«السبيل الوحيد هو الصعود لأعلى»، قد يجد أحد الدارسين المجدِّين للقوانين الفيزيائية مجالًا للجدل حول تلك العبارة المازحة. فيمكننا أيضًا الاتجاه إلى أسفل، وكذلك إلى اليسار واليمين والأمام والخلف؛ فلدينا ستة اتجاهات. ثم إنك كلما صعدت أكثر؛ زاد ابتعادك عن الأسفل، وكذلك الحال بالنسبة إلى التحرك إلى اليسار واليمين وإلى الأمام والخلف. فلدينا إذن ثلاثة اتجاهات مستقلة نتحرك فيها — في حدود بما تسمح به الجاذبية والعوائق الموضعية.

المكان ثلاثي الأبعاد، لماذا؟
المكان ثلاثي الأبعاد، لماذا؟

تلك حقيقة صريحة إلى حدِّ أننا نادرًا ما يستوقفنا سؤال أكثر صراحة، ألا وهو: لماذا؟

انهمك علماء الفيزياء في صراع طويل مع هذا السؤال المحيِّر المتعلق بثلاثية الأبعاد التي تشكل سمة أساسية للمكان، ولا يسعنا سوى أن نقول: إنهم لم يحققوا نجاحًا كبيرًا في تلك الغاية. ولا تمُدُّنا أفضل النظريات المعنية بالطبيعة بأي دليل من شأنه أن يقودنا إلى معرفة سبب ثلاثية أبعاد المكان، وأنها ليست بُعدَيْن أو أربعة أو ٥٫٢. والأسوأ من ذلك أن السعي لإيجاد بدائل أكبر ما فتئ يجد دلائل على أن الرقم السحري هو أي شيء غير ثلاثة.

لعلنا اجتهدنا أكثر من اللازم. فالمحاولة الأخيرة لتفسير لغز الأبعاد الثلاثة تشير إلى أن الإجابة ماثلة أمام أعيننا، متوارية في قوانين الفيزياء التي نعلمها بالفعل.

لفترة طويلة، حققنا تقدمًا معقولًا في فهمنا للعالم بتجاهل المكان. وقد صاغ نيوتن ذلك المفهوم لأول مرة في عام ١٦٨٧ عندما طرح نظرية الجاذبية. فقد رأى أن المكان والزمان أمران حقيقيان بما يكفي، ولكنهما ليسا أكثر من خلفية جامدة لأمور أكثر إثارة للاهتمام مثل التفاح المتساقط والكواكب السيَّارة. وكان أينشتاين هو من اضطرنا إلى الاجتهاد أكثر. ففي نظرية النسبية العامة — التي وضعها عام ١٩١٦ — أصبح المكان كيانًا ديناميكيًّا. وإذ يتداخل مع الزمان ليشكل «زمكانًا» رباعي الأبعاد؛ يلتوي المكان ويعوج تحت تأثير المادة ليشكِّل القوة التي نسميها الجاذبية.

إلا أنَّ العجيب في الأمر هو أنَّ نظرية النسبية العامة لا تتطرَّق إلى أوضح سمة للمكان؛ ألا وهي ثلاثية أبعاده. فبتعديلات طفيفة، يمكن لرياضيات النسبية العامة أن تعمل بنجاح على أي عدد من الأبعاد.

عَمَد البعض إلى سدِّ الفجوة باستخدام المنطق «الإنساني»، ومفاده أنه ينبغي للمكان أن يكون ذا ترتيب مثالي لوجود البشر، وإلا ما تمكنا من الوجود أساسًا وطرح الأسئلة بشأنه. ويرى آخرون أن الإجابة تكمن في علم الفيزياء، وكل ما في الأمر أننا لم نعثر عليها بعد. فمن شأن نظرية معنية بالجاذبية الكمية أن توحِّد بين النسبية العامة وميكانيكا الكم، والتي تصف كل ما هو ليس بجاذبية. كانت قوانين ميكانيكا الكم سارية في اللحظات الأولى الملتهبة من عمر الكون عندما كان الزمكان نفسه لا يعدو أن يكون كتلة كمية ضئيلة مضطربة. وربما انبثقت ثلاثية أبعاد المكان — ناهيك عن أحادية بُعد الزمان — من قوانين فيزيائية غير معلومة في هذه الحقبة المضطربة. ويقول جاري جيبِنز من جامعة كامبريدج: «يمثِّل الزمكان المنبثِق وجهة النظر الحديثة.»

وإنها لوجهة نظر يصعب اختبارها. فالآلات العملاقة — مثل مصادم الهادرونات الكبير القائم في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) على مقربة من جنيف في سويسرا — تُصادم الجسيماتِ بعضها ببعض بقدر هائل من الطاقة، بحيث تعود بمفاهيمنا الفيزيائية إلى تلك اللحظات الأولى القليلة المشحونة بالطاقة، ولكنها لا تزال بعيدة جدًّا عن تحقيق ذلك الهدف. وحتى الآن لم تسفر أية تجربة عن دليل يقودنا إلى حل لمسألة الجاذبية الكمية.

فيما يتعلق بلغز الأبعاد الثلاثة، لم تسهم كثيرًا حقيقة أن أكثر الأفكار النظرية رواجًا تتبنى أي عدد من الأبعاد سوى الثلاثة على ما يبدو. فنظرية الأوتار — على سبيل المثال — تستلزم ستة أبعاد مكانية إضافية على الأقل. والنهج البديل — التثليث الديناميكي السببي — يصوِّر شبكة كمِّية مكوَّنة من عناصر ثنائية الأبعاد تتطور إلى حيز مكاني ثلاثي الأبعاد يمكن رؤيته بالعين المجرَّدة. وفي نفس الوقت، فإن نظرية الجاذبية الكمِّية الحَلقية تستعيض عن الزمكان الأملس بصيغة تشوبها الحُبَيْبات أو الزَّبد على أصغر نطاق، إلا أنَّ أحد واضعي النظرية — كارلو روفيللي من جامعة إكس مارسيليا بفرنسا — قال: إن تلك النظرية أخذت الرقم ٣ كواحد من المدخلات واستفادت منه فقط. ويقول: «لا يبدو ذلك من المسائل التي يمتلك العلم أدوات لحلِّها في الوقت الراهن مطلقًا.»

أما ماركوس مولِر فله رأي مخالف. فيرى مولِر — وهو عالم الفيزياء النظرية بمعهد بِريميتر في واترلو بأونتاريو، كندا — أنه يمكننا حلُّ مسألة الأبعاد الثلاثة، وهو يعتبر أن الإجابة مطمورة في جذور نظرية قائمة بالفعل. ولا شك أن النظرية الكمية تصف العالم المادِّي وصفًا نادرًا في روعته، ولكنها تتنافى مع رؤيتنا التقليدية للواقع؛ إذ تسمح للأشياء بالوجود في حالتين أو مكانين في نفس الوقت — على سبيل المثال — وتنكر المبادئ التي نعتزُّ بها بصفة عامة، مثل المسارات الواضحة للسبب والنتيجة. كانت الاستجابة المعتادة لعلماء الفيزياء هي إما تجاهل تلك الصعوبات الموضعية الصغيرة — فيما يُعرَف بنهج «اصمت واحسب» — وإما إرباك أنفسهم بشتى صور التفسيرات، بدءًا من التأثيرات الغريبة للقائمين بالتجارب على التجارب ذاتها وصولًا إلى وجود عوالم عديدة متشعبة.

وقد خطر ببال مولر أن يتفادى تلك «الشِراك الفلسفية» كما يسميها، وذلك بأن يستمدَّ أساسًا لميكانيكا الكمِّ من دراسة ما تتيحه التجربة. فمنذ أكثر من قرن مضى، توصلنا إلى استبصارات بقوانين الديناميكا الحرارية بنفس الطريقة من خلال مراقبة ما يمكن وما لا يمكن أن يحدث في الطبيعة — على سبيل المثال: لا يمكنك أن تحصل على ماكينة دائمة الحركة تمنحك طاقة دون استهلاك للطاقة في المقابل. ويقول مولِر: «على المرء أن يفكر بتأنٍّ فيما تعنيه المعادلات، وما يمكن تحقيقه بشكل ملموس أو عملي.»

أثناء عمل مولر مع دكتور لويس مَسانِس بجامعة بريستول في المملكة المتحدة، نظر مولر في أمر موقف شرع فيه المرسِل والمستقبِل في تبادل معلومات مشفَّرة في حالات كمية، وهو ما يعد أساس أسلوب علم التشفير الكمِّي شديد الواقعية وفائق الأمان. فثبت في عدد لا حصر له من التجارب أن المعلومات الكمية التي يحملها كل من المرسِل والمستقبِل بينها علاقة ارتباطية تفوق وتتخطَّى الممكن في العالم التقليدي. وإذا غيَّرت — مثلًا — الحالة الكمِّية للفوتونات المستخدمة لتشفير الرسالة على أحد الجانبين، فقد ترى تغيرات عجيبة فورية في حالات الفوتونات على الجانب الآخر.

بدأ الثنائي ببضعة افتراضات «منطقية» بشأن كيفية عمل الكون المادي المحيط بمثل المرسِل والمستقبِل المذكورين. لا بد أن يكون له عدد محدد من الأبعاد — منها بُعد الزمان على سبيل المثال — ولا بد من توافر طريقة لتدفُّق المعلومات فيه. إضافةً إلى ذلك، افترضا أن بعض العمليات الفيزيائية على الأقل في العالم تعمل بصورة عشوائية، وإن كانا لم يحددا ماهية تلك العشوائية.

تلا ذلك برهان رياضي مكثَّف أتى بنتيجة مدهشة، فالنظرية الكمية ليست هي النظرية الوحيدة القادرة على توفير درجة العشوائية والارتباط القائمين في الطبيعة فحسب، وإنما أيضًا لا يمكنها القيام بذلك إلا إذا كان المكان ثلاثي الأبعاد (دورية نيو جورنال أوف فيزيكس، المجلد ١٥، ص٠٥٣٠٤٠).

جذور الواقع

قد يكون ذلك من قبيل المصادفة الرياضية لا أكثر. فالحالات الكمية لا تصفها أعداد حقيقية أُحادية البُعد، تقع جميعًا على خط واحد، وإنما أعداد مركَّبة ثنائية الأبعاد تمثِّل نقاطًا على مسطَّح. وبطبيعة الحال فإن الكيفية التي تتفاعل بها تلك الأعداد لتكوِّن وصفًا كاملًا لأشياء على غرار الفوتونات التي يمكن أن تكون في أكثر من حالة في الوقت نفسه، ترسم حيزًا ثلاثي الأبعاد يصف كل تلك الحالات الممكنة. ربما تؤكد هذه النتيجة فحسب تطابق أبعاد الأجسام الكمية الأساسية مع أبعاد المكان.

ولكن مولر له رأي آخر؛ فهو يرى أن تلك النتيجة تشير إلى وجود رابطة لا تنفصم بين هندسة المكان ودرجة الاحتمالية التي تنطوي عليها نظرية الكَمِّ. إذا كان ذلك صحيحًا، فستكون جذور النظرية النسبية ونظرية الكَمِّ مغروسة في طريقة تبادل المعلومات في الكون، لتدلَّنا على المواضع التي يمكن البحث فيها عن أية نظريات موحدة. ويقول مولر: «في ذلك دليل على أن فكرة المعلومات ستصير جزءًا مهمًّا من نظرية الجاذبية الكمية.»

ومنذ نَشْر بحث مولر ومسانس، استخدم بوريفويِّ داكيتش وتشاسلاف بروكنِر من جامعة فيينا بالنمسا أطروحاتٍ مشابهة مستمَدَّة من نظرية المعلومات بغية تقييد مسألة أبعاد المكان. وأثبتا هما أيضًا أنه لا يمكن أن تصح قواعد ميكانيكا الكم إلا في كون ثلاثي الأبعاد، أو على الأقل كون تتفاعل فيه الأجسام الميكروسكوبية «تفاعلًا ثنائيًّا»، على غرار ما تفعل في عالمنا. وإذا أرخينا هذا التقييد بحيث يمكن لثلاث منظومات كمية أو أكثر أن تتفاعل في الوقت نفسه، يصبح وجود أكوان ذات أبعاد أكثر أمرًا ممكنًا.

يعتقد دورجي برودي من جامعة برونيل في لندن أننا ينبغي أن نتعامل مع مثل تلك الأطروحات بحرص. فهي تبدأ ببضعة افتراضات تبدو لا جدال فيها، ولكن كثيرًا ما «تندسُّ» افتراضات إضافية فيما بعد، على حد قوله. وأضاف قائلًا: «في مرحلة ما لا بد أن يلِج الأرنب في القبعة.»

وهو يرى أن النتائج التي نخلص إليها تعتمد بصورة حاسمة على لغة الرياضيات التي نستعملها. فثمة تمثيلات متسقة لميكانيكا الكمِّ لا تستخدم أعدادًا مركَّبة ثنائية الأبعاد، وإنما «رباعيات» رباعية الأبعاد و«ثمانيات» ثمانية الأبعاد. وقد أثبت برودي وزميلته إيفا ماريا جريفِه من جامعة إمبريال كوليدج لندن العام الماضي أنه في التشكيل الرباعي، تنسحب من اللعبة أبعاد المكان الخماسية بطبيعة الحال، بينما تتطلب الثمانيات تسعة أبعاد (دورية فيزيكال ريفيو دي، المجلد ٨٤، ص١٢٥٠١٦).

هل تُعد هذه عودةً إلى نقطة البداية؟ ليس تمامًا. فتلك الصياغات الجديدة تتنبأ بنتائج مختلفة اختلافًا طفيفًا في تجارب معينة أكثر مما تفعل ميكانيكا الكم التقليدية، بما في ذلك درجات مختلفة من العلاقات الارتباطية بين الجسيمات. ويقول برودي: إنه إذا كانت التفاعلات الكمية هي فعلًا مصدر أبعاد المكان، فسيشير ذلك إلى سُبُل جديدة للتوصل إلى الإجابة في المختبر دون تكبُّد نفقات هائلة على آلات مثل مصادم الهادرونات الكبير.

يرى تيري رودولف — من جامعة إمبريال كوليدج لندن أيضًا — أن ذلك يمثِّل مسارًا شائقًا للبحث، ولكنه يحذِّر من الإسراع بالانضمام إلى ما يمكن اعتباره الفريق الرابح. وقال: «أتذكرون عندما كان من المفترض أن تحل نظرية الفوضى أي شيء وكل شيء؟» ويذهب حدسه إلى أن مسألة أبعاد المكان قد تكون مفهومًا بشريًّا إلى حدٍّ يصعب معه شرحه. وهو رأي أعرب عنه إيمانويل كانط بوضوح في القرن الثامن عشر؛ فقد وصف كانط المكان بأنه «حالة ذاتية من الشعور» تكمن أهميته الوحيدة في السماح لنا بتحديد العلاقة القائمة بين الأجسام الأخرى. ويقول رودولف: «ربما كان ذلك مجرد متغير طوَّرته تلك القردة بعينها لكي يفيدها في بحثها عن الموز.»

من المحتمل أن نيوتن وأينشتاين — وكلاهما من أنصار واقعية المكان — كانا ليقبلان المحاولات الجارية لشرح شيء أساسي كثلاثية أبعاد المكان. إلا أننا في نهاية المطاف، قد نضطر إلى تقبُّل المسألة باعتبارها حقيقة لا جدال فيها، على حد قول الفيلسوف كريج كاليندر من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، الذي قال: «قد يكون ذلك أمرًا مفسرًا بلا تفسير.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.