يا لها من قصة حب أسطورية نشأت بين كليوباترا السابعة ملكة مصر (٦٩–٣٠ قبل الميلاد)، وماركوس أنطونيوس عضو الحكومة الثلاثية الروماني (٨٣–٣٠ قبل الميلاد)! ففي أثناء حياتهما، ذاعت سمعة العلاقة الغرامية التي تربط بينهما، وأضحت مثارًا للأقاويل والغمز واللمز، ومحلًّا للازدراء في كل أنحاء العالم القديم. غير أنها ظلت مصدرًا للإعجاب لأكثر من ألفَي سنة، ووُثِّقت في البداية كحقيقة من بين الحقائق المسردة في الأطروحات التاريخية والسِّيَر التي كتبها العلماء الإغريق والرومان، ثم كقصة خيالية في القصائد والمسرحيات والروايات وبرامج التليفزيون والأفلام. ولكن ما لا يعرفه الجميع على نطاق واسع هو أنهما أنجبا ثلاثة أطفال: التوءمَين غير المتماثلَين كليوباترا سيليني وألكسندر هيليوس، وأخوهما الأصغر بطليموس فيلادلفوس.

اختفى الابنان ألكسندر هيليوس وبطليموس فيلادلفوس من السجلات التاريخية دون تفسير منذ زمن بعيد، ربما بسبب وقوعهما فريسة للمرض خلال طفولتهما، إلا أن كليوباترا سيليني عاشت وأصبحت شخصية سياسية مهمة ومؤثرة بجهودها الذاتية، وليس بسبب انتسابها إلى والدَيها؛ فقد ادَّعت أنها من سلالة البطل الإغريقي-الروماني الأسطوري هرقل الذي كان نصف إله ونصف بشر، ومن نسل الأبطال التاريخيين: فيليب المقدوني، والإسكندر الأكبر، وبطليموس الأول سوتر (المنقذ)، وبطليموس الثاني فيلادلفوس، إضافةً إلى صلة القرابة بينها وبين أباطرة أسرة جوليو-كلاوديان، وهم: أغسطس وتيبيريوس وكاليجولا وكلوديوس ونيرون. وعلى مدار حياتها العامرة بالأحداث، بدأت كأميرة مصرية، ثم أصبحت أسيرة لدى الرومان، وفي النهاية صارت ملكة أفريقية. ومن المفارقة أن يكون السبب وراء عدم معرفة الكثير عن كليوباترا سيليني هو أنها كانت ناجحة، على عكس والدتها وغيرها من السيدات اللاتي عاصرنها وحكمنَ بلادهنَّ — مثل كارتيماندوا ملكة البريجانتيين، وبوديكا ملكة إيسيني، وزنوبيا ملكة تدمر (بالميرا) — واللاتي يتذكرهنَّ التاريخ بسبب الصراعات المحلية والحروب الأهلية وعصيان حكوماتهنَّ.

أنطونيو وكليوباترا

في عام ٤٢ قبل الميلاد، هُزم وقُتل آخر من أودى بحياة جايوس يوليوس قيصر، وهما: ماركوس جونيوس بروتس، وجايوس كاسيوس لونجينوس، في معركة فيليبي في شمال بلاد اليونان. وعلى إثر المعركة، قسَّم المنتصران أنطونيو وجايوس أوكتافيوس — حفيد أحد إخوة يوليوس قيصر ووريثه — الإمبراطورية الرومانية بينهما؛ فحصل أنطونيو على الشرق بينما حصل أوكتافيوس على الغرب. وطوال السنوات اللاحقة كانت الأولوية لدى أنطونيو هي غزو بارثيا — العدو القديم لروما — وإخضاعها؛ فقد كان يوليوس قيصر في خضم التخطيط لاتخاذ هذه الخطوة عندما اغتيل في عام ٤٤ قبل الميلاد انتقامًا لهزيمة القائد الروماني ماركوس ليسينيوس كراسوس في معركة كاري عام ٥٣ قبل الميلاد. وحتى يستطيع أنطونيو شنَّ حملة عسكرية ناجحة لم يكن في حاجة فحسب إلى قاعدة لعملياته في الشرق، بل احتاج أيضًا للتمويل والإمدادات والمعدات.

في خريف عام ٤١ قبل الميلاد، دعا أنطونيو كليوباترا للقائه في مدينة طرسوس بآسيا الصغرى. كانت كليوباترا تحكم إحدى أغنى الممالك التابعة لروما؛ وهي منطقة يغطي الفيضان السنوي للنيل أرضها على ضفتَي النهر بطبقة سميكة من الطمي الأسود؛ لذا كانت منطقة شديدة الخصوبة فيما يتعلق بالناحية الزراعية، حتى إنه كان من الممكن جني محاصيل عديدة كل عام. وفي هذه المنطقة أيضًا، اكتُشف أن الصحراء الشرقية تحتوي على موارد معدنية خرافية، وكان يُنقَّب فيها عن الذهب والأحجار الكريمة والرخام الملون. وإضافةً للمزايا الطبيعية التي يُوفِّرها طقس مصر وبيئتها وطبيعتها الجيولوجية، كانت مدينة الإسكندرية مركزًا تجاريًّا بارزًا في منطقة البحر الأبيض المتوسط، كما كانت المملكة تحتكر التجارة مع الهند والشرق الأقصى.

ورغم أن الكتَّاب الإغريق والرومان استمتعوا بادِّعاء أن أنطونيو قد استسلم لمفاتن كليوباترا ووقع في حبها من النظرة الأولى، فإن اللقاء في طرسوس لم يكن — فعليًّا — المرة الأولى للقائهما؛ فقد التقيا في مناسبات عديدة سابقة؛ أولًا في البلاط الملكي في مصر، بينما كان أنطونيو يؤدي الخدمة العسكرية في عام ٥٥ قبل الميلاد، وكانت كليوباترا لا تزال في سن المراهقة، ثم التقيا بعد عدة سنوات في منزل يوليوس قيصر في روما، بينما كانت كليوباترا تمكث هناك مع ابنهما قيصرون بين عامَي ٤٦ و٤٤ قبل الميلاد، إلا أنه من الواضح أن كليوباترا في هذه المرة قررت أن تترك انطباعًا إيجابيًّا لدى أنطونيو؛ فعلى أي حال، بعد وفاة القيصر، كانت هي وولدها بحاجة إلى وصي روماني قوي جديد.

وردت أكثر رواية شاملة وصلتنا من العصور القديمة عن هذا اللقاء في سيرةٍ لأنطونيو سطَّرها الكاتب الإغريقي بلوتارخ. ورغم أنه كان يكتب هذه السيرة بعد مرور أكثر من قرن على وفاة الشخصية التي يكتب عنها، فإن مصدره في تفاصيل حياة أنطونيو مع كليوباترا تمثَّل في صديق جدِّه الذي كان على صلة بخدَم كليوباترا؛ لذا تعتبر معلوماته — بوجه عام — موثوقًا بها. وبعد مرور ألف وخمسمائة عام، جاء شكسبير ليستلهم أحد أبرز مشاهده المسرحية من كلمات هذا المؤلف:

تلقت [كليوباترا] عدة خطابات من أنطونيو وأصدقائه تستدعيها، لكنها لم تعبأ بأيٍّ من هذه الأوامر، ثم في نهاية الأمر حضرت — كما لو كانت تسخر منهم — مُبحرةً أعلى نهر سيدنوس، في صندلٍ ذي مؤخرة مطلية بالذهب، وأشرعة منصوبة أرجوانية اللون، ومجاديف فضية تتحرك على إيقاع الموسيقى الصادرة من آلات الفلوت والناي والقيثارة، وكانت تجلس طوال الطريق تحت مظلة من قماش مغزول بالذهب، وترتدي ملابس تجعلها أشبه بفينوس على صفحة لوحة فنية، بينما يقف حولها صبيةٌ حسانٌ على كل جانب يحرِّكون المراوح، وكأن كلًّا منهم صورة مرسومة لكيوبيد. وكانت وصيفاتها يرتدين ملابس حوريات البحر وآلهة الحُسن، بعضهنَّ يُحرِّكنَ الدفة، والأخريات يعملن على الحبال. وانتشرت الروائح العطرة من المركب ووصلت إلى الشاطئ الذي كان مغطًّى بالحشود التي راح جزء منها يتبع سير السفينة على ضفتَي النهر، والجزء الآخر يركض خارجًا من المدينة ليشاهد المنظر، وكان السوق قد أُخلي من الجميع. وأخيرًا تُرك أنطونيو وحده (حياة أنطونيو ٢٥–٥/٢٦–٣).

لا شك أن كليوباترا قد نسقت بعناية كل تفاصيل مجيئها إلى طرسوس؛ فقد دخلت المدينة مستعرضةً ثراء مملكتها استعراضًا بارزًا، وكم كانت هذه الوسيلة جذابة لأنطونيو الذي لم يكن فقط بحاجة إلى المال من أجل تمويل حملته العسكرية ضد بارثيا، بل كان مُثقلًا طوال الوقت بالديون في أغلب حياته. وإضافةً إلى المال، أعطته كليوباترا شيئًا آخر كان يفتقده، وهو فرصة للمرح والانغماس في الشهوات بغير قيود؛ فقد قدَّمت له هذا بسخاء في طرسوس، حتى إنه ترك زوجته فلفيا وعاد مع كليوباترا إلى الإسكندرية، وظل فيها ما تبقى من السنة قبل أن يغادرها في الربيع التالي.

أميرة مصرية

وُلدت كليوباترا سيليني وألكسندر هيليوس في وقت لاحق من هذه السنة؛ في وقتٍ ما خلال خريف عام ٤٠ قبل الميلاد. ومع أنه لم يصلنا سجل يُشار فيه إلى التاريخ المحدد لولادتهما أو حتى أيهما أكبر، فمن المؤكد أنه رغم استمرار التشكيك في حقيقة نسب أخيهما الأكبر قيصرون في العصور القديمة، فإن حقيقة أُبوَّة أنطونيو للتوءمَين لم تكن أبدًا محلًّا للشك، بل على العكس، على مدار العقد التالي شكلت دعاية أوكتافيوس السلبية جانبًا كبيرًا من حقيقة أن أنطونيو لم ينغمس فحسب في علاقة مشينة مع امرأة أجنبية، لم تؤدِّ فقط إلى رفضه لزوجة شرعية رومانية واحدة، بل لزوجتين (إذ تُوُفِّيَتْ فلفيا في عام ٤٠ قبل الميلاد، وحلَّت محلها على الفور أوكتافيا أخت أوكتافيوس)، بل إنه قد أنجب أيضًا عددًا من الأطفال الأجانب غير الشرعيين. ولم يتمثل رد أنطونيو على هذه الاتهامات في عدم إنكارها، بل إنه زعم أنه لم تكن تصرفاته مبررة بالكامل فحسب، بل كانت أيضًا في صالح الشعب الروماني وإمبراطوريته. ورغم علمه بالحَمْل — على الأرجح — وما أعقبه من ولادة التوءمَين، فإنه لم يحاول قط العودة إلى مصر، وظل على هذه الحال حتى عام ٣٧ قبل الميلاد، عندما طلب أنطونيو من كليوباترا أن تقابله مرة أخرى — هذه المرة في أنطاكية بسوريا — فأحضرت التوءمَين معها، والتقى بهما للمرة الأولى واعترف بأبُوَّته لهما رسميًّا.

نظر رعايا كليوباترا المصريون إلى علاقتها بأنطونيو على أنها بمنزلة زواج ملكي، تمامًا مثل علاقتها السابقة بالقيصر؛ ولذلك كانت كليوباترا سيليني وألكسندر هيليوس ابنَين شرعيَّين، تمامًا كما هي حال قيصرون، ولقد كان لهما دور مثله في وراثة العرش، وكانت كليوباترا تضع هذا الأمر في ذهنها عند اختيارها لاسمَيهما بعناية بالغة. وكان لكلٍّ من ألكسندر وكليوباترا أجداد مقدونيون وسلوقيون وبطالمة؛ مما ربط التوءمَين بأعضاء بارزين سابقين في العائلات الملكية بالشرق القريب، رغم أن أوضح العلاقات المعاصرة هي علاقتهما بالإسكندر الأكبر وكليوباترا السابعة نفسها. أما أسماؤهما الثانية: هيليوس (بمعنى الشمس)، وسيليني (بمعنى القمر)، فهي لم تُشرْ فحسب على نحو غريب وشائق إلى أن التوءمَين يمثلان ثنائية مقترنة، بل عملت أيضًا على ربطهما (خاصةً ألكسندر هيليوس) بالمعتقدات والنبوءات التي كانت تُتداول في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية بشأن اقتراب «عصر ذهبي»؛ فمن الواضح أنه كان يُتوقع منهما تحقيق أشياء عظيمة.

وعلى مدار العامَين التاليَين، منح أنطونيو مساحات شاسعة من الأراضي لكليوباترا وأطفالها. وضمنت هذه العطايا استعادة مصر تدريجيًّا للمناطق التي حكمتها المملكة في أوْج ازدهارها خلال حكم بطليموس الثاني فيلادلفوس. وأيًّا كان مبرر أنطونيو في هذه العطايا التي كانت تشكل جزءًا صغيرًا من إعادة تنظيم الولايات الشرقية الموجودة تحت قيادته، ففي هذه المرحلة بدأت كليوباترا في استخدام نظام جديد للتأريخ من أجل حساب حكمها؛ الأمر الذي أوضح شعورها تجاه هذه العطايا؛ فقد نجحت في إعادة تأسيس الإمبراطورية البطلمية كما كانت خلال حكم بطليموس الأول سوتر (حكم من ٣٢٣ إلى ٢٨٣ قبل الميلاد)، وبطليموس الثاني فيلادلفوس (حكم من ٢٨٣ إلى ٢٤٦ قبل الميلاد). ومن المؤكد أن هذه الفترة هي التي شهدت حمل طفلها الرابع والأخير، الذي سُمِّي بطليموس الثاني فيلادلفوس — الحاكم الذي ظفر بكل هذه الأراضي في المقام الأول — تيمُّنًا بابن ووريث بطليموس الأول سوتر.

فشلت حملة أنطونيو البارثية فشلًا ذريعًا ومخزيًا، إلَّا أن هذا لم يمنعه من العودة إلى الإسكندرية كبطل مغوار في عام ٣٤ قبل الميلاد. بعد ذلك بفترة وجيزة، أُقيم حفل مترفٌ عُرف باسم «عطايا الإسكندرية» في ساحة الألعاب الرياضية بالمدينة؛ فتجمعت حشود ضخمة لتشهد جلوس أنطونيو وكليوباترا (التي كانت ترتدي ملابس تشبه ملابس الإلهة المصرية إيزيس) على عرشَين من الذهب فوق منصة من الفضة، مع جلوس قيصرون وكليوباترا سيليني وألكسندر هيليوس وبطليموس فيلادلفوس على عروش أصغر حجمًا وأقل زخرفًا أسفلهما مباشرة. وحينها أعلن أنطونيو أن كليوباترا هي ملكة الملوك، وأن قيصرون هو الابن الشرعي للقيصر وملك مصر، واستمر في إعطاء ممالك تابعة إلى كلٍّ من كليوباترا سيليني وألكسندر هيليوس وبطليموس فيلادلفوس. وحصلت كليوباترا سيليني على كريت وسيرينيكا، وكلتاهما ولايتان ارتبطتا ارتباطًا وثيقًا بأسرتَي أنطونيو وكليوباترا؛ فقد أُمر جدها لوالدها — ماركوس أنطونيوس كريتيكوس — بتحرير كريت من القراصنة، كما أن البطالمة قد حكموا سيرينيكا في وقتٍ ما. أما ألكسندر هيليوس الذي كان يرتدي في الحفل ملابس بارثية تقليدية، فقد حصل على مملكتَي أرمينيا وميديا (وكان أيضًا قد تقدم لخطبة أميرة مملكة ميديا: الأميرة أيوتيب)، إضافةً إلى كل الإقليم الواقع شرق نهر الفرات وصولًا إلى الهند، وهي الإمبراطورية البارثية التي لم يكن أنطونيو قد غزاها بعدُ. وفيما يتعلق ببطليموس فيلادلفوس الذي كان يرتدي ملابس مقدونية تقليدية، فقد حصل على الأراضي السورية التي استعادتها كليوباترا مؤخرًا من أجل إعادة بناء الإمبراطورية البطلمية، وعُين حاكمًا مطلقًا على الممالك التابعة في الشرق القريب الواقعة غرب نهر الفرات. وبما أنهم جميعًا كانوا لا يزالون صغارًا، لم يكن التوءمان ولا بطليموس فيلادلفوس في وضع يخوِّل لهم تَولِّيَ السيطرة على أراضيهم في هذه المرحلة، لكن كان من الواضح أن أنطونيو وكليوباترا قد عزما على أنهم يجب أن يمسكوا بمقاليد الأمور في غضون بضع سنوات.

وبما أن أوكتافيوس (وكان معروفًا أيضًا بأوكتافيان) كان غاضبًا بالفعل من «عطايا الإسكندرية»، جاء اكتشاف نسخة مزعومة من وصية أنطونيو تحتوي على تصريح برغبته في أن يُدفن في الإسكندرية بجوار كليوباترا بدلًا من روما بجوار أوكتافيا، ليصبح القشة التي قصمت ظهر البعير. فبعد عَقد من العداء، تعثرت العلاقات الدبلوماسية بين أوكتافيوس وأنطونيو في آخر الأمر، وأصبح العمل العسكري حتميًّا؛ فتواجه الحزبان قبالة سواحل اليونان في معركة أكتيوم في سبتمبر من عام ٣١ قبل الميلاد. وفاز أوكتافيوس بالمعركة رغم أن انتصاره لم يكن حاسمًا، وتحقق فحسب بسبب مساعدة صديقه وزميله ماركوس فيبسانيوس أجريبا، وعاد أنطونيو وكليوباترا عقب هزيمتهما إلى الإسكندرية. وبينما عانى أنطونيو من انهيار عصبي واتجه إلى العزلة، بدأت كليوباترا تخطط لتحركاتها التالية؛ فعلى مدار الأشهر التالية، أرسلت مجموعة من الرسل إلى أوكتافيوس لتعرض عليه أولًا خيانة أنطونيو، ثم عندما ثبت فشل هذا العرض عرضت التنازل عن العرش لصالح أبنائها.

أسيرة رومانية

عندما وصل أوكتافيوس إلى مصر في صيف عام ٣٠ قبل الميلاد، كان أنطونيو وكليوباترا مستعدَّين للمواجهة العسكرية التي كانت آخر ما تبقى في جعبتهما من تكتيكات، لكنهما أرسلا الأطفال بعيدًا تحسُّبًا لأسوأ الفروض. وما إن عرفا أن الهزيمة حتمية، حتى لجأ كلٌّ منهما إلى الانتحار — الذي يعلم بأمره الجميع — بدلًا من الاستسلام. واتجه قيصرون إلى الهند، لكنه تعرَّض في الطريق لخيانة معلمه، فاعترضت طريقه القوات الرومانية وأعدمته. واتجه كلٌّ من كليوباترا سيليني وألكسندر هيليوس وبطليموس فيلادلفوس جنوبًا نحو طيبة، إلا أن وفاة كليوباترا الأم وقيصرون جعلت من كليوباترا سيليني وألكسندر هيليوس المسئولين عن مصر اسميًّا؛ لذا أعيدا إلى الإسكندرية حتى يحكما اسميًّا حتى ضَمَّت الإمبراطوريةُ الرومانيةُ المملكةَ رسميًّا إليها بعد أسبوعين. وعندما ترك أوكتافيوس المقاطعة المُنشأة حديثًا عائدًا إلى روما أخذ معه التوءمَين وبطليموس فيلادلفوس.

كان أوكتافيوس يأمل في الأصل أن يأخذ كليوباترا معه وهي لا تزال على قيد الحياة؛ فقد كان هذا سيسمح له باستعراضها في شوارع روما خلال الاحتفال بانتصاره الثلاثي — الذي كان يخططُ له احتِفاءً بانتصاراته على إليريكم وفي معركة أكتيوم وفي مصر — تمامًا كما استعرض القيصر أختها أرسينوي في الاحتفال بانتصاره في حرب الإسكندرية عام ٤٨ قبل الميلاد. ومن الواضح أن انتحار كليوباترا جعل هذا الأمر مستحيلًا؛ لذا بدلًا من ذلك استعرض في الشوارع تمثالًا لها وهي تمسك بأفعى صغيرة، بينما سارت كليوباترا سيليني وألكسندر هيليوس وهما يرتديان ملابس على هيئة الشمس والقمر — إشارة إلى اسمَيهما — بجانب هذا التمثال. وكان اشتراكهما في الجزء المصري من احتفال أوكتافيوس بالنصر الثلاثي هو نهاية حياتهما كمصريين.

عاشت كليوباترا سيليني طوال السنوات العشر الأولى من حياتها في مصر كأميرة مصرية في البلاط المصري، ولم تكن لحقيقةِ أن والدها مواطن روماني وقنصل سابق وعضو في الحكومة الثلاثية أهمية في هذه المرحلة من حياتها، إلا أنه بوفاة والدَيها لم يعد لمصر وجود كمملكة مستقلة. كان ينبغي الإجابة عن تساؤل بشأن ما يجب فعله مع كليوباترا سيليني وإخوتها. فمع عدم وجود أي أقارب لهم على قيد الحياة، انتقلت مسئوليتهم إلى أوكتافيوس، ونقلها هو بدوره إلى أوكتافيا؛ فعاش الأطفال في منزل أوكتافيا على تل بلاتين في روما كأفراد عائلة كبيرة ممتدة تضم أخاهم غير الشقيق إيولوس أنطونيوس (ابن أنطونيو من فلفيا) وأختيهما غير الشقيقتين اللتين تحملان اسم أنتونيا (ابنتا أنطونيو من أوكتافيا). هذا إضافةً إلى أبناء أوكتافيا الأكبر سنًّا من زواج سابق لها؛ ماركوس كلوديوس مارسيلوس، وأختيه اللتين تحملان اسم مارسيلا. وكان يعيش على مقربة منهم أوكتافيوس — الذي أصبح يُعرف باسم أغسطس — وزوجته ليفيا دروسيلا، وابنة أغسطس جوليا، وأبناء ليفيا تيبيريوس كلوديوس نيرون ودسيموس كلوديوس دروسوس. وإضافةً إلى أفراد هاتين العائلتين، جمع أغسطس بالتدريج مجموعة من الأطفال الملكيين، وكان معظمهم ورثة لحكام تابعين أصدقاء، فأُرسلوا إلى روما كوسيلة «لإكسابهم الطابع الروماني» حتى يصبحوا ملوكًا تابعين أكثر تأثيرًا، لكنه قد ضم إليهم أيضًا العديد من أبناء حكام تابعين سابقين قد عُزلوا أو تُوُفُّوا أو كلا الأمرين معًا.

كان من أعضاء هذه الفئة جايوس يوليوس جوبا، ابن جوبا ملك نوميديا (الجزائر وتونس وليبيا في عصرنا الحالي) الذي انتحر في عام ٤٦ قبل الميلاد عقب هزيمته من القيصر في معركة تابسوس. وكان جوبا لا يزال رضيعًا في هذا الوقت، فأخذه القيصر إلى روما وعُرض في القسم الأفريقي خلال الاحتفال بانتصاره الرباعي؛ ومن ثَمَّ نشأ في منزل القيصر حتى اغتيال هذا الديكتاتور في عام ٤٤ قبل الميلاد، عندما انتقلت الوصاية على الطفل فيما يبدو إلى أوكتافيوس وأوكتافيا. حصل جوبا على المواطنة الرومانية، وقضى فترتَي الطفولة والمراهقة في روما وحصل خلالهما على تعليم روماني، ونال التشجيع في مساعيه الفكرية؛ مما أدى به إلى كتابة أطروحات علمية في مجموعة من الموضوعات (استخدم بليني الأكبر قدرًا كبيرًا منها كمصادر لكتابه الضخم «التاريخ الطبيعي» المتكون من ٣٧ مجلدًا). وقد شارك مع معاصريه مارسيلوس وتيبيريوس ودروسوس في الخدمة العسكرية في الفيالق الرومانية في إسبانيا قبل أن يقرر أغسطس تسليمه مملكة موريتانيا التابعة، والتي كانت حينها منشأة حديثًا، حيث إن نوميديا التي كان يملكها قد تحوَّلت في ذلك الحين إلى ولاية رومانية اسمها أفريقيا نوفا.

ملكة أفريقية

رغم أن أوكتافيا نفسها لم تكن محظوظةً في الحب، فمن الواضح أنها لعبت دور الخاطبة؛ حيث كانت السبب في ترتيب زواج كليوباترا سيليني من جوبا في عام ٢٥ قبل الميلاد. وقد خلَّد هذا الحدث شاعر مدينة ميتيليني، كريناجوراس، في قصيدة قصيرة وصلتنا كاملةً، يقول فيها:

من أجل مناطق عظمى متجاورة في العالم يقطعها نهر النيل الذي ينبع من إثيوبيا السمراء، صنعتِ ملوكًا يشتركون في حكمها برباط الزواج، فجعلتِ العرقَين المصري والليبي يختلطان في عرق واحد. فلتدعي ذرية الملوك تتولى زمام الأمور التي ورثتها من أبويها، بقوة، لحكم هاتين الرقعتين.

كان ثَمَّةَ العديد من الأمور المشتركة بين كليوباترا سيليني وجوبا؛ فقد تيتم كلاهما في سن مبكرة بانتحار والدَيهما، وصودرت أراضي أجدادهما، كما أنهما عُرضا في مواكب الانتصار قبل تشجيعهما على بدء حياة رومانية جديدة. إضافةً إلى ذلك، كان كلاهما يمثل معضلة سياسية، وربما كان تزويجهما وتنصيبهما كحكام تابعين حلًّا ممتازًا لهذه المعضلة؛ لذلك عقب الزفاف أعلنهما أغسطس كملك وملكة على موريتانيا، وأرسلهما إلى هناك ليحكماها كتابعين له.

انقلبت حياة الزوجين الشابَّين رأسًا على عقب نتيجة لأفعال والدَيهما. وبمجرد وصولهما إلى موريتانيا أصبحت لديهما حرية اتخاذ قراراتهما بنفسيهما، غير مسئولَين أمام أي أحد، ربما عدا أغسطس. وكان عليهما القيام بكثير من الأمور؛ فقد كانت مملكة موريتانيا الجديدة منطقة شاسعة، تضم ما يُعرف حاليًّا بالجزائر والمغرب، وليس موريتانيا الحالية. وكما هو متوقَّع، فإن وجود مملكة ضخمة واحدة متكونة من مملكتين صغيرتين يعني وجود عاصمتين لها: إيول (شرشال الحالية) على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وفوليبيليس (وليلي حاليًا) الموجودة بعيدًا عن البحر. وكانت موريتانيا تحتوي أيضًا على عدد قليل من المستعمرات الإغريقية والرومانية التي شُيِّدت في الأصل من أجل تسهيل التجارة مع إسبانيا بايتيكا (الأندلس).

أثبتت كليوباترا سيليني وجوبا أنهما أكثر من مُؤهَّلَين للمهمة التي أُسندتْ لهما؛ فرغم أن جوبا أصبح حينئذٍ ملك موريتانيا دون منازع، فإنه لم يكن قط ملكًا على نوميديا أو غيرها. أما كليوباترا سيليني — من ناحية أخرى — فإنها لم تُعلَن ملكة على كريت وسيرينيكا في عام ٣٤ قبل الميلاد فحسب، بل إنها حكمت مصر في عام ٣٠ قبل الميلاد، حتى وإن كان لفترة قصيرة؛ ومن ثَمَّ كان لديها من الهيبة والنفوذ ما يكفي لجعلها تحكم جنبًا إلى جنب مع زوجها كملكة مستقلة بما حققته من إنجازات، وكانت تشير في العادة إلى إرثها الإغريقي والمصري في العملات التي كانت تصدرها باسمها، وتلك التي تصدرها بالاشتراك مع جوبا. وقد كانت مملكتهما الجديدة بحاجة ماسة إلى التحديث؛ لذا أعادا تأسيس إيول لتصبح قيسارية تكريمًا لراعيهما أغسطس (وربما كانت أيضًا محاولة للتنافس مع هيرود — ملك تابع على جوديا — الذي فعل ذلك منذ سنين عديدة). ولقد ملآ مدينة قيسارية بالمباني الفخمة المستوحاة من مباني روما والإسكندرية. وضمَّت هذه المباني فنارًا على طراز فنار الإسكندرية، مشيَّدًا على جزيرة في المرفأ، وقصرًا ملكيًّا مشيدًا على شاطئ البحر، والعديد من المعابد لآلهة الرومان والمصريين. وكان بلاطهما الملكي يجذب العلماء والفنانين من جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، وأصبح بوتقة انصهار عالمية للحضارات الإغريقية والرومانية والمصرية.

حكم الزوجان موريتانيا لمدى عَقدين من الزمن تقريبًا، حتى وفاة كليوباترا مبكرًا عن عمر يناهز ٣٥ عامًا. وبناءً على قصيدة قصيرة أخرى تذكارية لكريناجوراس — شاعر مدينة ميتيليني — يبدو أن وفاتها قد تزامنت مع خسوف القمر؛ مما يجعلها تقريبًا في الثالث والعشرين من مارس عام ٥ قبل الميلاد:

اتشح القمر بالسواد عند ظهوره مع غروب الشمس، مواريًا معاناته في ظلمة الليل، فقد رأى سيليني الجميلة التي تحمل اسمه منقطعة الأنفاس في طريقها إلى العالم السفلي. كانت تشاركه جمال ضوئه، فمزج موتها بعتمته.

عاش زوجها بعد وفاتها وكذلك ابنهما بطليموس الذي حكم مع والده لبضع سنوات قبل أن يصبح حاكمًا منفردًا عقب وفاة جوبا عام ٢٣ ميلاديًّا. واستمر بطليموس في الحكم حتى عام ٤٠ ميلاديًّا، عندما أُعدم بأوامر من الإمبراطور كاليجولا، حفيد أخي والدته. وتُوُفِّيَ بطليموس دون أن ينجب أطفالًا، وعند اغتيال كاليجولا في العام التالي، قرر خليفته كلوديوس استغلال الموقف وفرض سيطرته على المملكة. وبعد مرور ٦٥ عامًا فقط انقسمت مرةً أخرى الأقاليم التي توحَّدت مؤخرًا؛ فتحولت إلى الولايتين الرومانيتين: موريتانيا القيصرية وموريتانيا الطنجية؛ فنسي الناس كليوباترا سيليني وجوبا وبطليموس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Ezzat Abdelmaguid ·١٣ فبراير ٢٠١٤، ١٤:٥٦ م

    صفحة وضّاءة مستنيرة

  • default avatar
    Rania Mohey ·١٢ فبراير ٢٠١٤، ١٣:٥٩ م

    Nice article