بدأ الأمر كله في اليوم التالي لعيد الميلاد عام ١٩٧٣؛ إذ استقبل صوت صراخ شيطاني يتبعه صوت الأذان الجمهور الأمريكي في العرض الأول لفيلم ويليام فريدكين: «طارد الأرواح الشريرة». خلال مقدمة الفيلم الموحية، يظهر القسيس اليسوعي وعالم الآثار لانكاستر ميرين (ماكس فون سيدو) أثناء أعمال حفر شماليِّ العراق وقد عثرا على رأس شيطان منحوتة كانت قد صُنِعت لطرد قوى الظلام بناءً على مبدأ «الشيطان يحارب الشيطان»، لكن ميرين أجفل من نذير الرعب.

ثم ينتقل المشهد إلى جورج تاون في الولايات المتحدة، حيث تصاب الفتاة ريجان (ليندا بلير)، ذات الاثني عشر عامًا ابنة ممثلة تدعى كريس ماكنيل (إيلين بورستين)، بتشنجات غريبة. يعتقد الأطباء — العاجزون عن علاجها — أن الفتاة ربما تكون مصابة بمسٍّ شيطاني. وبعد أن ترتكب ريجان جريمة قتل بينة، يُستدعى قسيس يسوعي يُدعى دِميان كارِس (جيسون ميلر) لتقديم المساعدة. وبعد أن يقتنع القسيس بأنه يواجه مسًّا شيطانيًّا مؤكدًا، يطلب من الكنيسة تحضير جلسة طرد أرواح؛ فترسل الكنيسة القس ميرين لأداء الطقس. ومعًا يكافح القسيسان لتحرير الفتاة، فيموت ميرين إثر هبوط في القلب في حين تكون الغلبة لكارِس، لكن ليس قبل أن يدفع الشيطان إلى دخول جسده ويُلقي بنفسه من نافذة حجرة نوم الفتاة ليَلقى حتفه.

تظهر علامات ظهور الشيطان بكل قوة؛ فبصوت أجش (من أداء مرسيدس ماكمبريدج) صاحت الفتاة بفيض من البذاءة لم يسبق أن سُمع مثله في أفلام هوليوود، ثم تقيأت، وارتفعت في الهواء، وأدارت رأسها بزاوية ١٨٠ درجة، وداعبت أعضاءها التناسلية باستخدام صليب.

أصيب النقاد بدءًا من وول ستريت جورنال وحتى صحيفة إزفستيا في موسكو بالذعر، لكن الجماهير انبهرت بالنتيجة. فبينما كانت الصحف تتحدث عن حالات الإغماء في صفوف المشاهدين، اصطف الأمريكيون لمشاهدة ما تسبب في كل تلك الجلبة، ثم عادوا يصطفون لرؤيته مرة أخرى. في سان فرانسيسكو، هاجم متفرج مختل الشاشة في محاولة منه لقتل الشيطان. وفي هارلم، حاول قسيس استخدام جلسات طرد الأرواح الشريرة لمحاربة المخدرات في الحي الذي يقطن فيه. وفي بوسطن، حُمِلت امرأة إلى خارج دار العرض وهي تتمتم قائلة: «لقد كلفني الفيلم ٤ دولارات لكني لم أتحمل سوى رؤية عشرين دقيقة منه.»

وبحلول مارس ١٩٧٤، كان الفيلم قد باع ٦ ملايين تذكرة في الولايات المتحدة، وكان جاهزًا ليجتاح العالم. من زاوية، لم تكن ظاهرة «طارد الأرواح الشريرة» سوى مشهد تمثيلي معدٍّ ببراعة، يأخذ هوليوود المتحررة حديثًا آنذاك إلى حدود جديدة. ومع ذلك كان حجم رد الفعل يشير إلى أن الفيلم — مثل رواية ويليام بيتر بلاتي التي صدرت عام ١٩٧١ بنفس الاسم والتي يقوم عليها الفيلم — قد ضرب على وتر حساس. لقد مس فيلم «طارد الأرواح الشريرة» قضايا كانت جميعها حاضرة بقوة في العالم عام ١٩٧٣. لم تكن تلك مصادفة، فقد كان «طارد الأرواح الشريرة» أكثر من مجرد فيلم وليد عصره؛ لكنه سعى بنشاط لتشكيل ذلك العصر. ومثل رأس الشيطان المنحوت المكتشف في مقدمة الفيلم، كان «طارد الأرواح الشريرة» صورة لفكرة «الشيطان يحارب الشيطان»، أو تلك الشرور التي حددها مؤلف الفيلم الكاثوليكي المتشدد ذو النزعة المحافظة.

حسبما ذكر قسم الدعاية لشركة وارنر براذرز للصحافة في عام ١٩٧٣، يستند «طارد الأرواح الشريرة» إلى حالة حدثت بالفعل فيما مضى. ففي أغسطس عام ١٩٤٩، أفادت صحف واشنطن أن فتًى من ماونت رينير بميريلاند حُرِّر من قبضة مسٍّ شيطاني بفضل طقس طرد الأرواح الشريرة. كان ذلك إجراءً غير معتاد. دائمًا ما كان ذلك الطقس يعتبر — منذ أن قُنِّن في عام ١٦١٤ — من بقايا عصور الظلام قبل فهمنا الحديث للأمراض العقلية. لكن تلك الحالة كانت استثنائية أيضًا؛ لقد تحدث الطفل المعذب بلغات لم يدرسها قط، وظهرت رموز وأحرف غريبة على جسده من تلقاء نفسها. وقد انتشرت هذه القصة في وقت أزمة؛ إذ كانت أمريكا ترتعد خوفًا من قوة الشيوعية المتزايدة فيما وراء البحار. وقد أدت فضائح التجسس والنزاعات العمالية إلى الاعتقاد في وجود عدو شيوعي في الداخل.

وفي ضوء هذا التنافر في الخارج، وجد قارئ واحد على الأقل في جلسة طرد الأرواح التي انعقدت في ماونت رينير بارقة أمل. فقد نظر ويليام بلاتي — وقد كان وقتها طالبًا يافعًا في جامعة جورج تاون — إلى المس الشيطاني كدليل على وجود قوى شر خارقة للطبيعة، وأنه من ثَمَّ لا بد من وجود قوى خير خارقة للطبيعة كذلك. بعد عشرين عامًا، ومع عودة حالة الأزمة إلى الأجواء مرة أخرى، سعى بلاتي إلى نقل هذا الاستنتاج إلى الآخرين. وبالرغم من نجاحه ككاتب كوميدي، فإنه شعر بأنه مأسور بذاك الجنس الأدبي الذي أبدع فيه. فكتب بلاتي رواية «طارد الأرواح الشريرة» وأنتجها كفيلم سينمائي ليفزع جيلًا جديدًا من الأمريكيين ويحثهم على العودة إلى الكنيسة. وقد كان صريحًا جدًّا بصدد هذا الهدف؛ حيث أسمى روايته «عملًا رسوليًّا»، حتى إنه ادَّعى بعد نشر الرواية بثلاثين عامًا أن تحقيق روايته لأعلى مبيعات جاء نتيجةً مباشرةً للتدخل الإلهي، الأمر الذي أتاح له فرصة الظهور في إحدى حلقات برنامج ديك كافيت الحواري.

إن رواية بلاتي صريحة بصدد مظاهر الشر في العالم الحديث؛ ففي الصفحة الأولى يضع بلاتي اقتباسًا من إنجيل لوقا — يواجه فيها المسيح عيسى الشيطان — جنبًا إلى جنب مع سلسلة من الاقتباسات التي تُظهر الشر المعاصر بصوره الحقيقية. وتتضمن هذه الاقتباسات جزءًا مسجلًا من مكالمة هاتفية كانت تحت مراقبة مكتب المباحث الفيدرالية يمزح فيها فرد عصابة بشأن التعذيب والقتل. بالإضافة إلى رسم بياني بأعمال الشيوعيين الوحشية ضد القساوسة والمعلمين والأطفال مأخوذ من كتابات دكتور توم دولي؛ وهو طبيب أمريكي عمل في فيتنام في خمسينيات القرن العشرين. وذكر أيضًا أسماء ذكَّرتنا بإبادة النازيين لليهود الأوروبيين، ومنها أسماء معسكرات داخاو، وأوشفيتز، وبوخنفالد للاعتقال والإبادة، وهي القضية التي تناولها أخيرًا المفكرون الأمريكيون. أما داخل متن الكتاب، فاختار بلاتي اقتباسًا آخر يشير إلى مظهر آخر من مظاهر الشر في أمريكا، وهو السلوك الأمريكي في حرب فيتنام.

في أواخر عام ١٩٦٩، عرف العالم أن القوات الأمريكية قد قتلت حوالي ٢٠٠ فيتنامي من المدنيين في ماي لاي. باتت الحرب في فيتنام مشروعًا صناعيًّا وهميًّا أخرق كانت تُكافأ فيها الوحدات على «عدد الجثث» مثل وكلاء التأمين الذين يحققون الهدف المطلوب منهم. لقد كان ذلك الجانب من الحرب هو ما جذب انتباه بلاتي. أما الاقتباس الذي وضعه في الجزء الثالث من روايته، فقد أُخذ من طبعة من مجلة نيوزويك صدرت عام ١٩٦٩: «ذات مرة، أجرى قائد لواء في فيتنام مسابقة لإحراز هدف العشرة آلاف جريمة قتل الخاصة بوحدته؛ وأما الجائزة فكانت أسبوعًا من الترف في محل إقامة اللواء نفسه!»

تشير الرواية كذلك إلى ما لا يزال كثير من الأمريكيين يعتبرونها «الخطيئة الأصلية» للعصر؛ ألا وهي مقتل الرئيس جون إف كينيدي في عام ١٩٦٣. ففي أحد الفصول الأولى من الرواية، تزور الطفلة ريجان قبر كينيدي، ويتم تقديم إحدى كنائس جورج تاون — وهي الكنيسة التي عقد بها جون كينيدي زواجه — كمسرح أحداث لأفعال تدنيس مقززة (من الواضح أن ريجان ارتكبتها وهي تحت السيطرة الشيطانية). سعى بلاتي إلى تصوير كل هذه المظاهر المختلفة للشر — الجريمة والشيوعية والإبادة الجماعية والحرب والاغتيال — معًا في كيان متماسك، فكان شيطان «طارد الأرواح الشريرة» هو النتيجة.

لقد تنافت محاولة بلاتي لإعادة إحياء فكرة الشيطان الشخصي مع علم اللاهوت الأكاديمي في ذلك الوقت. أرشد الملف الصحفي لشركة وارنر الصحفيين المهتمين إلى عالم اللاهوت الألماني هيربرت هاج، الذي كان قد نشر لتوه عملًا صدر في عدة مجلدات تحت عنوان «وداعًا للشيطان». ومع ذلك، شارك آخرون بلاتي رغبته في إعادة إحياء فكرة الشر الفردي. وكما أشار مارك كِرمود، في نوفمبر من عام ١٩٧٢، حث البابا بول السادس الكاثوليكيين على العودة إلى دراسة الشيطان: «إن الشر لا يعني مجرد الافتقار إلى شيء ما، وإنما هو عامل فعال، كيان روحي حي، ضال ومضل. إنه واقع شنيع …» وقد كان المشروع معقولًا بما يكفي حتى إن ثلاثة قساوسة يسوعيين قدموا خدماتهم كمستشارين فنيين للفيلم، بل وشارك اثنان منهم؛ وهما الراهبان اليسوعيان ويليام أومالي وتوماس برمينجَم في التمثيل بالفيلم (أديا دوري الأب داير؛ صديق كارِس، ورئيس جامعة جورج تاون على التوالي).

ولدى إطلاق فيلم «طارد الأرواح الشريرة»، تلقى الفيلم ردود أفعال مختلفة ممن يعنون بالأخلاق العامة. أدان كثيرون تصوير الممارسات المزدرية للدين وإقحام الأطفال في مشاهد جنسية وتصوير الشر على نحو شديد الوضوح. وقد تراوح ذعر وسائل الإعلام ما بين انتقاد شهادة التصنيف «آر» المتساهلة (لا يُسمح بمشاهدة الفيلم لمن هم دون السابعة عشرة إلا بصحبة بالغين) التي عُرض وفقها الفيلم في دور العرض الأمريكية، إلى سرد الروايات الشنيعة عن المشاهدين الذين ساقتهم مشاهدة الفيلم إلى الانهيارات العصبية أو الانتحار. نتيجةً لذلك، حاول بعض رجال الدين الحيلولة دون مشاهدة الفيلم، في حين أدانه الراهب الإنجيلي البروتستانتي بيلي جراهام. لكن كاثوليك نيوز — على الأقل — ألمحت إلى أن فكرة الشر ملائمة للعصر، وتحت عنوان: «طارد الأرواح الشريرة يحتاج انتباهًا دقيقًا» حثَّتِ المشاهدين على النظر إلى ما وراء التجاوزات في اللغة والأسلوب.

في إطار إعداد الرواية للشاشة لم يرد ذكر الاقتباسات التي تكررت في الرواية والتلميحات إلى الشرور المذهلة لذلك العصر. فالفيلم يدور حول «الشرور الاجتماعية»، وأول هذه الشرور هو الصراع بين الأجيال. فقد وصل فيلم «طارد الأرواح الشريرة» إلى استنتاج أن الولايات المتحدة مقسمة من ناحية العلاقة بين الأجيال كما لم تكن من قبل. إذ كان عالم الشباب — بلغته وثقافته اللتين تحديا الماضي جهارًا — ككتاب مغلق بالنسبة للأمريكيين الأكبر سنًّا على نحو متزايد. ماجت الأحرام الجامعية في جميع أنحاء البلاد بالاحتجاجات ضد الحرب في فيتنام، وصلت إلى ذروتها عند إطلاق النيران على المتظاهرين في جامعة ولاية كِنت، بأوهايو في مايو من عام ١٩٧٠. وقد استُدعيت هذه الخلفية في المشاهد الأولى من فيلم «طارد الأرواح الشريرة» التي نعرف من خلالها أن والدة ريجان ممثلة في فيلم يصور الاحتجاجات في الحرم الجامعي؛ حيث تظهر وهي تناشد حشدًا غاضبًا من الطلاب بأن «يتصرفوا وفقًا للنظام». لعبت فكرة تحول فتاة يافعة إلى وحش تحت سيطرة المس الشيطاني بخوف أمريكا المتزايد من شبابها. تدعى الفتاة ريجان، في إشارة إلى واحدة من أوائل الشخصيات الطفولية الجاحدة في الأدب، وبالتحديد في مسرحية «الملك لير» لشكسبير. لكن الفيلم يعزف كذلك على وتر حساس آخر؛ ألا وهو شعور الأشخاص في منتصف العمر بالذنب إزاء تجاهلهم لآبائهم. فالشعور بالذنب يعذب القس — الأب كارِس — بعدما يرى والدته نزيلة مستشفًى للأمراض العقلية. ويصبح هذا الشعور بالذنب لديه منفذًا رئيسيًّا لهجوم الشيطان أثناء مواجهة الذروة بينهما.

تقع أحداث «طارد الأرواح الشريرة» في عالم متميز على نحو فريد في الثقافة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب، ألا وهو المنزل. فالشر تتضاعف آثاره المكدِّرة حين يتفجر في محيط حميم جدًّا كهذا. وقد وظف ملصق الفيلم هذه الفكرة؛ إذ يصور الملصق رجلًا يقف في الشارع حاملًا في يده حقيبة، بينما الأضواء الصادرة من نافذة غرفة نوم بعينها تلقي بظلالها عليه راسمةً صورة ظلية له، وتحتها كُتِب التعليق التالي:

شيء يتجاوز قدرتنا على الفهم يحدث لفتاة تعيش في هذا الشارع، داخل هذا البيت، وقد أُرسِل إليها رجل كملاذ أخير. هذا الرجل هو طارد الأرواح الشريرة.

إن دائرة البيت المقدسة في خطر؛ وسياق العائلة فقد معناه. تعكس رواية بلاتي بوضوح المخاوف المعاصرة إزاء تفكك العائلة. فريجان ابنة من «زواج منهار»؛ الأم مستغرقة تمامًا في حياتها المهنية، وتعوض إهمالها لابنتها بإتخامها بالتعويض المفرط. تبدو التجليات الأولى للشيطان بصفته «صديقًا خياليًّا» وكأنها بديل عن والد الفتاة الغائب؛ وكأنه أب من نوع مختلف جاء ليصلح الموقف. فيما عدا ذلك، تلعب رواية «طارد الأرواح الشريرة» على جرم النساء اللاتي ينتقلن إلى الإقامة في مكان العمل و«يستولين على الدور الذكوري». ولهذا الهدف، منحت الأم في الرواية اسم مذكر، وهو كريس. والأحداث التي تلي ذلك تدفعك دفعًا إلى فهمها على أنها عقاب لها لا لشيء سوى أنها امرأة تعيش في زمانها.

أراد بلاتي في روايته التي أعاد بها صياغة قضية ماونت رينير لأمريكا في سبعينيات القرن العشرين، تغيير نوع الطفل المصاب بالمس. وبفعل ذلك، نقل قصته إلى الساحة التقليدية لأدب الرعب، ألا وهي الجسد الأنثوي. فمن جسد ريجان يتدفق فيض من الكلمات والأفعال والأعمال البذيئة وسوائل غزيرة بألوان وأشكال مختلفة. فهل يعيد الكاتب إحياء الخوف الذكوري من الأنثى التي تنتزع رجولته بما يتناسب مع عصر تحرر المرأة؟ كذلك لعبت رواية «طارد الأرواح الشريرة» على المخاوف بشأن الإنجاب، التي طفت إلى السطح خلال العقد الذي سبق الرواية. فقد شهد عقد ستينيات القرن العشرين صورًا صادمة للعيوب الخلقية الناتجة عن عقار الثاليدومايد؛ مما أزكى المخاوف من ولادة «الطفل الوحش». علاوة على أن ذلك العقد شهد كذلك جدلًا محتدمًا حول موضوع الإجهاض، الذي وصل إلى ذروته في يناير من عام ١٩٧٣ مع إصدار المحكمة العليا لحكمها في قضية «رو ضد ويد». ومن ثم، يمكن اعتبار الطفلة ريجان القاتلة التي استحوذ عليها الشيطان نوعًا من إبراز جرم جيل أقر بأن الإجهاض القانوني ضرورة. وقد فتح الجدل حول الإجهاض قضية حق المرأة في التحكم في جسدها.

في رواية «طارد الأرواح الشريرة»، كل من الأجساد والأطفال خارج نطاق السيطرة. ومع ذلك، لم تُثِر السياسات الجنسانية للفيلم تعليقات كثيرة في ذلك الوقت. فقد كان النقاد أكثر انشغالًا بما في الصور من أشكال للعنف، وكانت ثمة موضوعات كثيرة ملموسة أكثر تستلزم اهتمام الحركة النسائية.

كذلك غير بلاتي الخلفية الطبقية والجغرافية للقصة الحقيقية، فقد تحول المنزل العادي الواقع في ماونت رينير عام ١٩٤٩ إلى منزل في جورج تاون تملكه ممثلة كصورة مستنسخة من جارة بلاتي في هوليوود شيرلي ماكلاين. (تتضمن الشخصيات الأخرى مخرجًا سينمائيًّا بريطانيًّا مهووسًا بالحرب مستوحًى من جيه لي طومسون على نحو غير مطابق تمامًا.) وكان استخدام جورج تاون معبرًا؛ فالحي — كونه قريبًا من قلب العاصمة واشنطن — لم يكن من الممكن فصله عن السلطة السياسية الأمريكية، فتجد في الفيلم سيناتور بين ضيوف حفل كريس الفاخر. وتضيف كريس ودائرتها بعدًا ثقافيًّا لهذه السلطة؛ فنجد تفاصيل حياتها معروضة على غلاف مجلة فوتوبلاي. وقد أعطى مقتل النجمة السينمائية شارون تيت على يد تشارلز مانسن في عام ١٩٦٩ سيناريو «الشر يعصف بنجمة هوليود» صلة بالواقع يقشعر لها البدن. علاوة على ذلك، كانت صناعة سينما «عدو الداخل» الأمريكية موضوعًا مفضلًا بالنسبة لمؤيدي سياسة الانعزالية السياسية قبل الحرب العالمية الثانية وبالنسبة لمناهضي الشيوعية بعد ذلك. وتتطرق قصة بلاتي إلى نفس الفكرة. في الواقع، كان تنبيه الأب ميرين على الحذر من صوت الشيطان؛ لأنه يخلط الأكاذيب بالحقيقة هو الشيء ذاته الذي بدأ الرئيس نيكسون في قوله عن وسائل الإعلام الأمريكية حين بدأت تسبر أغوار فضيحة ووترجيت المدوية.

مست رواية «طارد الأرواح الشريرة» موضوعات أخرى تتعلق بعصرها. في خمسينيات القرن العشرين، سلطت أفلام الرعب الأمريكية الضوء على المخاوف الناجمة من قدرات العلم. وبحلول عام ١٩٧٣، بدا من الملائم تأمل حدود العلم. ففي واحدة من التجليات المبكرة لإصابة ريجان بالمس، يقف عالم الشيطان العتيق في مواجهة مع العلم الحديث. فتواجه ريجان رائد فضاء في الحفل الذي تقيمه والدتها وتتوقع موته، كذلك تتحدى الأعراض التي تبدو عليها التفسير العلمي. إن علم الطب، كالكنيسة، له رداؤه وعقائده ومراسمه (الفحوصات المتعددة التي أجريت لريجان، والتي عُرِضت بتفصيل مقزز). ولكن على عكس الكنيسة، عجز العلم عن إفادتها. وهنا يُعرَض على الجمهور رؤيتين كونيتين ليختار من بينهما؛ الأولى هي: افتراض الأطباء أن الأفكار البشرية لا تتعدى كونها مجموعة من النبضات الكهربية. والثانية هي: افتراض القساوسة أن البشر بيادق في صراع كوني بين الخير والشر. وكلا الافتراضين ينطوي على معانٍ ضمنية مثيرة للقلق.

ومع أن سيناريو بلاتي لفيلم «طارد الأرواح الشريرة» اتبع الرواية بحذافيرها، إلا أن الفيلم أضاف مستوًى جديدًا من التعليق الاجتماعي. في الرواية، تبذل الشخصيات الرئيسية جهدًا لتكون ودودة وداعمة. وفي موضوع فرعي لم تتضمنه أحداث الفيلم، يساعد رجل شرطة يهودي طيب القلب الخادم كارل من خلال ترتيب عملية إعادة تأهيل لابنته مدمنة المخدرات. تنتهي الرواية بالصداقة التي تنشأ بين الشرطي كيندرمان والقس الناجي داير؛ حيث يخرجان إلى ضوء الغروب وهما يتحدثان عن الأفلام مقتبسين بذلك نهاية فيلم «كازابلانكا». إنها «بداية صداقة رائعة» بين الكنيسة والدولة! لكن الفيلم أكثر كآبة؛ فكل الشخصيات في الفيلم حية وتظل في حالة من التباعد المتبادل. وبالفشل في تقديم نهاية عاطفية، ينجح الفيلم في إبقاء المشاهدين في حالة من التوتر. تُقدَّم المدينة التي تعيش فيها الشخصيات على أنها صحراء مجردة من المشاعر؛ فبعد مشهد المقدمة المصور بين أطلال الصحراء في العراق، تنتقل الكاميرا أولًا إلى جورج تاون بينما تتداخل أصوات الكلاب المتعاركة والصراخ المذعور الشرير فيما يُقصَد بوضوح أن يكون المكافئ العصري لها؛ وهو صوت ضوضاء حركة المرور في المدينة الأمريكية المعاصرة.

انطوى الإخراج المرئي للمقدمة العراقية للفيلم على معانٍ ضمنية سياسية، بما تضمنه من إشارات متعددة إلى مجموعة شهيرة من الصور السينمائية والإخبارية الأمريكية. وفي ذروة سلسلة الأحداث التي تقع في العراق، يواجه ميرين تمثالًا للشيطان يشبه هيئة حامل السلاح الغربي بين أطلال نينوى. الشيطان — الذي تعرفه الرواية على أنه بازوزو — كان شخصية أصيلة في ميثولوجيا بلاد الرافدين، وهو شيطان مرتبط بالريح. وبصفته عدو الشيطانة لاماشتو التي تتربص بالمواليد والحوامل، كانت صورة بازوزو تميمة واقية مشهورة للولادة. لكن اختيار الصورة في سبعينيات القرن العشرين كان له صدًى آخر؛ فقد كانت قبضة التمثال مرتفعة فيما يشبه إلى حدٍّ غريب تحية القوة السوداء، رمز العصر الدائم لغضب الأمريكيين الأفارقة، التي اشتهرت على مستوى العالم عندما أشار بها لاعبان أمريكيان أسودان على منصة تسلم الميداليات في أولمبياد المكسيك عام ١٩٦٨.

كانت المقدمة العراقية عميقة الجذور في تقاليد أفلام الرعب الأمريكية. فأعمال الحفر الأثرية تذكر بقصص اللعنات المصرية التي تعود إلى عشرينيات القرن العشرين والأفلام التي استُلهمت منها. في الوقت نفسه، تشير الخنادق التي حفرها علماء الآثار إلى ساحات القتال التي تعود إلى الحرب العالمية الأولى، وبصراعٍ مستمر منذ ذلك الوقت. ومع ذلك، وقبل كل شيء، تتكهن المقدمة بحالة رُهاب ستصبح جزءًا راسخًا من الثقافة الشعبية الأمريكية بدايةً من سبعينيات القرن العشرين فصاعدًا؛ وهو الخوف من العالم العربي.

انطلاقًا من سياسة الانعزالية الأمريكية التي لا تثق في كل ما هو أجنبي، جاءت فكرة أن الشرور الداخلية في «طارد الأرواح الشريرة» نابعة من مصدر خارجي. إن فكرة أن أصل الشر يقبع في العالم العربي لها دلالة خاصة، والفيلم يضخم هذه الفكرة فتبرز العراق على أنها مكان توقف فيه الزمن، ويتضح هذا عندما تتوقف ساعة الحائط في مكتب أحد المسئولين. وتستخدم المشاهد والأصوات العراقية (الحفر والطرق المحمومان، والممرات المظلمة والنظرات الغريبة من قبل العراقيين، وصوت الأذان) لإثارة أعصاب الجمهور. ومثل هذه السلوكيات لم تفهمها العقلية العربية من المقيمين في أمريكا، لقد تصادف إطلاق فيلم «طارد الأرواح الشريرة» مع اضطراب جديد في علاقات الولايات المتحدة مع تلك المنطقة. ومع مضاعفة منتجي النفط في الشرق الأوسط للأسعار بين عشية وضحاها في الثالث والعشرين من ديسمبر عام ١٩٧٣، بات واضحًا بالفعل أن أكثر من شيطان واحد يمكن أن ينطلق من رمال شبه الجزيرة العربية.

على الرغم من أن اسم بلاتي ظهر في ثلاثة مواضع على ملصق الفيلم، فإن نجاح الفيلم يدين بالكثير إلى البراعة الفنية لمخرجه، ويليام فريدكين. إن «طارد الأرواح الشريرة» نموذج مدهش من التلاعب السينمائي؛ برز أسلوب فريدكين الماهر في استخدام الكاميرا التي التزمت ببنية المنزل واستعارت لقطات من الأفلام الوثائقية لتشكل لدينا الإحساس بأننا في مساحة حقيقية محاطين بصوت حقيقي. في هذا السياق، يكون اندفاع الصوت الشيطاني أكثر إثارةً للرعب من أي وقت آخر. والفيلم أكثر تعقيدًا من الرواية، ففريدكين يتيح لرسالة الفيلم أن تتشكل في عقل المشاهد، وقد قلل الحوار إلى ذلك الحد الذي لا يدرك معه السرد الكامل سوى الجمهور. لكن إنجاز فريدكين أفسد المشروع السياسي لبلاتي. فالصدمة الناتجة عن تجربة مشاهدة «طارد الأرواح الشريرة» شديدة الوطأة لدرجة أنها شوشت على كل ما عداها.

ذكر فينسنت كانبي — من جريدة نيويورك تايمز — أن قطاعات كبيرة من جمهور الشباب كانوا يتحدثون ويدخنون خلال سلاسل المشاهد التي تؤسس لأحداث الفيلم، ولم يبدأ انتباههم إلى الفيلم إلا مع مشاهد المس. جمهور مثل هذا يصعب أن يتعاطف مع قوى النظام في الفيلم. وبالرغم من نية بلاتي، جاء توظيف الرعب بالنسبة لكثيرين ممن شاهدوا «طارد الأرواح الشريرة» بنفس الطريقة التي كانت تظهر في أفلام بوريس كارلوف، حيث أُعيد تدوير مخاوف العصر في شكل من الترفيه الذي يهرب من الواقع ليأسر لب الجمهور برخصة الفوضوية الممنوحة للوحش.

لم يستطع «طارد الأرواح الشريرة» أن يعيد أمريكا إلى الكنيسة، وإنما عاد بأمريكا مرة أخرى إلى أفلام الرعب. وقد فتح نجاحه الباب أمام عصر ذهبي جديد من أفلام الرعب الأمريكية ذات التقييم المرتفع؛ حيث تقدم مخرجون مثل جون كاربنتر وويس كريفن إلى إعادة إحياء هذا اللون، وكانا سعيدين باستخدام الرخصة التي مُنحوها من تجاوزات فيلم بلاتي. لقد خلَّف فيلم «طارد الأرواح الشريرة» ميراثًا ثريًّا من سينما الرعب ذات التأثير المدمر في كثير من الأحيان. فموضوعات مثل التفكك الاجتماعي وسبر أغوار العلاقات الأسرية التي طفت إلى السطح في أفلام سابقة مثل «طفل روزماري» (١٩٦٨) أو «ليلة الموتى الأحياء» (١٩٦٨) وازدهرت في «طارد الأرواح الشريرة» ظلت سائدة. وبرعت فكرة الأطفال الأشرار في تلك الأفلام. ففي فيلم «النذير» (١٩٧٦) لريتشارد دونر، يعيث ابن الشيطان فسادًا في حياة والده بالتبني؛ الدبلوماسي الأمريكي الغافل. وفي إثر فضيحة ووترجيت، لم يكن من المدهش كثيرًا أن ينتقل الطفل الشرير بنهاية الفيلم إلى داخل البيت الأبيض.

استخدم بعض المخرجين هذا اللون السينمائي للسخرية الاجتماعية. ففي فيلم جورج روميرو «فجر الموتى» (١٩٧٩)، ظل الأمريكيون الذين يبعثون من جديد كموتى أحياء آكلين للحوم البشر يشعرون بأنهم مدفوعون إلى الاحتشاد في المركز التجاري وينخرطون في الاستهلاكية. ألمح آخرون مثل ديفيد كرونينبرج في فيلم «فيديودروم» (١٩٨٢) إلى طرق جديدة للتفكير بشأن الجسد البشري وعلاقته بالتكنولوجيا. استمر هذا اللون السينمائي في استغلال المخاوف من الجسد الأنثوي، وكثيرًا ما تُعاقَب فيه الشخصيات التي تنغمس في أشياء مثل العلاقات الجنسية قبل الزواج أو إدمان المخدرات، لكنه مع ذلك فتح آفاق الخيال. أصبحت أكثر أفلام الرعب تقليدية فرعًا من معسكر أمريكي، يظهر للجماهير عبر المبالغة ما يمكن أن تكون عليه مؤشرات الهوية الشخصية من سطحية، ومن ثم يتيح مجموعة من احتمالات السلوك البديل.

بصفته عاملًا أساسيًّا في تطور هذا اللون السينمائي، يتخذ فيلم «طارد الأرواح الشريرة» مكانة بارزة. وقد احتفت شركة وارنر بالذكرى الخامسة والعشرين للفيلم في عام ١٩٩٨ بإطلاق نسخة جديدة من الفيلم أعيد فيه إنتاج شريط الصوت رقميًّا. بأخذ هذا الإرث في الاعتبار، يبدو مقصد بلاتي السياسي الأصلي من قصته الآن أثرًا مثيرًا للحيرة تمامًا كرأس بازوزو الحجري. وبدلًا من كشف أو حتى طرد «عدو الداخل»، أصبح كل من «طارد الأرواح الشريرة» والأفلام التي استلهمت منه «أعداء داخليين» في ذاتهم. كان المحافظون الأمريكيون سيجنون من إدانة مثل هذه الأفلام مكاسب تفوق مكاسب إنتاجها إلى حد واضح. ربما أفلحت فكرة «الشيطان يحارب الشيطان» في العراق القديم، لكنها لم تؤتِ ثمارها في أمريكا في سبعينيات القرن العشرين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.