صورة المكتبة القديمة المغطَّاة بالغبار مألوفة إلى حد الابتذال، لكن استبعِد جميع الكتب وسيتبقَّى لديك شيء مثير للاهتمام إلى حدٍّ كبير، إنْ نظَرْنا إليه من زاوية محدَّدة.

تجميع الغبار.
تجميع الغبار.

مرحبًا بكم في مكتبة الغبار. لا تضاهي مكتبة الغبار — بما تضمُّه من ٦٣ جسيمًا منفردًا مصنَّفًا — مكتبة الإسكندرية الكبرى بالتأكيد، لكن هناك خططًا للتوسع. إضافةً إلى ذلك، تضم مكتبة الغبار — بعيدًا عما تتسم به من طابع جاف — مسرَّات غير متوقعة. إن لم تكن قد بحثْتَ في هذا المجال — والأرجح أنك لم تفعل — فربما تكون بصدد مفاجأة سارة.

يمثِّل الغبار أشياء مختلفة للأشخاص المختلفين؛ ففي ثلاثية «مواده المظلمة»، وصف المؤلف فيليب بولمان الغبار بأنه جسيم أوَّلي ذو طبيعة خاصة؛ جسيم واعٍ. الغبار في نظرك قد لا يعدو كونه أي مسحوق ناعم، أو جلدًا ميتًا في الأغلب، أو الحالة التي سنئول إليها جميعًا بعد الموت. أما العلماء، فلطالما كان الغبار مصدر جَذْب لهم؛ فقد مضى أكثر من قرن من الزمان منذ أجرى الجيولوجي جيه إيه أودن أولى تجاربه المعملية، واليوم صار ما تحمله الرياح من غبار مهمًّا للجميع، بدءًا من الجيولوجيين وعلماء البيئة إلى علماء الفلك وخبراء الصحة.

يتَّسِم الغبار بقدر هائل من التنوع؛ فعرض أكبر الجسيمات يزيد عن ملليمترين، وعرض أصغرها أقل من ٠٫١ ميكرومتر. ومن المثير للاهتمام أن بعضها له أصول كونية؛ فنحو ٢٠٠ ألف طن من المواد تدخل الغلاف الجوي للأرض سنويًّا قادمة من الفضاء الخارجي، إلا أنَّ ذلك عدد لا يُذكَر مقارنةً بما مقداره ٤ مليارات طن من الغبار مصدره كوكب الأرض نفسه، حيث يأتي أكثر من ٩٠ في المائة منه من موارد طبيعية مثل التربة، والبراكين، والصحاري، وحبوب اللقاح، وملح البحر. أما الإسهام البشري فأقل بكثير، لكننا مسئولون عن بعض أكثر الجسيمات الصغيرة ضررًا، ومنها الجسيمات الناتجة عن عوادم السيارات، والانبعاثات الصناعية، والأسمدة.

معرفتنا بالغبار متنوعة أيضًا، وإن كانت اعتباطية إلى حدٍّ ما؛ فضمن أشياء أخرى، نعلم أن المنازل البريطانية الفخمة تكسوها طبقة رقيقة تتألف في الغالب من ألياف الجلد والشعر والأقمشة؛ وأن الغبار الموجود داخل المنازل قد يمثِّل خطرًا على الصحة أكبر من مثيله خارجها؛ وأن هواء المدينة يعِجُّ بالبكتيريا الناتجة من فضلات الكلاب (نيو ساينتيست، ١٣ أغسطس، صفحة ١٦). لكن ما لدينا من تصنيفات للغبار تعتريها ثغرة صارخة مصدرها أن تلك المادة عادةً ما تُفحَص جُملةً؛ فلم يحدث قطُّ أنْ فحَصَ أحدٌ التكوين الفعلي لجسيم غبار منفرد، وذلك حتى هذه اللحظة.

كحال الكثير من الاكتشافات العلمية الكبرى، جاء ذلك الاكتشاف بطريق المصادفة؛ ففي عام ٢٠٠٣، كان جيمس كُو بجامعة ولاية أوهايو في كولومبوس يستخدم الأشعة تحت الحمراء بغية التعرف على التكوين الكيميائي لمواد عدة؛ إذ تمتص الجزيئات المختلفة ترددات بعينها من الأشعة تحت الحمراء حسب تركيبها، ومن ثَمَّ يكشف الطيف الناشئ عن تكوين المادة. للأسف كانت العيناتُ فائقةُ الصِّغَرِ تشتِّتُ الأشعةَ، مما يؤدي إلى عدم وضوح النتائج؛ لذا صمَّم كو جهاز استشعار يحتوي على شبكة من النيكل بها ثقوب قطرها ٥ ميكرومترات لاحتجاز الجسيمات كل على حدة ومنع التشتت. يمتص النيكل الأشعة تحت الحمراء، مكوِّنًا بلازمونات — موجات إلكترونية لها نفس خصائص الفوتونات — تساعد على تمرير الأشعة عبر الجسيمات المحتجزة، بدلًا من تشتيتها. ظل كو وفريقه سنوات عديدة راضين باستخدام الشبكة من أجل الكشف عن التكوين الكيميائي لمختلف المواد. منذ عامين، لم يراعِ أحدُ أفرادِ الفريق الدقة الكاملة، فأسفرت إحدى التجارب الروتينية التي كانت تُجرَى باستخدام كراتٍ من اللَّثَى (لبن الشجر) مغمورة داخل الشبكة عن ظهور طيف غير متوقع؛ أَلَا وهو الغبار.

تقول كاثرين سيلوا — التي كانت آنذاك طالبة دراسات عليا في معمل كو، وتعمل الآن في جامعة ميشيجان بآن آربر: «عادةً إذا رأيتَ غبارًا، فإنك تتحاشاه.» لكن بدلًا من تجاهل ذلك الناتج غير المجدي، تقبَّلَتْه كاثرين وزملاؤها، وشرعوا يبحثون عن سُبُلٍ لجذب مزيد من الغبار. فباستخدام مضخة ماصَّة مصغَّرة وبعض الهواء العادي في المختبر، سرعان ما أمسكوا ٦٣ جسيمًا منفردًا من الغبار داخل الشبكة، وما إن خضعت تلك الجسيمات للتحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء، حتى ظهرت أول مكتبة غبار في العالم (جورنال أوف فيزيكال كيمستري، المجلد ١١٥، صفحة ١٦٩١٠). يقول كو: «بدراسة الجسيمات المنفردة، ترى أشياء لا تراها حال النظر إلى الجسيمات مجتمعةً.»

فما الذي يمكن أن تخبرنا به تلك المكتبة العجيبة؟ بادئ ذي بدء: لدينا قائمة الأجزاء البسيطة. كان المكون الأكثر شيوعًا هو المادة العضوية، ووُجِدت في ٤٠ من أصل ٦٣ جسيمًا — ليس واضحًا ما هي تحديدًا، لكنها يمكن أن تكون أي شيء بدءًا من حبوب اللقاح إلى الأنسجة الميتة. بعدها يأتي معدن الكوارتز، الذي وُجِد في ٣٤ جسيمًا، تليه الكربونات (١٧ جسيمًا) والجص (١٤ جسيمًا). يقول كو: «تظهر المعادن فجأةً؛ فهي تأتي من جميع أنحاء العالم.» أما المكونات الأخرى فتضمنت ملوثات الجو والأسمدة الكيميائية.

سيلاحظ مَن يكترث بالعدِّ أيضًا أن المكونات أكثر من الجسيمات بالفعل. يُعزَى ذلك إلى أن معظم ذرات الغبار عبارة عن تكتلات، مما يعني أنها قد تأخذ عددًا لانهائيًّا من الأشكال، وهي في ذلك تشبه نُدَف الثلج إلى حدٍّ كبير. كانت الخطوة البديهية التالية هي التعرف على شكل التكتلات المنفردة، لكن تحديد أيِّ ذرة بالضبط تقابِل أيَّ طيفٍ لن يكون أمرًا هيِّنًا؛ لذا أطلق كو مسابَقةً، فأول شخص يلتقط صورةً بالمجهر الإلكتروني لجسيم خضع بالفعل للتحليل بالأشعة تحت الحمراء ستُتاح له تسميته، وإذا لم يكن هذا كافيًا، فالعرض يتضمن عشاءً مجانيًّا أيضًا. أيُّ طالب قد يحجم عن خوض تحدٍّ كهذا؟!

التعرُّف على الطيف

ضمنت سرعة عمل الطالب ماثيو مكورماك تحقيقه النجاح قبل غيره؛ فقد كان يعمل مع سيلوا منذ البداية، وأدرك أن وضع علامة صغيرة على الشبكة إلى جانب ذرة غبار معينة قد يمكِّنه من تسجيل طيف إشعاع تحت أحمر، ثم ينقل الشبكة إلى مجهر إلكتروني، وعندما يجد العلامة الدالة، يمكنه أن يسلِّط المجهر على الجسيم ويلتقط صورته. سرعان ما حلَّل مكورماك والتقط صورةً لكتلة غير منتظمة من الحُتات (فتات الأحجار)، أو «آبي» كما سمَّاها، تيمُّنًا باسم كلبته الأليفة.

الآن صار بإمكان كو وفريقه التعرُّف على طيف قطعتَي الغبار اللتين صوَّروهما، وللأسف لم يُدرَج أي منهما في مكتبة الغبار العامة، لكن يمكن لمَنْ يهمه الأمر أن يطَّلِع على أطياف الجسيمات الستة والثلاثين التي تمثِّل موردًا قيِّمًا لخبراء الغبار الناشئين.

يقول الباحثون إن عملهم ينطوي على إمكانات كبيرة فيما يتعلق بمجال الصحة العامة، علمًا بأن الوفيات المتعلقة بالغبار — الناتجة عن أمراض الجهاز التنفسي والسكتة الدماغية بالأساس — يُقدَّر عددها بنحو ١٠ آلاف حالة سنويًّا في المملكة المتحدة وحدها. ويشيرون إلى أن الجسيمات التي يتراوح حجمها ما بين ٣ و٥ ميكرومترات — الحجم ذاته الذي يحلِّله الجهاز الذي يستخدمونه — هي من أكبر الجسيمات التي تستطيع المرور من المسالك الهوائية المبطَّنة بالمادة المخاطية وتتوغل داخل الرئتين. ويقول كو إن الأبحاث التي أُجرِيت في الآونة الأخيرة تشير إلى أن المواد العضوية تتسبب في عدد من أسوأ المشكلات الصحية. وهو حاليًّا بصدد ضبط جهاز الاستشعار على أساس الكيماويات المعروفة؛ حتى يتمكَّن فريقه من الوقوف تحديدًا على طبيعة أي مكونات عضوية تظهر أمامهم.

في المستقبل، يمكن استخدام هذا النهج لتحديد ما إذا كان الغبار في هواء المستشفيات والمدارس والمصانع وغيرها من الأماكن يحتوي على أي مكونات خَطِرة. يعمل طلبة كو أيضًا على جمع عيِّنات من صالات التدخين ومواقف السيارات بغيةَ تكوين مكتبات مرجعية تتضمن جسيمات من بيئات مختلفة. في وقت صارت تخفيضات الإنفاق العام تهدِّد مزيدًا من المكتبات التقليدية، من المشجِّع أن نفكِّر في أن مستودعات الغبار في سبيلها إلى الازدهار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.