إذا أردت أن تثير جنون أحد علماء الأحياء التطورية، جرِّب أن تشير إلى أنَّ عملية التطور ربما يكون لها هدف أو غاية؛ فهذه فكرة محرَّمة منذ ما يزيد على قرن من الزمان، منذ أن رفض علماء الأحياء فكرة جان باتيست لامارك القائلة بأن الزرافات التي كانت تشرئبُّ بأعناقها حتى تبلغ فروع الأشجار العالية تمكَّنت من توريث عنقها الطويل إلى ذريتها. فنحن نعلم أنَّ التغيُّر التطوري ينشأ عن الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي، وأنَّ أية إشارة إلى وجود غاية له تفوح منها رائحة نظرية الخلق وقريبتها نظرية التصميم الذكي. ويقول بيتر كورنينج: «ذلك موضوع شائك في نظرية التطور»، ومن يقترب منه يخاطر بتعريض مكانته المرموقة إلى هزَّة عنيفة.

هل يمكن أن يكون لدى الكائنات القدرة على توجيه مسار تطورها؟
هل يمكن أن يكون لدى الكائنات القدرة على توجيه مسار تطورها؟

إلا أنَّ كورنينج — مدير معهد دراسة الأنظمة المعقَّدة في مدينة فرايداي هاربور بواشنطن — هو أحد القلائل الذين يتحسسون خطاهم بحذر في منطقة الخطر تلك، ويشيرون إلى أنَّ الكائنات يمكنها أن توجِّه مسار تطورها. وهم لا يتحدثون عن بضع حالات غريبة نادرة الحدوث. وإن صح ما يذهبون إليه، فقد كان لعملية توجيه التطور هذه دور محوري في تاريخ الحياة على الأرض، بل وربما كان لها دور مهم في تطور البشر.

من المهم أن نذكر في البداية ما لا يقوله هؤلاء الذين انتهجوا نَهجًا ثوريًّا. فهم لا يقولون إن عملية التطور بها ميل متأصلُّ تجاه زيادة الحجم أو التعقيد أو الذكاء. ولا يقولون إن الكائنات يمكنها استحضار الطفرات التي تلزمها متى احتاجتها، وإن كان الأفراد قد يتمكنون من المجازفة أكثر عندما تكون الظروف البيئية عصيبة ويلزمهم قليل من الحظ (انظر «المراهنة على التطور»). ولا يقولون كذلك إن الكائنات يمكنها أن تنقل إلى ذرِّيتها العادات التي اكتسبتها على مدار حياتها بالطريقة التي قال بها لامارك.

ما يقولونه أكثر تعقيدًا من هذا؛ ألا وهو: إن الكائنات الحية تُجري طيلة حياتها شتى أشكال التعديلات على كيانها المادي — وهو ما يطلِق عليه علماء الأحياء مصطلح النمط الظاهري، في مقابل التكوين الجيني أو النمط الجيني — حتى تتكيف بصورة أفضل مع البيئة التي تجد نفسها فيها. وهي تسلك سبلًا متباينة في النمو حسب كيفية استخدامها لجسدها، فتشغِّل جينات معينة وتوقف أخرى، وتتعلَّم سلوكيات جديدة، وما إلى ذلك.

لا يُعدُّ أي من تلك التغيرات تطوُّرًا؛ لأنها لا تغير التكوين الجيني للكائنات مباشرةً، ولكنها تشكِّل طريقة تأثير الانتخاب الطبيعي على تلك الجينات، وبهذه الطريقة فإنها تدفع عملية التطور في اتجاه مختلف. والواقع أن الجينات — التي طالما ظننَّا أنها تحتل موقع القيادة — تنحت جانبًا لتترك النمط الظاهري يتولى زمام الأمور. وعندما يتغير النمط الظاهري لغاية أو لأخرى، قد تنضم الجينات التي تعزز تلك الاستجابة إلى الركب.

من العمليات التي تتيح للنمط الظاهري أن يتغير في اتجاهات يُحتَمَل أن تعود بالنفع، عملية تطور أفراد الأنواع؛ بمعنى ارتقائها التدريجي. فيقول ريتشارد بالمر من جامعة ألبرتا في إدمنتون بكندا: «يكمن سحر عملية تطور الأفراد في استجابتها النافعة حتى في الظروف غير المعتادة.» والمثال الكلاسيكي على ذلك هو العنزة سيئة الحظ التي درس حالتها عالم التشريح الهولندي إي جيه ليبر في أربعينيات القرن العشرين. وُلِدت تلك العنزة وقائمتاها الأماميتان مشلولتان، فتعلَّمت أن تمشي على قائمتيها الخلفيتين. وعندما شرَّح ليبر العنزة بعد موتها، وجد أن عظام قوائمها وصدرها وعمودها الفقري كان شكلها مختلفًا عن شكل العظام المقابلة لها عند غيرها من الماعز. كما أنَّ عضلات قائمتيها الخلفيتين كانت ملتصقة بالعظم على نحو أشبه بالحيوانات التي تسير على قدمين مثل الإنسان. وبالمِثل فإن أنواع السلطعون التي تتغذَّى على فرائسَ ذاتِ قشرة صلبة، يكون مخلباها أكثر سُمكًا وقوة من الأنواع التي تتغذَّى على الفرائس الرخوة فحسب — على حد قول بالمر.

حتى الآن هذا الكلام لا جدال فيه. ولكن السؤال هو: عندما يسلك النمط الظاهري سبيلًا بعينه، هل تتبعه الجينات؟ ثمة بضع دراسات تشير إلى ذلك. لنأخذ السمكة شائكة الظهر (أبو شوكة) مثلًا. وجد ماثيو ووند من كلية نيوجيرسي بإيوينج وزملاؤه أن تلك السمكة — التي عادة ما تهاجر بين المياه العذبة والمياه المالحة في غرب كندا — يتَّخذ جسدها هيئتين مختلفتين حسب نوعية غذائها؛ فتكون عينا الأسماك التي تتغذى على العوالق كبيرتين، وجسدها ممشوقًا، وفكها مرفوعًا لأعلى، بينما تكون الأسماك التي يتوافر غذاؤها في القاع أثقل وزنًا وذات عينين أصغر وفكٍّ أفقي. إلا أنَّ بعض تلك الأسماك تطورت في الآونة الأخيرة بحيث تعيش في البحيرات بصفة دائمة. هذه الأنواع تتغذى على أحد مصدري الغذاء، ولكن — في هذه الحالة — الوراثة هي التي تحدد بالأساس شكل الجسد، وليس مصدر الغذاء نفسه. بعبارة أخرى، تولت الجينات مقاليد ما كان يومًا تأثيرًا تطوريًّا خالصًا.

وبالمِثل، تصير الأنثى الأكبر والأكثر سيطرةً لدى بعض الحشرات الاجتماعية هي الملكة، غير أنه في معظم الأنواع فائقة التطور، تحمل جميع الإناث جينات الملكة، وإن كانت تلك الجينات لا تنشط سوى لدى الإناث التي تتناول غذاءً معيَّنًا. فتقول ماري جين ويست إيبرهارد — العالمة بمعهد سميثسونيان للبحوث المدارية في جامعة كوستاريكا بالقرب من سان خوسيه: إنَّ في ذلك إشارة إلى أنه خلال عملية التطور تَولَّى برنامج جينات أكثر تعقيدًا توجيه عملية تطور الملِكات.

فكرة احتمال سير عملية التطور على هذا النهج ليست بالجديدة، فهي ترجع إلى عالِم الأحياء جيه إم بالدوين قبل أكثر من قرن مضى، إلا أنَّ «تأثير بالدوين» هذا لم يدخل تيار الفكر الرئيسي سوى في الآونة الأخيرة. ويشدِّد بالمر على أن الطفرات التي تشكل أساس عملية التطور ما زالت وليدة المصادفة، فيقول: «الطفرات عشوائية، ولكنَّ تطور الأفراد ليس عشوائيًّا.» ويقول: إن التغيرات التي تطرأ على النمط الظاهري والناشئة عن عمليات تطور الأفراد غالبًا ما تعود بالنفع على الكائنات، وفي تلك المرحلة يمكن للانتخاب الطبيعي أن ينتقي من يحوزون تنوعات جينية تُحابي تلك الاستجابات النافعة.

تطور عشوائي؟

تلك أمثلة مثيرة للاهتمام، ولكن هل هذا التطور الذي يقوده النمط الظاهري شائع بما يكفي؛ ليكون لاعبًا مهمًّا في عملية تطور الحياة؟ ذلك سؤال أصعب بكثير. ربما يتمثل أفضل دليل وجدناه حتى الآن في نشأة ظاهرة التفاوت بين الجانب الأيسر والجانب الأيمن. ليست تلك ظاهرة غير شائعة في الطبيعة، فكِّروا في السلطعونات التي تمتلك مخلبًا أكبر من الآخر، أو سمكة الفلاوندر (السمكة المفلطحة) التي تمتلك عينين على جانب واحد من رأسها، أو التفاف صدفة الحلزون. وقد تفحَّص بالمر الأدبيات العلمية بدقة بحثًا عن مجموعات من الأنواع بها أوجه تفاوت، ثم درس شجرة عائلتها؛ بغية استنتاج كيفية نشأة ذلك التفاوت، فوجد ٣٥ حالةً بدا فيها أن التفاوت نشأ عن طفرات جينية تُفضِّل جانبًا على الآخر، وحالات تقاربها عددًا — ٣٣ حالة تقريبًا — يُرجَّح أن يكون التفاوت فيها نشأ في البداية عن مصادفة سلوكية أو متعلقة بتطور الأفراد (مجلة ساينس، المجلد ٣٠٦، صفحة ٨٢٨). إضافةً إلى ذلك، فيما يصل إلى ٢٨ حالةً تحوَّل التطور العشوائي المبدئي إلى تطور جيني ثابت؛ وفي ذلك دليل قوي على أن الجينات كثيرًا ما تتبع تطور الأفراد.

وثمة بضع دراسات لخصائص أخرى تؤيد أيضًا فكرة أن الجينات تلعب دور التابع لا القائد في عملية التطور. فيقول كارل شليكتنج من جامعة كونيتيكت في ستورز: «إذا كان بإمكاننا إيجاد ذلك العدد الكبير من الأمثلة في الأدبيات العلمية، فربما كان ذلك أمرًا يحتاج إلى معالجة أكثر جدية.»

في كثير من تلك الحالات، تثير الاختيارات السلوكية للكائنات الفردية — التفضيلات الغذائية وتفضيل استخدام يد عن أخرى، وما إلى ذلك — التغيرات المتعلقة بتطور الأفراد. فالسلوك يعد على الأرجح أوضح مثال تقوم فيه الكائنات بإضفاء طابع متعمَّد على تفاعلها مع بيئتها. وليس أدلُّ على ذلك من عملية «بناء الموطن»، التي تصمم فيها الكائنات بيئتها بأساليب يمكن أن تكون عميقة الأثر. فيقول كيفين لالَند من جامعة سانت أندروز بالمملكة المتحدة: إن السدَّ الذي يبنيه القندس — على سبيل المثال — يحوِّل المروج إلى مستنقعات، مكوِّنًا البِرَك العميقة الملائمة للقندس. والواقع هنا أنَّ القندس هو الذي يجعل البيئة تتكيف معه، عوضًا عن أن يتكيف هو معها.

ويقول لالَند: «تلك نقطة بالغة الأهمية. فنحن ننظر حولنا ونرى ذلك التناسق البديع بين الكائنات وبيئتها. ونفسِّر ذلك عمومًا بأنه نتاج سلسلة لانهائية من الوفيات، روَّضت جماعات السكان تدريجيًّا على التأقلم مع البيئة. إلا أن ثمة عمليتان تجريان في الواقع. أجل، ثمة عملية انتخاب طبيعي، ولكن ثمة أيضًا عملية بناء موطن، وهي العملية التي يمكن للكائنات بمقتضاها أن تعدِّل الحالات البيئية — غالبًا — بطرق تعود عليها بالنفع. إذن، فذاك التناسق طريق ذو اتجاهين، لا اتجاه واحد.»

لا شك أن الصورة الأكثر رقيًّا وتعقيدًا لبناء الموطن هي الثقافة الإنسانية، وفكرة تأثير الثقافة على جيناتنا فكرة راسخة. فالتحول إلى الزراعة قبل ١٠ آلاف عام — على سبيل المثال — أسفر عن تطور جينات إضافية خاصة بالإنزيمات المستخدمة في هضم مادة النشا، فضلًا عن تغيرات جينية أخرى مكَّنت البالغين في بعض جماعات البشر من هضم سكر الحليب. وثمة افتراض يقول بأن اختراع الطهي الأقدم بكثير ربما جعل النظام الغذائي للإنسان الأول مغذٍّ أكثر، ومن ثمَّ وفَّر طاقة تكفي لتطوُّر أدمغتنا الكبيرة عالية الاستهلاك للطاقة.

ويقول بيتر ريتشرسون من جامعة كاليفورنيا في ديفيز: إنه يتبين من الدراسات التي أُجريت على الجينوم أن الانتخاب الطبيعي كان نشطًا بصورة غير معتادة في مجموعة واسعة من الجينات منذ بزوغ فجر عصر الزراعة. ويقول: إننا لا نعلم وظيفة معظم تلك الجينات، إلا أنه من الواضح أن الثقافة — وهي بلا جدال نشاط موجَّه نحو تحقيق أهداف معينة — أثَّرت على الجينوم البشري تأثيرًا هائلًا.

الجينات التابعة

يقول ريتشرسون: «غالبًا ما يشبِّه الناس عملية التطور المشتركة للجينات والثقافة لدى البشر بعملية تطويع الذات. لا أظن أنه مثير للجدل أن نقول إنه عندما يختار البشر نباتات القمح؛ لأنها تنتج غلة أكثر، ويختارون الماشية؛ لأنها سهلة الانقياد، يكون ذلك ضربًا من الاختيار المتعمَّد للأشياء المطوَّعة لاستخدام الإنسان. وإذا كان البشر يطوِّعون أنفسهم، فيمكنك أن تقول: إننا نؤثِّر على جينومنا بصورة متعمدة.»

بقدر ما قد تكون تلك الآراء مقبولة، فمعظم المفكِّرين المعنيين بالتطور لم يقتنعوا بعد بأنَّ الجينات قد تكون في كثير من الأحيان هي التابع — لا القائد — في عملية التطور. ففي الواقع، يعرِّف الكثيرون التطور بأنه تغيرات تطرأ على التواتر الجيني مع مرور الوقت، مما يضع الجينات في مركز القيادة بالضرورة. وقد كان من أهم العوامل التي أثرت تأثيرًا كبيرًا في تشكيل هذا الرأي كتاب ريتشارد دوكينز «الجين الأناني» الذي صدر عام ١٩٧٦، الذي لم يفسح مجالًا أمام السلوك أو تطور الأفراد كي يقود عملية التطور. فقد كتب دوكينز يقول: «أي العناصر يتمتع بخاصية تكرار الصور المتباينة منه، بدرجة من الإخلاص يُحتَمَل معه أن يتوارثه عدد لانهائي من الأجيال التطورية؟ لا شك أنَّ الجينات تنطبق عليها هذه المواصفات. وإذا كان ثمة عنصر آخر يحمل تلك السمة، فدعونا نعرف ما هو!» وقد صدَّ دوكينز طلب مجلة نيو ساينتيست للتعليق بقوله المقتضب: «ليس لدي ما أضيفه.» ولكنَّ أنصار الرؤية المختلفة لعملية التطور لديهم ما يضيفونه، فتقول ويست إيبرهارد: «التطور هو تغير في النمط الظاهري قائم على تغير في التواتر الجيني. ولكنه صار من قبيل التضليل أن نقول: إنَّ التطور عبارة عن تغير جيني! فإذا شرعت في قول ذلك؛ فستخسر النمط الظاهري وتبدأ في الظن أن الانتخاب الطبيعي يقتصر على التواتر الجيني، وهذا هو ما حدث لجيل كامل في الواقع.»

قد يبدو ذلك مجرد اختلاف بسيط في العامل الذي يؤكد عليه أنصار الرؤيتين، لكنه اختلاف مهم. فإذا كانت الجينات بالفعل تتبع الاتجاه التطوري الذي يقوده النمط الظاهري في أحيان كثيرة؛ فسيكون لذلك تبعات مهمة فيما يتعلق بعملية التطور. ويقول ريتشرسون: إنه يمكن للمرونة في تطور الأفراد والسلوك أن تساعد الكائنات على التكيف مع البيئات الجديدة حتى عندما تفتقر إلى المادة الخام الجينية لذلك. على سبيل المثال: الطيور ذات الدماغ الكبير — ومن ثم الأكثر مرونة في سلوكها — يُرَجَّح أكثر أن توطِّد أقدامها عند إدخالها إلى بيئة جديدة. ويقول: «يَسْهُل إدخال الطيور كبيرة الدماغ مثل الغراب والببغاء في البيئات الجديدة، فقد أفلت بعضها من التدجين ووجد سبيله فورًا في البرية.»

وقد يكون شيئًا مشابهًا هو أساس دفقات التنوع التي غالبًا ما تحدث عندما يستوطن أحد الأنواع بيئة جديدة. على سبيل المثال: توصلت دراسة أُجرِيَت على الأسماك والبرمائيات إلى أنَّ أعلى معدَّل للتنوع التطوري موجود لدى المجموعات التي تضمُّ أكثر الأنواع مرونةً في اختيار الغذاء. وكما يقول كورنينج: تخيَّل إذا كان أول عصفور من الشرشوريات وصل إلى جزر جالاباجوس يفتقر إلى القدرة السلوكية على تجربة أنواع جديدة من الغذاء! في هذه الحالة، كان داروين سيضطر إلى البحث في مكان آخر عن أدلة على عملية التطور.

قد لا يكون ذلك سوى قطرة في بحر التطور الواسع. وتقول إيفا يابلونكا من جامعة تل أبيب في إسرائيل: «أظن أن التعلُّم كان له أهمية هائلة في عملية التطور. فما إن يتطور التعلم؛ فإنه يصير القوة المحرِّكة لتطور الحيوانات.» في الواقع ترى يابلونكا أن تطور التعلُّم الترابطي ربما كان هو ما أشعل فتيل الانفجار الكمبري؛ أي انفجار التنوع المفاجئ نسبيًّا الذي أنتج شُعَب الحيوانات الموجودة اليوم كلها تقريبًا قبل ٥٥٠ مليون عام. وإذا كانت محقَّة، فإننا ندين بالفضل في كل شيء تقريبًا — بدءًا من تنوع الحياة الحيوانية إلى الثقافة الإنسانية — إلى قدرة الكائنات الحية على توجيه عملية تطورها في اتجاه يعود عليها بالنفع.

المراهنة على التطور

هل يمكن أن تكون الكائنات الحية قادرة على استدعاء الطفرات عندما تحتاج إليها؟ لم تثبت تلك الفكرة، ولكنها ليست بعيدة الاحتمال كما قد تتصور.

بادئ ذي بدء، يحمل جينوم كل فرد ما يُسَمَّى علامات تخلُّقية، وهي علامات جزيئية تشغِّل الجينات وتوقفها عن العمل. وفيما يبدو — على حد قول باتريك بيتسون من جامعة كامبريدج — يؤدي تغيير إحدى تلك العلامات إلى رفع معدل الطفرات الجينية في تلك البقعة. ومن ثم، عندما يشغِّل كائن ما جينات ويوقف تشغيل أخرى بغية التكيف مع ظروف جديدة، قد يسفر ذلك أيضًا عن نوبة من الطفرات في الجينات نفسها أو التسلسلات المنظِّمة لها. ستكون تلك الطفرات نفسها عشوائية، ومن ثمَّ ليست بالضرورة نافعة، ولكنها على الأقل ستركِّز على الجينات التي تحتاج إلى تعديل.

إضافة إلى ذلك، ثمة أنواع عديدة مختلفة من الضغوط — منها المجاعة والإصابة بجروح والعدوى — يمكن أن تخلَّ بأسلوب العمل الطبيعي للجينات. فقد ينجم عن ذلك تعديل جيني بهدف خلق تنظيمات جديدة للجينوم، في عملية يدعوها جيمس شابيرو من جامعة شيكاجو: «الهندسة الوراثية الطبيعية». عادةً ما يكون الجينوم مستقرًّا نسبيًّا؛ مما يوفر للكائنات طريقة لإجراء التجارب عندما يسوء الوضع، على أمل إيجاد أساليب أفضل للتكيُّف. ويقول شابيرو: إن نفس العملية تتم عند تهجين نوعين. فنظرًا لأن عمليات التهجين تحدث غالبًا في ظل ظروف عصيبة، بسبب وجود عدد قليل للغاية من أفراد النوع الواحد، فإن هذا يتيح للأنواع أن تجازف مجددًا في الوقت الذي تكون فيه في حاجة ملحَّة إلى فكرة تطورية جديدة. ومع ذلك، فقد ينتهي الحال بها إلى دفع حياتها ثمنًا لتلك المجازفة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.