تمتلئ المكتبات بكتب عن هتلر والرايخ الثالث، وقد ساهمتُ فيها شخصيًّا بصفتي مؤرخًا أكاديميًّا، إضافةً إلى أنني واحد من الزمرة المتقلِّصة الباقية من تلك المرحلة، وقد تمتعت بموقع مراقبة قريب جدًّا. وُلِدتُ في ميونخ عام ١٩٢٤. وفي عام ١٩٢٩ — عندما كنت في الخامسة من عمري — انتقل هتلر إلى شقة كبيرة تبعد نحو ٩٠ مترًا عن الشقة التي أقمت فيها مع عائلتي في شارع جريلبارتسر والمشابهة لشقته. وقد ذهبت دعاية الديمقراطيين الاشتراكيين في الحملات الانتخابية التي أُجرِيَت في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين إلى أن: «هتلر يقول إنه صديق العمال، ولكنه يعيش في شقة مكوَّنة من تسع غُرَف في ميونخ!»

صورة من الجو تظهر الشارع الذي عاش فيه هتلر وفويشتفانجر.
صورة من الجو تظهر الشارع الذي عاش فيه هتلر وفويشتفانجر.

كان هذا القُرب خطيرًا بالنسبة إلى عائلتي؛ فقد كان الشقيق الأكبر لوالدي هو ليون فويشتفانجر (١٨٨٤–١٩٥٨) — أحد أنجح الكُتَّاب في حقبة جمهورية فايمار، وكانت روايته «اليهودي سوس» (١٩٢٥) من الروايات الأكثر مبيعًا على مستوى العالم. وفي عام ١٩٣٠ — تزامنًا مع نجاح هتلر الساحق في الانتخابات في سبتمبر من ذلك العام — نُشِرت له رواية أخرى بعنوان «النجاح». كانت تلك الرواية بمنزلة صورة بانورامية لولاية بافاريا في أوائل عشرينيات القرن العشرين — وهي الفترة التي انتهت بانقلاب بير هول الفاشل الذي قاده هتلر في ميونخ في نوفمبر ١٩٢٣. وثمة لوحة تتسم بالسخرية اللاذعة تصوِّر هتلر على أنه «روبرت كوتسنر» — ميكانيكي سيارات فصيح يؤسس حزبًا سياسيًّا، هو حزب «الألمان الحقيقيين». فاستشاط هتلر غضبًا، وتوَّعد جوبلز في صحيفته دِر أنجريف (الهجمة) بالانتقام عندما يصلان إلى السلطة، وهو ما حدث بعد عامين أو أكثر قليلًا. بالنسبة إلى النازيين كان عمِّي ليون هو عدو الشعب رقم واحد ضمن النخبة المثقفة لجمهورية فايمار. على الرغم من ذلك، لم يبارح والديَّ ألمانيا سوى بعد ليلة البلَّور في نوفمبر ١٩٣٨، عندما بدا واضحًا من اعتقال والدي لفترة وجيزة في معسكر داخاو أن الوضع صار فيه تهديد لحياتنا. ومن ثَمَّ كانت تحركات هتلر جزءًا من حياتنا اليومية حتى بلوغي مرحلة المراهقة. وقد شهدتُ — من الجهة المقابلة للطريق — تحوُّله إلى الديكتاتور العظيم.

عندما انتقل هتلر إلى حيِّنا السَكَني في البداية، كانت مدبِّرة منزله هي أخته غير الشقيقة — أنجيلا راوبال. كان هتلر على علاقة بابنتها جيلي، وهي العلاقة التي كُتِب عنها الكثير ولا يزال أكثرها يكتنفه الغموض. وعندما أطلقت جيلي الرصاص على نفسها داخل الشقة في سبتمبر ١٩٣١ تسبب ذلك لهتلر في أزمة شخصية وسياسية كبرى. وقد أبقى غرفتها على حالتها وربما يكون ذلك أحد أسباب عدم تركه تلك الشقة قط. وقد استخدمها أيضًا نقطة توقف في تحركاته من وإلى بِرجهوف — ملاذه في الجبال بالقرب من بِرختسجادن — ولا سيما عندما تولى مقاليد الحكم. في ثلاثينيات القرن العشرين لم يكن ثمة طائرات هليكوبتر ولا أجهزة رادار وكان الطيران إلى المناطق الجبلية خطِرًا. وكان الطريق السريع من ميونخ إلى سالزبورج من أوائل الطرق السريعة التي افتُتِحَت — لاستخدام هتلر بالأساس — وكانت بدايته تبعد نحو ميل من الطريق المؤدي إلى شقَّتنا. فصار هذا الطريق محور حياته عندما صار الفوهرر، وكان عاملًا جوهريًّا في أسلوب إدارة الرايخ الثالث.

ترجع إحدى ذكرياتي المبكرة عن هتلر إذ رأيته إلى عام ١٩٣٣ على الأرجح، بعد أن أصبح مستشارًا مباشرةً. كنت في الخارج للتمشية، وسرت على الرصيف المقابل لمنزله عندما خرج ليركب سيارته. كان يرتدي معطفًا واقيًا من المطر ذا حزام أبيض وعندما هتف بعض الأشخاص المارِّين عَرَضًا: «هايل هتلر!» (يحيا هتلر) رفع قبعة تريلبي التي كان يرتديها قليلًا. لم تكن صورة رجل الأقدار قد اكتملت بعد آنذاك. ولم يكن يحمل سوطًا، مثلما كان يفعل أحيانًا في البداية، وإن كان سرعان ما كفَّ عن ذلك.

بحلول منتصف الثلاثينيات، حتى التحركات الخاصة غير المعلَن عنها — التي كثيرًا ما شهدتها — اتَّخذت شكلًا مغايرًا تمامًا. فكان هتلر يرتدي الزي الرسمي بصفة شبه دائمة. واستولى حرسه الخاص من الوحدة الوقائية على الشقة الواقعة في الطابق السفلي من بنايته. وكان ثمة ثلاث سيارات مرسيدس طويلة مثل التي نراها في نشرات الأخبار مصفوفة إلى جانب الرصيف. ودائمًا ما كان ثمة حشد صغير من الأشخاص المراقبين الذين كانوا يقفون على الجهة المقابلة من الطريق. كان السائقون يخرجون ويشغِّلون محرِّكات السيارات فجأة. ويخرج الحراس بقمصانهم السوداء وأحذيتهم العسكرية عالية الرقبة تدق على الرصيف. ثم يأتي الفوهرر نفسه، مؤديًا تحية سريعة، ويجلس إلى جوار سائق السيارة الأولى ثم ينطلق الموكب بصخب. ومثلما قال شكسبير في مسرحية «العاصفة»: «ارتجَّت الأرض العظيمة نفسها تحت خطاه.»

إدجار فويشتفانجر، عام ١٩٣٥ تقريبًا.
إدجار فويشتفانجر، عام ١٩٣٥ تقريبًا.

وقد كان بإمكاننا مشاهدة بعض أكثر الأحداث دراميةً التي وقعت في ثلاثينيات القرن العشرين من على عتبة دارنا. فقد كان مسكن إرنست روم — قائد كتيبة العاصفة، الجناح شبه العسكري للحزب النازي — أبعد عنَّا قليلًا من هتلر، ولكنه كان يقيم في فيلا كبيرة. رأيْتُ روم ذات مرة، عندما كان يدلي بصوته في صالة سينما صغيرة حُوِّلَت إلى مركز اقتراع في أول استفتاء شعبي أجراه هتلر بغية إضفاء صبغة شرعية على نظامه، يوم ١٢ نوفمبر عام ١٩٣٣. كان روم عظيم الفائدة بالنسبة إلى هتلر في أيامه الأولى، وكان الوحيد ضمن قيادات النظام الذي سُمِح له بمخاطبته بلفظ «أنت» (عوضًا عن «سيادتك»). وبحلول صيف عام ١٩٣٣ كانت كتيبة العاصفة قد تضاعف حجمها إلى ثلاثة ملايين رجل، وهو ما يفوق كثيرًا حجم الجيش الألماني، الذي كان ما زال مقيدًا في حجمه آنذاك بموجب معاهدة فرساي. فرأى روم نفسَه قائد القوة الثورية التي كان من شأنها أن تنشر الاشتراكية القومية في جميع أنحاء العالم، مثلما فعلت جيوش الثورة الفرنسية. كانت تلك هي خلفية التوترات التي أفضت إلى ليلة السكاكين الطويلة عام ١٩٣٤، التي كانت اللحظة الحاسمة في توطيد هتلر دعائم الحكم النازي الديكتاتوري.

ففي ٣٠ يونيو ١٩٣٤، كان هتلر قد طلب من روم أن يعقد اجتماعًا لقيادات كتيبة العاصفة على ضفاف بحيرة تيجِرنسي، ٣٠ ميلًا جنوبيَّ ميونخ. أفقتُ من نومي مبكرًا ذاك الصباح على ضوضاء عالية وصوت أبواب سيارات تُصفَق خارج منزل هتلر. كانت تلك لحظة ذهاب هتلر إلى البحيرة لإلقاء القبض على روم ورفاقه قيادات كتيبة العاصفة؛ حيث زُعم أنه وجد معظمهم في الفراش بصحبة صِبْيَة مستأجرين. فأُحضِروا إلى ميونِخ وأُعدِموا رميًا بالرصاص. في الوقت ذاته تحرَّك هتلر ضد من كانوا يحاولون كبح جماحه على الطرف الآخر من الساحة السياسية بإعادة ما يشبه سيادة القانون. فوُضِع فرانز فون بابن — نائب المستشار — قيد الإقامة الجبرية في منزله وقُتِل بعض الأفراد ضمن حاشيته، والمصير نفسه كان من نصيب الجنرال فون شلايخر، سلف هتلر المباشر في منصب المستشار. كانت تلك أكبر مذبحة سياسية في أوروبا منذ مذبحة سانت بارتيليمي عام ١٥٧٢. وقد تعرَّض الجيش إلى حرج بالغ إثر ضلوعه في تلك العملية وتواطئه في قتل كبار ضباطه. كان هتلر قد مهَّد الطريق لكي يخلُف هيندنبورج في منصب رئيس الدولة عندما توفي الأخير بعد خمسة أسابيع. فحلفت القوات المسلحة قسمًا شخصيًّا أمام هتلر بوصفه القائد الأعلى، مما مثَّل بعد أعوام أحد العوائق التي حالت دون القيام بانقلاب عسكري على ذاك الديكتاتور.

صار هتلر تجسيدًا لنظامه. وراح يَذْرَع البلاد بأسفاره جيئة وذهابًا دون توقف لحضور احتفال أو آخر؛ مثل تجمعات الحزب النازي السنوية في نورمبرج، أو افتتاح امتداد جديد لطريق سريع أو مهرجان فاجنر في بايرويت. وفي نهاية الأسبوع، كثيرًا ما كان يأتي إلى ميونخ، ويمر على شقته ثم يمضي إلى برجهوف. وهناك لم يكن يصل إليه سوى الأشخاص الذين يرغب في رؤيتهم. وكان بإمكانه إصدار أوامر لها قوة القانون. فلم يعد ينشغل كثيرًا بالأعمال الحكومية اليومية، وإنما صار بإمكانه اتخاذ القرارات المهمة التي قادت العالم إلى الحرب في نهاية المطاف، دون إرهاق نفسه بعملية التشاور.

وقد شهدت ميونخ ذاتها احتفالات كثيرة حضرها هتلر وكان لها نوع من الأثر المخدِّر على الناس، صارفةً انتباههم عن روتين العمل اليومي بما شابَهُ من قصور. على سبيل المثال: أُقيم احتفال سنوي بمناسبة انقلاب بير هول لعام ١٩٢٣، أو يوم الفن الألماني. وما لبث هتلر أن أمسك بزمام السلطة حتى أمر بتشييد بناء على الطراز الكلاسيكي الحديث يُدعَى «بيت الفن الألماني»، أُنشئ على بُعد قرابة ميل من مسكنه ومسكننا. كان من المزمع أن يُعرَض فيه الفن «النظيف» الذي بات العلامة المميزة للرايخ الجديد، خلافًا للفن المنحطِّ الذي ساد حقبة فايمار، والذي عُرِض في معرض الفن المنحط الشهير عام ١٩٣٧. وفي يوم الفن الألماني — الذي أُقيم في منتصف يوليو — كان يسير موكب عظيم من السيارات المكشوفة في الشوارع، ليُعرض على متنها التاريخ الألماني، ويشاهده هتلر وغيره من القيادات البارزة للنظام. وكانت الشوارع تكسوها أعلام من شتى الألوان وعند الغسق تُضاء النوافذ جميعًا بأضواء ملوَّنة. وبالنسبة إلينا سكان المنازل، كان معنى ذلك غياب ضوء النهار لأيام بسبب الأقمشة المتدلية من أعلى بناياتنا. وفي المساء كان لزامًا علينا إشعال الشموع في حوامل مثبَّتة في أُطُر النوافذ. كان ذلك ليضحى مستحيلًا في الدول الديمقراطية بسبب رفض الكثيرين المشاركة، إلا أنه في ظل الحكم النازي كان من شأن أية معارضة أن تكلِّف المرء حياته. وعلى الرغم من ذلك، بدا المنظر مثيرًا للإعجاب. وحتى المراقبين الأجانب رأَوْا أن هتلر صار بارعًا في التلاعب بالجماهير وغرس الشعور بوجود هدف محدد في نفوسهم. ففي عدة بلدان أدت الحرب العالمية الأولى إلى تسييس قطاعات من الشعب كانت مُستبعَدَة فيما مضى. وكان عالم الاجتماع ماكس فيبر قد كتب عن الحاجة إلى قائد كاريزمي وظن كثيرون أنهم وجدوه في شخص هتلر.

مسيرة لاستعراض حجر أساس بيت الفن الألماني في شوارع ميونخ، ١٥ أكتوبر ١٩٣٣.
مسيرة لاستعراض حجر أساس بيت الفن الألماني في شوارع ميونخ، ١٥ أكتوبر ١٩٣٣.

وهكذا زُوِّد عامة الشعب بإمداد مستمر دون توقف من الأحداث المثيرة، داخل ألمانيا وخارجها. وصارت الضربات التي سددها هتلر في مجال السياسة الخارجية — والتي حطَّم بها منظومة فرساي وأعاد رسم خريطة أوروبا — أهم أجزاء الرواية. كانت البداية مترددة؛ لأن هتلر كان يظنُّ أن الفرنسيين دون غيرهم — عندما يدركون مخططه — سيدخلون البلاد ويئدون نظامه في مهده، ومن ثم فقد تحدث كثيرًا عن السلام خلال عام ١٩٣٣. والغريب أن موسوليني كان هو أول من وقف في طريقه، عندما حرَّك قواته إلى ممر برينر في يوليو ١٩٣٤ بهدف الحيلولة دون سيطرة النازيين على الحكم في النمسا. ولكن مغامرة الدوتشي (موسوليني) في الحبشة قد قضت على تحالفه مع الدول الديمقراطية الغربية وجرَّته إلى التحالف مع ألمانيا النازية الذي قُدِّر له الفشل. وبحلول عام ١٩٣٥ كان هتلر قد بدأ يتقن اللعبة؛ فقد منحه الاستفتاء الشعبي الذي أُقيم في إقليم السار في يناير فرصة قطع شوط طويل بمحاذاة نهر الراين، كان عليَّ كتلميذ في المدرسة أن أسجِّله في كتاب التدريبات الخاص بي. ثم أُعيد فتح باب التجنيد في مارس ١٩٣٥، وهي خطوة توقَّع معارضو هتلر داخل البلاد — مثل والديَّ — أن تسفر عن تدخل القوى الغربية. إلا أن هتلر أفلت بفعلته وبلغت مكانته عنان السماء. ثم كانت إعادة تسليح الراينلاند بعد عام هي الحدث الذي غيَّر ميزان القوى في أوروبا.

وبعد عامين، بدأت التوسعات الإقليمية بضمِّ النمسا؛ فيوم السبت ١٢ مارس ١٩٣٨، ظهرت المركبات الرمادية ذات العجلات الست التي شوهد هتلر يدخل بها فيينا بغتة في آخر شارعنا. لم أره يغادر ولكني رأيته يعود منتصرًا يوم الأربعاء التالي. اتخذ هتلر وضعيته المعتادة، واقفًا في سيارته، متشبِّثًا بالزجاج الأمامي بيده اليسرى ورافعًا الأخرى بالتحية النازية. كانت الحشود المصطفَّة بالشارع قليلة إلى حد ما وقد تفرَّقت بلمح البصر عندما توقَّفت سيارة هتلر أمام منزله ودَلَف إلى الداخل. وبعد ستة أشهر، حان دور تشيكوسلوفاكيا، فكانت الدعابة المتداوَلة آنذاك هي «يقضي تشامبرلين نهاية الأسبوع في الريف بينما يقضيها هتلر في الاستيلاء على البلاد.» وأثناء مؤتمر ميونخ — في نهاية سبتمبر ١٩٣٨ — راقبت حشود كبيرة التحركات الحادثة خارج شقة هتلر. فالإعلان الذي لوَّح به تشامبرلين عند عودته إلى لندن ومفاده «السلام في زماننا» وُقِّع في تلك الشقة. وقد خمَّن من يعرفون الطبيعة الحقيقية لهتلر والنازية أنه من المُستبعَد أن يكون الفوهرر قد ألقى نظرة — قبل التوقيع — على وثيقة عديمة القيمة بالنسبة إليه. وبعد ستة أشهر، عندما كشف استيلاء هتلر على بقايا تشيكوسلوفاكيا إخفاق سياسة المهادنة، كنت قد غادرت أنا وأهلي ألمانيا إلى الأبد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.