إن تقدير عُمْر أحد الأشخاص ليس بالأمر الهيِّن على الإطلاق، حتى مع جميع التطورات الحديثة في طب الأمراض الجلدية والجراحة. لكن على الأقل معظمنا يتعامل مع الجنس البشري فحسب. فلتفكِّروا في أمر كريج جورج، الذي يدرس الحيتان مقوَّسة الرأس في المحيط المتجمد الشمالي. فمنذ ثماني سنوات، راوده شكٌّ في أن هذه الحيوانات قد تعيش لما يزيد عن قرنين من الزمان، لكن كيف يستطيع إثبات ذلك؟ لم يكن يعرف أيَّ طريقة أكيدة لتقدير أعمار تلك الحيتان. في النهاية جرَّب التمعُّن في أعيُنها، وكان ما رآه مفاجأةً حتى بالنسبة إليه.

بدأ كل شيء عندما سمع جورج — كبير الباحثين في قسم إدارة الحياة البرية بمقاطعة نورث سلوب في ولاية ألاسكا — عن عثور صيادي الحيتان من سكان ألاسكا الأصليِّين (الأنيوبيات) على رأس حربة حجرية قديمة مخصَّصة لصيد الحيتان داخل حوت مُقوَّس الرأس كانوا آخذين في تقطيعه. كان رأس الحربة يُشبِه نوعَ الأدواتِ التي كان السكان الأصليون يستخدمونها قبل أن يصيروا على اتصال بالأوروبِّيِّين في منتصف القرن التاسع عشر، ويتحوَّلوا إلى استخدام الحِراب المعدنية. إلَّا أن جورج ارتاب في الأمر، فربما كانتِ القصة مختلَقةً، ثم قال بعدها: «بدأنا بعد ذلك نَجِد المزيد من الحَرِاب، وهذا ما ملأني حماسًا.»

حتى الآن وجد صيَّادو الحيتان من الأنيوبيات ستة رءوس حِرَاب تقليدية على الأقل مصنوعة من الحَجَر والعاج، في دهون الحيتان التي اصطادوها. وعند مقارنة رءوس الحراب تلك بالحِراب المحفوظة في مؤسسة سميثسونيان في واشنطن العاصمة، تبيَّن أنها ترجع إلى القرن الثامن عشر، ويشير جورج إلى أن الحيتان التي نَجَتْ من تلك الهجمات كانتْ بالغةً على الأرجح عندما طُعِنتْ بالحربة أول مرة. قد يجعل ذلك من الحيتان مقوَّسة الرأس أحد أطول الحيوانات عُمْرًا على وجه الأرض. وكان ما نحتاج إليه هو الدليل المباشر على ذلك.

للأسف اتَّضح أن حساب عُمر الحيتان مقوَّسة الرأس مهمةٌ صعبةٌ إلى حدٍّ غير عادي؛ إذ لم ينجح أيٌّ من الأساليب التي استُخدمتْ بنجاح مع الحيتان الأخرى. فعلى سبيل المثال: ظل الباحثون يراقبون الحيتان القاتلة من كَثَب طوال الأعوام الثلاثين الماضية، حتى إنهم أصبحوا يتعرفون على أفرادها بمجرد النظر، وكوَّنوا تصوُّرًا دقيقًا عن مسار نموِّها ونضوجها. كذلك يمكن تقدير عمر الحوت الأزرق عن طريق عدِّ طبقات النمو في السدادات العظمية على طبلة أذنه، بينما تتكشَّف أعمار حيتان أخرى عبر نظائر الكربون في طبقات البالين؛ أيْ عظم فكِّها. تتأرجح نِسَب تلك النظائر سنويًّا مع هجرة الحيتان من منطقة لأخرى وتَغَذِّيها على فرائسَ لكلٍّ منها نمط مُميَّز من النظائر، وينعكس ذلك على تكوين البالين لديها. لكن الحيتان مقوسة الرأس لم تَنَلْ نصيبًا وافرًا من الدراسة، وآذانها الداخلية لا يبدو أنها تُكوِّن طبقات، فضلًا عن أن التذبذب في نظائر الكربون في عظم فكِّها يتناقص حتى يختفي بعد اثنتي عشرة سنة أو نحوها.

ومِن ثَمَّ وصل جورج إلى طريق مسدود. لكن منذ بضعِ سنواتٍ سمع عن عمل جيف بادا، عالِم الكيمياء الحيوية في مؤسسة سكريبس لعلم المحيطات في سان دييجو. كان بادا قد ابتكر تقنيةً جديدةً لتقدير عُمر الثدييات البحرية من خلال الأحماض الأمينية التي تحتوي عليها عدسات عيونها، ولم يَبدُ أنَّ ثَمَّة مانعًا في نجاح تلك التقنية مع الحيتان مقوسة الرأس.

يَمْلِك العديدُ من الثدييات البحرية — من بينها الحيتان — عدساتٍ كرويةً، وهو أسلوب تكيُّف يَزيد قُدْرتَها على ضبط بؤرة تلك العدسات تحت الماء. ويكون لكل عدسة بِنْية شبيهة بالبصلة تتكون من عشرات الطبقات البروتينية، ينشأ أولها والحوت لم يزل جنينًا. وما إنْ تتكون الطبقات حتى تبدأ تغيُّرات كيميائية في كل طبقة، يمكن الاستفادة منها في تقدير الزمن المنقضي منذ ترسُّبها. العامل الرئيسي ها هنا هو حمض الأسبارتيك، وهو أحد الأحماض الأمينية التي يتضمَّنها بروتين العدسات. ومثل جميع الأحماض الأمينية تقريبًا، يمكن أن يظهر هذا الحمض على هيئة أحد متزامرَيْن مجسَّمين — وهما عبارة عن صورتين طبق الأصل ثلاثيتَيِ الأبعاد — يُعرفان بالرمزين L وD. إن أحماض L هي وحدها التي تترسَّب، لكنها تتأرجح تلقائيًّا باستمرار بين الشكلين L وD بنسبة معروفة، في عملية تعرف باسم المراسمة.

كلما طالتْ هذه العملية؛ ازداد اقتراب النسبة بين الشكلين D وL من ١ : ١. وباستخدام تقنية الفصل اللوني السائل، تمكَّن بادا من قياس النسبة في عيِّنة أُخذتْ من مركز العين. وبهذا يمكن تقدير الزمن المنقضي منذ تكوُّن الطبقة الأولى في العدسات.

كان لدى جورج بقايا مجمدة من ٤٨ حوتًا مقوس الرأس قُتِلتْ بين عامَيْ ١٩٧٨ و١٩٩٦. فأذاب العيون المثلجة، ونزع عنها العدسات ثم أرسلها إلى بادا. توصَّل بادا — الذي كان يعمل مع جودي زي من جامعة واشنطن — إلى تقديرات عمرية أثارتْ ذهول علماء الأحياء المُحنَّكين أنفُسِهم، من المختصين بالحيتان مقوسة الرأس. فأربعة حيتان كانتْ قد تجاوزتِ المائة عام، بينما بلغ عمر أحدها ٢١١ عامًا، وهي بهذا تُباري السلاحف والمحارات العملاقة التي تبلغ من العمر ٢٠٠ عام، وحقَّقتِ الرقمَ القياسي في طول العمر بين الحيوانات. حتى مع إضافة هامش خطأ يصل إلى ٢٥ عامًا، ستظلُّ الحيتان مقوسة الرأس أطولَ الثدييات على سطح الأرض عُمرًا. والجدير بالذكر أن الحيتان التي قاس فريق جورج أعمارها ماتتْ لأن الصيادين قتلوها ليس إلَّا.

وتيرة بطيئة

لا تزال الأسئلة كثيرةً: هل تظل الحيتان مقوسة الرأس نشطةً تناسليًّا في القرن الثاني من عمرها؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما هي الضغوط التطورية الأخرى التي يُحتَمل أن تكون تسبَّبتْ في ذلك العمر الطويل؟ يُطلِق علماءُ الأحياء على المخلوقات التي تُنجب عددًا قليلًا من الصغار خلال فترة زمنية طويلة اسم «مُتَّبعة الاستراتيجية كيه» مقابل «مُتَّبعة الاستراتيجية آر» التي تعيش حياةً قصيرةً سريعةً وتنجب عددًا كبيرًا من الصغار. يشير كيري فينلي — عالِم أحياء مستقلٌّ درس سلوك الحيتان المقوسة طوال ١٤ صيفًا في المحيط المتجمد الشمالي بكندا — إلى احتمال أن تكون البيئةُ شديدةُ القسوة قد تسبَّبتْ في ظهور نوع من الأحياء يعمل على زيادة فرص بقائه على قيد الحياة والتناسل إلى الحد الأقصى بإبطاء معدل نموه. يظن جورج أيضًا أن الحيتان مقوسة الرأس ربما كانتْ أعظم متبعة الاستراتيجية كيه.

لكن ربما كان ثَمَّة قُوًى أخرى تضطلع بدورٍ في هذه الظاهرة؛ إذ تشير دراسات — تناولتْ أنواعًا متنوعةً من الكائنات الحية مثل الخمائر والبشر والحشرات — إلى أن معدلات الوفاة كثيرًا ما تنخفض في المراحل المتقدمة من الأعمار العادية. ومِن ثَمَّ ربما ينخفض في الواقع خطر وفاة أحد الحيتان في عامٍ محدَّدٍ بعد عُمر معيَّن. وقد حلَّل جيمس فوبل وزملاؤه في معهد ماكس بلانك للأبحاث الديموغرافية في مدينة روستوك بألمانيا مجموعةً كبيرةً من الدراسات المعنية بطول العمر. وتتحدى نتائجُهم الاعتقادَ المسلَّم به أن الحيوانات سرعان ما تموت بعدما تنتهي دورة حياتها التناسلية؛ نظرًا لأنه آنذاك تنتفي أيُّ ميزة تطورية للعيش فترة أطول.

كذلك يزعم تشارلز كريبس — مختصُّ علم البيئة التجمعي بجامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر — أن طول العمر يبدو منطقيًّا لأنواعٍ مثل الحوت مقوس الرأس. فنظرًا لكون الحيتان مقوسة الرأس حيواناتٍ متطورةً اجتماعيًّا وذكيةً نسبيًّا، فإنها تميل إلى الارتحال والصيد في مجموعات، كذلك تشير التسجيلات التي التُقطتْ «لأغانيها» إلى أنها تتبادل المعلومات لمساعدة بعضها بعضًا على تجنُّب كُتَل الجليد الطافية. فربما كان تراكُم الخبرة المصاحب لتقدُّم العمر مفيدًا للحوت الواحد، وربما الحيتان الأخرى أيضًا. يقول كريبس: «إن الحيتان الأكبر سنًّا ليستْ أضخم فحسب، بل أكثر حكمةً كذلك؛ فهي تعرف أين تبحث عن الطعام وكيف تتفادى مفترسيها.»

بالطبع لم تستطع حتى أكبر الحيوانات سنًّا الهربَ من حِراب صيادي الحيتان. فعلى الرغم من أن تعداد الحيتان مقوسة الرأس البالغ ٨ آلاف حوت في غرب المحيط الشمالي المتجمد يزيد بمعدلٍ يقارب ٣ في المائة في السنة، اتَّضح أنه من الصعب أن تعود أعداد الحيتان في المناطق الأخرى إلى سابق عهدها. على سبيل المثال: قد يُقَدَّر عدد الحيتان في شرق المحيط المتجمد الشمالي بكندا بنحو ٥٠٠، وعلى الأرجح لن يزيد عن الألف. ورغم هذه الأعداد المنخفضة، فقد مُنح صيَّادو الحيتان من الإينويت في المنطقة تصريحًا في الآونة الأخيرة بقتْل عدد يصل إلى حوتين في العام. من المستحيل معرفة ما إذا كان هذا المعدل يمكن أن يستمرَّ؛ فببساطةٍ ليس ثَمَّة بيانات متاحة في هذا الصدد. لكن — على حدِّ قول فينلي — طول العمر المدهش للحيتان مقوسة الرأس يشير إلى أن تعداد تلك الحيتان سوف ينمو ببطء شديد حتى دون تدخُّل، ومِن ثَمَّ يبدو قرار الترخيص خاطئًا. ويضيف: «المجازفة الإحصائية في ظلِّ تلك الاحتمالات أمر غير مسئول، ولن تظهر عواقبه إلا بعد زمن طويل.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.