قارس البرودة.
قارس البرودة.

ما إن تدخل إلى معمل مارتن سفيرلاين، حتى تشعر وكأنك قد تركت العالم الذي تعرفه وراءك، ولا أعني بذلك ترك عالمنا حرفيًّا، لكنك ستجد بداخل جدران هذا المعمل الكثير مما لن تجده خارج أبوابه. فقد تجد فريق المعمل يلهو ببلازما الكوارك-الجلوون، وهي مادة ساخنة حارقة لم تُوجد طبيعيًّا سوى في اللحظة الأولى لنشأة الكون. وإذا مررت عليهم في الأسبوع التالي، ستجدهم يعبثون على سطح نجم نيوتروني، بل وفي بعض الأحيان قد تجدهم يصنعون مَوَادَّ لم تُصنَع قط من قبل في أي مكان بالكون.

لكن معمل سفيرلاين يحوي ما هو أكثر من فيزيائيين يلعبون؛ إذ يوجد عامل مشترك يجمع بين المواد التي يدرسها الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ويجمع كذلك بينها وبين العديد من المواد التي نستخدمها في حياتنا اليومية: ألا وهو أنها مواد معقدة تعقيدًا بالغًا ومبهمًا يصل إلى حد الاستحالة. فعندما تضرب أصابعك شاشة اللمس بهاتفك المحمول وبينما تنتقل إليها شحنة كهربائية من إصبعك تبث فيها الحياة، تنكسر مجموعة عشوائية من الروابط الكيميائية ويعاد تكوينها. فكيف يحدث ذلك بالتفصيل؟ أو كيف — بالضبط — ينجح ذلك المغناطيس في الإبقاء على قائمة المشتريات ملتصقة بالثلاجة؟ أو ما الذي يجعل بعض المواد تفقد كل مقاومة كهربائية في درجة حرارة أقل من حد معين وتتحول إلى موصلات فائقة؟ وإذا نجحنا في تحقيق هذا الأمر في درجة حرارة تقارب درجة حرارة الغرفة سوف تحدث ثورة في عالمنا: ستصبح لدينا طريقة لتخزين الطاقة للأبد وبالمجان.

ليتنا نقدر على هذا. ولكن محاولة وضع نموذج للعدد اللانهائي من النتائج والتأثيرات المتضمنة في جميع تلك المواقف سرعان ما يتركنا متخبطين، يقول سفيرلاين: «نحن نعرف المكونات، ومن السهل للغاية تدوينها، لكن إذا حاولت إدخال هذه البيانات إلى جهاز الكمبيوتر فسوف ينفجر.»

ولهذا السبب يعمل فريقه وبضعة فرق أخرى في أماكن متناثرة حول العالم على وضع خطة بديلة، إذ يأملون في الوصول مباشرة إلى قلب المادة عبر إطلاق العنان للقوة الكاملة لأجهزة المحاكاة الكمية.

طُرحت فكرة المحاكاة الكمية للمرة الأولى في محاضرة ألقاها الفيزيائي الأمريكي المبجل ريتشارد فاينمان عام ١٩٨١، والتي أشار فيها إلى أن أجهزة الكمبيوتر التقليدية الكلاسيكية ما هي إلا نافذة ذات رؤية محدودة على العالم، إذ تتطلب منطقًا صلبًا وتعليمات محددة مثل: إذا كانت س تساوي … إذن ص تساوي … أو أضف هذين الرقمين أو اطرح أو اطبع، وغيرها من الأوامر. أما الفيزياء الكمية من ناحية أخرى، فتمتلئ بالاحتمالات والترجيحات، فليس للجسيمات موقع أو دوران محدد، بل ويمكن إخافتها والتأثير عليها عبر مجموعة من الجسيمات الشبحية الأخرى المحيطة بها.

كيف يمكننا إذن وضع نموذج لهذه النتائج التي لا تحصى دون أن ينهار كل شيء؟ يجيب فاينمان عن هذا السؤال بأسلوبه المتحمس المعتاد قائلًا: «الطبيعة ليست تقليدية للأسف، فإذا أردت أن تحاكيها فمن الأفضل أن تجعل محاكاتك وفقًا لمبادئ ميكانيكا الكم.» ورغم ذلك، لم نتقدم بعد مرور ثلاثة عقود كثيرًا في جهودنا لتصميم جهاز كمبيوتر شامل يعمل وفقًا لمبادئ فيزياء الكم.

وقد اتضح أنه لمحاكاة بعض المشكلات الكمية فإنك تحتاج إلى شيء آخر لا يشبه جهاز الكمبيوتر التقليدي بأي شكل من الأشكال، في الواقع قد لا تحتاج إلى إجراء الكثير من الحسابات، وهذا نظرًا لأن القواعد والتأثيرات المعقدة لفيزياء الكم تنطبق بالطريقة نفسها على كافة الجزيئات؛ على الذرات والإلكترونات وأي شيء آخر. ومن ثم، لكشف أسرار نظام كمي غير مرن، فكل ما تحتاج إليه هو تصميم محاكاة فيزيائية أكثر مرونة.

صناديق البيض الذرية

يوجد العديد من المواد المرشحة لهذه التجارب مثل الفوتونات الضوئية أو الأيونات المحتبسة، لكن ربما يُمثل الغاز الذري الشديد البرودة أكثر محاكي كمي فعال. تحتجز خطوط أشعة الليزر المتشابكة حوالي مليون ذرة داخل محيط من التجاويف المتجاورة التي تشبه إلى حد ما صندوق بيض كمي. ويتسبب تأثير أشعة الليزر في تبريد الاهتزاز الحراري الطبيعي للذرات بحيث تصبح درجة حرارتها فوق الصفر المطلق ببضعة أجزاء من المليار، وهي درجة البرودة المناسبة التي تتيح وصف سلوكها في يسر باستخدام قوانين ميكانيكا الكم (انظر الشكل).

التبريد باستخدام الضوء: يمكن استخدام أشعة الليزر لتبريد الذرات إلى درجة حرارة فوق الصفر المطلق بكسر بسيط.
التبريد باستخدام الضوء: يمكن استخدام أشعة الليزر لتبريد الذرات إلى درجة حرارة فوق الصفر المطلق بكسر بسيط.

إنها تقنية صعبة بدأنا بالكاد نتقنها، يقول إيان سبيلمان من المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في مدينة جيذرزبورج بولاية ميريلاند: «يتزايد عدد الباحثين ممن لديهم القدرة على تحديد أماكن الذرات المفردة وقياسها والتحكم فيها بصورة هائلة.» فمتى تمكنتَ من تسكين الذرات، يمكنك استخدام المزيد من النبضات الضوئية لتغيير بيئتها وسلوكها، على سبيل المثال يمكنك دفع بعضًا منها للاستقرار في وضع تراكبي بين حالتين كميتين متجاورتين، ويضيف سفيرلاين: «يمكنك التلاعب بها بكافة الطرق.» يمكِّنك هذا التلاعب الرقيق بالذرات باستخدام أشعة الليزر من استحضار ظواهر تتجاوز نطاق إدراك أجهزة الكمبيوتر التقليدية، كتلك التي تحدث في بعض البيئات الفيزيائية الفلكية الجامحة. يقول الأستاذ كاي بونس الذي يدير معمل المحاكاة الكمية في جامعة برمنجهام بالمملكة المتحدة: «إذا استخدمت التركيبة الصحيحة من أشعة الليزر يمكنك خلق سيناريوهات تشبه تلك التي تحدث مع النجوم النيوترونية.» تحوي النجوم النيوترونية ما يزيد عن كتلة الشمس في كرة يتراوح عرضها من ١٠ إلى ١٥ كيلومترًا فحسب، وتتكون هذه النجوم عندما تنهار أنوية بعض النجوم على نفسها أثناء انفجارها النهائي عند تحولها إلى مستعر أعظم، إذ تتسبب الجاذبية بالغة القوة والحقول المغناطيسية لدى بقايا النجم في حدوث تفاعلات شديدة التعقيد، تبلغ في تعقيدها درجة يعجز معها أي جهاز كمبيوتر تقليدي عن وضع نموذج لها بالتفصيل.

في شهر فبراير الماضي، تمكنت مجموعة سفيرلاين من إعادة تكوين نجم نيوتروني في غاز من ذرات نظير الليثيوم ٦ الشديدة البرودة، تنتمي تلك الذرات — على غرار النيوترونات — إلى فئة من الجسيمات معروفة باسم الفرميونات، وذلك بفضل قيمة دورانها الميكانيكي الكمي. تمنع قوانين الكم اقتراب الفرميونات من بعضها البعض أكثر مما ينبغي، وقد وضحت المحاكاة الذرية كيف تمنع هذه الظاهرة الذرات من التكثف إلى ما يزيد عن حد معين، وهكذا أعادت إنتاج عملية توقف انهيار النجم النيوتروني عند كثافة معينة (ساينس، المجلد ٣٣٥، صفحة ٥٦٣).

عبر إجراء تجارب معملية مماثلة يمكننا اكتشاف المزيد عن بلازما الكوارك-الجلوون، وهي حالة المادة الشديدة النشاط التي تواجدت بعد الانفجار العظيم بفترة قصيرة، والتي أنتجت الجسيمات الموجودة بعالمنا اليوم. نجحت التجارب في المعجلات الهائلة بمعمل بروكهافن الوطني بولاية نيويورك — ومؤخرًا في مُصادم الهدرونات الكبير التابع للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) بالقرب من جنيف في سويسرا — في إعادة تكوين المادة الحقيقية عبر ضرب أيونات ذرات ثقيلة مثل الرصاص ببعضها البعض بقوة أدت إلى تفتتها.

يهدف سفيرلاين ومُصادم «فيرمي الصغير» الخاص بفريقه إلى إنشاء الحالة الفيزيائية نفسها بالضبط، لكن باستخدام جسيمات يمكن التحكم فيها بصورة أكبر لكن بجزء ضئيل من التكلفة ودرجة الحرارة، وكانت نتائجهم الأولى التي نشرت في عام ٢٠١١ مشجعة؛ إذ جمعت القوى المغناطيسية سحابتين، تحوي كل واحدة حوالي ١٠٠ ألف ذرة ليثيوم. في البداية تنافرت السحابتان، ثم وثبتا بعيدًا عن بعضهما البعض عدة مرات، ثم اندمجتا في النهاية، وذلك بمعدل في غاية البطء يماثل بالضبط المعدل الذي تنبأت به النماذج النظرية لبلازما الكوارك-الجلوون (نيتشر، المجلد ٤٧٢، صفحة ٢٠١).

مطاردة جسيمات هيجز

ماذا عن أعظم الجسيمات على الإطلاق؛ جسيم بوزون هيجز؟ في تجارب أجريت العام الماضي، لاحظ إيمانويل بلوخ وفريقه في معهد ماكس بلانك للبصريات الكمية في مدينة جارشنج بألمانيا موجة من الطاقة في سحابة من ذرات نظير الروبيديوم ٨٧ الشديدة البرودة، والتي كانت تحاكي بالضبط حساب جسيم بوزون هيجز (نيتشر، المجلد ٤٨٧، صفحة ٤٥٤). فإذا بدت لك هذه النتيجة ضعيفة بعض الشيء، فتذكر أن أحدًا في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية لم ير في الحقيقة جسيمًا من جسيمات بوزون هيجز قط، إنما رأوا فقط الطاقة المميزة لجسيمات يُعتقد أنها مستمدة منه. في واقع الأمر، اكتشف فريق بلوخ نظيرًا شديد البرودة لذلك الجسيم المراوغ قبل شهور من اكتشاف الجسيم نفسه على الأرجح في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية في شهر يوليو من العام الماضي.

تشير تلك النجاحات الأولية إلى أن المحاكاة الكمية تمدنا بالفعل — كما تمنى فاينمان — بطريقة عملية لاستكشاف سلوك أي نظام كمي مهما كان معقدًا. يقول سبيلمان: «بدأت تقنية المحاكاة الكمية في إحراز درجة كبيرة من التقدم»، مما يعني أنه ربما يصبح في مقدورها التعامل مع بعض المشكلات الكمية الأقل غموضًا بمراحل.

من بين تلك المشكلات مشكلة المغناطيسية. تنشأ المغناطيسية عندما تصطف دورانات الذرات بطرق معينة داخل بلورات المعادن مثل الحديد، لكن تفاصيل هذه العملية معقدة، وهو ما أعاق البحث عن مواد مغناطيسية جديدة. إلا أن كريستوفر مونرو وفريقه بجامعة ميريلاند في بالتيمور يعملون على محاكاة مرحلة الانتقال إلى الحالة المغناطيسية باستخدام الأيونات المحتبسة. لم تشتمل تجاربهم الأولى سوى على حفنة من الأيونات، ولم تتجاوز ما يمكن حسابه باستخدام جهاز كمبيوتر تقليدي، لكن في حالة استخدام المزيد من الأيونات من الممكن تحقيق المزيد (نيتشر كميونيكايشن، المجلد ٢، صفحة ٣٧٧).

إذا حالفنا الحظ يمكننا تطبيق هذه الدروس على أنظمة كمية عملية أخرى، مثل نمط تكوين الروابط الكيميائية على شاشة اللمس الخاصة بهاتفك. إذ يمثل الاهتمام بالمغناطيسية مجرد مدخل لشيء أكبر كذلك، ويرجع هذا إلى الأدلة التي تحتوي عليها مجموعة من المعادلات المعروفة باسم نموذج هوبارد، وهو ما يصف كيفية انتقال المواد ما بين كونها عازلة أو موصلة للكهرباء، ويقترح مفتاحًا للغز الموصلية الفائقة مرتفعة الحرارة. يقول بونس: «يتنبأ النموذج بمرحلة مغناطيسية من المفترض أن تبدأ قبل بدء الموصلية الفائقة.»

الموصلات الفائقة هي المواد التي تفقد كل مقاومة للتيار الكهربائي عندما يتم تبريدها تحت درجة حرارة معينة. والمواد التي تمر بهذا التحول بالقرب من الصفر المطلق معروفة لدينا منذ قرن من الزمان، بل وكانت مفهومة جيدًا منذ نصف قرن. إلا أن المواد التي تمر بالتحول نفسه في درجة حرارة أعلى لا تزال تمثل لغزًا. وحتى هذه اللحظة، يمثل الرقم القياسي ١٣٨ درجة كلفينية، وهي درجة أقل قليلًا من منتصف الطريق بين الصفر المطلق ودرجة حرارة الغرفة.

الفكرة المطروحة هنا هي أنه من خلال تهيئة شبكة ذرات بحيث تتصرف وفقًا لمعادلات نموذج هوبارد، يمكننا حينئذ التلاعب بمفاتيح التحكم في المحاكاة، وذلك عبر تغيير الحقل المغناطيسي، ومدى كثافة حشد الذرات، ونسبة الذرات ذات الدورانات المختلفة، إلى آخره، ثم نبحث عن السلوكيات التي تشبه بداية المغناطيسية والموصلية الفائقة. نَفِّذْ هذه التجربة، وكل ما ستحتاجه نظريًّا مجرد التلاعب بالمقاييس نفسها لتوضيح كيف يمكن إنتاج التأثيرات نفسها في درجات حرارة أعلى.

أما عمليًّا فالأمر ليس بهذه البساطة. في البداية يقول إجناسيو شيراك — زميل بلوخ — إن درجة حرارة أجهزة المحاكاة الشديدة البرودة الموجودة لدينا لا تزال مرتفعة أكثر مما ينبغي، ويبدو ذلك صعبًا بالنسبة لبيئة — في درجة حرارة بضعة أجزاء من المليار فوق الصفر المطلق — هي أكثر البيئات التي نعرفها برودة. لكن الأمر رغم ذلك لا يتعلق بدرجة الحرارة الفيزيائية المطلقة، بل يتعلق ﺑ «درجة حرارة فيرمي»، وهي تقريبًا درجة الحرارة التي تصل عندها نصف الإلكترونات الحرة لدى المادة الموصلة إلى درجة من الحرية تسمح لها بالتجول ونقل الطاقة. لكل مادة موصلة فائقة درجة حرارة محددة يبدأ عندها حدوث هذه الظاهرة، وهي عادةً أعلى بكثير من درجة الحرارة التي تتوقف بعدها المادة عن التوصيل الفائق.

تتطلب المحاكاة المثالية أن تكون نسبة درجة حرارة فيرمي إلى درجة الحرارة العاملة للغاز الشديد البرودة تقريبًا؛ نفس نسبة درجة حرارة فيرمي الخاصة بالمادة إلى درجة حرارة التوصيل الفائق لديها. للحصول على هذه النسبة بطريقة صحيحة، يجب أن تنخفض درجة الحرارة العاملة للغاز بحوالي خمس درجات إضافية. وهي مهمة شاقة؛ إذ سيترتب على خفض درجة الحرارة زيادة تفاعل الذرات بالضرورة. وعلى غرار النيوترونات على النجم النيوتروني، الإلكترونات هي الفرميونات؛ لذا فإنها لا تحب الاقتراب بعضها من بعض، وهو ما ينطبق أيضًا على الغاز الفرميوني المصمم لمحاكاتها.

يعني هذا أننا في حاجة إلى سلك طرق أخرى، يقول سفيرلاين: «لقد أصبح الباحثون في هذا المجال مبدعين حقًّا»، إذ يختبر فريقه حاليًّا فكرة كان يحلم بها فريق بيتر زولر في جامعة إنسبروك بالنمسا، ألا وهي: مزج الفرميونات مع بوزونات أكثر تقبلًا للاندماج في جهاز المحاكاة. وهكذا تبقى الفرميونات محتجزة داخل حدود شبكة صندوق البيض، بينما تتجول البوزونات وتتفاعل وتفقد طاقة عبر التصادمات، مما يقلل درجة الحرارة الكلية (فيزيكال ريفيو إيه، المجلد ٨٤، صفحة ٠١١٦٠١).

كذلك يتميز غاز ذرات نظير الليثيوم ٦ الفرميونية الذي يعمل عليه سفيرلاين ببعض الخصائص الواعدة، إذ تبلغ درجة الحرارة التي تبدأ عندها الذرات في محاكاة الموصلية الفائقة ١٦٪ من درجة حرارة فيرمي الخاصة بهذا الغاز، وليس مجرد كسر ضئيل، مما يعني أنه من المتوقع أن يبدأ أي موصل فائق بسمات مماثلة في التوصيل الفائق في درجة حرارة أعلى بكثير من درجة حرارة الغرفة. ويمثل ذلك حدثًا مهمًّا في رحلة بحثنا عن موصلات فائقة تعمل في درجة حرارة الغرفة، كما يذهب المنظر فيلهلم تسفيرجير الذي يعمل لدى جامعة ميونخ التقنية في ألمانيا.

مع ذلك، يكمن الجمال الحقيقي لمنهج المحاكاة أثناء البحث عن مواد جديدة أفضل مثل الموصلات الفائقة؛ في مرونته. كان على الباحثين التقليديين تصميم مادة من المحتمل أن تكون واعدة، وإعدادها في المعمل وقياس خصائصها، ثم يُكتشف في النهاية أنها عديمة القيمة. لكن عند الاتجاه إلى محاكاة موصل فائق باستخدام غاز من الذرات الشديدة البرودة يمكنك تفحص مئات التكوينات الذرية التي تختلف قليلًا عن بعضها البعض في درجات حرارة مختلقة على أجهزة المحاكاة، وكل هذا في يومين فحسب، ويعلق سبيلمان قائلًا: «إنه اختلاف عميق.»

يعني هذا كذلك أنه أخيرًا أصبح لدى الباحثين النظريين فرصة اختبار نماذجهم على أرض الواقع، فيقول سفيرلاين: «لا يمكن اختلاق رقم عشوائي؛ فلأول مرة أصبح ضروريًّا اختبار الرقم بالتجربة»، ويعلق بونس بالقدر نفسه من الحماسة: «تتيح لنا الذرات الباردة فرصة الوصول إلى شيء من الصعب الوصول إليه في الطبيعة.»

إلا أن الأمر نفسه يدفع شيراك إلى إطلاق تحذير، فعندما يتعلق الأمر بظاهرة لم يلاحظها أحد من قبل قط — مثل الموصلية الفائقة في درجة حرارة الغرفة — فلن نتيقن بنسبة ١٠٠ ٪ من أن جهاز المحاكاة الكمي لا يدفعنا في بحث عقيم حتى نتمكن فعليًّا من إعداد المادة المكافئة، فيقول: «إذا كنت تعرف النتيجة، فإنك لن تحتاج إلى جهاز المحاكاة.»

ورغم ذلك، أصبح لدينا طريق جديد يحفل بالاحتمالات التي تنتظر استكشافها. اختتم فاينمان محاضرته عن المحاكاة الكمية قائلًا: «يا لها من مشكلة رائعة، تنبع روعتها من كونها لا تبدو سهلة الحل!» وبعد ثلاثة عقود على هذه الكلمات، فإننا ندرك تمامًا ما نتعامل معه. وباستخدام مصطلحات فاينمان، يمكننا القول إنه رغم أن الأمر لا يبدو سهلًا، فإنه بدأ يبدو قابلًا للتنفيذ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.