أين أنا؟ من الجيد أحيانًا أن ننطلق بلا قيود.
أين أنا؟ من الجيد أحيانًا أن ننطلق بلا قيود.

من السهل جدًّا أن تمر تكنولوجيا المعلومات دون الانتباه لها أثناء تتبعي لهدف ما وسط طريق سريع مزدحم، لكن عندما تنعطف المرأة التي أتتبعها إلى شارع سكني جانبي، أبدأ في الشعور بالقلق. فأهدئ من سرعتي قليلًا وأتوقف عن المضي قدمًا وأتابع المرأة من مسافة آمنة.

سرعان ما تنعطف وتقطع الطريق عبر حديقة كبيرة وجميلة بدرجة ما، ومع أنني على بعد دقائق فقط من منزلي، أندهش لدى اكتشافي أنني لم آت إلى هنا من قبل. وفيما أبلغ مرة أخرى الشوارع على الجانب الآخر، تختفي المرأة عن الأنظار، وأضل الطريق، فأخرج هاتفي الذكي وأتفقد الجي بي إس من أجل معرفة الاتجاهات، حيث أجد مكتوبًا فيه: «انعطف يمينًا نحو جادة جاسكوني، ثم ابحث عن شخص يبدو وحيدًا واطلب منه أن تسير معه بعض الوقت.» ها نحن نعود مجددًا.

التعقب العشوائي للغرباء لمعرفة أين ينتهي بي المطاف لا يعبر عن الكيفية التي أختار بها عادةً قضاء فترة ما بعد الظهيرة في أيام السبت، لكن لعله يجدر بي أن أفعل ذلك. فمع بزوغ التكنولوجيا التي صُممت من أجل تيسير حياتنا — من أجهزة الجي بي إس إلى خدمات التوصيات — قليلة هي الأمور التي يمكن أن نتركها للمصادفة. غير أن إحدى هيئات البحث الصاعدة ترجح أن المصادفة عنصر هام في سعادة الإنسان، لا يحظى بالتقدير الذي يستحقه. والآن تشجعنا تطبيقات جديدة تُدعى «مولدات الاكتشاف بالمصادفة» على الخروج عن اتجاه الكفاءة الفائقة من خلال إعادة بعض الأمور الغريبة إلى حياتنا. فهل يمكن أن تساعدنا هذه التطبيقات في التغلب على توجسنا المتأصل من حالة عدم اليقين؟

يعكس ظهور هذه التطبيقات الجديدة اعتراضًا ظهر في وقت مبكر ضد هيمنة الكفاءة الحديثة؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر، تسبب النظام الذي جلبته الثورة الفرنسية في ظهور ظاهرة ثقافية تُعرف ﺑ «التسكع». فعندما شعر المتسكعون الباريسيون بالضجر من الإيقاع السريع للمدينة الحديثة ومن الشعور بالاغتراب فيها، أَملوا في تشجيع نوع معين ممتع من التجول غير الهادف في حياة المدينة. وبعد مرور قرن من الزمان، أمست المدن أكثر قابلية للتوقع؛ لأن المخططين راحوا على نحو مطرد يبنونها لتأخذ شكل شبكات نمطية، وانتشرت الخرائط في كل الأرجاء. ومرة أخرى قاوم الفنانون والناشطون البراجماتية النظامية، هذه المرة باستخدام تلك الخرائط للذهاب إلى أماكن غير محددة والتجول بلا وجهة. على سبيل المثال، وضعت المجموعة التي تُعرف باسم «فنانو فلوكساس» تعليمات ساخرة كي «تخطو في كل بركة في المدينة».

وما كانت شبكة الإنترنت في صورتها الأولى لتصبح هدفًا للمتسكعين المستائين. فعندما انطلقت في تسعينيات القرن العشرين، استخدمها في المقام الأول أشخاص يعرضون أشياء يحبونها على أشخاص لا يعرفونهم؛ كانت تلك وسيلة للتواصل مع أشخاص لن نقابلهم أبدًا على نحو طبيعي. بعبارة أخرى كانت الإنترنت محركًا رائعًا للاكتشاف العشوائي.

بعد ذلك تغير شيء ما؛ يقول مارك شيبرد، أحد الفنانين الذين يعملون في تصميم تطبيقات الاكتشاف بالمصادفة: «بانقضاء القرن العشرين وبلوغ القرن الحادي والعشرين، تحولت اللغة السائدة إلى لغة «تحقيق الاستفادة المثلى». فرفع كفاءة الأشياء هيمن على الطريقة التي نفكر فيها بشأن ما ينبغي أن تفعله التكنولوجيا من أجلنا، والنظر إلى الآلة باعتبارها الخادم المطيع الذي يجعل الحياة أكثر سهولة.»

وبحدوث هذا التحول ظهرت أنظمة التوصية، وهي أنظمة لوغاريتمية تستخدم مشترياتك وتفضيلاتك وتصفحاتك، بالإضافة إلى تلك الخاصة بالآخرين، لاكتشاف نوعية المشتريات التي قد تهتم بشرائها في المستقبل.

يحتوي كل هاتف ذكي الآن على جي بي إس لإرشادك إلى أي مكان تقريبًا ترغب في الوصول إليه. وبدءًا من اختيار الأشياء التي تشتريها من السوبرماركت وصولًا إلى معرفة طريقك دون أن تضل الطريق، يضمن لك الجهاز الذي في جيبك عدم اضطرارك مطلقًا إلى التعويل على المصادفة مرة أخرى. فالاستفادة المثلى من حياتنا أصبحت متاحة على نحو يكاد يكون تامًّا.

وكأنما وفقًا لإشارة متفق عليها، ظهرت تطبيقات تحاكي المتسكعين وتجعلك تضل الطريق عمدًا، والكثير منها يعد نقدًا مباشرًا لأنظمة التوصية التي تسخر منها. يقول بِن كيرمان، عالم الكمبيوتر بجامعة لينكولن بالمملكة المتحدة والمتخصص في الألعاب الاجتماعية: «تقترح أنظمة التوصية هذه دائمًا الخيارات الأكثر أمانًا، على حساب الأماكن الأكثر متعة.»

هذا هو ما دعا كيرمان إلى تصميم «جيتلوستبوت»، ذلك التطبيق الذي يشجع مستخدميه على كسر الروتين القديم وتجريب أماكن مختلفة. حَمِّل هذا التطبيق، وسوف يرصد في صمت دخولك على موقع «فورسكوير». وعندما يكون ما تفعله يمكن التنبؤ به بسهولة بالغة، كأن تكون معتادًا على الذهاب إلى نفس الحانة ليلة كل جمعة على سبيل المثال، فإن «جيتلوستبوت» يرسل لك اتجاهات لحانة لم تجربها قط. وعلى مدار العامين المنصرمين، انتشرت في هدوء مجموعة من التطبيقات والخدمات المشابهة؛ على سبيل المثال توصلك تطبيقات مثل «هايلايت»، و«ميتموا» بالغرباء القريبين منك. وترسل لك خدمة عبر الإنترنت تُسمى «جريز» علب طعام تحتوي على أطعمة غير متوقعة.

مفارقة السعادة

ربما تكون الأعمال الجريئة للاكتشافات العشوائية للمتسكعين والفنانين قد بدت غريبة أيما غرابة، لكن النتائج الأخيرة لأبحاث السعادة توحي بأنها كانت توجه الأنظار نحو صراع عميق ومدهش في الطبيعة البشرية.

من ضمن الأسباب التي تجعل أنظمة التوصية تستهوي الناس بشدة هو أن التخلص من عدم اليقين هو فكرة جيدة بالفعل في معظم الأحيان. يقول تيم ويلسون، عالم النفس بجامعة فيرجينيا: «يحاول البشر على الدوام إضفاء المنطقية على العالم.» افهم شيئًا ما، وعندئذ ستكون في موقف أفضل لضمان حدوثه مرة أخرى إن كان جيدًا أو الحيلولة دون وقوعه إن كان سيئًا. وهكذا، عندما تنظر في احتمال حدوث نتيجة سيئة — كأن تشاهد فيلمًا سيئًا أو أن تضل الطريق على نحو ميئوس منه — فإنه لا شيء سوف يجعلك أكثر تعاسة من عدم اليقين. فمسألة أن يضل المرء الطريق أو يشعر بالاستياء عند شراء منتج ما لا تمثل خطرًا على الحياة، لكن إعراضنا عن التعامل مع عدم اليقين قد يسهل فهمه في سياق تأثيره في المواقف الأكثر خطورة. تأمل على سبيل المثال دراسة للأشخاص الذين ينتظرون الحصول على نتائج تحليل وراثي لداء هانتنجتون؛ أولئك الذي حصلوا على النتائج — سواء بالإصابة بالمرض أو عدمها — يشهدون تحسنًا في نوعية الحياة. غير أن الأمر كان مختلفًا تمامًا مع أولئك الذين لم تكن نتائجهم محسومة: شعرت هذه الفئة من الناس بانزعاج شديد على مدار العام التالي، بل كان انزعاجهم أشد من أولئك الذين اكتشفوا أنهم سوف يمضون حياتهم مصابين بداء يصيبهم بالوهن ويهدد حياتهم (ذي نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن، مجلد ۳٢٧، صفحة ١٤٠١).

تُرى لم هذا؟ تؤكد العديد من الدراسات أنه عندما يحدث شيء غير متوقع، فإننا نتفاعل معه على نحو أكثر انفعالية. والآلية واحدة سواء أكان تضخيمًا لحدث بسيط غير سار أم حدث شديد الخطورة: فنحن نقضي وقتًا أطول في التفكير فيه في محاولة للوصول إلى تفسير. غير أنه حالما نتوصل إلى سبب، فإننا نتكيف معه ونضمه إلى الأمور الحياتية الروتينية.

يبدو أن استئصال عدم اليقين من الحياة استراتيجية جيدة للسعادة.

غير أن هذه الصورة غير مكتملة للأسف، فمعظم الأبحاث التي تدور حول عدم اليقين ركزت في الغالب على الجوانب السلبية، لكن على مدار العقد المنصرم بدأ علماء النفس في بحث تأثير حالة عدم اليقين على التجارب الجيدة. وتشكل نتائجهم حجة قوية على أن نفس الآلية التي تجعل عدم اليقين يضخم السيناريوهات السيئة بمقدورها أن تجعل عدم اليقين عنصرًا مهمًّا من عناصر السعادة.

مثلًا، كان لدى ويلسون نظرية مفادها أن الاحتفاظ بحالة عدم اليقين يمكن أن يكون مفيدًا في الأحداث المبهجة. ولاختبار صحة هذه الفكرة ابتكر سلسلة من التجارب.

في إحدى الدراسات، أُخبر المشاركون أنهم سيُمنحون الفرصة للمشاركة في إحدى المسابقات، وطُلب منهم اختيار أكثر جائزتين يودون الفوز بهما. ثم أُخبر الجميع أنهم فازوا في المسابقة. وتسلمت مجموعة جائزتها المفضلة في الحال. في حين أن المجموعة الأخرى لم تعلم أيًّا من جائزتيها المفضلتين ستتسلم حتى نهاية الدراسة. وجد ويلسون أن أولئك الذين أُجبروا على إمضاء الوقت في التفكير في النتيجتين السعيدتين المحتملتين، ظلوا محتفظين بحالتهم المزاجية الجيدة مدة أطول من أولئك الذين جربوا الإشباع الفوري.

أيضًا فقد قضوا وقتًا أطول في النظر إلى صور جائزتهم المحتملة، مما عزز نظرية أن الناس يمضون وقتًا أطول في التركيز على النتائج المحتملة عندما تكون الأمور غير مؤكدة. وفي حالة النتائج السعيدة، يزيد هذا من درجة الاستمتاع الذي يمكن الحصول عليه من هذه النتائج (جورنال أوف إكسبريمنتال سوشيال سايكولوجي، مجلد ٤۳، صفحة ۹٧۹).

الحدث الممتع الغامض هو بحكم طبيعته حدث يصعب تفسيره منطقيًّا، فهو يجبرك على التفكير فيه وقتًا أطول مما يطيل أمد تأجج مشاعرك. وهذا يؤدي بدوره إلى حدوث ظاهرة يطلق عليها الأخصائيون النفسيون «مفارقة السعادة»: فنحن نحاول أن نفهم العالم، لكن هذا الفهم يمكن أن يسلبنا متعة الأحداث غير المتوقعة.

لم تكن هذه النتائج سوى مقدار ضئيل من مجموعة أبحاث تكشف كيف يمكن الحصول على الكثير من المتعة من خلال قوة عدم اليقين، وترجح أن التكنولوجيا التي تطرح عنصر المصادفة في حياتنا يمكنها أن تعزز حالتنا المزاجية من يوم لآخر.

لهذا أجد نفسي أتعقب شخصًا لا أعرفه بالمرة في شمال لندن فيما بعد الظهيرة والأمطار منهمرة. وأجرب الآن برنامج «سيرنديبيتور»، وهو تطبيق ملاحي يعمل بالقمر الصناعي يعزز اتجاهاتك من خلال اقتراحات بسيطة تقدم تغييرات أو انعطافات أو إلهاءات بسيطة.

ويقف مصممو مثل هذه التطبيقات على خيط رفيع يفصل بين إقناع الأفراد بالمجازفة وإثارة غضب الأشخاص الذين يرون مثل هذه التطبيقات سخيفة. يقول شيبرد مصمم التطبيق: «سيرنديبيتور هو طريقة ساخرة تقول بها: ما معنى أن نعيش في مجتمع نحتاج فيه إلى تحميل برنامج للاكتشاف العشوائي؟» غير أنه على خلاف المصادفة البسيطة، تبحث تطبيقات الاكتشاف بالمصادفة الاحتمالات المختلفة كي تضمن نتائج إيجابية. على سبيل المثال، يساعدك تطبيق «جريز» أن تتحاشى الأطعمة التي تكرهها بشدة. ويجعلك سيرنديبيتور تضل الطريق حتى إذا كنت متصلًا ببرنامج خرائط جوجل الموثوق به.

بعد أن خططت لتناول غدائي، أستخدم التطبيق للبحث عن الطريق. من المفترض ألا يستغرق الطريق إلى المطعم سوى ست دقائق سيرًا على الأقدام، ويظهر هاتفي مسارًا متوقعًا عبر الطريق الرئيسي. غير أنه حالما أنطلق، يضع سيرينديبيتور أمامي التحدي الأول وهو اختيار شخص لتتبعه مسافة بنايتين (يقول شيبرد إنه اقتبس العديد من تعليماته الغريبة من فناني فلوكساس). وبعد أن اخترت امرأة تمسك بحقيبة سفر ذات عجلات، أسير ببطء وراءها، وسرعان ما تعبر الطريق وتقودني إلى الحديقة التي لم أكن على دراية بوجودها قط. تبدأ الآن مزايا التطبيق في الاتضاح، ولا يمكنني الامتناع عن التفكير في حقيقة أنه لو كنت قد اخترت أي شخص آخر، لظللت جاهلًا بوجود هذا المكان.

لم أكن أنا الشخص الوحيد الذي حيرته أفكار تتعلق بأشياء يحتمل ألا تكون قد حدثت أبدًا. ففي عام ٢٠٠٨، استعان دانيال جيلبرت عالم النفس بجامعة هارفارد، بمجموعة من الناس الذين عاشوا علاقات سعيدة استمرت خمس سنوات على الأقل. وقد قسم المجموعة إلى نصفين وطلب من نصفهم أن يدونوا قصة التقائهم بشركاء حياتهم، وطلب من النصف الآخر وصف الطرق التي ربما أدت إلى فشل التقائهم. وعندما سُئلوا بعدها، وُجد أن أولئك الذين كتبوا حول احتمال عدم الالتقاء بشركاء حياتهم كانوا في حالة مزاجية أفضل وشعروا برضا أكبر في علاقاتهم عن أولئك الذين سردوا قصة الحب الحقيقية (جورنال أوف بيرسونالتي آند سوشيال سيكولوجي، مجلد ۹٥، صفحة ١٢١٧).

يشير ويلسون إلى هذا بعبارة «تأثير جورج بايلي»، على اسم بطل فيلم «إنها حياة رائعة!» الذي يرى عالمًا لم يُولد فيه. فيقول إن التفكير في كل الطرق التي كان يُحتمل أن تمنع حدوث شيء طيب، تبعث حياة جديدة في مشاعر فقدت بريق التجديد منذ أمد بعيد.

وفوق الإثارة التي تجتاحني من اللقاء العرضي، من المثير على نحو غريب أن يُطلب مني القيام بأنشطة عشوائية. فبعد أن تتبعت المرأة إلى الحديقة، استغرقت بعض الوقت لأستجمع الشجاعة كي أسأل أحدهم هل يمكن أن ألتقط صورة له؟ غير أن هذا الصنيع ولد بداخلي شعورًا قويًّا، وإن كان سخيفًا، بالإنجاز. غير أنني لم أستطع أن أمنع نفسي عن التساؤل هل سأستخدم هذا التطبيق بالفعل في أي يوم آخر؟ تشير أبحاث ويلسون إلى رأي مغاير: يقلل الناس على الدوام من شأن تأثيرات عدم اليقين الإيجابية.

جيتلوستبوت

لا أحد على دراية بهذا التطبيق أكثر من كيرمان الذي توصل إلى أنه على الرغم من أن الناس يتفاعلون مع فكرة «جيتلوستبوت» جيدًا، عندما يظهر فجأة على الشاشة ليخبرهم أنهم لا بد أن يجربوا شيئًا جديدًا، فإنهم يعرضون عن فعله. بعبارة أخرى، يحب الناس التطبيق، ويحملونه، ثم لا يستخدمونه.

إذا لم تمثل مقاومتنا لعدم اليقين مشكلة كبيرة، فثمة مشكلة أخرى تعوق انتشار فكرة الاكتشاف بالمصادفة وهي مشكلة تجارية. فأي مال يُجنى من تطبيق يجعلك تضل الطريق؟!

لكن هذا لا يعني أننا لا نحتاج هذه التطبيقات. فاعتمادنا المتزايد على أنظمة التوصية، معناه أن يعيش الناس في نهاية المطاف في «فقاعة ترشيحية» تضيق مجال رؤيتنا كما تقول دانا بويد، بمركز أبحاث مايكروسوفت في كامبريدج، بولاية ماساشوستس. وتلخص المنهج الحالي للتعامل مع تكنولوجيا الإنترنت باعتباره مزيجًا من الخوف من المجهول والضغط الذي يدفع إلى المكوث في هذه الفقاعات الآمنة.

لهذا السبب ترى بويد أن هذه التقنيات لن تحقق أبدًا نجاحًا كبيرًا في الاتجاه السائد، لكنها لا تزال ترى أنها تمثل توجهًا تعويضيًّا مفيدًا: «فقدنا الشعور بأهمية الاتصال بأفراد تختلف نظراتهم للعالم اختلافًا جذريًّا.»

وهي تعزو هذا إلى حدوث تحول في التوجه الفكري نحو عام ٢٠٠٥ عندما أدى تركيز الإعلام، كما تقول، على قراصنة الإنترنت إلى حدوث «هلع أخلاقي فيما يتعلق بخطر الغرباء». وفي نفس الفترة تقريبًا، شاهدنا ظهور شبكات اجتماعية وأفراد يستخدمون الإنترنت للتواصل مع الوجوه المألوفة فحسب بدلًا من التواصل مع أشخاص لا يعرفونهم.

ليست حياتنا على الإنترنت هي وحدها التي باتت محدودة. تقول بويد: «واحدة من أهم الأشياء هي أن تدع أطفالك يتعلمون الاكتشاف بالمصادفة. وعادة ما كان يُقصد بهذا أن تركب دراجتك وتذهب إلى أي مكان. لقد فقدنا هذا.» هل يمكن أن يغير هذا الاستخدام الحيوي لتطبيقات التوصية، والجي بي إس، وغيرهما من التقنيات الآمنة من درجة استعداد الأفراد للمجازفة؟ على مدار السنوات القليلة الماضية، اكتشف مركز أبحاث بيو في واشنطن العاصمة، من بين اكتشافات أخرى، أن عدد المراهقين الذين يتعلمون قيادة السيارات بالولايات المتحدة قد انخفض، وانخفض معدل بيع الدراجات، وبات الشباب أقل استعدادًا للانتقال إلى ولاية أخرى حتى إذا كانت هناك وظائف أفضل.

لكن لعل هناك أملًا في تطوير تقنية الاكتشاف بالمصادفة. فقد بدأت الشركات الكبيرة في تطوير الفكرة. ففي عام ٢٠٠٨ قيل إن شركة أبل تقدمت للحصول على براءة اختراع لنظام يصل تلقائيًّا جهازين إذا تصادف اقترابهما؛ على سبيل المثال، إذا حدث ووجدت نفسك في نفس المنطقة مع صديق دون أن تدري. تطبيق جوجل لاتيتيود يقوم بنفس الشيء.

لا أتوقع أن يبدأ برنامج خرائط جوجل في توجيهي إلى تتبع الغرباء، لكن هل يمكن أن تستخدم الشركة التكنولوجيا كي تضيف إلى خيارات «الأسرع» و«الأقصر» الحالية، خيار «الأكثر مجازفة»؟

على كل حال، عندما نزود التكنولوجيا اليومية بمزيد من عنصر المفاجأة، لعلنا نبدأ من جديد في ملاحظة ما نفتقده في رحلة بحثنا الحسية عن الكفاءة. تقول بويد: «هذا هو جوهر حبكة معظم الكتب التي تلقى رواجًا. فقد عثرت بمحض المصادفة على شيء عشوائي وكان هذا الشيء سحريًّا، ومنه انطلقت بلا قيود. نحن نحلم بهذه الأشياء ونهيم بخيالنا فيها، لكن كيف نسمح للخيال بأن يعود إلى واقعنا؟»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.