هل يستطيع علم السلطة أن يفسر سلوك معمر القذافي؟
هل يستطيع علم السلطة أن يفسر سلوك معمر القذافي؟

كل أسبوع تقريبًا، يحصل الرئيس الأمريكي باراك أوباما من قادته الأمنيين على قائمة بأسماء إرهابيين مشتبه بهم في اليمن والصومال وباكستان بالإضافة إلى سيرهم الذاتية وصورهم. وعن طريق هذه القائمة المختصرة يحدد أوباما بنفسه المشتبه بهم الذين ينبغي قتلهم باستخدام طائرات بدون طيار من طراز «بريديتور». حدثت أول ضربة أمر بها أوباما بعد توليه منصبه بثلاثة أيام، وقيل إنه شعر ببالغ الأسى لمقتل عدد من الأطفال عن غير عمد أثناء الهجوم.

أثناء حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض هذا العام، استأنف الرئيس سلسلته التي باتت مشهورة الآن من الغناء المرِح والتصريحات الصحفية الهزلية؛ حيث حذّر فريق جوناس برذرز الغنائي بخصوص ابنتيه قائلًا: «ساشا وماليا من أشد المعجبات بكم، لكن أحذركم أيها الفتيان من أن تشطحوا بخيالكم. لديّ كلمتان لكم: طائرات بريديتور. لن تعرفوا من أين تأتيكم. أتظنون أني أمزح؟»

ومنذ وقت قريب، حامت الشكوك حول استخدامه تلميحًا جنسيًّا أثناء حديثه في مدينة بيفرلي هيلز، إذ قال: «أود أن أشكر صديقتي الرائعة التي تتقبل بعض المزاح الثقيل عن هزيمة ميشيل لها في تمرينات الضغط، لكني أعتقد أنها تزعم أن ميشيل كانت تسارع بالنهوض في كل مرة.» وفقًا للتقارير الصحفية، ترك الرئيس جملته مفتوحة لتحتمل معانٍ أخرى.

لا يستطيع أحد أن يجزم هل كانت هذه التورية مقصودة أم لا، لكن على الأقل لم يلتزم الرئيس الحيطة فيما يتعلق بالبعد عن التلميحات الجنسية. أيًّا كانت الحقيقة، فإن هذا يتناسب مع شخصية رئاسية أكثر «انبساطًا»، وقد يكون جزءًا من خطة انتخابية تهدف إلى التخفيف من حدة أسلوبه الأستاذي المتحفظ الذي كان يتسم به في بداية عهده بالرئاسة.

لكن هناك تفسير آخر محتمل. كان أوباما يمزح عندما تحدث عن طائرة بريديتور، لكن إذا أوكلت إليّ أو إليك مهمة اتخاذ قرار بشأن الأشخاص الذين سيلقون حتفهم هذا الأسبوع — مع العلم باحتمال مقتل أطفال أبرياء — ألن يشق علينا المزاح بشأن ضربات كهذه؟

لنفكر فيما يلي؛ لا شك أن الفترة التي قاربت الأربعة أعوام والتي قضاها أوباما بوصفه أقوى رجل في العالم قد أعادت تشكيل عقله وشخصيته. ترفع السلطة مستويات هرمون التستوستيرون الذي يزيد بدوره امتصاص ناقل الدوبامين العصبي في شبكة الإثابة بالمخ. وينتج عن هذا زيادة في الأنانية ونقص في مشاعر التعاطف مع الآخرين (دورية سايكولوجيكال ساينس، مجلد ١٧، صفحة ١٠٦٨).

كانت الدعابة السخيفة عن طائرات بريديتور تتماشى مع ذلك النوع من اضمحلال مشاعر التعاطف الذي قد يثيره أقل قدر من السلطة. وبالمثل، إن كان لا يقصد بالفعل التلميح الجنسي في دعابته عن تمارين الضغط، فإن هذا النوع من انعدام ضبط النفس يندرج أيضًا تحت تأثيرات السلطة على المخ. حتى أقل القليل من السلطة — مثل السماح لشخص بتقييم أداء شريكه في إحدى تجارب علم النفس الاجتماعي — يؤدي إلى تغيير السلوك.

يتضح هذا من خلال بحث أجراه داكر كيلتنر وزملاؤه في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، حيث اتضح أنه عند تقديم طبق من الكعك لمجموعة من الأشخاص المتدرجين في المناصب تدرجًا هرميًّا، يحدث في الأغلب أن يأخذ «المدير» آخر كعكة ويأكلها فاغرًا فاه لتتساقط منه الكسرات ويبقى بعضها على وجهه. هذه السلوكيات لا تنم عن سوء تربية أو شخصية فظة؛ فلو كان الشخص نفسه جزءًا من المجموعة، لكان أكثر احتشامًا على الأغلب في تناول الطعام.

يؤدي نقص الدوبامين أو زيادته بدرجة كبيرة — شأنه شأن العديد من النواقل العصبية في المخ — إلى الإخلال بالأداء المتسق للمخ. وبسبب الخلل الشبيه بتأثير الكوكايين على نظام الإثابة في المخ، تسفر السلطة المطلقة عن مشكلات خطيرة في القدرة على إصدار الأحكام، والأداء العاطفي، والوعي الذاتي، وضبط النفس.

السلطة المطلقة أيضًا قد تصيب الإنسان بالنرجسية وتجعل عقليته أقرب إلى «متلازمة الغطرسة» التي عرَّفها وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد أوين، حيث تصبح السلطة في نظر السياسيين عقارًا مُسكرًا. ويصعب تفسير السلوك الشاذ لدكتاتوريين أمثال معمر القذافي في ضوء السمات الشخصية التي كان يتسم بها من قبل؛ بل الأسهل أن نفسرها في ضوء تأثيرات السلطة المخلة بتوازن المخ.

ظهرت أدوات الديمقراطية — مثل الانتخابات الحرة، وتحديد مدة قصوى للبقاء في المنصب، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة — جزئيًّا لمقاومة تأثيرات السلطة المفرطة على القادة. حتى الصينيون يغيرون قادتهم كل عشر سنوات. لكن هذه التأثيرات لا تقتصر على القادة السياسيين فحسب؛ بل تمتد إلى مئات الملايين من الأشخاص الذين يمارسون سلطتهم على الآخرين من خلال وظائفهم.

اكتشف ناثانيال فاست وزملاؤه في كلية مارشال للأعمال بجامعة جنوب كاليفورنيا أن بعض المديرين الذين يمتلكون سلطات واسعة يتعاملون مع الآخرين بأسلوب مهذب بينما يسيء البعض الآخر استخدام مناصبهم ويتعاملون بعدائية مع مرءوسيهم. فما سبب هذا؟ اكتشف فاست أن السلطة تؤدي إلى تنمُّر الأشخاص الذين يشعرون بنقص كفاءتهم في تولي دور قيادي. تستلزم السلطة أن يكون أداء صاحبها موضوعًا تحت المجهر سواء من مرءوسيه أو أقرانه أو مديريه. مثل هذه السلطة تحفز البعض وتشحذ ذكاءهم، لكنها تشكل ضغطًا على البعض ممن كان أداؤهم سيصبح أفضل في المناصب الأقل نفوذًا. خير مثال على هذا رئيس الوزراء الياباني شنزو أبي الذي استقال عام ٢٠٠٧ بعد مرور عام فقط على توليه منصبه، وكان الضغط الشديد الواقع عليه أحد الأسباب القوية وراء استقالته.

قد يكون لدى بعض القادة الآخرين نهم كبير للسلطة. ومن الأمثلة المعاصرة على هؤلاء رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير الذي أدى نهمه للسلطة إلى اتخاذ قرارات كارثية كان على رأسها غزو العراق. يُعتقد أيضًا أن فلاديمير بوتين — الذي سيتم عامه الثامن عشر في السلطة رئيسًا أو رئيس وزراء لروسيا بانتهاء فترته الحالية — يبدي أعراضًا مقلقة بشأن التبعات العصبية لسلطته المفرطة، مثل ميله إلى تصوير نفسه عاري الصدر أو مع النمور أو الدببة.

وهنا تكمن المعضلة؛ فنحن بحاجة إلى قادة أقوياء يحبون السلطة ويستطيعون الاستفادة من تأثيراتها المضادة للاكتئاب مع قدرتهم على التعامل مع ما تفرضه القيادة من ضغوط وحاجة لاتخاذ القرارات وشعور بالوحدة. تمنح السلطة شعورًا طيبًا لأنها تستخدم شبكة الإثابة نفسها التي يعمل عليها الكوكايين والجنس. عندما نشاهد قادتنا يتقدمون في السن سريعًا ويظهر عليهم أثر التعرض لضغوط المنصب، ندرك أنهم في حاجة إلى المكافأة والتحفيز عن طريق تخويلهم السلطة ليكملوا مسيرتهم ويتغلبوا على تحديات القرن الحادي والعشرين المعقدة. وفي الوقت ذاته، فإنهم يحتاجون وقاية من التأثيرات السامة لأكثر العقارات العصبية إغراءً في العالم.

شبَّه الفيلسوف برتراند راسل السلطة للعلاقات الإنسانية بالطاقة للفيزياء. غير أن تأثيرات السلطة على أمخاخ القادة هي أحد المتغيرات المهمة التي لا نحسب لها حسابًا في الحياة. في المستقبل القريب جدًّا، ستصبح التأثيرات العصبية والنفسية للسلطة جزءًا من حديثنا عن القادة والمديرين والأساتذة الجامعيين والأطباء وكل الأدوار الأخرى التي تُسند فيها لأشخاص معينين مسئولية إدارة موارد يريدها الآخرون أو يحتاجون إليها أو يخشونها.

وبالطبع ليست كل تأثيرات السلطة سلبية؛ فالسلطة تجعل الفرد أكثر ذكاءً وميلًا إلى التفكير المجرد الاستراتيجي. تقوِّي السلطة ذوي النفوذ عن طريق تقليل القلق وتحسين الحالة المزاجية، فضلًا عن أنها تجعلهم أكثر إقدامًا على المخاطرة. حريٌّ بالقيادة أو الهيمنة أن تعزز التفكير الاستراتيجي، وتقلل التوتر، وتتيح للقادة فرصة إلهام الآخرين ليرتقوا إلى المستوى المطلوب. لا يسعنا الاستعانة بقادة يعجِزهم فرط مشاعر التعاطف عن اتخاذ القرار المناسب. فأي قائد عسكري هذا الذي سيتخذ قرارًا صائبًا إذا كان مرتبطًا على المستوى الشعوري بالمعاناة التي يواجهها كل جندي أو مدني؟

وهكذا نستطيع أن نتفهم دعابة أوباما عن الطائرات مع أنها قد لا تروق لمن لا تغيرهم الجرعات الهائلة من السلطة. لا يستطيع رئيس الولايات المتحدة البقاء في السلطة أكثر من ثماني سنوات. والآن نعرف أن هناك أسبابًا بيولوجية وجيهة لذلك، إلى جانب أسباب أخرى سياسية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.