مشكلة في الوزن.
مشكلة في الوزن.

منذ وقت طويل لم أحتسِ أي شيء بخلاف الماء. وأخيرًا، جاء اليوم الذي كنت أنتظره، فصنعت مزيجًا من مشروبي المفضل الذي يتكون من الخوخ والشاي المثلج. كنت أتلهف لأتذوق حلاوته اللاذعة، فاحتسيت جرعة كبيرة منه واحتفظت بها في فمي لأستمتع بالنكهة. تحولت نشوتي إلى رعب. كان مذاقه كمذاق السمك.

بصقت ذلك الشراب الكريه في الحوض وجربت نكهة توت العليق. وجدت له أيضًا مذاق السمك. ألقيت جسدي على الأريكة في إحباط أتساءل: لماذا لم يحذرني أحد من هذا؟

كنت قد أجريت قبل هذا بأسبوعين جراحة تساعدني على خفض وزني. ومنذ ذلك الحين أصبحت أخوض صراعًا مع الطعام والشراب: لم يكن هناك أسوأ من حساسيتي المفرطة الجديدة للمذاق الحلو سوى الغثيان الذي كنت أشعر به كلما شممت رائحة طهي اللحم. ما الذي يحدث؟

بحثت جاهدة عن إجابات في منتديات الإنترنت. وبينما أصبح الأداء الشاذ لبراعم التذوق ظاهرة شائعة بعد إجراء جراحة لإنقاص الوزن أو لعلاج السمنة، لم يقدم أحد تفسيرًا مقنعًا لهذه الظاهرة. ولكنني سرعان ما أدركت أنني خرجت من ذلك محظوظة: كانت المنتديات تعج بقصص مرعبة تروي حدوث أعراض جانبية تبدأ من فقدان الذاكرة والقلق وتصل إلى الهلاوس السمعية. والأكثر غرابة من هذا كان حالات تنامي القدرات العقلية غير المفسَّرة. فبعد مرور حوالي ثلاثة أشهر على إجراء الجراحة، شعر عدد كبير من الأشخاص بنوبة مفاجئة من «الصفاء الذهني».

لا يوجد خيط ظاهر يربط بين هذه الأعراض، ولكن يبدو أنه عندما يجري الجراحون عمليات في معداتنا، يحدث شيء ما في أمخاخنا أيضًا. والأغرب من هذا أن نجاح الجراحة يبدو أنه يرجع مباشرةً إلى التغييرات الجوهرية التي تُحدثها في أمخاخنا. كيف يُعقل أن يحدث هذا؟

كانت الجراحة لي ملاذًا أخيرًا. فقد كنت في صراع مع وزني منذ نعومة أظفاري، والعام الماضي قررت أخيرًا أن أخضع لإجراء جراحي يُدعى تحويل الاثني عشر.

تقدم الجراحات طرقًا عديدة لإنقاص حجم المعدة (انظر الرسم البياني).

أقل هذه الإجراءات من ناحية التدخل الجراحي هو استخدام رباط لتقليص حجمها، ولكن إذا أردت تقليص حجم المعدة جراحيًّا، فأكثر الخيارات شيوعًا هو عملية المفاغرة على شكل Y أو «المجازة المعدية». تعمل كل هذه الجراحات لعلاج السمنة بناءً على المبدأ نفسه: تقلل كمية الطعام التي يستطيع الجسد امتصاصها. في الولايات المتحدة حيث يندرج ٣٦ بالمائة من السكان تحت فئة المصابين بالسمنة، يسجل ٢٠٠٠٠٠ شخص على الأقل أسماءهم للخضوع لهذه الجراحة كل عام، وهذا الرقم في تزايد مستمر.

الاحتفاظ بالوزن المطلوب

هذا لأن الجراحة تنجح. فمهما كانت العملية التي يخضع لها المرضى، يجد أغلبهم أن الزيادة في أوزانهم تتلاشى خلال ١٨ شهرًا (مجلة أوبيسيتي سيرجري، مجلد ٦، صفحة ٦٥١). فبالنسبة ﻟ ٥٠ بالمائة على الأقل ممن يختارون أكثر العمليات تدخلًا جراحيًّا مثل عملية تحويل مجرى المعدة، يظل الوزن منخفضًا، وبذلك تتفوق تلك الجراحات على معدلات النجاح المتدنية طويلة المدى التي تحققها الحميات الغذائية وأدوية التخسيس (أنالز أوف سيرجري، مجلد ٢٥٤، صفحة ٢٧٢).

مبدئيًّا، كان يُعتقد أن هذا النجاح يُعزى إلى الآلية المستخدمة؛ حيث إن تقليص حجم المعدة يعني ببساطة أن يتناول الشخص كمية أقل من الطعام. بيد أن هذا المنطق واجه مشكلة وحيدة. إن كان الأمر بهذه البساطة، لما استعاد ٥٠ بالمائة من المرضى وزنهم الزائد عن طريق تناول الأطعمة السائلة الغنية بالسعرات الحرارية مثل أنواع الحساء الدسمة المصنوعة من الكريما ومخفوق الحليب مع الآيس كريم. أولئك الذين حافظوا على انخفاض وزنهم نجحوا في ذلك رغم توافر مثل هذه الحلول أمامهم أيضًا. لا بد من وجود سبب آخر وراء نجاحهم إذن.

يتمثل المفتاح الأول للإجابة عن هذا في السلوك الغريب لبراعم التذوق لديّ وكيف أثَّر ذلك على خياراتي الغذائية المفضلة. سيخبرك أغلب الأطباء أن إنقاص الوزن طويل المدى لن يتحقق إلا بتغيير جذري في نمط الحياة: أي بتناول أطعمة ذات محتوى أقل من الدهون والسعرات الحرارية. ولكن مع الأسف أغلب طرق إنقاص الوزن بطبيعتها تعزز توجُّهًا مؤقتًا ﻟ «اتباع حمية غذائية»؛ حمية يتخلى عنها المريض بمجرد وصوله للهدف المنشود أو عندما يتغلب إحباطه على تحفزه.

ومن الأسباب التي تجعل الحفاظ على عدم اكتساب الوزن أمرًا بالغ الصعوبة أننا نصارع طبيعتنا الأصيلة. فجميعنا يشتهي الأطعمة غير الصحية بفعل طبيعة الآليات العصبية لدينا، وكل ما هنالك أن هذا الاشتهاء يزداد حدة بعد أن ينقص وزننا عن طريق اتباع حمية غذائية.

ولكن بعد إجراء جراحات علاج السمنة كان يحدث أمر غريب؛ حيث يخمد الاشتهاء المفرط للطعام على الفور وبدرجة هائلة. يرى ستيفن بينويه أستاذ علم الأعصاب السلوكي بجامعة سينسيناتي بولاية أوهايو الذي يعكف على دراسة السمنة أن «هؤلاء الذين فقدوا وزنًا بعد الخضوع للجراحة لا يشكون من زيادة تعويضية في درجة اشتهاء الطعام أو الجوع كما يحدث لهؤلاء الذين يتبعون حميات غذائية»، ولكنهم على النقيض من ذلك يميلون إلى الشكوى من انخفاض مستويات الجوع ونقص الشهية للطعام وتغير علاقتهم بالطعام تغيرًا شاملًا.

لا تقل نوبات اشتهاء الطعام ببساطة، ولكنها تتحول إلى صورة أخرى. فخلال ساعات بعد أي جراحة لإنقاص الوزن، لا يطيق العديد من المرضى مذاق السكر أو الدهون، وأحيانًا يجدون رائحتها كريهة، وفقًا لرأي كاريل لو رو، اختصاصي الغدد الصماء وعلاج السمنة في مركز إمبريال وايت بلندن لعلاج السمنة. في عمليات المجازة المعدية، تستغرق الأعراض وقتًا طويلًا حتى تزول. يقول الاختصاصي: «على المدى البعيد، نجد الناس يغيرون تفضيلاتهم في الطعام ويميلون إلى تناول السلطات بدلًا من البرجر والمقليات.»

أيحتمل أن يكون هذا التحول نفسيًّا؟ ربما يقنع الناس أنفسهم بعد الخضوع لجراحة باهظة وشاقة على الجسد أنهم يشتهون الأطعمة الصحية فقط. ومن ثَم ابتكر لو رو وفريقه اختبارًا يهدف إلى الكشف عن الأسباب الكامنة وراء هذه التغيرات السلوكية. وقد أجروا جراحة مجازة معدية على بعض الفئران ثم اختبروا تفضيلاتها الغذائية بعد الجراحة. تحولت أذواق الفئران على الفور تقريبًا لتفضل الأطعمة ذات المحتوى الأقل من الدهون والسكريات، شأنهم شأن البشر. يقول لو رو: «هذه الفئران لم تلتق طبيبًا متخصصًا في الحميات الغذائية.» ثم أردف: «لذا لم يكن السبب أنها تحفزت فجأة لاتخاذ قرارات صحية أكثر لأنها خضعت لجراحة.»

كان لو رو قد أكّد على أن هذه التغيرات نفسية. ولكن ما الأسباب المحتملة وراءها؟ نقطة البداية الواضحة للإجابة عن هذا هي الهرمونات التي يفرزها الجهاز الهضمي. يفرز الجزء العلوي من المعدة على سبيل المثال هرمونًا فعّالًا في تحفيز الشعور بالجوع يُعرف باسم هرمون الغريلين. وتفرز الأمعاء الدقيقة عددًا من الهرمونات المثبطة للشهية التي تعزز الإحساس بالشبع، من بينها الببتيد-١ المماثل للجلوكاجون (جي إل بي-١) وببتيد واي واي، أو بي بي واي. حتى الخلايا الدهنية تلعب دورًا في تنظيم الشهية؛ حيث تفرز هرمون اللبتين الذي يثبط الشهية للطعام وينظم عملية الأيض.

تتدخل جراحات إنقاص الوزن في مناطق تصنيع هذه الهرمونات الرئيسية، لتغير معدلات إنتاجها تغييرًا جذريًّا. تقول لورين بيكمان الباحثة في جامعة مينسوتا في منيابوليس التي تدرس التغيرات الهرمونية لدى الأشخاص الذين خضعوا لجراحات علاج السمنة: «تتغير مستويات الهرمونات المعدية المعوية واللبتين بعد جراحة المجازة المعدية، ويكون هذا التغير للأفضل.»

تؤدي إعادة تنظيم المعدة كذلك إلى خفض إنتاج هرمون الغريلين المحفز للشهية، وهذا يفسر السبب الذي يجعل العديد من الأشخاص الذين خضعوا للجراحات يجبرون أنفسهم على تناول الطعام (جورنال أوف بيرنتيرال آند إنتيرال نيتريشن، مجلد ٣٥، صحفة ١٦٩). يتأثر اللبتين أيضًا حيث ينطلق على الفور ليكبح الشعور بالجوع (جورنال أوف كلينيكال إنفستيجيشن، مجلد ١١٨، صفحة ٢٣٨٠).

هل يُحتمل أن تكون هذه التغيرات الهرمونية هي السبب وراء نقص الوزن؟ تعتقد بيكمان ذلك. وتوضح وجهة نظرها قائلة: «لو كان ما يحدث هو عكس ذلك، ما كنا لنتوقع حدوث ارتفاع في مستويات الهرمونات قبل مرور ما لا يقل عن شهر على ذلك.» وبدلًا من هذا، تجد بيكمان وباحثون آخرون أن هذه التركيزات من هرموني جي إل بي-١ وببتيد بي واي واي تزداد خلال يومين تقريبًا. اكتشفت بيكمان أن هذه التغيرات لا تحدث على الفور فحسب، بل تستمر لعام أو عامين على الأقل بعد الجراحة.

مما يثير الدهشة أن تأثيرات جي إل بي-١ والغريلين يبدو أنها تتجاوز عملية الأيض. أشارت دراسات حديثة أجريت على بعض الحيوانات أن كلا الهرمونين يمكن أن يسببا اضطرابًا في الجهاز العصبي واللدونة المشبكية، وهي نفس الآليات التي تسبب تغييرات هيكلية ووظيفية داخل المخ. فالغريلين مثلًا يغير توصيلات الدوائر العصبية في الخلايا العصبية للفئران (ذا جورنال أوف كلينيكال إنفستيجيشن، مجلد ١١٦، صفحة ٣٢٢٩).

الباحثون غير متأكدين تمام التأكد من تأثير هذه الهرمونات المتذبذبة على المخ البشري، ولكن لديهم مادة تجريبية خصبة جاهزة؛ الأشخاص الذين خضعوا لجراحات إنقاص الوزن.

خارق للعادة

من وجهة نظر لو رو، ما يعقب العمليات الجراحية من تدفق لهرمون مثل جي إل بي-١ مثلًا يُحدث على الفور تغيرات في مراكز الإثابة في القشرة المخية الجبهية الحجاجية من المخ. هل يفسر ذلك التحول الدائم في خيارات الطعام المفضلة؟ للتأكد من وجود علاقة تربط الأمرين، استخدم لو رو وزملاؤه العام الماضي في إمبريال كوليدج بلندن أجهزة مسح ضوئي بالرنين المغناطيسي لفحص عقول المرضى قبل جراحة المجازة المعدية وبعدها. كانت النتائج مذهلة. قبل الجراحة تسببت صور الكعكات والبرجر في إثارة مساحات كبيرة من مراكز الإثابة لدى هؤلاء الأشخاص. ولكن عند تكرار التجربة بعد أربعة أيام فقط على الجراحة، لم تتأثر مراكز الإثابة برؤية الأطعمة المغرية. يقول لو رو إن «فرط الإحساس بالشبع يجعل المريض في الواقع «خارقًا للعادة»»، وهذا يفسر النقص الدائم في الوزن. لقد تغيرت الدوائر العصبية في مخ هؤلاء الأشخاص فجعلتهم يفكرون مثل الأشخاص النحفاء.

ليس هذا كل ما في الأمر. ثمة دلائل أيضًا تشير إلى أن التغير في توازن هرمونات الأمعاء يفسر تحسن الأداء الوظيفي للمخ الذي تحدث عنه الناس في منتديات جراحات إنقاص الوزن.

جي إل بي-١ هو أحد الهرمونات المرشحة بقوة كمسبب لهذا العرَض. فنظرًا لأن هذا الهرمون يثبط الشهية عن طريق خفض سكر الدم، يبدو أن له تأثيرًا قويًّا على الأنسولين الذي ينخفض إنتاجه بشدة خلال ساعات من إجراء الجراحة. وهذه المستويات المتدنية من الأنسولين تخفض بدورها مقاومة الأنسولين التي يسببها الوزن الزائد الذي يرتبط أيضًا بمشكلات عصبية (نيوروإبيديميلوجي، مجلد ٣٤، صفحة ٢٢٢).

مع أننا لا نعرف سببًا دقيقًا لهذا، فإن أغلب الباحثين يتفقون على أن أداء المتطوعين المصابين بالسمنة يكون أقل كفاءةً من أداء الأشخاص الأنحف عند القيام ببعض مهام التعلُّم والذاكرة؛ خاصةً تلك المهام التي تقيس ما يُسمى بالسيطرة المُثبِّطة. هذا المقياس دقيق: تعتمد قدرتك على تذكُّر المكان الذي أوقفت فيه سيارتك هذا الصباح على ذاكرتك قصيرة المدى. ولكن التمييز بين المكان الذي أوقفت سيارتك فيه هذا الصباح والمكان الذي أوقفتها فيه صباح الأمس يتطلب سيطرة مثبِّطة، تقتضي تثبيط معلومات الأمس. ومن ثَم، من الخطأ بالتأكيد أن نعُد الأشخاص المصابين بالسمنة أقل ذكاءً، ولكن يبدو أنهم عاجزون عن تمييز هذه المعلومات كذلك.

يعتقد بعض الباحثين أن الإجراء البسيط المتمثل في إحداث توازن في مستويات الأنسولين يزيل هذا العبء الإدراكي. في عام ٢٠١٢ اكتشفت جلاديس سترين — الباحثة في مجال السمنة بكلية طب جامعة كورنيل في إيثاكا بنيويورك — أنه بعد مرور ثلاثة أشهر فقط على جراحة إنقاص الوزن، كانت الدرجات التي حصّلها المرضى في الاختبارات المعرفية بعد إجراء الجراحة أعلى منها قبل إجرائها. وبعد مرور عام شهدت درجاتهم في الاختبارات مزيدًا من التحسن (سيرجري فور أوبيسيتي آند ريليتيد ديزيسيز، مجلد ٤، صفحة ٤٦٥). يقول بينويه إن مجموعته تجد أيضًا دلائل على وجود حالات من التحسن المعرفي بعد إجراء جراحة إنقاص الوزن. ولكن ثمة نذيرًا خطيرًا بوجود دليل على أن المخ يتغير للأبد بسبب هذه العمليات الجراحية؛ وليست كل التغيرات إيجابية.

اكتشف كيث جوزيفز هذه العلاقة عن طريق الصدفة. منذ سنوات عديدة بدأ جوزيفز، طبيب الأمراض العصبية في عيادة مايو كلينيك في روشيستر بمينسوتا، يلاحظ زيادة ثابتة في عدد المرضى الذين يعانون مشكلات معرفية مختلفة. لجأ هؤلاء المرضى إليه بعد أن أحبطتهم مجموعات التحاليل التي أفادت بعدم وجود أي خلل. يقول كيث: «كانوا يأتونني يشكون من مشكلات مثل صعوبة العثور على الكلمات المناسبة وصعوبة التركيز في العمل وبطء الاستجابة لمن يتحدثون إليهم، بالإضافة إلى مشكلات متعلقة بالذاكرة قصيرة المدى.» في البداية تملكته الحيرة، ثم بدأ يلاحظ النمط؛ فجميعهم كانوا قد خضعوا لجراحات المجازة المعدية.

باشر جوزيفز العمل على هذا بسحب السجلات الطبية للمشاركين من قاعدة بيانات المشفى ومقارنتها بمجموعتين ضابطتين: أشخاص مصابون بالسمنة لم يخضعوا لهذه الجراحة وأشخاص ذوو وزن طبيعي. نُشرت النتائج التي توصل إليها نهاية العام الماضي وكانت مقلقة.

كشفت صور المسح الضوئي بالرنين المغناطيسي أن حجم المهاد عند هؤلاء الذين يشكون من مشكلات إدراكية أقل بنسبة ٢٤ بالمائة؛ والمهاد هو مساحة صغيرة من المخ ترتبط بالذاكرة والانتباه والتركيز والمعلومات الحسية المتعلقة بالمذاق (جورنال أوف كلينيكال نيوروساينس، مجلد ١٨، صفحة ١٦٧٨١). يحتوي المهاد بصفة خاصة على مواقع توصيل للغريلين وجي إل بي-١ (برين ريسيرش ريفيوز، مجلد ٥٨، صفحة ١٦٠).

يمكن أن تؤثر التغيرات الكبيرة في هذه الهرمونات على هذه المساحة من المخ بنفس الطريقة التي تغير بها مراكز الإثابة. وكما يظهر أن التغييرات الإيجابية في تفضيلات الطعام ليست مؤقتة، فإن نفس الأمر ينطبق على التغييرات السلبية. يقول جوزيفز: «ما إن تضمحل مناطق المهاد، لن نستطيع فعل أي شيء لإعادة إنماء هذه الخلايا العصبية.»

يتعامل جوزيفز مع نتائج دراسته المصغرة بحذر، ويعترف بضرورة تكرارها. ولكنه مع ذلك لا يستطيع أن يتجاهل النتائج أو ينفيها. اجتهدت المجموعة في البحث عن العوامل المحيرة؛ فمثلًا، نظرًا لأن متوسط عمر المشاركين كان يبلغ ٥٤ عامًا، فقد خضعوا لفحوصات للتأكد من عدم وجود أي مؤشرات على إصابتهم بمرض ألزهايمر. كذلك خضعوا لاختبارات دقيقة ليتبينوا هل أصيبوا بنقص في الفيتامينات جراء العملية الجراحية، ولم يكن هناك أثر لذلك. يفسر جوزيفز هذا قائلًا إن التغيرات الهرمونية هي الوحيدة التي تستطيع أن تعلل حدوث هذا الاضمحلال، ويضيف: «احتمالية حدوث هذا بالصدفة البحتة لا تتعدى ١ في الألف في أفضل الأحوال.»

توضح هذه المشكلات في القدرات المعرفية أن تأثيرات جراحات إنقاص الوزن أكثر تعقيدًا مما يتخيل الجراحون حاليًّا. حتى العَرَض غير الضار نسبيًّا الذي أعانيه حيث أجد مذاق السمك في الشاي يأبى أن يكون له تفسير. يقول لو رو: «يتغير المذاق بعد جراحات إنقاص الوزن بطرق غريبة.» ويضيف قائلًا: «شيء ما يشوِّش على الإشارة المتجهة من براعم التذوق إلى المخ.»

هل تكون مجموعات معينة من الناس أكثر عُرضة للتأثيرات الإيجابية لجراحات إنقاص الوزن؟ وهل يؤدي نوع معين من العمليات الجراحية إلى الاضمحلال الإدراكي أكثر من غيره؟ لم تُطرح مثل هذه الأسئلة إلا في هذه الآونة. على سبيل المثال: تولت المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة لتوها تمويل سلسلة من الدراسات الطويلة بهدف تتبع الحالة الصحية بعيدة المدى للأشخاص الذين خضعوا لأنواع مختلفة من جراحات إنقاص الوزن. بدأ بعض الباحثين يتساءلون عما إذا كانت هذه التغيرات تشير إلى «حل بدون مشرط» يستغل هذه التذبذبات الهرمونية في مكافحة السمنة على المستوى العصبي (إنترناشيونال جورنال أوف أوبيسيتي، مجلد ٣٥، صفحة ٤٠). وبعد مرور سبعة أشهر وفقدان ٤٥ كيلوجرامًا، أجد أنني أستفيد من بعض هذه التأثيرات. لا أزال أصادف أحيانًا ذلك الكوب غير المتوقع من الشاي بنكهة السمك، فأجد نفسي ألجأ إلى شرب المزيد من الماء. لا أزال أنعم بمذاق الشيكولاتة، ولكن نوع الشيكولاتة الغامق الأقل حلاوةً فقط، وبجرعات صغيرة.

لا شك أن احتمالية وقوع مشكلات عصبية أمر مروع. ولكن، في حالتي على الأقل، يسهل وضع هذه المشكلات في نصابها الطبيعي. جراحات إنقاص الوزن إجراء ينقذ الحياة: فبإجراء بضعة قطوع في الأماكن الصحيحة بدقة، يتخلص الجسم من البول السكري وارتفاع ضغط الدم وانقطاع النفس أثناء النوم، وغير ذلك من المشكلات الصحية. وفي ظل ما صرت أنعم به حديثًا من صفاء ذهني ومستقبل أكثر صحة وكل التفاصيل الأخرى التي تعكس تحسن حياتي اليومية، يبدو خطر التأثيرات الإدراكية الدائمة صفقة عادلة في رأيي. حتى وإن صادفني أحيانًا كوب من الشاي بمذاق السمك.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.