أول مرة يبتسم فيها الرضيع — في عمر شهرين تقريبًا — لحظة جميلة ومليئة بالمشاعر بالنسبة إلى الوالدَين؛ فقد تكون تلك أول علامة على تقديره كلَّ حبهما وتفانيهما. وقد تحمل تلك اللحظة الأهمية ذاتها بالنسبة إلى الرضيع؛ إذ تمثل أولى خطواته على طريق طويل يفضي إلى الهُوية والوعي بالذات.

من تظن نفسك؟
من تظن نفسك؟

كثيرًا ما يُنظَر إلى الهُوية على أنها نتاج الذاكرة؛ إذ نحاول أن ننشئ تراثًا من الخبرات الكثيرة التي مررنا بها في حياتنا. إلا أنه ثَمَّةَ إدراك متنامٍ الآن لفكرة أن إحساسنا بذاتنا قد يكون ناتجًا عن علاقاتنا مع الآخرين. فيقول بروس هود، أخصائي علم النفس التنموي بجامعة بريستل في المملكة المتحدة، ومؤلف كتاب «وهم الذات» (كونستَبل، ٢٠١٢): «لدينا نزعة متأصلة تدفعنا إلى تفاعل بعضنا مع بعض مما يساعدنا على اكتشاف من نكون.» تلك العملية لا تبدأ مع تكوُّن ذكريات الأطفال الأولى، وإنما منذ لحظة تعلُّمهم لأول مرة تقليد ابتسامة والديهم والاستجابة المتعاطفة مع الآخرين.

تتفق فكرة أن إحساسنا بذاتنا يمثل محركًا أساسيًّا لعلاقاتنا مع الآخرين مع المنطق البديهي، كما أن هذه العلاقات تمثل كذلك محركًا أساسيًّا للإحساس بالذات. فيقول مايكل لويس، الذي يدرس تنمية الطفل بكلية طب روبرت وود جونسون في نيو برانزويك بنيو جيرسي: «لا يمكنني أن أقيم علاقة دون أن أمتلك ذاتًا؛ فحتى أتفاعل معك، لا بد أن أعرف بعض الأشياء عنك، ولا يمكنني فعل ذلك دون معرفة بعض الأشياء عني.»

ثَمَّةَ أدلة تشير حاليًّا إلى أن تلك هي طريقة عمل الدماغ. وتأتينا بعض القرائن من الأشخاص المصابين بالتوحد. فعلى الرغم من ارتباط ذلك الاضطراب عادةً بصعوبات في فهم المؤشرات الاجتماعية غير اللفظية التي تبدر عن الأشخاص الآخرين، يبدو أيضًا أنه يسبب بعض المشكلات في عملية التأمل الذاتي؛ فمع النمو، يتأخر الأشخاص المصابون بالتوحد في تعلُّم كيفية التعرف على أنفسهم في المرآة، وعادةً ما يكوِّنون قدرًا أقل من الذكريات القائمة على التجارب الشخصية. ومن الأمور الدالَّة على أن المناطق الدماغية ذاتها — مناطق القشرة قبل الجبهية — تبدو أقل نشاطًا؛ محاولة الأشخاص المصابين بالتوحد تأدية ذلك النوع من المهام، ومحاولتهم فهم تصرفات الآخرين. يدعم ذلك فكرة أن الآلية الدماغية ذاتها تدعم هذين النوعين من المهارات. ويرد مزيد من الدعم لتلك الفكرة عن أبحاث أنطونيو داماسيو بجامعة جنوب كاليفورنيا، الذي وجد أن المشاعر الاجتماعية على غرار الإعجاب أو التعاطف — التي تنجم عن التركيز على سلوك الآخرين — تنزع إلى تنشيط القشرات الخلفية الإنسية، وهي مجموعة أخرى من المناطق الدماغية التي يُظن أنها بدورها مهمة لتكوين إحساسنا بذاتنا (دورية «بروسيدينجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسس»، المجلد ١٠٦، صفحة ٨٠٢١).

المحصِّلة هي أن ذاتي ليست مرتبطة بي تمامًا، وإنما ترتبط بالقدر عينه بمن حولي وعلاقة أحدنا بالآخر؛ وهو مبدأ يسميه داماسيو «النفس الاجتماعية». يترتب على ذلك تبعات واسعة النطاق. فإذا كانت الوظيفة الرئيسية للهُوية الذاتية هي مساعدتنا على إقامة العلاقات، فينبغي إذنْ أن تعتمد طبيعة الذات على البيئة الاجتماعية التي تنشأ فيها. يأتي الدليل على ذلك عن طريق علم النفس الثقافي؛ فقد عرض ريتشارد نيسبِت من جامعة ميشيجان في كتابه «الطبيعة الجغرافية للفكر» (نيكولاس بريلي، ٢٠٠٣)؛ تجاربَ معملية تشير إلى أن الصينيين وغيرهم من شعوب شرق آسيا ينزعون إلى التركيز على سياق الموقف، بينما يحلل الغربيون الظواهر بمعزل عن السياق؛ وتلك رؤًى متباينةٌ تؤثر على طريقة تفكيرنا في أنفسنا.

فقد وجد الباحثون الذين يدرسون الذكريات القائمة على التجارب الشخصية — على سبيل المثال — أن الأكثر ترجيحًا أن ذكريات الصينيين تركز على اللحظات التي تحمل أهمية اجتماعية أو تاريخية، بينما يركز الناس في أوروبا وأمريكا على المصلحة الشخصية والإنجازات الشخصية. في الوقت نفسه وجدت دراسات أخرى أن اليابانيين أكثر ميلًا لتكييف وصفهم لأنفسهم حسب الموقف؛ مما يشير إلى أن إحساسهم بأنفسهم أكثر مرونةً وأقل صلابةً من إحساس الغربيين بأنفسهم، الذين لا ينزعون إلى الاعتماد على السياق بهذه الصورة.

قد تظهر تلك الاختلافات في سن مبكرة؛ فلويس يشير إلى تقارير أنثروبولوجية مفادها أن «عمر العامين الرهيب» — الذي يُفترَض أن يكون هو الوقت الذي تنشأ فيه إرادة مستقلة لدى الطفل — ليس مشحونًا بالقدر ذاته في الثقافات الأقل تركيزًا على الاستقلالية الفردية، وهو ما قد يتضح منه أن الثقافة تشكِّل إحساسنا بذاتنا خلال خبراتنا المبكرة.

تلك التفاوتات في المنظور والفكر تشير ضمنيًّا إلى أن هُوياتنا نفسها — «من أنا؟» — تتحدد بالثقافة؛ فيقول لويس: «أنا ذكر، أنا رجل أكاديمي، أنا كبير السن، أنا متزوج، أنا أب وجد؛ كل تلك الأوصاف التي أعرِّف نفسي بها هي نتاج الثقافة في الواقع.» من الواضح أنه ليس ثَمَّةَ مفهوم للذات يسع الثقافات كلها. إلا أن هيزل ماركوس — التي تدرس التفاعل بين الثقافة والذات في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا — تشير إلى أن شخصيات البشر تتشارك في سمة واحدة قوية، وهي: القدرة على تشكيل البيئة الاجتماعية المحيطة بنا أيًّا كانت باستمرار، والتشكُّل بها.

وعلى الرغم من استمرار الأدلة على «النفس الاجتماعية» في التزايد، فإن الجميع ليسوا مقتنعين بأنها دائمًا ما تكون مفيدة لرفاهتنا؛ فبالنسبة إلى الكاتبة والأخصائية النفسية سوزان بلاكمور، قد تكون الذات ناتجًا عرضيًّا للعلاقات؛ فقد تتجلَّى ببساطة «في سياق التفاعل الاجتماعي وتعلم إقامة العلاقات مع الآخرين؛ مما قد يفضي بك حتميًّا إلى ذاك الشعور بأنك هنا»، بينما تصطحب معها بعض مخلفات الماضي المؤسفة. وتشير بلاكمور إلى أن الذات يمكن أن تجبرنا على التشبث بصورة عُصابية بمشاعر وأفكار تنتقص من سعادتنا الإجمالية.

إلا أن التخليَ عن ذلك كله معناه التوقف عن عادةٍ استمرت العمر كله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (3)

  • default avatar
    علي الغندور ·٢٢ مايو ٢٠١٤، ٣:٥٣ ص

    نفع " الله " بكم

  • default avatar
    creativewebdesigner ·٢ فبراير ٢٠١٤، ١١:٣٩ ص

    مقال رائع

  • default avatar
    Mahmoud Jamal Hindawi ·٢٧ يناير ٢٠١٤، ٤:١ ص

    مقالة مثيرة للاهتمام .... شكرا لكم ...!!!