ما هذا الصوت؟
ما هذا الصوت؟

لم يكن هذا الصوت ظاهرة حدثت لجودي مرة واحدة وانتهت؛ فهي تقول: «أسمع بوجه عام صوتًا مدويًا تقريبًا مرة أو مرتين في السنة.» قرر صحفي محلي يدعى كولين هاكمان أن يحقق في الأمر، ولكنه فشل في العثور على أي أنشطة بشرية قريبة تفسر هذا الصوت، مثل نشاط عسكري أو تفجيرات في محجر. يقول هاكمان: «أنا نفسي سمعت هذه الأصوات بضع مرات، إنها بمنزلة لغز حقًّا.»

لم يسمع سكان كارولاينا الشمالية وحدهم هذه الأصوات المدوية غير المبررة؛ فعلى مدار عقود، أُبلغ عن أصوات صفير ودمدمة وانفجارات غريبة في كل أنحاء العالم. يطلق على هذه الأصوات في منطقة بحيرة سينيكا بولاية نيويورك «مدافع سينيكا»، ويطلق عليها في سلاسل جبال الأبينيني بإيطاليا «برونتيدي» — التي تعني أنها تشبه الرعد — وفي اليابان تسمى «يان»، وعلى طول ساحل بلجيكا يطلق عليها «ميستبوفرز»، أو انبعاثات الضباب.

فما الذي يحدث؟ توجد تفسيرات واضحة لبعض هذه الأصوات: العواصف مثلًا، أو ارتطام أمواج المحيط، لكن في حالات كثيرة — مثلما حدث في كارولاينا الشمالية — لا يعرف أحد ما الذي وراء هذه الأصوات المدوية. لم يمنع هذا الناسَ من اقتراح عدد هائل من التفسيرات، وإذا اتضح أن بعض نظرياتهم صحيحة، يمكن أن تغير من أفكارنا عن مدى ما يمكن للأرض أن تصدره من أصوات.

هناك تاريخ طويل للأصوات المدوية الغامضة؛ فقد كان سكان أمريكا الأصليون يطلقون على قرية مودوس بكونيتيكت في الأصل اسم «ماتشيمودوس»؛ أي مكان الضوضاء السيئة. وفي عام ١٩٣٨ سجَّل عالم الزلازل الهاوي تشارلز دافيسون أصواتًا سُمعت في جميع أنحاء المملكة المتحدة، تتدرج في قوتها من أصوات قاطرات الجر إلى دوي مدفع من مسافة بعيدة، والضوضاء الصادرة من سرب ضخم من طائر الحجل (نشرة الجمعية الأمريكية للزلازل، المجلد ٢٨، صفحة ١٤٧).

الرعد هو التفسير الأرجح للعديد من الأصوات المدوية التي يُبلغ عنها. يصدر صوت الرعد من خلال توسع سريع للهواء مصحوبًا بزيادة مفاجئة في الضغط ودرجة الحرارة حول وميض البرق. في المناطق الساحلية، يكون المحيط متهمًا محتملًا آخر؛ فيرى ميلتون جارسيس — وهو خبير في علم الصوت بجامعة هاواي — أن هناك العديد من الطرق التي يستطيع المحيط أن يصدر من خلالها أصواتًا عميقة مدوية، مثل اصطدام حافة الأمواج بسطح المحيط، وخروج الهواء من الأمواج بفعل الضغط، ونقل الموج لسحابة عملاقة من الفقاعات داخلها مما يصدر صوتًا، أو ببساطة ارتطام الأمواج بالشاطئ (جيوفيزيكال ريسيرش ليترز، المجلد ٣٠، صفحة ٢٢٦٤). ويقول جارسيس: «ترسل هذه الأصوات لنا — نحن راكبي الأمواج — رسائل شديدة الوضوح، وبإمكانها الانتقال بسهولة عدة أميال على اليابسة.»

مع ذلك، فإن أصواتًا كالتي سُمعت في كارولاينا الشمالية لا يمكن تفسيرها بسهولة، فطقس المنطقة الهادئ جعل من المستبعد أن يكون السبب هو الرعد أو أمواج المحيط الهائج.

هذا هو ما استرعى انتباه ديفيد هيل — عالم متقاعد بهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بمدينة مينلو بارك في كاليفورنيا — ففي بحث نُشر في العام الماضي، قيَّم هيل الأدلة على مسببات دوي كارولاينا الشمالية وأصوات أخرى مشابهة (سايسمولوجيكال ريسيرش ليترز، المجلد ٨٢، صفحة ٦١٩).

وكان أحد التفسيرات التي اعترف هيل أنه لا يستطيع استبعادها في حالة كارولاينا الشمالية الأنشطة العسكرية السرية — مثل الصوت المدوي لطائرة نفاثة أو مدافع تابعة للبحرية في البحر — هذا بسبب وجود قاعدة عسكرية قريبة، لكنه أشار إلى إبلاغ السكان عن سماع أصوات في المنطقة قبل وقت طويل من بناء تلك القاعدة، أو حتى قبل اختراع الطيران بسرعة تفوق سرعة الصوت. وينطبق هذا أيضًا على الحالات الأخرى التي أُبلغ عنها حول العالم.

صوت النيازك

من حيث المبدأ، يمكن للنيازك تفسير مثل هذه الأصوات، حيث إنها تستطيع إصدار صوت مدوٍّ إذا استطاعت المرور بسلام عبر الغلاف الجوي، وهو أمر يمكن أن يحدث دون أن يلاحظه أحد. وفي الوقت الذي تصل فيه الموجات الصوتية إلى آذاننا، سيكون الأثر المرئي الذي تخلفه إثر مرورها عبر الغلاف الجوي قد اختفى منذ زمن طويل.

مع ذلك، لا تستطيع النيازك أن تفسر الأصوات المدوية التي تُسمع كل بضعة أشهر أو سنوات في المنطقة نفسها، كما هو الحال في كارولاينا الشمالية. يقول مايكل هدلين، وهو عالم جيوفيزياء بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو: «إذا سمعت نيزكًا ينفجر، فعلى الأرجح سيكون هذا حدثًا لن يتكرر مرة أخرى.»

يتركنا هذا للتفسيرات الجيولوجية؛ ففي بعض الأماكن في العالم تصدر الكثبان الرملية أصواتًا هامسة أو تشبه الصفير أو حتى أصواتًا مدوية، فالكثبان الرملية الضخمة — التي تكون أسطحها المنحدرة مواجهة للرياح — يرجح أن تصدر مثل هذه الأصوات المدوية في الظروف المناخية الجافة (كونتمبرري فيزيكس، المجلد ٣٨، صفحة ٣٢٩). ما زلنا لا نفهم بالكامل كيف يصدر هذا الصوت تحديدًا، لكن هذا يتطلب وجود حبات رمل ناعمة ومفككة وشبه كروية، بالإضافة إلى رطوبة شديدة الانخفاض. وتوجد الرمال المغنية فيما يقرب من ٣٠ موقعًا، منها كاليفورنيا ومصر والصين وويلز، ولكن ساحل كارولاينا ليس أحدها. قد تكون أغرب نظرية درسها هيل تنسب صدور الأصوات إلى انبعاثات ضخمة لغاز الميثان. تتكون بعض أجزاء قاع البحر من طبقات من هيدرات الميثان تطلق هذا الغاز إذا تعرضت لخلل ما، ويمكن لهذا الغاز أن يشتعل وينفجر بصوت مدوٍّ عندما يصل إلى السطح، أو هكذا تقول النظرية. يقول هيل: «إن مشكلة هذه الفكرة هي أنه من غير المحتمل لغاز الميثان أن يصعد بكميات كافية أو على نحو مفاجئ بما يكفي لإحداث انفجارات.» وهذا لا يترك له إلا متهمًا واحدًا من الظواهر الطبيعية تسبَّبَ في الصوت المدوي في كارولاينا الشمالية وما شابهه: زلزال غير مرصود. فيقول هيل: «إن شبكة محطات قياس الزلازل في تلك المنطقة تقع في مناطق متفرقة ومن السهل وقوع زلازل صغيرة دون ملاحظتها.» فهو يرى أن إصدار هذا الصوت لا يتطلب زلزالًا كبيرًا؛ فالزلازل الصغيرة غير المصحوبة باهتزازات ملحوظة تحدث طوال الوقت، حتى بعيدًا عن حدود الصفائح التكتونية، ونادرًا ما تسجل هذه الهزات على أجهزة قياس الزلازل. وبتجميع هذه الحقائق، من المحتمل أن تكون الزلازل غير المرصودة تصدر أصواتًا بالقرب منك، ويضيف هيل: «ربما تكون أصوات الزلازل أكثر انتشارًا مما يظن معظم الناس.»

يعلم أي شخص تعرض لزلزال من قبل أن الزلازل غير صامتة على الإطلاق، مع ذلك، فإن الأصوات التي يتذكرها معظم الأشخاص هي صوت اهتزاز المباني أو التربة، وليس صوت الزلزال نفسه.

ومع ذلك تصدر الزلازل بالفعل موجات صوتية تسبق الموجات التي تهز الأرض، وقد كان مالكوم جونستون — أحد زملاء هيل في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية — أحد الأشخاص الذين كانوا على مسافة قريبة بما يكفي لسماع صوت الزلزال؛ ففي عام ٢٠٠٨، وهو تحت الأرض على عمق كبير في منجم للذهب بجنوب أفريقيا، حُبس داخل صدع متشقق كان يفترض به دراسته. يقول جونستون: «كنت على عمق ٣٫٦ كيلومترات في فجوة صغيرة داخل منطقة الصدع، أُرَكِّب الأجهزة»، فجأة ضرب زلزال بقوة درجتين على مقياس ريختر، وكان مركزه لا يبعد إلا ٢٠ مترًا فقط. ويضيف جونستون: «سمعت صوتًا كهزيم الرعد، لكنه كان مصحوبًا أيضًا بصوت عالي التردد، وفور سماعي للصوت أدركت أنه لا بد لي أن أتذكره. وفي الوقت نفسه، كانت محاولة تجنب الصخور المتساقطة تشتت انتباهي، فكنت أعلم أنني إذا سقطتُ في الشق، فإنني سأُسحَق.»

على السطح عادةً لا نسمع مثل هذا الصوت؛ لأن الموجات الصوتية ذات التردد شديد الانخفاض التي يصدرها الزلزال هي التي تصلنا فقط، وهي خارج نطاق سمعنا. أما الموجات الصوتية المسموعة ذات الأطوال القصيرة — التي تتراوح بين ٢٠ هرتز و٢٠ كيلوهرتز — فيحتمل أن تمتصها الصخور التي تمر خلالها وتفرقها، تمامًا كما تميل إلى سماع الأصوات الجهيرة فقط عندما يعزف جارك الموسيقى.

مع ذلك، يقول هيل إن الترددات المسموعة التي يصدرها الزلزال يمكن أن يعلو صوتها إلى خارج الأرض تحت ظروف معينة؛ فعلى سبيل المثال، يمكن أن يزيد زلزال سطحي من احتمالات وصول الموجات الصوتية إلى السطح دون أن تتأثر بشيء، وكذا الحال مع الصخور الصلبة دقيقة الحبيبات مثل الجرانيت، حيث يقل احتمال تفريقها للترددات التي نستطيع سماعها. وإذا قابلت الموجات سطح الصدع، يمكن أن يتجه الصوت مسرعًا نحو السطح مباشرة (انظر الشكل). وبمجرد وصول موجات الصوت إلى السطح، فإنها تنتقل إلى الهواء، ويضيف هيل: «تعمل الأرض المحيطة بالإنسان كمكبر صوت عملاق.»

أصوات الصخور: يزيد احتمال وصول الموجات الصوتية المسموعة التي يحدثها الزلزال إلى السطح عندما تنتقل عبر صخر صلب مثل الجرانيت، أو تندفع عبر سطح الصدع.
أصوات الصخور: يزيد احتمال وصول الموجات الصوتية المسموعة التي يحدثها الزلزال إلى السطح عندما تنتقل عبر صخر صلب مثل الجرانيت، أو تندفع عبر سطح الصدع.

بالإضافة إلى ذلك، تستطيع ظروف مناخية معينة أن تجعل الموجات الصوتية تنتقل إلى مسافة أبعد؛ فعلى سبيل المثال، في صباح ضبابي بارد عندما تُحبس طبقة باردة من الهواء تحت طبقة أدفأ منها، فإن الأصوات تنعكس من الطبقة الدافئة وتنطلق إلى مسافات بعيدة. لكن هل يمكن للزلازل الصغيرة أن تمر بالفعل دون أن ترصدها أجهزة قياس الزلازل؟ يشكك جوناثان ليز — وهو عالم جيوفيزياء بجامعة كارولاينا الشمالية — في صحة هذا الأمر، ويقول: «إن الأجهزة التي تُستخدم لتسجيل الزلازل حساسة للغاية؛ لذا إذا كانت هناك أصوات عالية لم تُرصد على أنها زلازل، فالاحتمال الأكبر أنها شيء آخر.» ومع ذلك، فإنه يسلم بأن بعض الأصوات المدوية التي أُبلِغ عنها لا بد أن تكون لها أسباب طبيعية.

يدعم عدد من الملاحظات الميدانية فكرة أن الهزات الأرضية الصغيرة يمكن أن تحدث أصواتًا هائلة؛ ففي عام ١٩٧٥، ركَّب هيل وزملاؤه محطات لرصد الزلازل في إمبريال فالي بكاليفورنيا، وفي المساء عندما كان الهدوء يخيم على المكان، رصد الميكروفون ثلاثة أصوات مدوية، تزامنت كلها مع ثلاثة زلازل تتراوح قوتها بين ٢ و٣ على مقياس ريختر (نشرة الجمعية الأمريكية للزلازل، المجلد ٦٦، صفحة ١١٥٩). ومؤخرًا سجل ماثيو سيلفاندر من جامعة بول ساباتييه بمدينة تولوز في فرنسا، أصواتًا مدوية مرتبطة بزلازل صغيرة بمنطقة جبال البرانس الفرنسية. يقول سيلفاندر: «عندما يحدث الزلزال تحت قدميك مباشرة، فإنك تسمع صوتًا مدويًا، أما عندما يبعد عنك مسافة ما فإنه يشبه دمدمة منخفضة. وربما يمكننا أن نعزو العديد من «الأصوات الغريبة» إلى الألواح التكتونية بدلًا من الأرواح الشريرة.»

يمكن أن تكون كارولاينا الشمالية — بأصواتها المدوية المنتظمة — المكان الأنسب لحل هذا اللغز إلى الأبد. يعمل مشروع جديد يطلق عليه اسم «إرث سكوب» على توزيع شبكة كثيفة من محطات رصد الزلازل — تبعد عن بعضها مسافة ٧٠ كيلومترًا — عبر الولايات المتحدة من غربها إلى شرقها، ومن المفترض أن تصل إلى كارولاينا الشمالية خلال بضع سنوات، وستكون حساسة بالقدر الكافي لتختبر نظرية هيل عن الزلازل.

بدأنا كذلك في تجميع تسجيلات أفضل للأصوات التي تُسمع خلال الزلازل؛ فعلى سبيل المثال، تطلب باتريتسيا توسي — التي تعمل في المعهد الوطني للجيوفيزياء ودراسة البراكين بروما، إيطاليا — وزملاؤها من الناس الإبلاغ عن الأصوات التي يسمعونها من الزلازل عبر استبيان على الإنترنت. وباستخدام هذه البيانات، رسموا خريطة للأصوات التي صدرت عن الزلزال الذي كانت قوته ٦٫٣ على مقياس ريختر والذي ضرب مدينة لاكويلا في عام ٢٠٠٩. وكانت معظم الأصوات ناتجة عن اهتزاز المباني، لكن بعض الأصوات التي أُبلغ عنها على بعد ١٠٠ كيلومتر من مركز الزلزال تطابقت مع الصوت المتوقع من الزلزال نفسه.

أيًّا كان ما تسبب في الصوت الذي سمعته جودي سميث في ذلك اليوم في كارولاينا الشمالية، فمن الواضح أن كوكبنا يصدر أصواتًا أكثر مما كنا نظن. إن صخب وضوضاء العصر الحديث يعني أن معظمنا يميل إلى الربط بين الأصوات المرتفعة والنشاط الإنساني، ولكن الصوت الذي تفترض أنه ضجيج شاحنة بعيدة، ربما يكون في الواقع صوت الأرض نفسها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Kamel Kamel ·٤ يناير ٢٠١٦، ٢١:١ م

    ’?