إذن لم يحصل بيتر هيجز على جائزة نوبل للفيزياء ذلك العام على أية حال. ولو كان حازها، كانت تلك ستصبح النهاية السعيدة لقصة بدأت أحداثها قبل نصف قرن ببضع أفكار مبدئية خطها في مفكرته، وبلغت منتهاها في الرابع من يوليو لعام ٢٠١٢ بدمعة ترقرقت في عينه حين أعلن الفيزيائيون المزودون بجهاز مصادم الجسيمات ذي الستة مليارات دولار أنهم وجدوا الجسيم الذي يحمل اسمه، أو شيئًا قريب الشبه منه.

لم يكن هيجز هو الوحيد الذي تحركت مشاعره نوعًا ما بسماع الخبر. كان هذا الاكتشاف هو الأهم؛ إذ وضع بوزون هيجز اللبنة الأخيرة في ذلك الصرح العملاق المتمثل في نظرية «النموذج القياسي» للمادة وتفاعلاتها الأساسية. لقد أُنجِزَت المهمة بنجاح.

لكن ليت الأمور كانت بهذه البساطة. فحين يجتمع الفيزيائيون الأسبوع المقبل في كيوتو باليابان، في أول مؤتمر مهم يُعقد بعد الإعلان عن الاكتشاف في شهر يوليو، سيواصلون التساؤل عما إذا كان ذلك الجسيم هو حقًّا حجر الزاوية في النموذج القياسي. وفي الوقت نفسه، استمر تبادر المزيد من الأفكار الهدامة إلى الأذهان: إذا كان هذا الجسيم كذلك بالفعل، فهل نريده في المقام الأول؟

كانت أفكار هيجز المبدئية تهدف إلى حل مشكلة شديدة الغموض. ففي ستينيات القرن العشرين، كان الفيزيائيون سعداء بقدرتهم على توصيف المجالات والقوى الكهرومغناطيسية عبر تبادل الفوتونات عديمة الكتلة. وكانوا في حاجة ماسة لأن يجدوا للقوة النووية الضعيفة نظرية كمية مماثلة، لكنهم سرعان ما واجهوا مشكلة: فقد تطلبت الحسابات أن تكون الجسيمات التي تنقل هذه القوة، وتُعرف الآن ببوزونات دبليو وزد، عديمة الكتلة بالمثل. وفي الحقيقة، يتراوح وزن هذه الجسيمات ما بين ٨٠ إلى ٩٠ جيجا إلكترون فولت، أي أثقل ١٠٠ مرة تقريبًا من البروتون.

كان الحل الذي توصل له هيجز وآخرون هو إيجاد مجال جديد يملأ الفضاء، ويعطي الفراغ طاقة إيجابية تستطيع بدورها منح الجسيمات كتلًا متفاوتة، بحسب مقدار تفاعلاتها معه. وكان الجسيم الكمي لهذا المجال هو بوزون هيجز.

وبينما كان النموذج القياسي يتشكل تدريجيًّا، اتضحت ضرورة إيجاد هذا الجسيم. وقد ادُّعِيَ في النموذج أنه في الكون المبكر شديد الحرارة، كانت القوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة متحدتين في قوة واحدة. وفقط حين ظهر مجال هيجز بعد جزء على المليار من الثانية أو دون ذلك من الانفجار العظيم، انفصلت القوتان في تحول جائح يُعرَف بكسر تناظر القوة الكهروضعيفة. وتضخم بوزونا دبليو وزد وتراجعا إلى حدود الجسيمات دون الذرية، وفي الوقت نفسه، ابتعد الفوتون سريعًا منعدمَ الكتلة واكتسبت القوة الكهرومغناطيسية نطاقها اللامحدود الحالي. في الوقت نفسه، تفاعلت الجسيمات الأساسية التي تتكون منها المادة — كالإلكترونات والكواركات، التي تُعرَف إجمالًا بالفرميونات — مع مجال هيجز واكتسبت أيضًا كتلتها. وهكذا، وُلد كون ذو تنظيم وتسلسل هرمي راسخ للكتل من رحم كون يسوده جنون انعدام الكتلة.

إنها قصة لطيفة، لكن البعض يرونها ملفقة إلى حد ما. ويقول جايدو ألتاريلي، من منظمة سيرن الواقع مقرها قرب جنيف، بسويسرا: «إن نموذج هيجز القياسي الأصغر لهو أشبه بقصة خيالية، بل هو نسخة مبسطة من نموذج وُضع للتوفيق بين النظرية والبيانات، وعكاز يسمح للنموذج القياسي بالسير مسافة أبعد قليلًا إلى أن يلوح شيء أفضل في الأفق.» ومشكلته هي أن النموذج القياسي ليس مكتملًا بدرجة واضحة. إنه يتكهن بنتيجة التجارب المُجراة على الجسيمات العادية في حدود بضعة قيم عشرية، لكنه يتجاهل — على نحو محبط — الجاذبية والمادة المظلمة وعناصر كونية أخرى نعرف أو نشك في وجودها. وما نحتاج إليه، بحسب ألتاريلي وآخرين، ليس جسيم هيجز القياسي على الإطلاق، وإنما شيء مختلف إلى حد ما، أو مختلف على نحو جذري؛ إننا في حاجة إلى مفتاح لنظرية أعمق.

تساؤلات حول الهوية

على الرغم مما تقدم، لا يزال بوزون هيجز يبدو واضحًا وبسيطًا على نحو مثير للإحباط. اكتُشِف الجسيم الذي خرج إلى النور في الرابع من يوليو عن طريق فحص بقايا تريليونات الصدامات فيما بين البروتونات داخل مكشافَي الجسيمات: مكشاف أطلس، ومكشاف الميونات (سي إم إس)، المركبين في مصادم الهادرونات الكبير بمنظمة سيرن. وعلى سبيل البدء، شوهد الجسيم وهو يتحلل إلى بوزونَيْ دبليو وزد، تمامًا كما تتوقع من جسيم يمدهما بالكتلة.

ومع ذلك، يتوقف تحديد الهوية النهائية على قياسات خرقاء للخصائص الكمية للجسيم (انظر «تأملات في اللف المغزلي»). ويقول دكتور ديف نيوبولد، المدرس بجامعة بريستول بالمملكة المتحدة وأحد أفراد فريق تجربة كاشف الميونات: «المهمة التي أمامنا الآن أصعب عشرات المرات من التوصل إلى الاكتشاف نفسه.»

والأكثر من ذلك، ينبغي ألا يتحلل جسيم هيجز المُشتمل عليه في النموذج القياسي إلى بوزونات ناقلة للقوة فحسب، وإنما إلى الفرميونات المُشكِّلة للمادة، وهنا تصبح الأمور أكثر غموضًا. لقد شوهد الجسيم يتحلل إلى فوتونين، وهو ما يعد برهانًا غير مباشر على أنه يتفاعل مع أثقل أنواع الكواركات، وهو الكوارك القمي: فوفقًا للنظرية، لا يستطيع جسيم هيجز التفاعل مباشرةً مع الفوتونات لأنها لا تحمل شحنة كهربية، لذلك فإنه ينقسم أولًا إلى زوج من الكواركات القمية، ومضادات الكواركات التي تشع فوتونات بدورها. يأتي المزيد من الأدلة التجريبية غير الحاسمة فيما يتعلق بتفاعلات الفرميونات من الولايات المتحدة، حيث رأى الباحثون في مصادم تيفاترون — المتوقف الآن عن العمل — في معمل فيرمي بمدينة باتافيا في ولاية إلينوي لمحةً من تحلل الجسيم إلى كواركات قاعية.

لكن بالمثل، ضبط كاشف الميونات نقصًا في التحللات إلى لبتون التاو، وهو جسيم قريب الشبه بالإلكترون لكنه أثقل وزنًا. وإذا ثبتت صحة ذلك، فإنه سيتعارض مع توقعات النموذج القياسي، ومن المتوقع أن يقدم أطلس قياساته لأول تحلل للجسيم إلى جسيمات التاو في كيوتو الأسبوع المقبل. يشهد كل من أطلس وكاشف الميونات عمليات تحلل إلى فوتونات أكثر كثيرًا من المتوقع، مما قد يشير إلى تأثير عمليات وجسيمات جديدة خارج إطار النموذج القياسي.

إن الوقت مبكر جدًّا للتوصل إلى أي استنتاجات مؤكدة. ونظرًا لأننا نعرف كتلة الجسيم الجديد معرفةً جيدةً — حيث يزن زهاء ١٢٥ جيجا إلكترون فولت، أو ٢٢٣ جزءًا من مليار المليار من الميكروجرام — فيمكننا أن نحدد المعدلات التي ينبغي أن يتحلل بها إلى مجموعة متنوعة من الجسيمات بدقة تبلغ ١ في المائة، هذا لو كان ذلك الجسيم هو بوزون هيجز القياسي. ونظرًا للعدد المحدود من التحللات التي شوهدت حتى الآن، تبلغ نسبة التشكك في قياسات معدلات تحلل الجسيم الجديد أكثر من ٢٠ أو ربما تصل إلى ٣٠ في المائة. وبنهاية العام، ستتوافر لدى كل من أطلس وكاشف الميونات قرابة ضِعف البيانات المستخدمة في إعلان يوليو بمرتين ونصف، لكنَّ هذا لن يقلل من نسبة التشكك بدرجة كافية. وبعد ذلك، سيُغلق مصادم الهادرونات الكبير لمدة تصل إلى عامين ليُعاد تجهيزه بحيث يصادم البروتونات بطاقات أعلى. ويقول نيوبولد: «من المحتمل ألا تزداد معلوماتنا عن الجسيم الجديد إلى حد بعيد في المستقبل القريب.»

وما يرغِّب الفيزيائيين في ملء هذا الفراغ به هو مصادم جديد تمامًا؛ فمصادم الهادرونات الكبير ليس مثاليًّا تمامًا على أي حال: فهو يُصادم البروتونات معًا، والبروتونات أكياس ممتلئة بالكواركات والمكونات الأخرى التي تجعل من عملية القياس عملًا فوضويًّا. ويسعى الباحثون جاهدين الآن من أجل تصنيع مصادم إلكترونات وبوزيترونات أكثر كفاءة، ربما في اليابان، لإغلاق ملف هيجز، لكنَّ هذا أيضًا احتمال بعيد.

إذن، أمامنا الآن جسيم يشبه جسيم هيجز القياسي، لكننا لا نستطيع إثبات ذلك. وهذا يجعلنا نواجه مُعضِلةً لا فكاك منها: فإذا كان الجسيم المُكتشَف هو جسيم هيجز القياسي، فكيف له أن يوجد في المقام الأول؟

تكمن المشكلة في أن النظرية الكمية، التي أثبتت صحتها التجارب التي أجريت في معجِّل الجسيمات العملاق السابق في سيرن؛ مصادم الإلكترونات والبوزيترونات الكبير، تتنبأ بأن الجسيمات تمتص وتبعث جسيمات «افتراضية» بصورة تلقائية من خلال استمداد الطاقة من الفراغ. ونظرًا لأن بوزون هيجز نفسه يجمع الكتلة من كل شيء يلمسه، فإن هذه العمليات لا بد أن تجعل كتلته تتضخم من حيز المائة جيجا إلكترون فولت إلى ‏١٩١٠ جيجا إلكترون فولت. وفي هذه المرحلة، التي تسمى مقياس بلانك، تُصاب القوى الأساسية بحالة من السعار وتصبح الجاذبية — التي كانت القوة الأضعف نسبيًّا فيما بين بقية القوى الأساسية — في القوة نفسها التي تمتلكها باقي القوى. والنتيجة هي كونٌ بالغ التوتر مليء بالثقوب السوداء وزمكانٌ مقوس على نحو مشوه.

البحث عن المتآمرين

يتمثل أحد سبل تجنب هذه الكارثة في ضبط قيم قوة تفاوتات الجسيمات الافتراضية التي تسبب المشكلة، بحيث تفقد مفعولها جميعًا، مما يُحجِّم كتلة جسيم هيجز ويُبقي الكون على الشكل الذي نعرفه. ووفقًا لألتاريلي، الطريقة الوحيدة للقيام بذلك مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بشيء من الهيبة النظرية هو الاستناد إلى مؤامرة نسج خيوطَها تناظرٌ مناسبٌ وجديدٌ للطبيعة. «ولكن حين تكون هناك مؤامرة، لا بد أن يوجد متآمرون.»

في الوقت الراهن، يرى معظم الفيزيائيين هؤلاء المتآمرين في النظراء الفائقين المفترضين، ويُسمون أيضًا «الجسيمات الفائقة»، التي تكهنت بوجودها نظرية التناظر الفائق. فكل جسيم من هذه الجسيمات الفائقة يناظر جسيمًا من جسيمات النموذج القياسي، بحيث تلاشي تفاوتات النظراء بعضها بعضًا على نحو منظم. يجب أن تكون هذه الجسيمات الفائقة ثقيلة جدًّا، وقد تمكن مصادم الهادرونات الكبير، شأن غيره من محطمات الجسيمات السابقة، من تحديد كتل هذه الجسيمات بمقدار معين، يبلغ حاليًّا قرابة ١٠ أضعاف كتلة جسيم هيجز المفترض.

يضع هذا ضغطًا شديدًا حتى على أبسط نماذج التناظر الفائق. لكننا لم نخسر كل شيء، وفقًا لجيمس ويلز، أحد أعضاء مجموعة النظرية في منظمة سيرن؛ إذ إنه حال عدم عثورك على جسيمات فائقة ذات كتل منخفضة، بإمكانك أن تعدل في النظرية، إلى حد ما، وأن «تجعل» الجسيمات الفائقة تظهر بكتل أكبر. ويقول ويلز: «لقد توقعنا العثور على جسيم هيجز إضافةً إلى الجسيمات المصاحبة الداعمة له، لكن ليس بالضرورة على مقياس الطاقة نفسه.»

ومع ذلك، لا يمكن زيادة قيم الكتل إلى حد بعيد؛ لأنه إذا أصبحت الجسيمات الفائقة أثقل مما ينبغي، فإنها لن توازن كتلة جسيم هيجز على نحو «طبيعي» مقنع. إن هناك بحثًا محمومًا عن الجسيمات الفائقة أيضًا باعتبارها مرشحة لتكون الجسيمات المُشكلة لمادة الكون المظلمة. وستُقدم كل المستجدات في مؤتمر كيوتو الأسبوع المقبل، وهناك آمال في العثور على مؤشرات غير مباشرة على التناظر الفائق من الانحرافات التي شهدتها معدلات تحلل جسيمات النموذج القياسي الأخرى. فإذا لم يُثر شيءٌ في المؤتمر، فستتحول أنظار العالم إلى ما سيحدث حين يعود مصادم الهادرونات الكبير للعمل مرة أخرى مع مطلع عام ٢٠١٥ بقرابة ضعف طاقته التصادمية الحالية. ويُفترض أن يكون مصادم الهادرونات بعد تجديده قادرًا على استحضار عدد أكبر من الجسيمات الفائقة الضخمة من العدم، أو ربما عدد أكبر من الجسيمات الأولية مثل تلك المرتبطة بأبعاد المكان الإضافية. وتعد هذه الجسيمات محاولة أخرى لملء الفجوة بين الموقع الذي «ينبغي» أن يكون جسيم هيجز فيه — على مقياس بلانك — وموقعه الفعلي.

ومع ذلك، يحدث السيناريو الأغرب عندما لا تكون هناك علاقة مشتركة بين الطاقات التي يقوم عليها النموذج القياسي وتلك التي يتضمنها مقياس بلانك، حيث تنهار نظريات المجال الكمي وجاذبية أينشتاين. فكيف لنا أن نوضح التباين الكبير بين كتلة جسيم هيجز الفعلية وتلك التي تكهنت بها النظرية الكمية؟

التأرجح على الحافة

يتمثل أحد الحلول في قبول الأمر وحسب: فلو لم تكن الأمور على هذا النحو، لاختلفت كتل كل الجسيمات وقوى تفاعلاتها اختلافًا شاسعًا، ولما وُجدت المادة كما نعرفها، وما كنا لنوجد من الأساس كي ننشغل بهذه المسائل. مثل هذا التفكير الإنساني، الذي يستخدم وجودنا لاستبعاد خصائص معينة للكون لربما كانت محتملة، دائمًا ما يرتبط بمبدأ الكون المتعدد، والذي يقضي بأن هناك أكوانًا لا حصر لها في الفضاء الخارجي توجد بها كل الظواهر الفيزيائية المحتملة. في نظر الكثير من الفيزيائيين، يعتبر هذا المبدأ تهربًا من المسئولية. ويقول جون باتروورث، عالم فيزياء الجسيمات بجامعة كوليدج لندن، الذي يعمل في تجربة أطلس: «إن هذا المبدأ يبدو وكأنه يبرر العزوف عن إيجاد شروح أعمق للعالم، ونحن لا نريد أن نعزف عن ذلك.»

لكن هناك حقيقة أخرى عن الجسيم الجديد تجعلنا نتوقف لوهلة أخرى لنفكر، وهي ليس فقط أن كتلة الجسيم التي تبلغ ١٢٥ جيجا إلكترون فولت أقل كثيرًا مما ينبغي، ولكنها كذلك ليست من الصغر بحيث تجر الكون إلى تحول كارثي آخر. فإذا كانت كتلة الجسيم أقل ببضع جيجا إلكترون فولتات قليلة، لتغيرت قوة تفاعلات جسيم هيجز بحيث تنخفض القيمة الأقل لحالة طاقة الفراغ إلى ما تحت الصفر. وعندئذٍ يمكن في أي لحظة مفاجئة أن يتحول الكون إلى هذه الحالة الغريبة، وهو ما من شأنه — مرة أخرى — أن يغير على الفور من التنظيم الكلي للجسيمات والقوى ويلغي كيانات كالذرات.

ونظرًا لهذا الموقف الراهن، فإن العالم يتأرجح فيما يبدو على الحافة بين الاستقرار السرمدي والدمار الشامل. يقول جيان جيوديس، المنظر بسيرن، الذي بدأ في حساب تبعات جسيم هيجز الذي تبلغ كتلته ١٢٥ جيجا إلكترون فولت ما إن أتت أولى الإشارات القوية على وجوده من مصادم الهادرونات الكبير في ديسمبر ٢٠١١: «إنها لمصادفة مثيرة أن نكون واقفين على الحد الفاصل تمامًا بين هاتين الحالتين.»

لكنه لا يعرف لهذا سببًا. على أي حال، سيؤدي اكتشاف أي جسيمات جديدة إلى تغير قواعد اللعبة مرة أخرى. ويضيف جيوديس قائلًا: «هناك العديد من الأسئلة في تاريخ العلوم التي اتضح أن إجاباتها بيئية وليست جذرية. ومع ظهور أبسط إشارة على وجود فيزياء جديدة في المستقبل لن تكون للحسابات التي أجريتها أية قيمة.» إذن، هذا ما ستتركز الأنظار عليه في مؤتمر كيوتو. ويبدو أن أفكار هيجز المبدئية قد أصبحت حقيقة، لكن كي تشهد القصة تحولًا مثيرًا مُرضيًا، علينا أن نأمل في وجود أفكار مبدئية أخرى تظهر علامات مماثلة على الحياة عما قريب.

تأملات في اللف المغزلي

لكي يُثبَت أن جسيمًا ما هو بوزون هيجز، فإنه يجب أن يمر ببعض الاختبارات الصعبة؛ الاختبار الأول هو قيمة «لفه المغزلي» الميكانيكي الكمي. تبلغ قيمة اللف المغزلي لجسيمات المادة كالإلكترونات — الفرميونات — ١  /  ٢. أما البوزونات التي تنقل القوى، فقيمة لفها المغزلي تكون بأرقام صحيحة: اللف المغزلي للفوتونات على سبيل المثال يبلغ ١.

وللتوافق مع الفيزياء كما نعرفها، يجب أن يظهر مجال هيجز على نحو واحد في كل مكان. وهذا سيكون ممكنًا فقط لو أن جسيم هيجز نفسه ليس له لفٌّ مغزلي على الإطلاق. وتؤكد النتائج التجريبية التي وردت من مصادم الهادرونات الكبير بالفعل أن الجسيم الذي أُعلِنَ عن اكتشافه في يوليو هو جسيم تبلغ قيمة لفه المغزلي صفرًا أو ٢؛ إذ إنه يتحلل إلى أزواج من الفوتونات، وهو شيءٌ يقضي حساب اللف المغزلي ألا يحدث لفرميون أو بوزون تبلغ قيمة لفه المغزلي ١.

تعتقد كيارا ماريوتي، أحد أفراد فريق عمل كاشف الميونات في مصادم الهادرونات الكبير، أنه «من المحتمل جدًّا» أن تكون قيمة اللف المغزلي للجسيم الجديد صفرًا بناءً على الأدلة المتوافرة لدينا بالفعل، لكننا في حاجة إلى قياسات أدق للتأكد.

وينبغي أن يتسم جسيم هيجز بالتناظر المتطابق، مما يعني أنه يتصرف بالطريقة نفسها تمامًا حين يُراقب في المرآة. ويجب أن يتيح تحديد اللف المغزلي والتناظر للفيزيائيين اكتشاف أي عيوب واضحة، كأن يكون الجسيم الجديد تجمعًا لجسيمات نعرفها بالفعل. وسيسهل القيام بهذا الأمر بالبيانات التي سيكون مصادم الهادرونات الكبير قد انتهى من جمعها بنهاية السنة، ولكن ليست هذه إلا بداية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.