بدأت الشمس تُعتم نهارًا ويتلاشى ضوء القمر ليلًا، في حين هاج المحيط ونضحت منه المياه، بدءًا من ٢٤ مارس من هذا العام حتى ٢٤ يونيو من العام اللاحق … وكان الشتاء قارسًا حتى إن الطيور نفقت نتيجةً لوجود كميات كبيرة غير معتادة من الثلج … ونزلت بالناس المحن … بسبب الشر المنتشر.

زكريا أسقف ميتيلين («التاريخ السرياني»، الكتاب ٩، القسم ١٩؛ الكتاب ١٠، القسم ١)

هذا العام هو عام ٥٣٦ ميلاديًّا، وخلاله كان المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس — القيصري — قد وصل لتوه إلى جنوب إيطاليا. وفي ذلك الوقت، كان ميزان القوة في منطقة البحر المتوسط يشهد تغيُّرًا مستمرًّا؛ حيث قامت قبيلة الوندال بأعمال سلبٍ ونهبٍ في روما عام ٤٥٥ ميلاديًّا، وسقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية عام ٤٧٦ ميلاديًّا. وعليه، قرَّر الإمبراطور البيزنطي (أو الروماني الشرقي) جستنيان الأول استعادة الأراضي المفقودة، وبالفعل أرسل جيشه لاستعادة إيطاليا بعد حملة ناجحة شنَّها ضد مملكة الوندال في شمال أفريقيا في وقت مبكر من ثلاثينيات القرن السادس.

عام الظلام.
عام الظلام.

ولكن، وقع أمر غريب بعد ذلك وفقًا للسجلات التاريخية لبروكوبيوس؛ إذ أعتم ضوء الشمس واستمرت العَتَمَة لأكثر من عام كامل، وساد الصقيع والثلوج البلادَ في منتصف فصل الصيف، ولم ينتهِ الشتاء مطلقًا. وبذلك كان عام ٥٣٦ ميلاديًّا بداية موجة باردة ضربت البلاد بدءًا من إيطاليا وصولاً إلى أيرلندا، ومن الصين إلى أمريكا الوسطى واستمرت لمدة عقد انهالت فيه الاضطرابات العنيفة. كما فقَدَ معتنقو الديانات إيمانهم، وانهارت المدن، وتسبَّبَ أحدُ أكبر الأوبئة في التاريخ في وفاة ربع سكان الإمبراطورية البيزنطية. ورغم أن جيوش جستنيان تمكَّنت من استعادة روما، فإن إمبراطوريته الضعيفة أخذت تتوسع على نحو مفرط بما أخلَّ بالالتزامات العسكرية والاقتصادية، وسرعان ما فُقِدت الأراضي مرة أخرى.

تميَّزَتْ هذه الفترة في كل بقعة من بقاع العالم تقريبًا بسوء الأحوال الجوية والاضطرابات الاجتماعية، إلى جانب الموت؛ وربما تسبَّبَ هذا التدهور المناخي في تغيُّر مجرى التاريخ تغيُّرًا عميقًا. والسبب وراء برودة الطقس كان — ولا يزال — غامضًا؛ ولكن في الوقت الحالي، لعلنا أوشكنا — في نهاية الأمر — على تحديد السبب أو الأسباب الرئيسية.

انبثق الدليل الأول عمَّا حدث عام ٥٣٦ ميلاديًّا من دراسةٍ أجراها عالمان جيولوجيان في وكالة ناسا — ريتشارد ستوذرز ومايكل رامبينو — في ثمانينيات القرن العشرين. بحث العالمان في الروايات التاريخية الأولى من أجل العثور على مراجع تتعلَّق بالثورانات البركانية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتوصَّلَا إلى أنه قد ثارت سبعة براكين كبرى على الأقل قبل عام ٦٣٠ ميلاديًّا، بما في ذلك البركان الذي حدث عام ٧٩ ميلاديًّا وتسبَّبَ في دفن مدينة بومبي.

مع ذلك، وفي حين كان ثمة أربع روايات — من بينها رواية بروكوبيوس — تحدَّثَتْ عن الفترة التي أعتمت فيها السماء على نحوٍ عجيب ودامت ١٨ شهرًا، بدءًا من عام ٥٣٦ ميلاديًّا تقريبًا؛ لم تكن هناك إشارات مباشِرة لحدوث بركان في ذلك الحين. واستنتج ستوزرز ورامبينو أن السبب يُعزَى حتمًا إلى ثوران بركان هائل على بُعْد آلاف الأميال من أوروبا.

وبالتأكيد، كان هذا السبب معقولًا؛ فقد أعقب ثوران بركان تامبورا الإندونيسي عام ١٨١٥ مجيء «عام بلا صيف» شهده نصف الكرة الشمالي (وربما ساعَدَ هذا العام في تأليف رواية «فرانكشتاين» وابتكار الدراجة). ولكن تشير الروايات التاريخية إلى أن عام ٥٣٦ ميلاديًّا كان أكثر خطورةً من عام ١٨١٦. لكن، هل يمكن الوثوق في هذه الروايات؟

يقول مايكل بيلي من جامعة كوينز في مدينة بلفاست في المملكة المتحدة: «كان يمكن التلاعب بجميع النصوص القديمة.» مع ذلك، فبفضل مساعدته، ظهر أحد الأدلة الموضوعية على أحداث القرن السادس في أواخر ثمانينيات القرن العشرين؛ إذ درَسَ حلقات الشجر، واستخدم هو وزملاؤه أشجار البلوط المحفوظة في المستنقعات الأيرلندية، وتمكَّنوا من وضع سجل لحلقات الأشجار يغطي ما يربو على ٧٠٠٠ سنة ماضية. وفي عام ١٩٨٨، أفاد بيلي وزملاؤه أنه أثناء الألفية الميلادية الأولى، وصلت الحلقات إلى أضيق سعة لها — ما يدل على ظروف النمو السيئة ودرجات الحرارة المنخفضة — في السنوات القليلة التالية لعام ٥٣٦ ميلاديًّا.

كانت هناك سِمَة في الشمس لم يُرَ مثيلها ولم يُرْوَ بوجودها من قبلُ … أعتمت الشمس واستمرت العتمة فترة ثمانية عشر شهرًا، ولم تشرق يوميًّا إلا قرابة الأربع ساعات، ولم يكن ضوءُها إلا كظل ضعيف. وتردَّدَ على الألسنة أن الشمس لن تستعيد ضوءَها كاملًا على الإطلاق. كما لم تنضج الفواكه، وأصبح مذاق النبيذ كالحصرم.

ميخائيل السرياني («تاريخ العالم»، الكتاب ٩، القسم ٢٩٦)

بعد ذلك، ورد المزيد من البيانات حول حلقات الشجر من مجموعات بحثية أخرى، وظهر نمط على غرار هذه النتائج. يقول بيلي: «إن حلقات الشجر الضيقة لم تكن متواجِدة في شجر البلوط الأوروبي فحسب، بل أيضًا في الصنوبر الإسكندنافي وفي أشجار أمريكا الشمالية والجنوبية.» وأضاف: «لا بد أن هذا الأمر كان عالميًّا إلى حدٍّ ما.»

لكن كان هناك شيء ناقص في هذا التفسير؛ فمع اختفاء الرماد البركاني وجسيمات الكبريت من الغلاف الجوي، يترك كلاهما آثارًا في الجليد المتكوِّن بالقرب من القطبين. وخلال ثمانينيات القرن العشرين، كانت الألباب الجليدية المستخرَجَة من جرينلاند تقدِّم أدلةً كاشفة على الكثير من البراكين غير المعروفة سابقًا، ولا سيما البركان الهائل الذي ثار عام ١٢٥٧. مع ذلك، لم يكن هناك أي أدلة في الجليد الذي تكوَّن عام ٥٣٦ ميلاديًّا تقريبًا تشير إلى ثوران بركان.

بالإضافة إلى ذلك، كشفت حلقات الشجر عن شيء غير متوقَّع؛ بالرغم من الاهتمام الذي أَوْلَتْهُ المراجع التاريخية لعام ٥٣٦ ميلاديًّا، يشير سجل حلقات الشجر إلى أن ظروف النمو كانت سيئةً للغاية أيضًا في السنوات التي أعقبت عام ٥٤٠ ميلاديًّا، وأظهرت فعليًّا حلقات الشجر أن الموجة الباردة استمرت لعقد من الزمان. لكن يقول بيلي: إنه ليس من المعتاد أن يتسبَّب بركان في أن تجتاح البلاد موجة باردة لمدة عشر سنوات؛ وذلك لأن الرماد والجسيمات الغنية بعنصر الكبريت التي انتشرت في الغلاف الجوي بفعل البركان يجب أن تكون قد تلاشَتْ مجدَّدًا خلال سنوات قليلة. إن النتائج التي توصَّلَ إليها بيلي جعلته يعيد النظر في مصدر المشكلة، فيقول: «نظر ستوزرز ورامبينو للواقعة باعتبارها دليلًا على حدوث بركان، ولكن قد يكون هناك تفسير آخَر.» (انظر الشكل البياني.)

كارثة مناخية: تُظهِر حلقات الشجر والسجلات الأخرى تعرُّض العالم لموجة مفاجئة من البرد نحو عام ٥٣٦ ميلاديًّا، وهي الفترة التي اشتهرت بانتشار المجاعات والأوبئة والاضطرابات. لكن، ما السبب وراء ذلك؟
كارثة مناخية: تُظهِر حلقات الشجر والسجلات الأخرى تعرُّض العالم لموجة مفاجئة من البرد نحو عام ٥٣٦ ميلاديًّا، وهي الفترة التي اشتهرت بانتشار المجاعات والأوبئة والاضطرابات. لكن، ما السبب وراء ذلك؟

عندما وجد بيلي مراجع غامضة تتعلق بحالات كسوف جزئي غير معتاد في شمال غرب أوروبا في عامَيْ ٥٣٨ ميلاديًّا و٥٤٠ ميلاديًّا، بدأ في التساؤل عما إذا كان مصدر المشكلة لا يتعلق بالبراكين ولكن بشيء من خارج الأرض. وفي عام ١٩٩٤، قبل أن تصطدم شظايا المذنب شوميكر-ليفي ٩ بكوكب المشتري، أوضح بِيلي أن الرماد الناتج عن أحد المذنبات الذي مرَّ بالقرب من كوكب الأرض — أو حتى اصطدم به — قد يفسِّر التدهور المناخي غير المعتاد الذي دام لفترة طويلة وعدمَ وجود أي مؤشر على حدوث بركان.

وفي كتاب نُشِر له في عام ١٩٩٩، تبحَّرَ بيلي في هذا الأمر مشيرًا إلى أن العديد من التغيُّرات المناخية الكبرى التي طرأت خلال اﻟ ١٠ آلاف سنة الماضية ترتَّبَتْ على بعض الاصطدامات. وتفكَّرَ في وجود صلات بينها وبين نطاق واسع من الأحداث التاريخية، بل حتى الخرافية أيضًا، بما في ذلك وفاة الملك آرثر.

طاعون جستنيان

إنَّ الأمر الذي لا يقبل الشك هو أن السنوات اللاحقة لعام ٥٣٦ ميلاديًّا كانت مليئة بالأحداث؛ على سبيل المثال، انهارَتْ سلالة واي الشمالي الحاكمة في الصين في هذا الوقت تقريبًا. ويقول بيسون شيتس، عالم الآثار بجامعة كولورادو في بولدر: «هناك دليل مكتوب على أن قرابة ٧٥ بالمائة من السكان وافَتْهم المنية بسبب البرد ونقص المحاصيل والمجاعات وحالات الجفاف، إلى جانب حدوث اضطرابات على المستوى السياسي والديني.»

وفي أمريكا الوسطى، انخفض أيضًا عدد السكان في مدينة تيوتيهواكان المستقلة الضخمة؛ حيث يقول شيتس: «إنَّ التأريخ الفعلي متروك للنقاش، ولكن في عام ٥٥٠ ميلاديًّا تقريبًا تعمَّدَ الشعب هناك حرْقَ المعابد التي كانت في أعلى قمة أهراماتهم المدرجة؛ إذ فقدوا الثقةَ في قدرة الحكَّام على التصرُّف كوسطاء بين الشعب وآلهتهم.»

وفي الوقت الذي أعاد فيه جستنيان غزو الإمبراطورية الرومانية الشرقية، بدأ رعاياه يواجهون الموت ويتساقطون كالذباب. ففي عام ٥٤٢ ميلاديًّا، كان بروكوبيوس يرثي ما يُعرَف في الوقت الحالي باسم طاعون جستنيان — وهو شكل أوَّلي للطاعون الدملي — وقال إنه كان يُودي بحياة ١٠ آلاف شخص يوميًّا عندما كان في ذروته.

هل وقعت كل هذه الأحداث المختلفة نتيجة لموجة البرد العالمية؟ يعتقد بيلي في هذه الاحتمالية؛ على سبيل المثال، قد يكون طاعون جستنيان نتيجةً غير مباشِرةٍ لنقص الغذاء في جميع أنحاء أوراسيا، الأمر الذي أدَّى إلى نزوح جماعي للأشخاص والقوارض الحاملة للمرض. ويقول بيلي: «تعرَّضَ الأشخاص إلى مسبِّبات الأمراض التي لم يألفوها.» مستطردًا: «وتفشَّى الطاعون؛ بنفس السيناريو القديم للموت الأسود.»

إنَّ إثبات أن العامل وراء ظهور تلك الأحداث التاريخية بعينها هو التغيُّر المناخي شبهُ مستحيل، إلا أن الدراسات المُضْنِية التي أجراها ديفيد تشونج من جامعة هونج كونج أظهرت وجود علاقة وثيقة بين فترات البرد من ناحية، والمجاعات والطاعون والهجرات الجماعية والاضطرابات الاجتماعية وكذلك الحروب من ناحية أخرى (مجلة نيو ساينتيست، ٤ أغسطس ٢٠١٢، صفحة ٣٢). ويقول ديفيد: «أعتقد أن الموجة الباردة الممتدة على مدار عقد بين ثلاثينيات وأربعينيات القرن السادس، قد تسبَّبَتْ في انتشار الأوبئة، ليس بسبب عمليات الهجرة فحسب، بل أيضًا المجاعة التي أدَّتْ إلى تدهور صحة الشعوب.»

وعلى الرغم من أننا لن نعلم أبدًا على وجه اليقين العواقب التاريخية، شرع بيلي في عام ٢٠٠٢ في البحث في أحد الألباب الجليدية في جرينلاند عن أدلة على وجود عامل خارجي — من خارج كوكب الأرض — مثل القطرات المتصلبة للمواد الذائبة الناتجة عن حدوث اصطدام. وقال: «وجدنا أن اللب الجليدي يعج بالكريات الزجاجية والمعدنية؛ ولذا ظننتُ أننا عثرنا على الدليل الذي نبحث عنه.»

لكن لم يُقدَّر له العثور عليه؛ فلم يكن هناك أي أثر لكريات مماثلة في لبٍّ جليدي آخَر. ويقول بيلي: «لا بد أن الكريات التي عُثِرَ عليها في اللب الجليدي الأول كانت ملوَّثَة.» وربما حدث التلوُّث بسبب المعدات المستخدمة في استخراج اللب. بعد ذلك، في أواخر ٢٠٠٢، أصبحت واقعة عام ٥٣٦ أكثر غموضًا من أي وقت مضى؛ فلقد كانت هناك أدلة متزايدة مباشِرة وتاريخية على حدوث موجة البرد القارس المفاجئة، ولكن لم يكن هناك أي مؤشر على العامل المُسبِّب؛ فقرَّرَ بو فينتر — الباحث بجامعة كوبنهاجن في الدنمارك — وزملاؤه البحثَ مرةً أخرى في الألباب الجليدية، وفي عام ٢٠٠٨ أفادوا بأنه كان هناك مؤشر ضعيف — ولكنه مهم — على وجود عنصر الكبريت عام ٥٣٤، أو قبله أو بعده بعامين. نتيجة لذلك، أصبح التفسير المتعلِّق بالثورانات البركانية موضع نقاش مجدَّدًا (دورية جيوفيزيكال ريسيرتش ليترز، المجلد ٣٥، إل ٠٤٧٠٨).

يقول فينتر إنه ليس من المثير للدهشة أن البحث القديم حول سجل اللب الجليدي لم يكشف عن وجود أي مؤشر على انفجار بركاني عام ٥٣٦. فلو لم يحدث البركان بالقرب من الغطاء الجليدي ويغطِّه بالرماد، من المرجح أن يكون المؤشرُ الدال على حدوث بركانٍ طفيفًا وضعيفًا. ويقول: «يجب أن تتوخَّى الحذرَ للغاية عند تحديد القياسات إذا كنتَ تنوي الكشف عن ذلك.»

من المحتمل ألَّا يكون هذا البركان قد حدث في أي مكان بالقرب من غطاء جليدي، حيث عثر فريق فينتر على آثار للكبريت في الجليد في كلٍّ من جرينلاند والقارة القطبية الجنوبية. ويقول فينتر: «من ثَمَّ، فإن البركان قد ثار حتمًا في المناطق المدارية، وإلا فما كنا لنعثر على أي أثر في الجليد في كلا القطبين.»

استمرَّ البحث عن مؤشرات على حدوث بركان، وسرعان ما أُثِيرت الشكوك. ومصادفةً، كان ستيفن كاترولف — الباحث في جامعة كيل في ألمانيا — وزملاؤه يعيدون تقييمَ حجم البراكين المعروفة التي ثارت في أمريكا الوسطى من خلال قياس رواسب الرماد، وقد أدَّتْ نتيجة عملهم — الذي نُشِر بعد شهور من دراسة فينتر — إلى مضاعفة الحجم المُقدَّر لثوران بركاني ناتج عن بركان ايلوبانجو في السلفادور. ويقول كاترولف إننا نعلم حاليًّا أن هذا الثوران البركاني خلَّفَ وراءه ٨٤كم مكعبًا من الرماد.

يقول روبرت دال — من جامعة تكساس في أوستن — الذي أجرى دراسة على ايلوبانجو لسنوات عن هذا البركان إنه: «هائل؛ إذ إن التقدير الذي تم التوصل إليه مؤخرًا يُصنِّف هذا البركان كسادس أكبر بركان ثار على الكوكب خلال اﻟ ١٠ آلاف عام الأخيرة.» لكن كانت هناك مشكلة واحدة فقط؛ وهي أن تحديد عُمْر المواد النباتية المتواجِدة في الرماد باستخدام الكربون المشع أشار إلى عام ٤٣٠ تقريبًا؛ أي في توقيت مبكِّر عن السنة المعني بها ﺑ ١٠٠ عام. لكن هذا التاريخ كان مؤقتًا وقابلًا للتغيير.

بعد قراءة هذه الدراسات، تعاوَنَ دال مع كاترولف في فريق بحثي من أجل تحديد التاريخ على نحوٍ أدق، من خلال تأريخ حلقات النمو في جذع شجرة باستخدام الكربون المشع؛ مما يعني العثور على شجرة في الرماد. وفي عام ٢٠١٠، أعلن الفريق العثورَ على شجرة ماتت في وقتٍ ما بين العامين ٥٠٠ و٥٥٠؛ مما جعل عقد صلة مع عام ٥٣٦ احتمالًا واقعيًّا. ويقول دال إنه في العامين الماضيين، أثبتت الدراسة التي أُجرِيت على أشجار أخرى أن البركان ثار في وقت مبكر من القرن السادس، ويشير إلى عام ٥٣٥ باعتباره التاريخ الأرجح.

إذا كان بركان ايلوبانجو قد تسبَّبَ في حدوث اضطرابات مدمِّرة في جميع أنحاء العالم، فلا بد أن آثاره على أمريكا الوسطى كانت شديدة الدمار. فيقول شيتس، الذي تعاوَنَ أيضًا مع دال في فريق بحثي: «ارسم دائرة نصف قطرها ٢٠٠كم حول بحيرة ايلوبانجو، فسترى على الأرجح الدمار الكلي الذي حلَّ بالأشخاص والحيوانات والأشجار.» ويقول دال إن حضارة المايا الواقعة على بُعْد بضع مئات الكيلومترات شمالًا ربما تكون قد نجت من هذا الدمار الكلي، ولكنها توقَّفَتْ في ظروف غامضة عن بناء الآثار المنحوتة بإتقان — المعروفة باسم «النُّصُب» — في ثلاثينيات القرن السادس، والمدوَّن عليها نصوص هيروغليفية مؤرَّخة.

حتى إن كان بركان ايلوبانجو السبب وراء وقوع أحداث عام ٥٣٦، فليس من السهل تفسير استمرار موجة البرد لعقد من الزمان، ولماذا أتت السنوات الأكثر برودةً بعد عام ٥٤٠. هل ثار أكثر من بركان واحد؟ خلال الأشهر القليلة الماضية، أظهر تحليلٌ لأحد الألباب الجليدية المستخرَجة من جرينلاند مؤشرًا على وجود الكبريت عام ٥٤٠، ولكن هذا المؤشر يمثِّل قرابة ١٥ بالمائة فقط من قوة المؤشر الدال على وجوده في عام ٥٣٤، وهذه النتيجة تثير الجدل حول إذا ما كان يمكن أن يخلِّف بركان بهذا الحجم أثرًا هائلًا على المناخ.

ونأتي هنا على ذكر دالاس آبوت، عالمة الجيولوجيا في جامعة كولومبيا في باليسيدز بنيويورك؛ إذ تولَّى فريقها أيضًا دراسةَ الألباب الجليدية المستخرَجة من جرينلاند، فعثروا — مثل بيلي — على كريات معدنية يعود تاريخها إلى قرابة عام ٥٣٦، ولكنهم وجدوا أيضًا تركيزات عالية غير معتادة من النيكل والقصدير؛ ويتواجد النيكل بوفرة في الحطام الآتي من خارج الأرض، لكنه ليس من المرجح أن يكون تلوُّثًا — حسبما تقول آبوت — لعدم تواجُد هذا المعدن بطريقة معتادة في المعدات المستخدَمة في تجميع الجليد. في الوقت ذاته، يشير القصدير إلى تعرُّض المكان لتأثير أحد المذنبات.

من ثَمَّ، فإن النتائج التي توصَّلَتْ إليها آبوت أحيت فرضيةَ وجود مذنَّب، وكانت هي أيضًا يساورها شك معين. فتقول: «إننا نعلم أن مذنب هالي وصل إلى الأرض عام ٥٣٠، ويشير التاريخ الصيني إلى أن هذا المذنب كان ساطعًا بشكل غير معتاد.»

وتضيف أن هذا السطوع يوحي بأن المذنب، أثناء هذه الرحلة عبر النظام الشمسي الداخلي، مرَّ إلى حدٍّ كبير بالقرب من الشمس، ففقد كميات من الجليد أكبر من المعتاد؛ مما ساعده على إطلاق المزيد من الغبار والحطام المتجمِّد بداخله. وتقول آبوت: «ربما فقد مذنب هالي على الأرجح مواده وخلَّف الغبار عام ٥٣٠.»

في هذا العام، حدث أمرٌ أكثر ترويعًا ينذر بالسوء؛ حيث كانت الشمس تبث ضوءها في خفوت، مثل القمر، وذلك خلال العام كله، وكانت تشبه حالها في الكسوف أيَّما تشابُه؛ لأن ضوءها لم يكن مشعًّا ولم يكن كالمعتاد.

بروكوبيوس («حروب جستنيان»، الكتاب ٤، القسم ١٤، السطر ٥)

في كل عام، يشهد كوكب الأرض تساقُط زختين من الشهب ناتجتين عن شظايا غبارية لمذنب هالي. وخلال الفترة من ثلاثينيات إلى أربعينيات القرن السادس، من المحتمل أن هذه الزخات كانت ثقيلةً بشكل غير معتاد، واستمرت حتى ملأت الغلاف الجوي للأرض بغبار بارد، وربما بما هو أكثر منه.

موقع الاصطدام

هناك أدلة أخرى مثيرة للدهشة عُثِر عليها في الجليد؛ إذ تحتوي الألباب الجليدية التي تعود إلى بداية عام ٥٣٦ تقريبًا على بقايا متجمدة لكائنات دقيقة وُجِدت بطبيعة الحال في البحار الاستوائية الضحلة، في حين أن العينات التي تعود لعام ٥٣٨ تحتوي أيضًا على حفريات لكائنات بحرية دقيقة أقدم بكثير. وتعتقد آبوت أن هناك طريقة واحدة فقط حتى ينتهي المطاف بهذه الكائنات الدقيقة في جليد جرينلاند.

قد يكون الأمر أن هناك القليل من الشظايا — كبيرة الحجم على نحو استثنائي — تساقطت من مذنب هالي أثناء رحلته عبر النظام الشمسي الداخلي عام ٥٣٠؛ وفي السنوات اللاحقة — بما فيها عاما ٥٣٦ و٥٣٨ — اندفعت هذه الشظايا بقوة إلى المحيطات على الأرض؛ ونتيجةً لذلك اندفع الغبار والحطام — بما فيهما من ميكروبات بحرية حية موجودة في المياه، وكذلك حفريات موجودة في الصخور التي حدث الارتطام بها — إلى أعلى حيث الغلاف الجوي، وحدث انخفاض مفاجئ في درجات الحرارة العالمية.

بل يمكن أن يكون فريق آبوت قد عثر على موقع أحد هذه الاصطدامات. وتقول آبوت إن شذوذ الجاذبية والكريات المعدنية في طبقة الرواسب يشيران إلى اصطدام جسم كبير بخليج كاربنتاريا في أستراليا في وقتٍ ما في الألفية الأولى.

عرضت آبوت النتائج التي توصَّلَ إليها فريقها في مؤتمرين عُقِدَا العام الماضي، وستُنشَر التفاصيل قريبًا. مع ذلك، ما زال أمامها الكثيرُ من البحث من أجل إقناع المتشكِّكين.

تولَّى دون براونلي — الأستاذ بجامعة واشنطن في سياتل — العمل البحثي لبعثة المسبار ستاردست التابع لوكالة ناسا الفضائية المعنِيَّة بتجميع الغبار المنبعث من المذنب وايلد ٢ عام ٢٠٠٤. ويقول براونلي إن هناك بعض الأدلة على أن الاصطدامات الكونية مع الأرض يمكن أن يكون لها تأثير كبير على برودة الطقس؛ فعلى سبيل المثال، يرتبط أحد الأحداث الوجيزة لبرودة الطقس منذ نحو ١٢٨٠٠ عام بالاصطدامات الكبرى التي حدثت في ذلك الوقت، إلا أنه تساوره الشكوك بأن المذنب هالي كان السبب وراء حدوث ذلك في القرن السادس؛ لأن تاريخ المذنب الشهير خلال آلاف السنين القليلة الماضية واضح إلى حدٍّ معقول. ويقول براونلي: «يمكن أن تسطع المذنبات، بل قد تتكسر إلى شظايا على نحو مهول، ولكنني لا أملك أي أدلة على أن المذنب هالي تصرَّف على هذا النحو في الماضي.»

حتى لو لم يكن للمذنب هالي دور، فإن رأي آبوت لا يزال سديدًا بشأن مرور الأرض خلال الغبار وتعرُّض الكوكب لاثنين أو أكثر من الاصطدامات الكبيرة. وفي الوقت الحالي، تُلقِي مجموعاتٌ بحثية أخرى نظرةً ثانية على الألباب الجليدية، ويقول بيلي: «بناءً على ما تنشره دالاس من نتائج في الوقت الحالي، سأتولى من جديد دراسة العينات الجليدية التي جمعناها؛ لنرى إنْ كنَّا نستطيع العثور على أي شيء يضاهي نتائجها.»

في هذه الأثناء، قد يتيح لنا قريبًا كوكب المريخ المجاور أن نرى بأنفسنا ماذا سيحدث عندما تصطدم الحطام الناتجة عن مذنب بكوكب صغير؛ فمن المتوقع أن يمر الكوكب الأحمر خلال الغبار والغازات المحيطة بالمذنب «سي/٢٠١٣ إيه ١» في شهر أكتوبر.

على هذا، فقد انتقلنا خلال السنوات القليلة الماضية من مرحلة عدم وجود أدلة على حدوث بركان أو أي نوع من الاصطدام قرابة عام ٥٣٦، إلى التوصُّل إلى أدلة أولية على حدوث كليهما. إذن، ما الذي تسبَّبَ في موجة البرودة العالمية؟ سيردُّ دال بأن السبب هو ثوران بركان، بينما نجد آبوت مقتنعة بأنه مذنب، لكن من المحتمل أن يكون كلاهما على صواب.

ربما يكون أفضل تفسير لحدوث موجة البرد القارس غير المعتادة واستمرارها هو حدوث كارثتين في الوقت ذاته. ويقول فينتر إن عدم وجود أي مؤشر قوي في الجليد على حدوث بركان من عام ٥٤٠، يجعل نظرية «بركان ومذنب» أمرًا محتملًا بكل تأكيد. وعلى الرغم من أنه من غير المرجح — فيما يبدو — أن يتعرض كوكب الأرض لبركان هائل إلى جانب اصطدامه عن قرب بأحد المذنبات في العقد ذاته، فإن الأمور غير المرجحة تحدث بالفعل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Kamel Bounab ·٢٦ فبراير ٢٠١٦، ١٦:٥٣ م

    مجهود تشكرون عليه