سمع جميع طلاب المدارس — أو ينبغي أن يكونوا قد سمعوا — عن ونستون تشرتشل، وفلورنس نايتينجيل، وتشارلز داروين، وأبراهام لينكون؛ لكن كم شخصًا يعرف أنهم قد عانوا أمراضًا عقلية؟ في عام ٢٠٠٩ كتب ألاستير كامبيل — مسئول الاتصالات السابق لدى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير — ونايجل جونز، بحثًا قصيرًا لصالح حملة «حان وقت التغيير» الهادفة إلى محو وصمة العار المرتبطة بالمرض العقلي، تحت عنوان «عالَم من دون الخارقين الخمسة». قالا إنه لو كان تشرتشل، ونايتينجيل، وداروين، ولينكون، وماري كوري على قيد الحياة اليوم، لتسبَّب السلوك المشين والتمييز الموجَّهان ضد المرضى العقليين في منعهم من إنجاز ما حققوه؛ وعليه لكان عالَمنا عالمًا مختلفًا وأكثر بؤسًا. لكن ربما كانت المعاناة العقلية التي مر بها لينكون، وداروين، ونايتينجيل، وتشرتشل قد يسرت بالفعل وساهمت في الكثير من نجاحاتهم وإنجازاتهم، رغم ما تسببت فيه من إعاقات وانتكاسات. تشتهر نظرية المرض الإبداعي تلك بأنها تنطبق على العاملين في مجال الفنون الإبداعية، لكنها أقل شهرة في مجالات أخرى وفي الحياة العامة. في البداية من المهم أن نضع نصب أعيننا تحذير الطبيب النفسي أنتوني ستور عندما قال: «في موضوع يحوي الكثير من النقاط الخلافية، ينبغي على الطبيب النفسي والمؤرخ التحلي بالاعتدال في مزاعمهما حول الفهم النفسي.»

لا شك أن فَهْمنا لطبيعة المرض العقلي قد تطوَّر كثيرًا خلال العقود الأخيرة، لكن مثلما ذكر أستاذ الأمراض العقلية نورمان سارتورياس عام ١٩٩٩:

مائة سنة ليست سوى لحظة في تاريخ البشرية؛ أما الطب النفسي فيكاد ينحصر كل تاريخه في القرن الماضي.

عاش ثلاثة من المشاهير الأربعة الذين يتناولهم هذا المقال في القرن التاسع عشر، قبل معظم التطورات التي حدثت في مجال الطب النفسي. ومع أن أحدًا منهم لم يَزُر — على حد علمنا — طبيبًا نفسيًّا، كان تشرتشل الوحيد الذي كان على اطلاع كامل بالطب النفسي، وفي خطاب لأحد أصدقائه عام ١٩٤٢، كان هذا رأيه في هذه المهنة:

أوقن أنه من الحصافة تقييد عمل هؤلاء الرجال على قدر المستطاع؛ فهم قادرون على إحداث كَمٍّ هائل من الأذى بآرائهم التي قد تنحدر بسهولة إلى مستوى الدجل. ينبغي تشديد القبضة عليهم وعدم السماح لهم بالإقامة بين القوات المحاربة على حساب الشعب.

ما الدليل إذن على إصابة لينكون، وداروين، ونايتينجيل، وتشرتشل بأمراض عقلية؟

أبراهام لينكون

من بين «الأبطال» التاريخيين الأربعة الذين نتحدث عنهم هنا، ينفرد أبراهام لينكون (١٨٠٩–١٨٦٥) بكتابين كُتبا خصوصًا عن مشاكله العقلية؛ مما قد يعكس اهتمامًا كبيرًا بقضايا العقل في الثقافة الأمريكية الشمالية. وأيًّا كانت الأسباب، حظيت مشاكل لينكون العقلية بتوثيق دقيق. يتناول جاشوا شينك ثلاث قضايا في كتابه «كآبة لينكون» (٢٠٠٦)؛ فيتساءل أولًا ما إذا كان لينكون يعاني من اكتئاب أم لا. وثانيًا يلقي نظرة على العلاج الذي تلقَّاه، وثالثًا يتناول كيفية إسهام مشكلات لينكون العقلية في حياته بوصفه شخصية عامة. وعن لينكون قال ويليام هيرندون شريكه القانوني: «كانت كآبته تقطر منه وهو يمشي.»

يظهر الاكتئاب في تاريخ لينكون العائلي، فضلًا عن أنه عانى خسارة جسيمة في طفولته؛ فقد تُوفِّي أخوه الوحيد وعمره ثلاث سنوات، وتُوفِّيت أمه وعمره تسع سنوات. كانت الشخصية الدائمة في طفولته هي أخته سارة، لكنها تُوفِّيت أثناء وضع مولودها بينما كان عمر لينكون ١٩ عامًا. وبعدها بسبع سنوات، وعقب وفاة صديقته آنا رتليدج، عانى لينكون أول نوبة اكتئاب حادة، وكان لنوبات أخرى أثرها القوي للغاية عليه؛ لأنها كانت توقظ ذكريات من فقدهم في السابق.

عقب نوبة ثانية من نوبات الاكتئاب الإكلينيكي، تلقَّى لينكون العلاج لدى دكتور هنري. لا يوجد سجل طبي على ما تلقَّاه من علاج، لكن ما يُروى عن أساليب التدخل العلاجي في هذا العصر يرجِّح أنه تعرض للفصد، وتسهيل الأمعاء، والتقيؤ، والتجويع، وتعاطي جرعات من الزئبق والفلفل، والتدليك بالخردل، والغمس في الماء البارد. عانت زوجة لينكون — ماري تود لينكون (١٨١٨–١٨٨٢) — هي الأخرى من اكتئاب واضطراب عقلي ربما كان الفصام. والواقع أن ابنها الأكبر روبرت قد أودعها أحد مستشفيات الأمراض العقلية عام ١٨٧٥. شهد لينكون وزوجته وفاة اثنين من أبنائهما الثلاثة الآخرين وهو ما زاد الوضع سوءًا، بينما تُوفِّي الابن الأصغر تاد عام ١٨٧١ ولديه من العمر ١٨ عامًا. لكن يبدو وكأن لينكون — مثله مثل تشرتشل — قد طوَّر أساليب تأقلم فعالة جدًّا للتعامل مع الاكتئاب، كان أولها إلقاء النكات ورواية القصص. كتب شينك: «مع بلوغه سن المراهقة، كان اليافعون من الرجال يحتشدون حوله متلهفين لسماع نكاته وقصصه. كان محبوبًا جدًّا.»

من الأساليب الأخرى التي استعان بها لينكون قراءةُ وإلقاء وكتابة الشعر الذي يركِّز على موضوعات الموت واليأس والضعف البشري. وقد علَّق هو نفسه قائلًا: «أعاني ساعات من الاكتئاب لا بد من التغلب عليها … تعرفون أني لا أتمتع بمزاج متفائل.»

تشارلز داروين

مثل لينكون، فقَدَ داروين (١٨٠٩–١٨٨٢) أمَّه وعمره ثماني سنوات فقط، وعلى ما يبدو كان أبوه صارمًا. ترك داروين البيت عندما بلغ السادسة عشرة لدراسة الطب في إدنبره، لكنه فضَّل دراسة التاريخ الطبيعي. أرسله أبوه إلى كامبريدج أملًا منه أن يجد طريقه إلى العمل الكنسي، لكن داروين كانت لديه أفكار أخرى، وألهمته محاضرات علم النبات والتاريخ الطبيعي أكثر من محاضرات اللاهوت. وعندما بلغ الثانية والعشرين، رُشِّح بوصفه الشخص المناسب لتولي منصب المسئول العلمي في رحلة بحرية على متن السفينة «بيجل». بدأت مشاكل داروين الصحية قبل بداية الرحلة مباشرة، وهو ما دوَّنه بنفسه:

عانيت أيضًا من خفقان بالقلب … وكنت مقتنعًا أني مصاب بمرض في القلب.

مع عودة داروين إلى إنجلترا وبعد زواجه عام ١٨٣٩، عانى من نوبات مرضية متزايدة صاحبتها أعراض كالصداع وخفقان القلب وصعوبة التنفس والشعور بالغثيان والقيء، بالإضافة إلى الأرق والإغماء والبكاء والارتجاف. أعاقت تلك الأعراض حياته اليومية وقدرته على العمل؛ ومن ثَمَّ بدأ يتجنب الاجتماعات العلمية وكافة اللقاءات الاجتماعية. وهكذا فاته حضور حفل إصدار أعظم أعماله «أصل الأنواع» عام ١٨٥٩، ولم يشارك في مناظرة أكسفورد الكبرى عام ١٨٦٠ بين الأسقف صامويل ويلبرفورس والعالم تي إتش هكسلي. كذلك تسببت حالته المرضية المزمنة في تغيُّبه عن حفل زواج ابنته وجنازة أبيه؛ إذ كانت حالته الصحية متدهورة للغاية. ربما أكثر المواقف إثارة للدهشة أنه بعد قضائه بعض الوقت في بلدة مالفيرن مع ابنته المحتضَرة آني، عاد إلى منزله في داون قبل مراسم دفنها بيوم، تاركًا أخت زوجته ومربية الطفلة تشرفان على مراسم الدفن.

استشار داروين أكثر من ٢٠ طبيبًا، من بينهم العديد من المتخصصين في ذلك العصر، وجرَّب أساليب علاجية متعددة، لا سيما العلاج بالماء الذي كان شائعًا وقتها، وقام بعدة زيارات لمنتجعات، وفي بعض الأحيان كانت الزيارة الواحدة تستغرق بضعة أشهر. قُدمت العديد من التفسيرات لمرض داروين الغامض، من بينها داء شاغاس (الذي ينتقل عن طريق لدغات حشرات بينشوجا في جبال الأنديز)، واضطراب جلدي سيكوسوماتي، وأخيرًا عدم التحمل العام للاكتوز. لكن الرأي الأرجح فيما يبدو أن داروين عانى طوال أربعين عامًا من قلق أعاقه عن الحياة الاجتماعية. كتب دوجلاس هابل عام ١٩٤٣ في مجلة «ذا لانسيت» الطبية يقول:

غذَّى داروين نبوغه سرًّا وبشغف بما كان يعانيه من عصاب؛ وهكذا حمى نفسه من العلاقات المؤلمة والمضنية، وتجنَّب أي ظروف تتعارض مع عمله، وكوفئ بليالٍ من المعاناة الممزوجة بالأرق التي حفزت عقله المبدع.

لكن ينبغي علينا ذكر عامل آخر ساهم في مرضه، وهو زواجه. فمع استمرار شعوره بالاكتئاب والقلق، زاد اعتماده على زوجته التي كان يدرك تناقض معتقداتها المسيحية المتزمتة مع أفكاره. وربما يساعد هذا الانقسام بينهما في تفسير تردده في إعلان نظرياته.

فلورنس نايتينجيل

كما كان الحال مع داروين، يسود جدل كبير حول الطبيعة الدقيقة للمشاكل الصحية التي عانت منها فلورنس نايتينجيل (١٨٢٠–١٩١٠). عانت نايتينجيل قبل ذهابها إلى شبه جزيرة القرم بوقت طويل من نوبات اكتئاب ارتبطت بطفولتها الفيكتورية المتشددة بالرغم من — أو ربما بسبب — التعليم المستنير الذي أتاحه لها والدها والذي جعلها تتوقع المزيد. ساد التوتر بينها وبين أمها وأختها بسبب رفض والديها السماح لها بتلبية رغبتها في أن تصبح ممرضة؛ إذ شعرا أنها وظيفة لا تناسب «سيدة نبيلة». وقد دوَّنت في مذكراتها في العديد من المرات قائلة «لا أرغب في شيء سوى الموت». أثناء وجودها في شبه جزيرة القرم سقطت مريضة في يوم عيد ميلادها الخامس والثلاثين، وشُخِّص مرضها على أنه «حمى القرم». لازمها المرض الشديد بضعة أسابيع، واستمرت صحتها في التدهور مع عودتها إلى إنجلترا. وفي سبتمبر ١٨٥٧ أعلنت عن اعتلال صحتها، وبدأت في تحديد عدد الزوار الذين تستقبلهم ومعدل زياراتهم. وفي عام ١٨٦١ تفاقمت آلام عمودها الفقري لدرجة أعجزتها عن السير، وأصبحت تُحمَل من سريرها إلى الأريكة. ظلت نايتينجيل خلال السنوات الست اللاحقة طريحة الفراش، ونادرًا ما كانت تغادر منزلها طوال الثلاثين عامًا التالية. يزعم الرأي المقبول على نطاق واسع أن نايتينجيل أصيبت بعدوى داء البروسيلات نتيجة شرب لبن ماعز ملوث، وأن هذه الحالة قد أصبحت مزمنة؛ إلا أن هذا التفسير غير كافٍ. وأيًّا كان السبب، رفضت فلورنس رؤية أمها وأختها، وأعرضت عن الشهرة التي فرضها عليها عملها في شبه جزيرة القرم. وعانت أيضًا من الشعور بالذنب عندما أدركت أن الزيادة في عدد الوفيات في بلدة أسكودار يرجع في الأساس إلى ضآلة معرفتها بسوء النظام الصحي وتبعاته. يبدو أن هذا — بالإضافة إلى الشعور بعقدة «ذنب النجاة» وكل ما قاسته — قد ظهر في صورة اضطراب الكرب التالي للصدمة. ومن المرجح إلى حدٍّ كبير أنها عانت من متلازمة الإجهاد المزمن أيضًا. وربما يساعد اضطراب الشخصية ثنائي القطب (الاكتئاب الهوسي) أيضًا في تفسير تأرجحها بين فترات الخمول التام وفترات النشاط العقلي — إن لم يكن الجسدي — المحموم.

ونستون تشرتشل

أطلق ونستون تشرتشل (١٨٧٤–١٩٦٥) اسمًا خاصًّا على نوبات الاكتئاب المتكررة التي كانت تداهمه، وهو «الكلب الأسود». بدأت لديه تلك الحالة المرضية في فترة شبابه التي قضاها وحيدًا مع أب صارم قاسٍ، وأم بعيدة في المكان وإن كانت قريبة كثيرًا من القلب، وارتبطت حالته ارتباطًا وثيقًا بأحداث في حياته؛ مثل فقدانه لمنصبه وهيبته بعد الفشل الذريع في معركة مضيق الدردنيل عام ١٩١٥، وسنوات العزل السياسي التي قضاها في حقبة الثلاثينيات، عندما بلغ اكتئابه أقصاه. يقول تشرتشل في حوار مع طبيبه الخاص لورد موران أثناء سنوات الحرب:

وقع اختيار الاكتئاب الأسود عليَّ … لم أكن أحب الوقوف بالقرب من حافة الرصيف أثناء مرور القطار السريع … لا أحب الوقوف على حافة سفينة والنظر إلى المياه في الأسفل. قد ينتهي كل شيء في حركة لا تستغرق سوى ثانية.

ورد لورد موران عليه قائلًا:

لقد ورثتَ «الكلب الأسود» عن أسلافك. وقد قاومتَه طوال حياتك … لطالما تجنبت أي شيء يبعث على الاكتئاب.

ومثلما فعل لينكون، حقق تشرتشل نجاحًا كبيرًا في معركته ضد نوبات الاكتئاب، وتضمنت استراتيجياته للتأقلم مع المرض ممارسة أنشطة عقلية وفنية مثل الكتابة والرسم، وأخرى بدنية مثل البناء بالقرميد، بالإضافة إلى الإقبال الزائد على تناول الطعام والكحول والسجائر. ومع أن هناك خلافًا بسيطًا حول ما إذا كان تشرتشل يعاني من الاكتئاب أم لا، فهناك خلاف أكبر حول احتمال إصابته باضطراب ثنائي القطب. لفت الطبيب النفسي أنتوني ستور الأنظار إلى ملامح الهوس في شخصية تشرتشل في كتابه «كلب تشرتشل الأسود وظواهر أخرى للعقل البشري» (١٩٨٩). أما الكاتب ديفيد أوين فقضى بعدم وجود أدلة قاطعة تثبت أيًّا من الاحتمالين في كتابه «في المرض وفي السلطة: أمراض رؤساء الحكومات في المائة عام الأخيرة» (٢٠٠٨). ومع ذلك لا شك أن حالات تشرتشل المزاجية كانت غير مستقرة إلى حد بعيد. علَّق الجنرال إزماي في خطابٍ مرددًا ملاحظات أحد أصدقاء تشرتشل المقربين وهو لورد بيفربروك بقوله:

كان إما على قمة موجة أو في قاعها؛ إما ينال أحسن المديح أو أسوأ الذم؛ إما ملائكي الطباع أو شيطاني الغضب … إنه ابن الطبيعة بأمزجة متقلبة كيوم من أيام أبريل.

نقمة إيجابية

يبدو إذنْ من الأدلة السابقة أن أبراهام لينكون كان يعاني من اكتئاب متكرر، وتشارلز داروين كان مصابًا باضطراب القلق المزمن، بينما عانت فلورنس نايتينجيل من مشاكل صحية ونفسية، وعانى ونستون تشرتشل من نوبات اكتئاب متكررة، وربما من اضطراب ثنائي القطب. لكن كيف يسَّرت مشكلاتهم النفسية تحقيق إنجازاتهم، بل والإضافة إليها؟

يستنتج كامبل وجونز أن وجهات النظر الحالية عن المرض العقلي تَصِمُ المريض بالعار. على الرغم من ذلك يرى جوشوا شينك أن اكتئاب لينكون لم يؤثر سلبًا على مستقبله السياسي في عصره مثلما قد يفعل اليوم. أثار أحد السياسيين المعاصرين للينكون مسألة اكتئابه ليس للتشكيك في قدرته على تولي منصب الرئاسة، بل للإشارة إلى كيفية انتصار الرئيس على المحن. ويعلق شينك قائلًا:

بعد عمر من الاضطراب الداخلي أصبح لدى لينكون الخبرة والحكم السديد اللذان يمكِّنانه من مواجهة الصعوبات مباشرة … ومنَحَه ميله إلى الواقعية الكئيبة — نزوع مزاجي لتوقع الأسوأ والاستعداد له — ميزةً ما.

حتى مشاكله الزوجية كان لها جانب إيجابي؛ هو تعليمه كيفية التعامل مع الأشخاص صعبي المراس — فقليلون من كانوا يفوقون ماري تود لينكون في ذلك — وتوجيهه إلى التنفيس عن طاقته العاطفية في عمله السياسي الذي كان يزداد طموحًا يومًا بعد يوم.

ومع أن الانتحار مصدر إغواء دائم لدى من يعانون من الاكتئاب المتكرر، فإنه كلما امتد العمر بلينكون زاد اقتناعه بوجود مغزى لحياته وهدف، وقد قال لصديقه المقرب جوشوا سبيد ذات مرة:

لست خائفًا، وسأكون على أتم الاستعداد للموت، لكن لدي رغبة يتعذر كبحها في أن أحيا حتى أتأكد أن العالم قد أصبح أفضل قليلًا بفضل حياتي فيه.

بالقطع حقق لينكون هدفه عبر إلغاء العبودية وعبر أسلوب قيادته الحازم والعازم أثناء الحرب الأهلية الأمريكية، وهو انتصار حافظ على وحدة الولايات المتحدة. وعلى من يريد فهم معتقدات لينكون المتحمسة أن يقرأ خطابه في جيتسبيرج.

لا يخفى على أحد نتاج داروين الغزير والمُسهَب في مجالات التاريخ الطبيعي والجيولوجيا والتطور، بدءًا برواياته عن رحلة السفينة بيجل، ومرورًا بالأبحاث العديدة التي كتبها في الأربعينيات والخمسينيات من القرن التاسع عشر. لكن هناك فترات تخللت مدة مرضه التي قاربت الثلاثين عامًا كان يعجز عن العمل فيها شهورًا. والواقع أن أحد أطبائه أعدَّ له جدولًا يوميًّا بسببه نادرًا ما كان داروين يعمل أكثر من خمس ساعات في اليوم. ورغم ذلك، كان مرضه في حد ذاته إبداعيًّا؛ إذ مكَّنه من مواصلة أبحاثه وكتاباته، وهو ما انتبه إليه داروين نفسه، فكتب في مذكراته يقول:

كانت متعتي الرئيسية وشغلي الشاغل طوال حياتي العمل العلمي … حظيت بمتسع من وقت الفراغ لأني لم أكن أحتاج لكسب لقمة العيش. حتى اعتلال صحتي — ولو أنه أفنى سنوات كثيرة من عمري — أنقذني من إلهاءات المجتمع ومن العبث.

ومما يثير الاهتمام أن داروين بدأ بعد نشر كتابه «أصل الأنواع» عام ١٨٥٩ يستعيد صحته نفسيًّا وجسديًّا، وهو ما يمنح مصداقية للرأي القائل إن بعض اضطرابه على الأقل كان ناتجًا عن ضغط داخلي خلال الإعداد لنشر الكتاب، نشأ بسبب علاقته مع زوجته التي عارضت موضوع الكتاب من منطلق ديني.

ظِلُّ المصباح

بلغت شدة المرض الذي أصاب فلورنس نايتينجيل الحد الأقصى؛ لكن رغم ذلك فإنها — في السنوات التي تلت عودتها من شبه جزيرة القرم — نشرت ما يزيد عن ٢٠٠ تقرير وكتيب وكتاب لدعم قضية إصلاح قطاع الصحة. وفي واحد من خطاباتها التي تقدر بعشرة آلاف خطاب، كتبت:

عندما يكون لدي عمل لا بد أن أنهيه في وقت محدد، أعمل في بعض الأحيان لمدة عشرين ساعة من الأربع والعشرين ساعة.

يا له من إنجاز لامرأة تعاني من مرض موهِن مزمن! أسفرت حملتها عن نتائج إيجابية؛ ففي عام ١٨٦٠ تأسست «مدرسة لتعليم الممرضات» في مستشفى سان توماس، وهو ما أدى إلى إنشاء مدارس للتمريض في أماكن أخرى، والاعتراف بالتمريض على أنه مهنة جديرة بالاحترام والتقدير. أُدخِلت تغييرات في المستشفيات العسكرية والمدنية عبر تطوير التصميم والنظام الصحي والتدريب الطبي، بالإضافة إلى تطوير الرعاية المقدمة للمرضى في مستشفيات الملاجئ. وأُدخِلت التطورات أيضًا على مهنة القبالة، وظهر تمريض الزيارة الذي أدى إلى وصول الرعاية الصحية المحلية إلى الأقاليم الريفية حيث كان الطب الوقائي أحد أهم اهتماماتها. ولم تكتفِ نايتينجيل بذلك، بل كرَّست ٤٠ عامًا من حياتها لتحسين الصحة العامة في الهند. فمن وجهة نظرها كان كل هذا أهم بكثير من كل ما أنجزته في شبه جزيرة القرم وما ترتكز عليه شهرتها الجماهيرية. والحق أن عملها الأخير هذا هو ما شكَّل إرثها الحقيقي.

حظيت نايتينجيل بمساعدة عدد من الرجال، مثل سيدني هيربرت — وزير الشئون الحربية — الذي ظلت على اتصال به عبر الخطابات المتبادلة غالبًا، والذي دافع عن أفكارها على نطاق سياسي واسع. وكان هنري بونام كارتر عضو البرلمان يتحدث نيابة عنها، حتى إن البعض أطلق عليه لقب «العضو الموقَّر لفلورنس نايتينجيل».

ولولا الحرب العالمية الثانية لأُلقي تشرتشل في «مزبلة» التاريخ، ولَتذكَّره الناس بوصفه سياسيًّا ضئيل الشأن والنجاح فحسب. لكن في موقف كهذا، أصبحت الصفات التي تُعد عائقًا في الظروف العادية شيئًا ثمينًا؛ فعزيمته الصلبة، وعناده، ورفضه الاستسلام، وتشدده؛ كلها صفات ظهرت جلية في خطاباته لا سيما تلك التي ألقاها في شهرَي مايو ويونيو عام ١٩٤٠. خلال فترة الحرب أدى عدم قبوله لمن يختلفون معه في الرأي وازدراؤه لهم إلى فرض سلطانه على مستشاريه سواء السياسيون أو العسكريون، ولم يُصَب بسوء من جراء ذلك. كان تشرتشل يستمتع بالمعارك والاقتتال. كثيرًا ما يؤدي احتقار السلطة وصعوبة التعامل مع الخصومة أو العداء بمرضى الاكتئاب إلى البحث عن خصوم في العالم الخارجي، وهكذا كان هتلر الشخص الذي يستطيع تشرتشل إطلاق عدوانيته تجاهه. آمن تشرتشل كذلك إيمانًا لا يتزعزع بمنَعَته وبقَدَره:

لا يمكن أن يكون هذا صدفة؛ لا بد أنه قدر. لقد خُلقْتُ لهذا العمل.

ربما يكون هذا رؤية ثنائية القطب للخط الفاصل بين الخيال والواقع. كما يقول لورد موران:

وجد ونستون الحقيقة في عالمه الداخلي الوهمي.

عندما قال تشرتشل للسيدة فيوليت بونام كارتر: «جميعنا ديدان، لكن لدي يقين بأني دودة متوهجة»، لخَّص مفهومَي احتقار الذات وتمجيدها في جملة واحدة.

ولأن تشرتشل على ما يبدو لم يكن نزَّاعًا قط إلى الاستغراق في التأمل الذاتي، ربما تكون تجربته مع الاكتئاب مكَّنته من فهم حالة الحرمان والمعاناة التي يلاقيها الناس أثناء سنوات الحرب والتعاطف معها. لا شك أن أحاديثه الإذاعية إلى الأمة — في مجملها — كانت باعثة على الأمل والرغبة في الصمود. مع ذلك فإن أنتوني ستور مقتنع بأن جوانب الهوس في مرض تشرتشل العقلي كانت عوامل حاسمة في نجاحه:

لو كان تشرتشل رجلًا متزنًا رصينًا، لما تمكَّن قط من إلهام الأمة. ففي عام ١٩٤٠ عندما كانت جميع الاحتمالات ضد بريطانيا، كان أي قائد متعقل سيحكم على الأرجح بأننا مهزومون لا محالة.

أمثلة يُحتذى بها

لأن المعرفة بالمرض العقلي لم تكن على نفس مستوى التقدم أو الانتشار في القرن التاسع عشر كما هي اليوم، كانت سلوكيات الناس تجاهه أقل احتقارًا، كما كان الحال مع اكتئاب لينكون. ولو كان هؤلاء المشاهير الأربعة أحياءً اليوم وكانت حالتهم المرضية معروفة على نطاق واسع، لربما أعاق التعامل السلبي مع مشاكلهم العقلية نجاحهم. رغم ذلك تظل نظرية المرض الإبداعي وثيقة الصلة بالموضوع، فمع انعزال داروين ونايتينجيل عن عالمهما الاجتماعي وما يفرضه من التزامات، تمكَّن كلاهما من تكريس طاقته الإبداعية للقراءة والبحث والكتابة. ونتيجة نوبات الاكتئاب المتكررة التي كانت تصيب لينكون وتشرتشل، أصبح كلاهما مستعدًّا لمواجهة تحديات الحرب وإخفاقاتها واستغل ملامح شخصيته الفريدة لصالحه وصالح الآخرين.

لكن ربما تكون أهم نتيجة لدراسة المرض العقلي لدى أبطال التاريخ هي تقديم صور إيجابية لمن يعانون من مشاكل عقلية اليوم؛ فحقيقةُ أن كلَّ واحد من هذه الرموز التاريخية العظيمة قد عانى من مرض عقلي ورغم ذلك قدم إسهامات كبيرة للعالم، ينبغي أن تساعد في التخفيف من وطأة الوصمة التي يثيرها المرض العقلي وأن تمنح الأمل لمرضى اليوم ولعائلاتهم. وبالرغم من أن إطلاق المزاعم المبالغ فيها حيال تأثير أفراد بعينهم على مجرى التاريخ أمرٌ في غاية السهولة، فلن يكون من الخيال هنا أن نحاكي كلمات واحد من أبطال التاريخ الذين تحدثنا عنهم: «لم يحدث في المعاناة البشرية قط أن قدَّمت قلة قليلة كل هذا الأمل لكل ذلك العدد الكبير من الناس.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    ستمونى الحماداب ·١٣ يونيو ٢٠١٤، ١٤:٢١ م

    اعجبني المقال جدا

  • default avatar
    Ghania Saadsaoud ·١٣ يونيو ٢٠١٤، ١٢:٢٧ م

    Bonnes informations