قد يكون تفضيلك لأي من هذين الرجلين على الآخر مغايرًا لما يبدو لك.
قد يكون تفضيلك لأي من هذين الرجلين على الآخر مغايرًا لما يبدو لك.

جيفري فليك رجل يسهل حصره في نمط معين: فهو نائب جمهوري في الكونجرس من ولاية أريزونا، ومبشر مورموني سابق، ومحافظ صميم. لكن حتى لشخصٍ مثله ذي باعٍ طويلٍ في السياسة، كان مشروع القانون الذي اقترحه في شهر مايو خطوة جريئة. فقد طالب فليك بخفض قدره مليار دولار من ميزانية المؤسسة الوطنية للعلوم، وهو ما جعله على الفور شخصًا مكروهًا بين العلماء والليبراليين، وصورةً مجسدةً ﻟ «حرب الجمهوريين على العلم».

من حسن الحظ أن التعديل الذي اقترحه فليك كان مصيره الفشل. لكنه عاد في اليوم التالي بتعديلٍ آخر، وفي هذه المرة اقترح منع المؤسسة الوطنية للعلوم من تمويل أبحاث العلوم السياسية. فهذا، وفقًا للتعديل المقترح، كان من شأنه أن يضمن أن أموال دافعي الضرائب لن تُهدَر على «برنامج عديم القيمة». وفي هذه المرة، مُرِّرَ التعديل بموافقة ٢١٨ صوتًا مقابل ٢٠٨، وكانت كل الأصوات المؤيدة، عدا خمسة فقط، لنواب جمهوريين.

في عصر الميزانيات المحدودة الذي نعيش فيه، تعكس كل قرارات الإنفاق أولويات سياسية وأخلاقية واقعية. لكن النبرة الحاقدة للتعديل الذي اقترحه فليك ترجح تدخل عامل آخر في الأمر. فما سبب معارضة الجمهوريين للعلوم السياسية؛ ذلك الفرع من العلوم الذي يحمل فليك نفسه شهادة جامعية فيه؟

اتضح أن المحافظين لم يكونوا ضد المجال بأكمله، ولكنهم ضد فرع صغير مثير للجدل منه هو: أبحاث الجذور البيولوجية للأيديولوجيات السياسية. قد يحلو لنا أن نرى في هذا الأمر مجرد فصل جديد في مسلسل انفصال اليمين الأمريكي التام عن الواقع العلمي، كما حدث في النقاشات التي دارت حول التطور وتغير المناخ. لكن ثمة وجودًا لعامل آخر؛ فهذه المرة، الأمر شخصي.

ظهرت أبحاث الجذور البيولوجية لأول مرة في خمسينيات القرن العشرين، في الوقت الذي كان العالم يحارب فيه الشيوعية والفاشية. أهم ما يُذكر عن هذه الأبحاث هو أنها عرفت «الشخصية المتسلطة»، وذلك في محاولة لتفسير القبول بالأنظمة الشمولية. بيد أن فكرة تبني شريحة كبيرة من السكان لأي أيديولوجية كان مثار جدل واسع النطاق، ومع الوقت فقد المجال بريقه.

في عام ٢٠٠٣، تجددت الأبحاث الحديثة في هذا المجال من خلال ورقة بحث قوية التأثير بعنوان «التوجه السياسي المحافظ كإدراك اجتماعي مُحفَّز». وقد انتهت هذه الورقة البحثية، التي لخصت نتائج عشرات من المشاريع البحثية، إلى أن بعض الجوانب المحددة للأيديولوجية المحافِظة — مقاومة التغيير وتبرير عدم المساواة — تحفزها احتياجات سيكولوجية متأصلة (سيكولوجيكال بوليتين، المجلد ١٢٩، ص٣٣٩).

رسمت النتائج التراكمية صورة سيئة جدًّا عن المحافظين بوصفهم أشخاصًا متشددين ومخيفين وغير متسامحين، مع أن أصحاب هذا البحث كانوا حريصين على الإشارة إلى أن هذه المحفزات «لا تعني أن التوجه المحافظ أمر مَرَضي أو أن أفكار المحافظين خاطئة بالضرورة».

ومما لا يثير الدهشة أن سياسيي وكبار مفكري اليمين الأمريكي لم يعجبوا بهذا البحث؛ إذ رد جورج ويل، وهو كاتب عمود منتمٍ إلى المحافظين، على هذا البحث ردًّا لاذعًا قائلًا: «ليس بالضرورة؟ كم هذا مريح، ومع ذلك، ليس هناك مجال أكاديمي مماثل مخصص لدراسة الأسس النفسية لليبرالية.» وذهب ويل إلى القول إن النتائج في حد ذاتها مُحفَّزة نفسيًّا، وأن كل ما في الأمر أن بعض الأكاديميين الليبراليين يحاولون إضفاء الشرعية على تحيزاتهم ضد خصومهم السياسيين.

مع هذا الهجوم — أو ربما بفضله — لاقى البحث جمهورًا متحمسًا في الأوساط الأكاديمية. في ذلك الوقت، كان علماء النفس يولون اهتمامًا زائدًا للجوانب اللاواعية للتفكير والسلوك البشري. وكانت تلك المرة الأولى التي لا يُنظَر فيها إلى الأيديولوجيات السياسية والآراء بشأن العالم على أنها قرارات مدروسة، وإنما بوصفها نواتج لطباع الأفراد واحتياجاتهم الداخلية.

فتح هذا البحث — الذي أُجري عام ٢٠٠٣ — الباب على مصراعيه أمام أبحاث مشابهة. فقد شهد العقد الماضي فيضًا من النتائج، تساير في معظمها الصورة التي رسمها ذلك البحث، حول الجذور البيولوجية والسيكولوجية للأيديولوجية السياسية، التي أُمطِرَت على الأغلب بسيل من السخرية من سياسيي اليمين. جيسي جراهام — المشارك في كتابة هذا المقال — منغمس بشدة في هذا المجال. فما النتائج؟ وهل المعترضون على هذه الأبحاث محقون في اعتراضهم هذا؟

في خمسينيات القرن العشرين، كانت الشخصية أحد أول المناحي التي تُجرى عليها الأبحاث. وكان قليلون هم من يعتقدون أن بإمكان المرء تخمين الأيديولوجية السياسية لشخص ما بناءً على المكان الذي يعيش فيه. لكن حينما تطفل علماء النفس على المكاتب وحجرات المهاجع، وجدوا أنهم يستطيعون القيام بذلك. فحجرات المحافظين تحتوي دومًا على الأشياء التي ترتبط بالنظام بدرجة أكبر— طوابع وروزنامات ومنتجات التنظيف — في حين تتسم حجرات الليبراليين بأنها أكثر فوضى وتحوي بدرجة أكبر أشياء تدل على الانفتاح؛ مثل كتب السفر وأدوات الرسم ومجموعات موسيقية متنوعة.

السياسة والشخصية

انتهى الباحثون إلى أن هذه الاختلافات الظاهرية إنما تدل على سمات داخلية؛ خاصة الانفتاح والتفاني، وهما اثنان من «الأبعاد الخمسة الرئيسية» للشخصية التي من المعروف أن لها أساسًا وراثيًّا قويًّا. وتلخيصًا لهذه النتائج وغيرها كتبوا: «بشكل عام، يتميز الليبراليون بأنهم أكثر انفتاحًا، وابتكارًا، وحبًّا للاطلاع، وسعيًا وراء الابتكار، ويتسم المحافظون بأنهم أكثر انضباطًا، وتقليديةً، ونظامًا.» (بوليتيكال سيكولوجي، المجلد ٢٩، صفحة ٨٠٧).

يختلف ذوو الأيديولوجيات المختلفة أيضًا في تفضيلاتهم الاجتماعية. وكقاعدة، يميل المحافظون — بدرجة أكبر من الليبراليين — إلى تفضيل الأشخاص البيض وذوي التوجه الجنسي السوي والجماعات عالية المكانة. أما الليبراليون فيشعرون — بدرجة أكبر من المحافظين — بالراحة حيال الأشخاص المنتمين إلى أقليات عرقية وجنسية. وهذا ما أكدته التقارير الذاتية، والاختبارات النفسية — تحديدًا — التي تحدد التوجهات اللاواعية؛ أي التفضيلات التي تعمل خارج نطاق الوعي أو السيطرة. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن الليبراليين يفضلون الجماعات عالية المكانة عن المجموعات متدنية المكانة على نحو غير واعٍ، ولكن بدرجة أقل من المحافظين.

ووُجدَت اختلافات أيديولوجية راسخة على مستوى الأحكام الأخلاقية؛ إذ يرى الليبراليون انتهاكًا أخلاقيًّا أكبر في المعاناة وعدم المساواة، ويرى المحافظون انتهاكًا أخلاقيًّا أكبر في الخيانة بين أفراد الجماعة الداخلية، وعدم احترام السلطة والتقاليد، والإشارات الجنسية، و«الدنس» الروحي. ومرة أخرى، يبدو أن لهذه الاختلافات جذورًا بيولوجية: إذ رُبطت بالاختلافات التشريحية في حجم بُنى المخ المختلفة (جورنال أوف كوجنيتيف نيوروساينس، المجلد ٢٤، صفحة ١٦٥٧).

وُجِدَت اختلافات أيضًا بين الأيديولوجيتين على مستوى الإدراك الحسي والمعرفي. فقد أظهرت الكثير من الدراسات التي تضمنها تحليل عام ٢٠٠٣ أن المحافظين يحتاجون إلى «الإغلاق المعرفي» بدرجة أكبر، ويقصد به الرغبة في تحويل الشك إلى يقين والغموض إلى وضوح، في حين أن الليبراليين يحتاجون إلى الإدراك المعرفي نفسه، إذ يستمتعون بالتفكير المتأني والتحديات العقلية. وقد دعمت هذه النتيجة سلسلة من الدراسات التي نُشِرت هذا العام، والتي أظهرت أن إعاقة الليبراليين عن التفكير المتأني في موضوع ما — وذلك من خلال تكليفهم بمهام مشتتة للتركيز في أثناء الإجابة على استقصاء ما، على سبيل المثال — تجعل توجهاتهم أكثر محافظة.

يميل المحافظون أيضًا إلى رؤية العالم كمكان خطير. ومرة أخرى، ربما يقدم علم الأحياء تفسيرًا لذلك. فحين تُعرَض وجوه ترتسم عليها تعبيرات غامضة على شاشة، يميل المحافظون بدرجة أكبر من الليبراليين إلى رؤيتها كوجوه غاضبة أو تهديدية، وليست حزينة أو خالية من الانفعالات. وحين يصادفون صورًا تهديدية أو ضوضاء مفاجئة، تكون ردود أفعال المحافظين أقوى، إذ يُبدون مستويات أعلى من استجابة «طرفة العين الجافلة» واستجابة الجلد التوصيلية.

ركزت إحدى الدراسات على الآثار الانعكاسية لمشاهدة صورٍ لجراء أو قمامة. مع جميع المشاركين من كل القناعات السياسية، كان الانطباع السيئ أقوى من الجيد؛ بمعنى أن التأثير الشعوري للصور السلبية كان أقوى من تأثير الصور الإيجابية، لكن ذلك الانطباع كان أقوى لدى المحافظين. وبالمثل، يتسم المحافظون بأنهم أكثر حساسية من الليبراليين حيال إشارات الاشمئزاز، وقد ثَبتَ أن هذا التأثر يتنبأ بتوجهات لا شعورية إزاء الرجال المثليين.

يستمر الأمر على هذا المنوال. فقد رُصدت مثل هذه الفروق أيضًا في درجات ضبط النفس. ففي إحدى الدراسات، أدى المشاركون مهمة تتطلب منهم الضغط على زر بشكل متكرر حين تُعرَض عليهم شخصية بعينها، على أن يكبحوا اندفاعهم إلى الضغط على الزر إذا ظهرت لهم شخصية معينة أخرى في ذات الوقت. كان الليبراليون أكثر قدرة على التحكم في اندفاعاتهم وأظهروا قدرًا أكبر من النشاط في القشرة الحزامية الأمامية، وهي منطقة في المخ ترتبط بالتحكم المعرفي وضبط الذات. واتضح أن المشاركين من الليبراليين لديهم وفرة في المادة الرمادية في هذه المنطقة، مما يشير في الأغلب إلى أنهم يستخدمونها بدرجة أكبر، في حين أن المحافظين لديهم وفرة من المادة الرمادية في اللوزة اليمنى، وهي منطقة ترتبط بالاستجابة للتهديدات والانفعالات الشديدة.

الأكثر إثارة للجدل أن متخصصي العلوم السياسية شرعوا في البحث عن جذور وراثية للأيديولوجية. فمنذ خمس وعشرين عامًا ونحن نعلم بقابلية التوجهات السياسية المرتفعة للتوريث، وذلك بناءً على دراسات أجريت على التوائم. فاحتمالات تشارك التوائم المتماثلة نفس الآراء السياسية أعلى بكثير منها بين التوائم غير المتماثلة، مما يرجح أنه ليست بيئتهم المشتركة فقط هي العامل الفعال في هذا الصدد وإنما جيناتهم أيضًا.

بدأ علماء الوراثة حديثًا في دراسة جينات معينة قد تؤثر في الأيديولوجية. لا يقترح أحد أن هناك جينات «خاصة» بالتوجه الليبرالي أو المحافظ، لكن من الجينات وثيقة الصلة بهذا الصدد الجين 7R، وهو أحد تنويعات الجين DRD4المستقبل للدوبامين. وهذا الجين مرتبط بسلوك السعي وراء الابتكار والسياسات الليبرالية.

وإجمالًا، هناك كم وافر من البيانات التي تبين أن المحافظين والليبراليين فصيلان مختلفان حقًّا، أي أنهما ليسا مختلفين في الرأي بقدر اختلافهما في الطباع النفسية وحتى تكوينهما البيولوجي الأساسي. وبطبيعة الحال، اجتذبت الفكرة الكثير من الانتقادات.

يتمثل أحد الانتقادات في أن هذه الأبحاث يبدو أنها تهمش دور المنطق في الجدل السياسي. فالسياسة عادة ما تُعتَبر قائمة على التفكير المتأني والاقتناع. ومع ذلك، يوحي كم البحث المتزايد أن آراءنا السياسية تستند إلى عوامل بيولوجية ونفسية تكمن على الأرجح خارج نطاق سيطرتنا. يبدو هذا صحيحًا في معظمه، لكن تظل السياسة في حاجة إلى الاحتكام إلى المنطق.

انتقد الكثيرون هذه الأبحاث أيضًا لأنها حصرت تعقيدات الآراء السياسية في تمييز ثنائي بين الليبراليين والمحافظين. فالعالم الحقيقي أكثر تعقيدًا من ذلك، حيث تصطف وجهات النظر على نطاق متدرج، وتوجد آراء متعددة داخل فصيلي اليمين واليسار.

هذا النقد مشروع، وتشرع العلوم السياسية حاليًّا في بحث هذه الفروق البسيطة. على سبيل المثال، في دراسة حديثة موسعة أُجريَت على الليبرتاريين؛ الذين يميلون إلى الفكر المحافظ على المستوى الاقتصادي لكنهم ليبراليون على المستوى الاجتماعي، اتضح أن ملامحهم النفسية والأخلاقية مختلفة تمامًا عن الليبراليين والمحافظين، وليسوا مجرد خليط من الفصيلين (بلوس وان، المجلد ٧، صفحة إي ٤٢٣٦٦).

ومع ذلك، يدور الجدل الأشد سخونة حول الأهداف الخفية لهذه الدراسات. فدائمًا ما تكون نتائج الدراسات في غير مصلحة المحافظين؛ إذ تصورهم أشخاصًا مخيفين، وغير متسامحين، ودوجماتيين، ولاعقلانيين. إذن، هل السياسيون وكبار المفكرين المحافظين محقون في وجهة نظرهم؟ هل يرون أن الأمر برمته لا يتعدى محاولة مجموعة من الليبراليين رسم صورة سيئة للمحافظين؟

بالعودة إلى رد ويل على تحليل عام ٢٠٠٣، يبدو أنه محق فيما يتعلق بالاهتمام العلمي الذي يولى للأيديولوجية الليبرالية مقارنة بالأيديولوجية المحافظة؛ فالأبحاث التي تركز على المحافظين أكثر كثيرًا من تلك التي تركز على الليبراليين. لكن ثمة سببًا وراء ذلك. في العديد من الدراسات التي تتناول الاختلافات السياسية، يُظهر الليبراليون ذات التحيزات وردود الأفعال التي يُظهرها المحافظون — كالتأثر بالاشمئزاز على سبيل المثال — لكنها ليست بذات القوة. ويبدو أن معظم الدراسات تركز على المحافظين لأنهم تجسيد قوي لأي ظواهر تُدرَس.

ومع ذلك، يظل هناك سبب للشك. انتقد بعض مَن في المجال اللغة المستخدمة في تقرير النتائج. فالنزعات المحافظة دائمًا ما توصف بأنها نقاط عوز أو عجز؛ «تفتقر» إلى الإنهاء واليقين والنظام، وهكذا دواليك، في حين توصف الاتجاهات الليبرالية كسمات إيجابية. على سبيل المثال، الانفتاح على التجربة، نادرًا ما يشار إليه ﺑ «الحاجة إلى التجديد».

مؤامرة ليبرالية؟

كان ويل محقًّا في افتراضه أن معظم الباحثين الذين يجرون هذه الدراسات ليبراليون. ففي خطاب ألقي أمام «جمعية علماء النفس الشخصي والاجتماعي» في عام ٢٠١١، أوضح جوناثان هايد الأستاذ بجامعة نيويورك افتقار المجال إلى التنوع السياسي من خلال مطالبة المحافظين الموجودين في المكان برفع أيديهم للتعريف بأنفسهم. فرفع ثلاثة أشخاص أيديهم من بين جمهور يربو عدده على ٣ آلاف شخص.

وقد قام كل من يويل إنبار ويوريس لامرز، الأستاذين بجامعة تيلبرج بهولندا بمزيد من البحث، حيث سألا ٨٠٠ شخص من بين أعضاء «جمعية علماء النفس الشخصي والاجتماعي» دون معرفة أسمائهم عن معتقداتهم السياسية في عام ٢٠١١. فوجدا أن ٦٪ فقط قدموا أنفسهم كمحافظين بشكل إجمالي، و٢٠٪ قدموا أنفسهم كمحافظين فيما يتعلق بالاقتصاد والسياسة الخارجية. (بيرسبيكتيف أون سيكولوجيكال ساينس، المجلد ٧، صفحة ٤٩٦).

بالأخذ في الاعتبار هذه الأعداد (القليلة لا شك)، تساءل إنبار ولامرز عن السبب وراء رفع هذا العدد القليل للغاية من المحافظين أيديهم أثناء حديث هايد. ومن ثم، تساءلا عن الإحساس بالعدائية في علم النفس. بالتأكيد، كان المحافظون هم الأكثر ميلًا للتعبير عن شعورهم بأن المجال عدائي إزاءهم. وسأل الباحثان عن مدى استعداد المشاركين في التحامل على زملائهم الليبراليين في مراجعة الأقران، أو منح القرارات، أو توجيه الدعوة لحضور الملتقيات، أو التعيين. وقد صرحت نسبة كبيرة إلى حد صادم من المشاركين في الدراسة بأنهم كانوا سيفعلون ذلك. على سبيل المثال، صرح ٤٠٪ من المشاركين أنهم مستعدون بدرجة تراوحت ما بين «إلى حد ما» إلى «جدًّا» للتمييز ضد المتقدمين للوظائف من المحافظين. هذه النتائج تأتي من المجال الذي قاد دراسات التمييز ضد العرق، والجنس، والتوجه الجنسي.

لكن هذا لا يعني أن هذه النتائج المتوافقة خاطئة أو خادعة. في معظم الحالات، كان المختبرون جاهلين بأيديولوجيات المشاركين حتى مغادرتهم المعمل، لذا لم تكن الفرصة سانحة أمام تحيز الباحث ليؤثر على نتائج البحث. والأهم من ذلك أن عشرات الباحثين قد كرروا دراسة الاختلافات الأيديولوجية باستخدام عشرات المعايير، فكانت النتائج على مستويات الشخصية والمعرفة والإدراك والفسيولوجيا تأتي متسقة بعضها مع بعض بشكل نسبي. فنحن لا نتوقف عن السعي وراء المعرفة فقط لأن الإطار اللغوي في حاجة إلى تعديل.

على الرغم من أن تمرير تعديل فليك — المعلق مؤقتًا في الوقت الحالي في انتظار مراجعة الميزانية في مارس — ربما يكون قد أثار الشعور بالصدمة والغضب والقليل من الفزع بين الأكاديميين، فينبغي أن يعمل كتذكرةٍ نافعة لهم بالمثل. فالأكاديميون يريدون تجنب أن يُنظر إليهم كنخبة منعزلة تعيش في برج عاجي منفصلة تمامًا عما يحدث خارجه، وهم يرغبون في تجنب أن يبدوا وكأنهم يسعون إلى إشعال حرب أيديولوجية. إن المقصد من وراء العملية التشريعية — مثل مراجعة الأقران العلمية — هو أن تكون جزءًا من نظام فصل بين السلطات، يعمل كحائط صد ضد التفكير الجماعي ونزعات الجماعات الداخلية الأخرى.

ومع ذلك، يجب أن يدافع الأكاديميون عن الحرية الأكاديمية. فمبادرة فليك لتجريد فرع كامل من العلوم من تمويله محاولة لتسييس عملية اكتساب المعرفة الأساسية حول العلوم والتكنولوجيا، وأنفسنا. قد تستفيد الدراسة العلمية للاختلافات السياسية من التنوع المتزايد في التوجهات السياسية بين الباحثين، ولكن هذا لا يبطل مشروعية ما جرى التوصل إليه من نتائج. ولا يمكن لوقف تمويل علم التنوع السياسي أن يصحح الافتقار إلى تنوع الخلفية السياسية في البحث العلمي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Mohamed Ismail ·١٦ يوليو ٢٠١٥، ١٣:٥٨ م

    مقالة في غاية الاهمية