سكاي آند تليسكوب: جريج ديندرمان.
سكاي آند تليسكوب: جريج ديندرمان.

حينما يتأمل الإنسان الكون الواسع، عادةً ما يشعر بضآلته الجسمانية البالغة؛ فيشعر أنه مخلوق دقيق هائم في الكون الفسيح. ولكن هل يمكن تبرير هذا الشعور بقلة الشأن الجسمانية من الناحية النسبية؟

إن كوننا عامر بأجسام متباينة الأحجام، وأكبر الأجسام التي نعرفها هو الكون القابل للرصد. ويقدِّر الفلكيون أن قطر الكون حاليًّا — دون النظر إلى اتِّساعه المتواصل وحقيقة أنه قد يكون جزءًا من كون أكبر بكثير — يبلغ قرابة ‏٢٧١٠ أمتار (أي ٩٢ مليار سنة ضوئية). ويغلب الظن أن أصغر جسم هو «خيط» الطاقة الذي يصعب تصور ضآلته؛ إذ يُقدَّر طوله بنحو ١٠‏−٣٥ أمتار. فبافتراض استمرار تفاوت الأحجام بين هذين النقيضين، نجد أن تسلسل الأحجام الكوني يتضمَّن ٦٣ درجة من درجات الحجم.

فمن الناحية المطلقة، حجم الإنسان ضئيل بلا شك، ولكن من الناحية النسبية الأمر مختلف؛ فطول الإنسان يتراوح بين ٣ و٧ أقدام تقريبًا، أو قرابة ١٠‏صفر أمتار. فالإنسان أكبر من الطرف الأصغر على مقياس الحجم بمقدار ٣٥ درجة، ولكنه أصغر من الطرف الأكبر بمقدار ٢٧ درجة «فقط». ومما يثير الدهشة أن موقع الإنسان على هذا التسلسل يقطع أكثر من نصف المسافة تجاه الطرف الأكبر. فبإعمال نظام الأُس العشري الذي يستخدمه العلماء، نجد أننا كيانات كبيرة جدًّا من الناحية النسبية! فما سبب جهلنا التام بهذه الحقيقة؟

إن حاسة البصر هي وسيلتنا في جمع المعلومات عن حجمنا النسبي، فنحن ننظر إلى أنفسنا، ونقارن حجمنا بحجم الأجسام المحيطة بنا من شتى الأحجام؛ ومن ثَمَّ ندرك ترتيبنا النسبي إلى حدٍّ ما. ولكن حاسة البصر عبارة عن تجسيد مقتصر ومتحيز للكون المادي القائم.

فمجال رؤيتنا يمتدُّ من عرض الشعرة (١٠‏−٤ أمتار) إلى بُعد مجرة أندروميدا (‏٢٢١٠ أمتار، أو ٢٫٥ مليون سنة ضوئية)؛ أي إن الكون «المنظور» للإنسان يتضمن ٢٧ درجة من درجات الحجم؛ ومن ثَمَّ يمكننا أن نرى نسبة مثيرة للإعجاب تبلغ ٤٣٪ من درجات الحجم التي يتضمنها الكون المادي (٢٧ من ٦٣ درجة).

إلا أن تلك الفعالية البصرية تميل نحو الطرف الأكبر. فما بين أصغر شيء يمكننا رؤيته (١٠‏−٤) والخيط غير المرئي عند الطرف الأصغر من تسلسل الأحجام، ثَمَّة ٣١ درجة من درجات الحجم. أما على الطرف الأكبر، فلا يوجد سوى خمس درجات غير مرئية من بُعد أندروميدا حتى أطراف الكون المنظور.

ففي نطاق مجموعتنا الجزئية المتحيزة في الكون المادي، يفوق حجم الإنسان الطرف الأصغر على مقياس الحجم بأربع درجات فحسب، ولكنه أصغر من الطرف الأكبر بمقدار كبير يبلغ ٢٢ درجة. فنحن من هذا المنطلق بالغو الضآلة فعلًا، فما نراه أكبر من حجم أجسادنا في الكون المادي أكثر بفرق شاسع مما نراه أصغر منا.

لذا يستنتج البشر منطقيًّا — وإن جانبهم الصواب — من أوجه قصور بصرنا المتحيزة أننا كيانات دقيقة هائمة في كون هائل لا نهائي، وهو صحيح من الناحية المطلقة، ولكن ليس من الناحية النسبية؛ فيؤكد اتساع الكون المستمر — بافتراض عدم تمدد الطرف الأصغر من التسلسل في المقابل — أنه في وقت ما من المستقبل سنصير كائنات بالغة الضآلة بالفعل مقارنةً بغيرنا. ولكننا في الوقت الحالي كائنات لا يُستهان بحجمها نسبيًّا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.