شاركت في محاربة الثوار من الداخل. وحتى قبل أن يلتحق بالجيش مجددًا في مايو ١٩١٩ — ليشغل منصب رئيس قسم الدعاية في ميونخ — كانت معاداته للبلشفية صادقة وراسخة في وجدانه.

وفي إطار دوره الجديد داخل قسم الاستخبارات غُرِس ماير في وسط مزدهر من جماعات معادية للبلشفية ومعادية للسامية، وجماعات انفصالية، فضلًا عن الأحزاب المنشقَّة التي نشأت في بافاريا، محوِّلة إياها إلى «خلية النظام» المعلنة ذاتيًّا ضد المد الثوري. اشترك ماير، بصفته أحد جهات الاتصال الرئيسية في التيار اليميني المناهض للنظام الجمهوري في القوات الدفاعية، في الإعداد لانقلاب كاب الذي حدث في مارس ١٩٢٠، حينما حاولت أجزاء من الجيش ومقاتلو الفيلق الحر والقوميون الراديكاليون الإطاحة بحكومة الرايخ. وقد أحبط التحركُ الجماعي من جانب الطبقة العاملة — من خلال إضراب عام — تلك المحاولة. ولكن في بافاريا أجبر الانقلاب مجلس وزراء الأقلية الذي رأسه يوهانس هوفمان من التيار الديمقراطي الاجتماعي على تقديم الاستقالة. وقد كتب ماير إلى فولفجانج كاب — زعيم الانقلاب الذي حمل اسمه — في سبتمبر ١٩٢٠ متفاخرًا بدوره الفعال في أحداث مارس السابق وأبلغه عن «حزب العمال الوطني» الذي كان يدعمه تعزيزًا للتجديد الوطني، إلا أنه في ذلك الحين كان قد ترك الجيش بالفعل.

كان ماير قد انسحب بناءً على طلبه من القوات الدفاعية في يوليو ١٩٢٠، بعد أن وصل إلى رتبة رائد وصار مستحقًّا لمعاش تقاعدي كامل. والأرجح أن ذلك يُعزى إلى معارضته للخطط الانفصالية التي استهدفت فصل بافاريا عن الرايخ، التي نوقشت في دوائر حزب الشعب البافاري الكاثوليكي المحافظ، الذي تولى مقاليد حكم الدولة عقب استقالة هوفمان. ونشر ماير في الشهر ذاته وثائق تتعلق بالميول الانفصالية لدى حزب الشعب البافاري، وهي خطوة أثارت استياء زملائه في الجيش — الذين كان عدد منهم معنيًّا بالأمر — وزادت صعوبة الاحتفاظ بمنصبه العسكري. وخلال الشهور التالية، سعى ماير إلى زيادة نفوذه داخل الحزب النازي، الذي شارك بنفسه في رعايته. وكما أسرَّ فيما بعد إلى رفاقه في الحزب الديمقراطي الاجتماعي، فقد كان يأمل عام ١٩٢١ أن يكون حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني مكافئًا للمؤسسة الوطنية الاجتماعية التي لم تدم طويلًا (١٨٩٦–١٩٠٣). وفي ذلك الحزب، حاول السياسي البروتستانتي فريدريش ناومان — أحد أبرز أنصار الليبرالية الاجتماعية في الإمبراطورية الألمانية في أواخر عهدها — توفير بديل معتدل للاشتراكية يوفق بين الليبرالية الوطنية ومحاولات تحسين أوضاع الطبقة العاملة. ولكن هذه الآمال أُحبِطَت وترك ماير حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني في مارس ١٩٢١.

وبالنسبة إلى تحول ماير اللاحق إلى السياسة الديمقراطية كان ثمة علاقتان ذواتا أهمية حاسمة؛ ففي أبريل ١٩٢٢ اتصل بالبروفسور هانز ديلبروك، العميد الليبرالي المحافظ لهيئة التاريخ العسكري الألماني، ولفت انتباهه، في مخطوطة أرسلها إليه تتعلق بدور إريك لودندورف بصفته القائد الأعلى للجيش، إلى اهتمامه بنقد جوهري لاستراتيجية ألمانيا العسكرية في وقت الحرب، وأيَّده ديلبروك؛ إذ كان لديه شكوكه الخاصة فيما يتعلق بأهداف الجيش الألماني المبالغ فيها في الحرب العالمية الأولى. وطوال السنوات التالية كان ماير ضيفًا دائمًا على ندوة «أمسيات الأربعاء» في برلين، التي تبادلت فيها نخبة العاصمة من المثقفين الليبراليين المحافظين الأفكار. وأيَّد ديلبروك خطة كانت تستهدف تعيين ماير في أرشيف الرايخ في بوتسدام، الذي ضمَّ سجلات الجيش الألماني، ولكن دون جدوى. فلم يكن المكان يتسع لذلك الرائد السابق المتمرد في مؤسسة وثيقة الصلة بالقوات الدفاعية وحريصة على إظهار مجهود ألمانيا الحربي بالمظهر الإيجابي. وعندما كتب ماير إلى ديلبروك في أبريل ١٩٢٣ كان لا يزال يصف نفسه بأنه «جمهوري صاحب منطق»؛ إذ إنه تقبَّل جمهورية فايمار لأنه وجدها فرصة ملائمة أكثر من كونه اقتنع بها. وفي هذه المرحلة لم يكن تحوله السياسي قد اكتمل بعد.

جهة اتصال حاسمة

الشخصية الثانية التي اتصل بها ماير كانت أكثر حسمًا بكثير بالنسبة إلى انتقاله إلى اليسار الجمهوري المعتدل، ففي خريف عام ١٩٢١ كان قد تقرَّب إلى إرهارد آوَر، زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي البافاري الذي شابهه في غرابة أطواره ونشاطه. وخلال الشهور التالية أمدَّ ماير آور بوثائق سرية تتعلق بالأنشطة الانفصالية التي تدور داخل حزب الشعب البافاري الحاكم وباتصالاته رفيعة المستوى بأرستقراطيين بافاريين وشرطة ميونخ وضباط بالقوات الدفاعية. فنشر آور بعض تلك الوثائق في صحيفة «مونشنر بوست» التي تصدر عن التيار الديمقراطي الاجتماعي. فأدى كشف النقاب عن معرفة ماير القوية باليمين الراديكالي إلى التقريب بين ماير والحزب الديمقراطي الاجتماعي. وكما وصف الوضع فيما بعد، كان قد حاول أن «يعود نفسه على الحركة الديمقراطية الاجتماعية» على نحو تدريجي. وانضم إلى الحزب رسميًّا عام ١٩٢٤.

إلا أن ماير وجد ملاذه السياسي الأهم في منظمة أخرى تابعة للحزب الديمقراطي الاجتماعي تأسست ذلك العام، هي «لواء الرايخ الأسود والأحمر والذهبي»، وكان قد التحق بالفعل بأحد التنظيمات المحلية المتعددة السابقة عليها، «القطاع الأمني» للحزب الديمقراطي الاجتماعي في ميونخ، الذي تأسس في نوفمبر ١٩٢١. وقد وفَّر كيان الدفاع الذاتي هذا — الذي يُعرَف أيضًا باسم «حرس آور» — الحماية لتجمعات أنصار التيار الديمقراطي الاجتماعي في العاصمة البافارية تحت شعار «لا سلطة للحكم الاستبدادي، السلطة كلها للقانون، والعدالة كلها للشعب». وعندما أسس سياسيون قياديون بالحزب الديمقراطي الاجتماعي في مدينة ماجديبورج البروسية منظمة لواء الرايخ في فبراير ١٩٢٤، وفرت إطارًا على مستوى الدولة لمبادرات من نوعية حرس آور.

كان يفتَرَض نظريًّا أن تتجاوز منظمة لواء الرايخ الانقسامات الحزبية، فقد مثَّلت مساعي مشتركة للديمقراطيين الاجتماعيين، وأعضاء الحزب الديمقراطي الألماني اليساري الليبرالي وحزب الوسط الكاثوليكي، لتعكس بذلك اتفاق آراء ائتلاف فايمار المؤيد للجمهورية الذي حكم الدولة الجديدة حتى عام ١٩٢٠. بيْد أن وجود شخصيات بارزة من الكاثوليكيين والليبراليين ذوي الميول اليسارية في مجلس الرابطة غير التنفيذي كان مجرد تمويه. كانت فكرة إقامة ائتلاف متعدد الأحزاب مجرد واجهة في الأساس، وإن كانت واقعية بما يكفي لتحفيز النقد المستمر من جهة اليسار الراديكالي داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي، ففي عام ١٩٢٤، كان ٨٥ بالمائة من أعضاء منظمة لواء الرايخ ينتمون إلى التيار الديمقراطي الاجتماعي، وارتفعت نسبتهم أكثر حتى بلغت ٩٠ بالمائة على مدار العامين التاليين، وحسب ما خلص إليه تقرير أصدرته الشرطة في مايو ١٩٢٣، كانت منظمة لواء الرايخ «منظمة تكاد لا تضم سوى أعضاء الحزب الديمقراطي الاجتماعي»، وكانت على صلة وثيقة على الصعيد المحلي بجماعات اشتراكية أخرى مثل أصحاب الفكر الحر — الذين كانوا يفضلون حرق الجثث على الدفن بالطريقة المسيحية — أو حركة الكورال الاشتراكية. كان تأسيس منظمة لواء الرايخ إحدى قصص النجاح التنظيمية البارزة لحقبة جمهورية فايمار وإن كانت كثيرًا ما تُنسَى، وسرعان ما اجتذبت عدد أعضاء أقل من المليون بقليل، بحيث فاق تعدادها أهم الرابطات القتالية الوطنية الراديكالية — «الخوذة الحديدية» — التي تأسست بدورها في ماجديبورج في أواخر عام ١٩١٨، وفرسان تيوتون الشباب أو «يونجدو».

شخصيات لامعة

سعت منظمة لواء الرايخ إلى هدفين رئيسيين، هما: الدفاع عن جمهورية فايمار وألوان رايتها، وثانيًا — كما جاء في لوائحها الداخلية — الجمع بين جميع «رجال الجيش السابقين الذين شاركوا في الحرب العالمية والرجال ذوي التدريب العسكري المؤيدين لدستور الجمهورية بلا تحفظات»، فقد كانت — كما تبين من عنوانها الفرعي — «رابطة رجال الجيش السابقين الجمهوريين». وصاحَب تأسيس المنظمة تنشيط واضح للمعسكر الجمهوري، بعد خيبة الأمل التي مُني بها إثر الهجمات السابقة على الدستور، من انقلاب كاب عام ١٩٢٠ إلى انقلاب بير هول الفاشل الذي قاده هتلر عام ١٩٢٣. وقد لخَّص رسم كاريكاتيري في صحيفة الحزب الديمقراطي الاجتماعي «فورفيرتس» حالة التفاؤل التي سادت أوساط التيار الديمقراطي الاجتماعي، فيظهر ذلك الرسم عضوين في الحزب النازي في طريقهم لتخريب أحد خطوط السكك الحديدية بواسطة متفجرات، وفي الخلفية، ثمة قطار ذو قاطرة بخارية يحمل اسم «لواء الرايخ الأسود والأحمر والذهبي» يقترب بسرعة كبيرة، دافعًا الاثنين إلى التأمل باستسلام فيما إذا كان ممكنًا أن «نفجر أنفسنا هنا».

تشكَّلت غالبية صغار موظفي المنظمة من رجال الطبقة العاملة الذين ابتغوا في الأساس منبرًا لتبادل ذكرياتهم عن الحرب. فلم يكن كارل ماير بأي حال من الأحوال هو الضابط السابق الوحيد في الجيش الإمبراطوري الذي انضم إلى المنظمة، فقد ضمت منذ البداية عددًا من الضباط البارزين الذين تخلَّوا عن مناصبهم العسكرية بغية دعم نزعة السلام والنظام الجمهوري، وشملت تلك المجموعة الجنرال السابق باول فرايهر فون شونايخ (١٨٦٦–١٩٥٤) — الذي كان أيضًا عضوًا بارزًا في جمعية السلام الألمانية — والجنرال السابق برتهولد فون دايملينج (١٨٥٣–١٩٤٤)، الذي لعب دورًا سيئ السمعة في واقعة سافيرن عام ١٩١٣، التي كشفت تجاهل الجيش الألماني الكامل للمدنيين القاطنين في إقليم الألزاس واللورين. وقد جلب ماير وفون شونايخ وفون دايملينج وغيرهم من الضباط السابقين أصحاب الرتب الرفيعة إلى منظمة لواء الرايخ رأس المال الرمزي الخاص بخدمتهم العسكرية السابقة، فعندما تحدَّثوا في العلن عن العواقب الكارثية للاستراتيجية العسكرية الألمانية إبان الحرب، أو فضحوا أسطورة «الطعن في الظهر» على أنها تزييف يميني للتاريخ، كانوا يقدمون إلى المعسكر الجمهوري خبرتهم المهنية غير المشكوك فيها. ولم تقتصر استفادتهم من المنظمة على صحبة رجال الجيش السابقين المقاربين لهم في الفِكر، بل شملت أيضًا توفير منبر ملائم لآرائهم المكتسَبة حديثًا المؤيدة لنزع السلاح والوفاق الدولي.

«كراهية عنيفة»

خلال السنوات الأولى من انخراط ماير في منظمة لواء الرايخ، تركَّزت دائرة نشاطه في ميونخ وما حولها، فألقى خطبًا في الفروع المحلية، وكتب مقالات لصحيفة «مونشنر بوست» ومجلة «داس رايخسبانر» (لواء الرايخ)، البوق الأسبوعي للجماعة. إلا أن نطاق اختصاصه اتسع عندما صار أوثق صلةً بكارل هولترمان — نائب رئيس المنظمة — الذي كان يثق فيه شخصيًّا وحرص على توظيف خبرته العسكرية لمصلحة الرابطة. ولفترة طويلة اقتُرِح تعيين ماير نائبًا لهولترمان بصفته رئيس تحرير صحيفة «داس رايخسبانر»، وهو منصب تولَّاه أخيرًا عام ١٩٢٨. واستأجر ماير شقة في ماجديبورج ليكون قريبًا من مقر الرابطة، وسرعان ما اصطدم في منصبه الجديد بفرانز أوستيروت، الذي كان القائم بأعمال رئيس تحرير المجلة فيما سبق. فنظرًا لأن أوستيروت كان قادمًا من «منظمة الشباب الاشتراكيين» — المنظمة الشبابية اليسارية التابعة للحزب الديمقراطي الاجتماعي — لم يكن في مقدوره ببساطة أن يطيق ما أبداه ماير من «كراهية عنيفة لروسيا السوفييتية»، فقد كانت معاداة البلشفية هي في الواقع أحد العناصر الثابتة في نظرة ماير السياسية إلى العالم منذ أن كان ضابط جيش مناهضًا للثورة في ميونخ، وكانت حرية التعبير عن تلك الآراء عنصرًا مهمًّا بلا شك في شعور ماير بالراحة لانتمائه إلى الديمقراطيين الاجتماعيين.

كذلك لم يكن ماير مؤيدًا لنزعة السلام الراديكالية التي تقبَّلها بعض أعضاء منظمة لواء الرايخ، في حين فضَّلت الأغلبية العظمى نزعة سلام أكثر اعتدالًا تقرُّ بالدور الذي يضطلع به الجيش في الدفاع الذاتي الوطني. أعرب ماير عن رأيه في رسالة كتبها لهانز ديلبروك قائلًا: «بالنسبة إلى عقلية نازعة إلى السلام، لا بد منطقيًّا أن يبدو أي نقد مستند إلى حقائق للشئون العسكرية على أنه خطيئة في حق الروح، ولا يستفيد من هذه العقلية سوى أولئك المجرمين المجانين الذين دمَّروا الجيش الألماني وخسروا الحرب.» فمثل ذلك «النقد المستند إلى حقائق» والموجه إلى الجيش الإمبراطوري كان أحد أكثر إسهاماته قوة وتأثيرًا في قضية رابطة المحاربين القدامى الجمهوريين.

نشر ماير في مجلة «داس رايخسبانر» سلسلة متصلة من المقالات انتقد فيها عدم وجود أي سيطرة سياسية على الجيش الإمبراطوري، كاشفًا فيها النقاب عن بعض أخطر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها القيادة العليا للجيش تحت إمرة هيندنبورج ولودندورف، وانتقد قصة «الطعن في الظهر» باعتبارها خرافة اختُلقت عمدًا، نشرتها القيادات العسكرية السابقة لصرف الانتباه عن أخطائها. إلا أن محصِّلة كل ذلك النقد اللاذع كانت نقطة سياسية ذات أهمية محورية، فقد كان ماير إلى جانب جميع أعضاء المنظمة الآخرين على قناعة بأن مشروعية جمهورية فايمار كانت نتيجة طبيعية للانهيار العسكري الذي تعرَّض له النظام الملكي في خريف ١٩١٨. وقد زوَّدت تلك الأحداث — التي وصفها ماير عام ١٩٢٩ بأنها «أبشع إفلاس في تاريخ ألمانيا وأوروبا» — صغار موظفيها من الطبقة العاملة المتمتعين بحقوق المواطنة الديمقراطية بقضية مشتركة أعربت عنها منظمة لواء الرايخ.

الوفاق

إلا أن أنصار السلام الراديكاليين ذوي النزعة اليسارية في الحزب الديمقراطي الاجتماعي لم يقتنعوا بالتزام ماير تجاه النظام الجمهوري؛ فريتز كوستر — على سبيل المثال — الذي صعد نجمه في جمعية السلام الألمانية منذ منتصف عشرينيات القرن العشرين، حاول تلطيخ سمعة ماير في قضايا تشهير متكررة، واتهمه بأنه عسكري ذو طراز عتيق، إلا أن المحاربين القدامى في بلدان الحلفاء السابقة كانوا يكنُّون له احترامًا يفوق ذلك كثيرًا؛ فمنذ عام ١٩٢٧ حظيت منظمة لواء الرايخ بوضع المراقب في «منظمة مؤتمر الجمعيات المعنية بالمعاقين والمحاربين القدامى»، وهي منظمة جامعة لرابطات المحاربين القدامى ضمَّت ٢٤ جمعية من عشرة بلدان أوروبية، منها المملكة المتحدة، إلا أن منظمة لواء الرايخ أقامت إضافةً إلى ذلك صلات مباشرة بجمعيات المحاربين القدامى الفرنسية، و«الاتحاد الفيدرالي» اليساري النزعة، الذي أسسه رينيه كاسين، وعلى وجه الخصوص «الاتحاد الوطني السلمي» الأصغر كثيرًا. وبدءًا من أواخر عشرينيات القرن العشرين، اعتاد مندوبون كبار من تلك الرابطات الفرنسية — منهم كاسين وأندريه ليوتيه، عضو الإدارة التنفيذية في «منظمة مؤتمر الجمعيات المعنية بالمعاقين والمحاربين القدامى» ورئيس اللجنة الفرنسية بها — الظهور بانتظام في تجمعات منظمة لواء الرايخ، وفي المقابل كان موظفو الرابطة الجمهورية الألمانية يذهبون إلى فرنسا، وكان ماير هو قوة الدفع الرئيسية وراء تلك الصلات وممثلها الرئيسي، وقد نال التقدير في نهاية المطاف على تلك الجهود بحصوله على عضوية شرفية في الاتحاد الوطني السلمي.

كان ماير يرى أن تحقيق الوفاق بين فرنسا وألمانيا يمكن أن يكون منصة الإطلاق نحو تكامل أوسع بين الدول الأوروبية وينبغي أن يفضي في النهاية إلى تكوين «جماعة دفاع أوروبية»، فكانت المصالحة مع فرنسا ومحاولات تعزيز الروابط القائمة بين الأفراد السابقين في الجيشين المتحاربين موضع اهتمام دائم في عمله.

وإبان السنوات الأخيرة للجمهورية سرَّع ماير وتيرة نشاطه السياسي، مداومًا على التحدث والكتابة والسفر باسم منظمة لواء الرايخ، وزاد من تأليب الرأي العام على الحزب النازي، وبمجرد أن حقق الحزب النازي إنجازًا انتخابيًّا رائعًا في انتخابات الرايخستاج (البرلمان الألماني آنذاك) في ١٤ سبتمبر ١٩٣٠، حاول ماير تحسين الحالة المعنوية داخل المعسكر الجمهوري، ففي سلسلة من المناسبات العامة حظيت بنسبة حضور مرتفعة وجاءت تحت شعار «أدولف هتلر منبطحًا» — امتلأت بالنوادر الفاضحة عمن كان يعمل تحت إمرته في الجيش سابقًا — سخر ماير من هتلر الذي أعلن نفسه فوهرر (القائد)، وكان واضحًا أن العرض الذي قدمه أزال حالة الكآبة لدى أعضاء منظمة لواء الرايخ. وعندما تسلَّم النازيون مقاليد السلطة في يناير ١٩٣٣ نصح الأصدقاء الذين كانوا على اتصال بالحزب النازي ماير بمغادرة البلاد على الفور. عمل بنصيحتهم وفرَّ إلى فرنسا حيث استقر في إحدى ضواحي باريس، متربِّحًا على الأرجح من دروس تعليم اللغة. وفي أعقاب الغزو الألماني لفرنسا في مايو ١٩٤٠ اعتُقل أولًا في جنوب فرنسا ثم أُعيد إلى ألمانيا في يوليو، وهناك احتُجِز في الزنزانات سيئة السمعة بقبو المكتب الرئيسي لأمن الرايخ في برلين، ومنها نُقِل إلى معسكر الاعتقال ساكسنهاوزن.

الرجل الأبيض الضئيل

في ربيع عام ١٩٤٣ نُقِل ماير إلى بوخنفالد، وقد عبَّر أنصار التيار الديمقراطي الاجتماعي في شهادات أدلوا بها بعد الحرب عن ظنِّهم أن يكون نقله قد نتج عن مكيدة شيوعية دبَّرها الموظف الشيوعي والمقاتل المحنَّك هاري ناويوكس، الذي رأس الإدارة الذاتية لسجناء معسكر ساكسنهاوزن وعمل تحت إمرة قائد المعسكر مباشرةً. على الأقل كان ذلك ما رآه فالتر هامر؛ اسم مستعار لفالتر هوستري (١٨٨٨–١٩٦٦)، عضو الحزب الديمقراطي الاجتماعي ذو النزعة السلمية الراديكالية، الذي اشتغل بالتأليف والنشر. وقد جمَّع هامر في ألمانيا ما بعد الحرب أرشيفًا تاريخيًّا ضخمًا عن أعضاء حركة المقاومة الألمانية ضد هتلر. وكان هامر على معرفة جيدة بماير من خلال عمله بمجلس الإدارة غير التنفيذي لمنظمة لواء الرايخ، وكان قد اعتُقل معه في برلين أولًا في سبتمبر ١٩٤٠، ثم اعتُقل بعد مرور عام في ساكسنهاوزن. وكان هامر يعتبر ماير «الرجل الأبيض الضئيل» — الذي شاب شعره في سن مبكرة — صديقًا له. ومنذ أبريل ١٩٤٣ حتى فارق الحياة يوم ٩ فبراير ١٩٤٥ — إبان قصف للحلفاء — عمل ماير في مصنع جوستلوف في فايمار، وهو مصنع تولى إدارته المكتب الرئيسي لأمن الرايخ الذي استغل سجناء بوخنفالد كأيدٍ عاملة فيه. وذات مرة عندما زار مجموعة من ضباط وقيادات القوات المسلحة المصنع أدى بعضهم التحية العسكرية لماير؛ إذ أدركوا عند رؤيته على الفور أنه قائدهم السابق في الجيش الإمبراطوري.

كان ذلك أحد المنعطفات الأخيرة في حياة كارل ماير المتناقضة، فقد قطع ضابط الأركان السابق شوطًا طويلًا منذ أن أعطى إشارة البدء للمسيرة المهنية لدكتاتور غاشم حتى لقي حتفه على أيدي مأموري النظام القاتل الذي تزعمه ذاك الدكتاتور. ولم يكن مؤرخو فترة ما بعد الحرب على يقين دائمًا من مدى صدق تحول ماير السياسي إلى الديمقراطية الاجتماعية، فمَثَل الشيوعيين المعاصرين وبعض أنصار السلام الراديكاليين — الذين اتهموا ماير بأنه ذئب في ثوب حمل — أقلق هؤلاء المؤرخين، وأغضبهم أحيانًا، حقيقة احتفاظه بروابط اتصال وثيقة مع معارفه الشخصيين في المعسكر اليميني.

بل إن ماير في واقع الأمر كان لديه مخبرون أيضًا في مقر الحزب النازي في ميونخ، واستخدم بعض المعلومات التي حصل عليها منهم في مقالاته بمجلة «داس رايخسبانر». وحتى أولئك الديمقراطيون الاجتماعيون الذين كانوا على معرفة وطيدة بماير عبر تعاون طويل الأمد أكدوا أنه احتفظ «بطباع الجندي المحترف»، أكثر من احتفاظه بطباع «ضابط الاستخبارات»، وأنه كان «شديد الانغلاق والتحفُّظ». كان ذلك رأي فرانز أوستيروت، إلا أن أوستيروت — الذي سبق له العمل مع ماير بصفة يومية في الفترة من عام ١٩٢٨ حتى باكورة عام ١٩٣٣ — أصرَّ كذلك على أن نشاطه في الحزب الديمقراطي الاجتماعي ومنظمة لواء الرايخ استند إلى «قناعة داخلية» وأن نضاله ضد الاشتراكية الوطنية كان «متقد الحماس» بحق. وفي حوارات ما بعد الحرب شهد فالتر هامر أيضًا لماير بنزاهته الشخصية والسياسية.

المنبوذ

اضطُر ماير كجميع الضباط السابقين الآخرين الذين انضموا إلى معسكر الجمهوريين ومنظمة لواء الرايخ، إلى تحمُّل النبذ من «رفاقه» السابقين، الذين لفظوا كل من جرؤ على انتقاد الجيش الألماني وسلوكه أثناء الحرب العالمية الأولى، ففي عام ١٩٢٥ أُقصِي ماير رسميًّا من رابطة ضباط كتيبة المشاة البافارية الأولى التي خدم فيها. فلم تُطِق روح الفريق لدى الجيش الألماني الأفراد الناقدين. وحتى مع احتفاظه ببعض عادات مهنته الأصلية، تعمَّد ماير إلى حد بعيد رفض روابط الالتزام المتبادل التي وحَّدت صفوف الجيش الإمبراطوري. إلا أن النقطة الفاصلة في حياته كانت قراره أن ينضم إلى منظمة لواء الرايخ، جيش المواطنين المكوَّن من الجمهوريين المتفانين الذين أقسموا أن يدافعوا عن دولة فايمار ضد أعدائها. ودفع ماير شأنه شأن العديد من موظفي منظمة لواء الرايخ ثمن ذلك النشاط المدني غاليًا، ومثله مثل غالبية أعضاء المنظمة، كان نشاطه مستندًا إلى قناعته بأن هزيمة ١٩١٨ كشفت اختلال بنية هياكل القوة التي تضمنتها دولة الرايخ الثانية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.