رؤية فريد فولكمار

تجري محاولة لتحديث الدليل التشخيصي الذي وضعته الجمعية الأمريكية للطب النفسي؛ «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية». وبصفة خاصة، تتصدر التغييرات المقترحة على تشخيص التوحُّد الكثير من النقاشات.

ثمة أسباب واضحة لتغيير الفئات والمعايير المتضمَّنة في الدليل المذكور وتعديلها في ضوء الأبحاث الجديدة، ولكن الأرجح أن يخلِّف التغيير في تلك الحالة تأثيرًا كبيرًا.

تعريف التوحُّد الحالي في الطبعة الرابعة من الدليل التشخيصي يستند إلى نتائج اسْتُدل عليها من دراسة مشتركة كبيرة موَّلتها منحة، كانت تحت قيادتي عام ١٩٩٤، وشملت حوالي ألف حالة («أمريكان جورنال أوف سايكياتري»، مجلد ١٥١، صفحة ١٣٦١).

كان الهدف أن توفر تلك الدراسة تغطية متوازنة لمختلِف الأعمار ومعدلات الذكاء وأن تكون ذات نفع لمجالَي العمل الإكلينيكي والأبحاث وأن تتلاقى مع تعريف منظمة الصحة العالمية للتوحد. ومن المثير للجدل أنها تضمنت كذلك عدة اضطرابات جرى تشخيصها حديثًا مثل متلازمة أسبرجر وفئة دون الحد — يُطلق عليها «اضطراب النمو غير المحدد» — مخصصة لمن لا يستوفون معايير تشخيص الإصابة بالتوحُّد الكامل وإن كانوا يتطلبون دعمًا مشابهًا.

يستتبع أسلوب إعداد الطبعة الرابعة وجود ما يزيد على ألفَي تجميع من المعايير الاثني عشر التي تشخِّص التوحُّد لدى توافر ستة منها كحدٍّ أدنى. أما الطبعة الخامسة فتقترح ضمَّ التوحُّد ومتلازمة أسبرجر واضطراب النمو المتفشي داخل فئة واحدة يطلَق عليها «طيف التوحُّد»، تمزج بين المعايير وتقلِّصها، خافضةً بشدة من عدد التجميعات التي يمكن أن تؤدي إلى تشخيص التوحُّد. وهو ما حثَّني أنا وزملائي على إعادة تحليل البيانات المستمدة من تجارب ميدانية بالطبعة الرابعة من عام ١٩٩٤ من أجل عدد مرتقب من مجلة «جورنال أوف ذي أمريكان أكاديمي أوف تشايلد آند أدالسنت سايكياتري»؛ فوجدنا أن أناسًا كثيرين — لا سيما ذوو القدرات المعرفية العليا — سيفوتهم التشخيص في ظل النظام الجديد.

نحن لن نبالغ في الإشادة بالنتائج التي توصلنا إليها؛ فدراستنا — كغيرها — تعتريها أوجه قصور. لكنْ ثمة مجموعتان أخريان أبلغتا عن نتائج مشابهة، وثمة أبحاث أخرى قيد المراجعة.

فما الذي قد يعنيه ذلك؟ من المحتمل أن يتأثر دعم المحتاجين، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث يمكن أن يترتب التأمين الصحي على التشخيص. وثانيًا: من شأن ذلك التغيير الجذري أن يصعِّب تفسير المجموعة الضخمة من الأعمال التي أُجريت باستخدام الطبعة الرابعة؛ ففي عام ١٩٩٣ صدر حوالي ٣٩٠ منشورًا مستعرَضًا من باحثين بالمجال نفسه عن موضوع التوحُّد، وفي العام الماضي صدر أكثر من ٢١٠٠ منشور.

وأخيرًا، من شأن تغيير الاسم إلى طيف التوحُّد أن يشير إلى مفهوم تشخيصي موسَّع، في حين أن العكس هو الصحيح إذا صحَّت إعادة التحليل التي أجريناها. وتلك مسائل مزعجة؛ فإنَّ إقامة مثل ذلك المشروع الكبير تستلزم عملية مراجعة أكثر استنارةً بالعلم وارتباطًا به.

رؤية فرانشيسكا هابيه

إن التغيير مثار قلق. فلا عجب من الاهتمام والشهرة اللذين لاقتهما مسودة التغييرات التي أُدخِلت على المعايير التشخيصية للتوحُّد والحالات ذات الصلة، التي يتضمنها الدليل التشخيصي والإحصائي. فلمَ التغيير؟

إن التشخيص يتطور، والمعايير الحالية — وإن كانت مفيدةً في اكتشاف التوحُّد في مرحلة الطفولة المتوسطة — قد تبين أنها أقل نفعًا في المراحل المبكرة والمتأخرة عنها. فتهدف الطبعة الخامسة إلى ضمِّ نطاق النمو بأكمله وتحسين عملية اكتشاف الحالات لدى الجماعات المهمَّشة.

وقد أدت التفاوتات التي تنطوي على معايير تشخيص التوحُّد بالطبعة الرابعة وغيره من اضطرابات النمو المتفشية — التي تتضمن المجموعات الفرعية: الاضطراب التوحُّدي ومتلازمة أسبرجر و«اضطراب النمو الشامل غير المحدد» — إلى عدم اتساق إكلينيكي، نجم عنه تباينات كبيرة في كيفية تشخيص تلك الحالات. وقد توصَّلت إحدى الدراسات إلى أن أفضل من يمكنه توقع أي التسميات ينبغي إطلاقها هو العيادة التي يزورها المرضى.

معظم من تُشخَّص حالاتهم على أنها متلازمة أسبرجر يستوفون في الواقع معايير التوحُّد المتضمَّنة في الطبعة الرابعة. وتشير الأبحاث إلى أنه ليس ثمة اختلافات كبرى بين من يعانون تأخر اللغة المبكر ومن لا يعانونه، وهي السمة التي تميز بين التوحُّد ومتلازمة أسبرجر في الطبعة الرابعة. فالتقسيم الحالي إلى ثلاث فئات ليس له سند قوي من حيث الاختلافات الجينية والعصبية والمعرفية وغيرها من الاختلافات. وليس ثمة اتفاق كبير بين الإكلينيكيين بخصوص التمييز بين الفئات الثلاث وإنْ كانوا صائبي الحكم بالنسبة لتحديد ما يندرج تحت طيف التوحُّد.

لهذه الأسباب، ثمة مقترح بضم تلك المجموعات الفرعية إلى التوحُّد تحت مظلة فئة واحدة يُطلق عليها «اضطراب طيف التوحُّد». ويتمثل الاقتراح في أن يُستَكمَل التشخيص الجديد بوصف مفصَّل لتحليل الأعراض والمشكلات ذات الصلة لدى الفرد.

ثمة تخوُّف من ألا يستوفي المصابون بمتلازمة أسبرجر أو «اضطراب النمو الشامل غير المحدد» معايير اضطراب طيف التوحُّد؛ فليس ذلك هو الهدف. فأنا أعمل جاهدةً برفقة زملائي من أعضاء فريق عمل «الطبعة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية» المعني باضطرابات النمو العصبي من أجل ضمان كفاءة اكتشاف طيف التوحُّد الكامل. وقد اقترحنا فئة جديدة أطلقنا عليها «اضطراب التواصل الاجتماعي» تشمل الذين يعانون بعض مشكلات التوحُّد ولكن دون السلوك الثابت المكرَّر — الموصوف حاليًّا وصفًا منقوصًا ضمن فئة «اضطراب النمو الشامل غير المحدد» بالغة التنوع التي تضمنتها الطبعة الرابعة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية. ونسعى أيضًا إلى تيسير اكتشاف اضطراب طيف التوحُّد لدى البالغين القادمين للتشخيص الأول.

هدفنا هو تنقيح نظام يتسم بصعوبة تطبيقه وتناقضه. وما زالت المقترحات مسودة تُعتزَم إعادة النظر فيها في ضوء جميع البيانات ذات الصلة. وستوضع في الاعتبار الورقة البحثية المقدمة مؤخرًا من فريق فريد فولكمار التي تعيد تأويل مجموعة بيانات جُمعت عام ١٩٩٤ — هي ليست الأنسب لهذا الغرض — إلى جانب الدراسات المتسمة بمزيد من الارتباط المباشر بعملنا.

ونأمل أن يثمر ذلك عن نظام تشخيصي أوضح وأبسط، وتحسن عملية اكتشاف الحالات لدى المصابين باضطرابات طيف التوحُّد وتشخيصها من جميع الأعمار ومستويات القدرات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.