قال الرئيس أوباما أثناء خطابٍ له في ديسمبر الماضي: «رغم أننا لا نَعِد بأن يحقِّق الجميع نتائج متساوية، فقد كافحنا لتوفير فرص متساوية، عبر فكرة اعتماد النجاح … على الجهد والاستحقاق.» لكنه واصل حديثه معترفًا بأن النجاح في الولايات المتحدة أصبح أكثر اعتمادًا الآن من أي وقت مضى على الانتماء لأهل الثروة والمكانة.

أوباما ليس سعيدًا على الإطلاق بانخفاض معدل الحراك الاجتماعي.
أوباما ليس سعيدًا على الإطلاق بانخفاض معدل الحراك الاجتماعي.

وفي المملكة المتحدة، تناول مؤخرًا عمدة مدينة لندن، بوريس جونسون — الذي يعتبره البعض رئيس وزراء مستقبليًّا — قضية اللامساواة المتزايدة، لكن رؤيته كانت مختلفة نوعًا ما؛ فالنجاح — كما يقترح جونسون — يعتمد اعتمادًا مطلقًا على حاصل الذكاء، ومن ثَمَّ كل ما نستطيع فعله هو منح أذكى الأطفال أفضل فرص النجاح.

تطرح تلك الخُطَب قضايا متنوعة، لكن في لُبِّها تكمُن فكرتان متناقضتان حول متطلبات النجاح. فمن منظور البعض، الأمر كله يتعلق بالطبيعة؛ بأن الجينات هي التي تحدد النجاح. وبالنسبة للبعض الآخر، التنشئة هي العامل الأساسي، فأي شخص يستطيع النجاح متى مُنح فرصة. إذن أيٌّ من هاتين الفكرتين أقرب إلى الواقع؟

غنيٌّ عن القول أن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك؛ إذ تلعب الجينات التي يرثها الناس دورًا مهمًّا، لكن دور بيئتهم لا يقل أهمية. فحتى حاصل الذكاء — الذي يقيس معدل الذكاء الفطري كما يزعم الباحثون — قد تغيره تنشئة الفرد؛ مما يعني وجود الكثير مما يمكن فعله لزيادة نجاح الأفراد. لكن هل تتبع الحكومات، والمدارس، والآباء الأساليبَ الصحيحة؟

تَعزَّز هذا الجدل الدائر حول النجاح بدراسة حديثة على التوائم، أجراها روبرت بلومن من كلية كينجز كوليدج لندن، وكشفت أن الاختلافات في أداء الأطفال الأكاديمي في مدارس المملكة المتحدة يرجع إلى سمات موروثة أكثر مما يرجع إلى التدريس أو غير ذلك من العوامل البيئية. وهي نتائج لا ينبغي أن تدهشنا كثيرًا؛ لأننا شبه متيقنين من اعتماد قاسم كبير من الذكاء على الجينات، ومن تفوق الأطفال الأذكياء عادةً في المدارس.

لكن النتائج لا تَعْنِي أن التدريس لا يهم، فالزعم بذلك يشبه الزعم بأن الطعام لا يؤثر على طول الأطفال جيِّدِي التغذية؛ لأن الجينات هي المسئول الأول عن الاختلافات في الطول. بل يقول بلومن إن دور الجينات الكبير في الحقيقة قد يعتبر عاملًا إيجابيًّا؛ لأنه كلما اتسمت البيئة بالمساواة زادت أهمية الجينات، في مقابل ثروة الأهل على سبيل المثال. كذلك يضيف ألَّا ينبغي أن نفهم من نتائجه وجوب إغداق الموارد على نخبة ضئيلة العدد.

أحد أسباب ذلك أن الأطفال ذوي حاصل الذكاء الأعلى ليسوا بالضرورة الأعظم نجاحًا في حياتهم لاحقًا. ففي عشرينيات القرن الماضي، أجرى لويس تيرمان –– عالم النفس بجامعة ستانفورد — دراسةً على ١٥٢٨ طفلًا في كاليفورنيا ممن حققوا نتائج مرتفعة للغاية في اختبار ستانفورد-بينيه للذكاء. ومثل جونسون، كان تيرمان مقتنعًا بأن حاصل الذكاء هو مفتاح النجاح في الحياة لاحقًا، إذا عرَّفنا النجاح من منظور الدخل المكتسب والإنجازات (وبالطبع يمكن قياس النجاح من منظور السعادة على سبيل المثال، لكن هذا المقال سيركِّز على التعريفات المادية الأضيق نطاقًا). كان تيرمان على حقٍّ إلى حدٍّ ما، فمع بلوغ «أطفاله» مرحلة منتصف العمر كانوا قد نشروا قرابة ألفَيْ بحث ومقال، وفازوا ﺑ ٢٣٠ براءة اختراع، وكتبوا ٣٣ رواية و٣٧٥ قصة قصيرة ومسرحية، بينما كان متوسط دخلهم يعادل تقريبًا ثلاثة أضعاف متوسط الدخل في الولايات المتحدة بأسرها.

لكن هذه النتائج أقلُّ إثارة للإعجاب مما تبدو. فعلى الرغم من تمتُّع أطفال التجربة بمعامل ذكاء يصل إلى ١٤٧ في المتوسط، فإن قرابة ربعهم انتهى بهم الحال إلى العمل بوظائف أقل تميُّزًا؛ إذ أصبحوا موظفين أو ضباط شرطة أو مندوبي مبيعات أو حرفيين. في حين لم يصل إنتاج أيٍّ من أفراد المجموعة إلى مستوى الإنتاج الأكاديمي للفائزين بجائزة نوبل أو غيرهم ممن ينتمون للنخبة المثقفة في ذلك الوقت. وبالتأكيد عندما ركَّز تيرمان على نتائج حاصل الذكاء، استبعد أطفالًا مثل لويس ألفاريز وويليام شوكلي، اللذين تمكَّنَا من الفوز بجائزة نوبل في الفيزياء.

الأدهى من ذلك أنه لم يؤسس أيٌّ من أطفال تيرمان مشروعات رائدة، ومن ثَمَّ لم يصبحوا من كبار «صناع الثروات»؛ إذ كانت إحدى الحجج التي تدعم تفضيل النخبة هي قدرتها على تكوين ثروة تفيد البلاد. بل إن تيرمان اضطُرَّ بعد ٢٥ عامًا إلى الاعتراف بأن «الذكاء والإنجاز لا تجمعهما علاقة ارتباط مثالية».

الجينات مقابل البيئة

رغم أهمية الذكاء الواضحة، فإنه ليس في حدِّ ذاته ضامنًا للنجاح؛ إذ توجد كذلك أدلة قوية على أهمية العوامل البيئية، لا سيما فيما يتعلق بالحالة الاجتماعية الاقتصادية. فالأطفال الذين ترعرعوا في مناطق فقيرة لا تتوفر بها أجهزة كمبيوتر وكتب إلا على نطاق محدود، والذين لم يحظوا كذلك إلا بالقليل من الاستقرار والاهتمام الأبوي لا يعانون فحسب من مستوًى صحي أسوأ، بل كذلك تزداد احتمالية تدهور أدائهم المدرسي؛ مما يصعِّب عليهم كثيرًا تحقيق النجاح في سن البلوغ. وعلى العكس من ذلك، ترعرع العديد من الناجحين من أصحاب المشروعات والقادة وأصحاب الإنجازات الفنية في بيئات مشجعة، تحيط بهم كتب متنوعة، ويشاركون في محادثات محفزة في أوقات الطعام.

أما الأطفال الذين انفصل آباؤهم أو مَن نشئوا في بيوت تفتقد الاستقرار العاطفي، فيبدءون حياتهم في ظل ظروف سيئة، بغضِّ النظر عن خلفيتهم الاجتماعية؛ إذ يميلون أكثر إلى السلوكيات السيئة وضعف الأداء المدرسي.

ويحذر إدوارد ميليويش — الأستاذ بكلية بيركبيك، جامعة لندن، والذي يدرس نمو الأطفال — من أن الأطفال تحت سن الخامسة الذين يفتقدون مشاعر الحب بانتظام، والتواصل السريع الاستجابة من آبائهم أو المسئولين عن رعايتهم يعانون ضعفًا في تطورهم العاطفي والاجتماعي. كذلك يؤثِّر هذا تأثيرًا حاسمًا على مهاراتهم اللغوية، وهو من وجهة نظر ميليويش السبب الرئيسي للأداء المدرسي الضعيف المعتاد لدى الأطفال المحرومين. فيقول: «إن تحسن التطور اللغوي يساعد على تدعيم التطور المعرفي، والقراءة والكتابة، والإنجاز التعليمي بالإضافة إلى المهارات الاجتماعية.»

بعبارةٍ أخرى، للبيئة تأثيرات عميقة؛ فالتنشئة الفقيرة قد تقلِّل من قدرة الطفل المعرفية بنسبة تعادل ٩ درجات على مقياس حاصل الذكاء (دورية تشايلد ديفِلوبمنت، المجلد ٦٥، صفحة ٢٩٦). وعلى الجانب الآخر، قد تعزِّز البيئة المتميزة حاصل الذكاء، فالأطفال المتبنَّون الذين وُلدوا في بيئة فقيرة لكن ترعرعوا في بيوت موسرة أظهروا تقدُّمًا كبيرًا في حاصل الذكاء مقارنةً بإخوتهم الذين لم يتبنَّهم أحد.

لتلك النتائج آثار واضحة؛ فلكي نساعد جميع الأطفال على تحقيق قدراتهم، لا يكفي الانتظار حتى يدخلوا المدرسة، فعندئذٍ ربما يكون قد فات الأوان بالفعل. فما نحتاج إليه — من منظور ميليويش — هو «مراكز تعليمية مبكرة» عالية الجودة، تجمع في مكان واحد بين رعاية الطفل ودعم الآباء والرعاية الصحية والتعلم، وهي تمثل تدخُّلًا أثبت بالفعل فائدته لدى الأطفال من مختلِف البيئات، ولا سيما الأطفال المحرومين.

أصبحت أهمية التدخُّل المبكر معترفًا بها الآن على نطاق واسع، وقد أدت إلى خروج مبادرات في مجال تنمية الطفل مثل «بداية صائبة» في المملكة المتحدة، و«انطلاقة رائدة» في الولايات المتحدة. ويسعى الرئيس أوباما حاليًّا إلى الحصول على دعم الأحزاب لخططه التي تهدف لتوسيع فرص الوصول إلى التعليم السابق لمرحلة الروضة؛ إذ قال في يناير: «تشير الأبحاث إلى أن أحد أفضل الاستثمارات في حياة الطفل هو تعليم مبكر عالي الجودة.» لكن في المملكة المتحدة — على الرغم من ذلك — خُفضت ميزانية مبادرة «بداية صائبة» بمقدار الثلث خلال العامين الماضيين.

مع ذلك، لا يقتصر النجاح على قدرات المرء الفطرية وعلى الترعرع في بيئة تساعده على استغلالها فحسب؛ إذ يقول العالم النفسي كيه أندرس إريكسون — الأستاذ بجامعة فلوريدا الحكومية في مدينة تالاهاسي: «لا يبدو أن القدرة المعرفية والذكاء يتنبآن بالاختلافات الفردية في الأداء بين الأفراد الماهرين ذوي الخبرة.» فيزعم مع آخرين أن إنجازات النخبة في كثير من المجالات — من بينها الموسيقى والألعاب الرياضية إلى جانب الشطرنج، وغير ذلك من الأنشطة التي تستلزم استخدام الذاكرة — ترجع إلى التدريب المركَّز أكثر بكثير من الموهبة الفطرية.

لكن لماذا يتدرب بعض الناس أكثر من البعض الآخر؟ في مرحلة مبكرة، قد يرجع ذلك إلى تأثير الآباء اللحوحين. لكن بعض العوامل تبدو ضرورية لأي شخص يخطط للوصول إلى القمة، فعلى سبيل المثال، لن يحقق الفرد مستوًى عاليًا من الإنجاز دون القدرة على المثابرة والالتزام الدائم بالأهداف بعيدة المدى، أو ما يُطلَق عليه الإصرار (راجع الشكل التوضيحي). تصف أنجيلا دَكورث — الأستاذ المساعد بجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا — هذه القدرة قائلةً: «الأفراد الأكثر إصرارًا هم أنجح من الآخرين، لا سيما في المواقف التي تطرح تحديًا.»

أهمية التحفيز: يلعب حاصل الذكاء دورًا كبيرًا في الأداء الأكاديمي، لكن التحفيز مهم كذلك، لا سيما عند البحث عن وظيفة.
أهمية التحفيز: يلعب حاصل الذكاء دورًا كبيرًا في الأداء الأكاديمي، لكن التحفيز مهم كذلك، لا سيما عند البحث عن وظيفة.

ما الذي يجعل للناس هذه القدرة على الإصرار؟ جزء من الإجابة عن هذا السؤال هو التحفيز. فقد أوضحت دَكورث أن الأفراد يحققون نتائج أعلى في اختبارات حاصل الذكاء إذا أعطيتهم حافزًا مثل مكافأة مالية صغيرة (دورية بروسيدينجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز، المجلد ١٠٨، صفحة ٧٧١٦). ولتلك النتائج آثار هامة على دراسة النجاح. فغالبًا ما يشير علماء النفس والاقتصاديون وعلماء الاجتماع إلى الارتباط بين نتائج اختبار حاصل الذكاء ومكاسب الحياة كدليل على اعتماد النجاح في أغلب الأحيان على الذكاء. مع ذلك، تشير أبحاث دَكورث إلى أن اختبارات حاصل الذكاء لا تقيس الذكاء فحسب، وأن التحفيز يعدُّ مصدر قوة فعالًا.

يتطلب الإصرار عاملًا آخر أيضًا، ألا وهو قوة الإرادة التي تساعد المرء على إنجاز عمل ما حتى نهايته. وتتطلب مثابرةً كبيرةً ومقاومةً للرغبات والنزوات التي تُشتِّت الانتباه. تتمحور قوة الإرادة في الغالب حول التحكم في الذات؛ مما يجعلها وثيقة الصلة بالسعي وراء الإنجاز من خلال أمرين مهمين:

أولًا: للتحكم في الذات — مثله مثل الذكاء — فوائد تمتدُّ طوال العمر. ويعتبر عاملًا أفضل للتنبؤ بنتائج الاختبارات لدى المراهقين مقارنةً بنتائج اختبارات حاصل الذكاء؛ إذ تزداد احتمالية التزام الطلاب الذين يتمتعون بالتحكم الذاتي الأعلى بمواعيد المدرسة وأداء واجباتهم وقضاء وقت أقل في مشاهدة التليفزيون، وكلها عوامل اكتشفت دَكورث تأثيرها في الحصول على درجات أفضل. كذلك كشفت دراسة أحدث — تابعت ألف طفل في نيوزيلاندا منذ الميلاد حتى سن ٣٢ عامًا — أن أولئك الذين أظهروا قدرة كبرى على التحكم في الذات في الطفولة تمتَّعُوا بالمزيد من الصحة والاستقرار العاطفي عندما وصلوا إلى سن النضج. كذلك كان وضعهم أفضل من الناحية المادية (دورية بروسيدينجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز، المجلد ١٠٨، صفحة ٢٦٩٣).

التحكم في الذات

يعكس ذلك ملاحظة شهيرة أبداها عالم النفس والتر ميشيل، الذي يعمل حاليًّا في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. ففي أواخر ستينيات القرن العشرين، عرض ميشيل على أطفال صغار أن يختاروا تناول قطعة واحدة من الحلوى فورًا أو الانتظار لمدة ١٥ دقيقة والحصول على قطعتين. وبعد سنوات، اكتشف أن الأطفال الذين استطاعوا الانتظار كان أداؤهم أفضلَ في المدرسة الثانوية مقارنةً بأولئك الذين استسلموا للإغراء. كذلك عندما أصبحوا بالغين، كان أولئك القادرون على تأجيل المتعة محبوبين أكثر بين أقرانهم، وأقلَّ عرضة لزيادة الوزن، وكانت مرتباتهم أعلى.

أما الأمر الثاني المهم فيما يتعلق بالتحكم في الذات، فهو قابليته للتحسن؛ ويشبهه روي باومايستر — من جامعة فلوريدا الحكومية في مدينة تالاهاسي — بالعضلة التي يمكن تقويتها عبر ممارسة التمارين الرياضية. وقد اكتشف فريقه أن ممارسة التحكم في الذات في مجال واحد من مجالات الحياة سيحسِّنه في كافة المجالات الأخرى (مجلة نيو ساينتيست، ٢٨ يناير ٢٠١٢، صفحة ٣٠). كذلك لاحظ الفريق أن بعض الناس يتحسنون أكثر من البعض الآخر، ربما لأنهم يتمتعون بقدر أكبر من التحكم في الذات منذ البداية، ومن ثم كان التزامهم بالتدريب عليه أفضل. يقول باومايستر: «إنها عملية دائرية، وذلك سبب أدعى لأن يعطي الآباء أولوية لتدعيم قوة الإرادة لدى الطفل في بداية حياته.» وعلاوة على ذلك، يلعب التحكم في الذات دورًا محوريًّا في التدريب المركَّز — الضروري لتطوير أي مهارة — بما أن التدريب المتعمد يتمحور حول دفع نفسك للقيام بأصعب الأعمال بدلًا من مجرد تنفيذها على نحو آلي دون حماسة، على حد قول باومايستر.

من المفترض أن الوعي بالقدرة على تحسين قوة إرادتنا وزيادة إصرارنا عند مواجهة العقبات يجعلنا أكثر تفاؤلًا حيال ما نَقْدِر على فعله. ولسوء الحظ، غالبًا ما تقيِّدنا معتقداتنا الخاصة حول أنفسنا وقدرتنا على التغير؛ إذ أوضح علماء النفس التطوريون أن العقلية الثابتة — التي تنظر إلى خصائص مثل الذكاء والشخصية على أنها راسخة لا تتغيَّر — تدفع الناس إلى الخوف من الفشل، وإبداء رد فعل سيئ تجاه النقد، وتجنب المهام الجديدة أو الصعبة؛ مما يبعد المرء عن طريق النجاح. من ناحية أخرى، فإن الاعتقاد بمرونة سماتك الشخصية يجعلك أكثر استعدادًا لاستغلال كامل قدراتك وتعلُّم مهارات جديدة.

على مدار العقد الماضي، استطاع فريق بقيادة كارول دويك — الباحثة بجامعة ستانفورد — تحسين سجلَّات الحضور والدرجات لدى آلاف الطلاب في المدارس والكليات عبر الولايات المتحدة، عندما علَّمَتْهم ببساطة أن الذكاء ليس ثابتًا، وأن الاجتهاد قد يزيد من ذكائهم، وأن الكفاح للتأقلم مع الكلية هو عملية تعلم طبيعية وليست علامة على ضعف الذكاء. وتقول دويك إن عقليةً تؤمن ﺑ «النمو» تعتبر مفيدة في جميع مراحل الحياة؛ إذ «ستتيح لك مواجهة المزيد من التحديات، ولن تتمكَّن العقبات من تثبيط عزيمتك أو إضعاف ما تبذله من جهد.»

إنَّ للعقلية الجامدة أخطارًا بالغة، خاصةً لدى أفراد المجموعات التي يحصرها المجتمع في أنماط سلبية، مثل الأمريكيين من أصول أفريقية أو النساء، ممن قد يمتثلون إلى ما تفرضه عليهم تلك الأنماط دون دراية. وبينما من الصعب تغيير السلوكيات الاجتماعية، فإن تغيير العقليات يعدُّ بالمقارنة مهمةً سهلة. فمؤخرًا — في دراسة لم تُنشر بعد — ساعد فريق دويك مجموعة من الأمريكيين من أصول أفريقية ممن تخرجوا في المدرسة على تحسين أدائهم في الجامعة عبر تشجيع عقلية تؤمن بالنمو لديهم، ليس إلا.

ترى الأبحاث التي تتناول قوة الإرادة والعقلية أننا نملك بعض التأثير على السمات التي وُلِدنا بها. مع ذلك، فإن من الخطأ اعتبار ذلك انتصارًا للتنشئة على الفطرة، إذ يقول سكوت باري كاوفمان، الذي يدرس الذكاء والإبداع في جامعة نيويورك: «تشارك الجينات في الاختلافات الفردية في جميع الخصائص السيكولوجية التي نستطيع قياسها تقريبًا، من بينها السمات الشخصية والقدرات المعرفية.» لكنه يضيف رغم ذلك أن جميع الخصائص تحتاج إلى تطوير (انظر الرسم البياني)، مستطردًا: «تلعب البيئة والقرارات الحياتية من ناحية الفرد دورًا محوريًّا في تمكين ذلك التطوير.»

الموهبة في مقابل الجهد: يعتبر التدريب أهمَّ من القدرة الفطرية عند قراءة أو عزف النوتة الموسيقية، لكن الأفراد الذين يتمتَّعون بذاكرة عاملة أفضل يتفوقون — إذا تدربوا — على الآخرين.
الموهبة في مقابل الجهد: يعتبر التدريب أهمَّ من القدرة الفطرية عند قراءة أو عزف النوتة الموسيقية، لكن الأفراد الذين يتمتَّعون بذاكرة عاملة أفضل يتفوقون — إذا تدربوا — على الآخرين.

كذلك يزعم إريكسون أن المرء — في معظم الأحوال — يستطيع اكتساب خبرة في أي مجال شريطة أن يتدرب لفترة زمنية كافية وبطريقة سليمة. إلا أن سريعي التعلم — الأكثر موهبةً — سيتفوَّقون دومًا على الأفراد الأقل سرعة، على حد قول دين كيث سيمنتون من جامعة كاليفورنيا بمدينة ديفيز، الذي استطرد: «بالطبع في وسعي أن أصبح عازفَ كمان بارعًا إذا بذلتُ وقتًا وجهدًا كافيَيْن في التدريب، لكن إذا لم أُصبح مستعدًّا لخوض تجربة العمل في وظيفة عازف الكمان الثاني في أوركسترا محلية إلا في سن الخمسين، فما الفائدة إذن؟»

أهمية الأحلام

لا يقتصر الأمر فحسب على تمتع بعض الأفراد بمواهب تزيد عن الآخرين في مجال واحد، بل إن الناس يتمتعون أيضًا بمواهب في مجالات مختلفة. لكن إذا تعلم جميع الأطفال نفس الأشياء بنفس الطريقة، فلن تتاح فرصة التفوق إلا لبعضهم فحسب. إن نظام المدارس «المناسب للجميع» الذي تتبنَّاه المملكة المتحدة بجانب المنهج الدراسي القومي الموجه نحو تقليل تفاوت الفرص إلى أقصى حد، ربما يحابي مجموعة جزئية من الأطفال دون قصد. وتقريبًا فضَّل جميع علماء النفس وخبراء التطور — الذين اتصلت بهم مجلة نيو ساينتيست — نظامًا مدرسيًّا يَرعَى نطاقًا أوسع من المواهب والاهتمامات، ويقلِّل من التركيز على المقاييس والأهداف.

ويقول إريكسون: «كل طالب يختلف عن زميله؛ لذا نحتاج إلى اختيارات متعددة.» يمكن تشبيه ذلك بالمثال التالي: كلما زاد عدد البيئات المناسبة داخل حديقة ما — كأن تضم أجزاءً مشمسة وأخرى ظليلة ورطبة وغير ذلك — اتسع نطاق النباتات التي تستطيع الازدهار فيها.

ينبغي على المدارس التشجيع على التعليم المتعمق الشخصي في مجموعة أضيق من المعارف، والسماح للأطفال بالنمو بالسرعة التي تناسبهم، على حد زعم كاوفمان. فالكثير من الناس يُظهِرون مواهبهم متأخرًا، لا سيما في الفن والعلوم؛ مما يتطلب مجموعة من المهارات المعرفية والاجتماعية: «قد يستغرق البعض وقتًا طويلًا للتغلب على العقبات، وعندئذٍ يتمكَّنون أخيرًا من الانطلاق نحو العظمة.»

أما ما يعيق ذلك — حسب رأي الخبراء — فهو إدخال المزيد من الاختبارات الموحدة، كما تفعل المملكة المتحدة. وفي حين تقلُّ نسبة المركزية في النظام الأمريكي، فإنه كذلك يخضع لهيمنة الاختبارات الموحدة. وينصح كاوفمان «بالاستماع إلى أحلام الأطفال وتشجيعهم — بغض النظر عن نتائج اختباراتهم أو خلفيَّاتهم السابقة — ومنح المكافآت بناءً على الجهد وعملية التعلم لا وفقًا للنتائج الأكاديمية الموحدة.»

وماذا عن التشجيع على الحلم؟ قد لا يبدو ذلك منهجًا لتحقيق النجاح من منظور البعض، لكنه قد يكون أهمَّ عامل على الإطلاق. فعندما تتبَّع عالم النفس الأمريكي إيليس بول تورانس حياةَ عدة مئات من أفضل الناجحين المبدعين بدءًا من المدرسة الثانوية وحتى منتصف العمر — من بينهم أكاديميون، وكتاب، ومخترعون، ومعلِّمون، ومستشارون، ومديرون تنفيذيون في شركات، وكاتب أغانٍ — لاحظ أن ما ميَّزهم لم يكن قدراتهم الدراسية أو الفنية أو إنجازاتهم المدرسية، وإنما سمات شخصية مثل امتلاك هدف، والإقدام على الإبداع، والاستمتاع بالتفكير العميق، وعدم القلق من اعتناق رأي لا يشاركه فيه باقي الناس. والأهم من هذا كله — حسبما يعتقد — هو «عشق حلم ما»، يفضل في سن صغيرة، ثم السعي وراءه بحماس.

أطلق تورانس على مجموعته ممن يحلِّقون في سماء النجاح اسم «المتجاوزين»؛ إذ قدَّر أن إنجازاتهم تخطت أيًّا مما تستطيع الاختبارات الكمية القياسية التنبؤ به، وتجاوزت أشد أحلام الآخرين جموحًا.

كيف تربي أطفالًا ناجحين؟

ما الذي يستطيع الآباء فعله لضمان حصول أطفالهم على أفضل فرصة لتحقيق قدراتهم الكامنة؟ إن مهمتهم ليست بسيطة على الإطلاق، بما أن مكمن نقاط القوى لدى الأطفال ومواهبهم لن يتضح مباشرةً. بل يعتبر أفضل منهج هو تشجيع أية ميول واهتمامات يبدونها.

لا يقتصر ذلك فحسب على السماح لهم بالسعي نحو اتجاهات بعيدة عن اختيارات آبائهم الأولى، كأن يختار الطفل أن يصبح شاعرًا لا طبيبًا — على حد قول دين كيث سيمنتون — بل يشمل تشجيعهم وإدراك أن الاستثمار في بعض المجالات قد لا يَلْقَى نجاحًا؛ كأن «يترك طفلك فريق الهوكي في السنة الأولى بعدما أنفقت مبلغًا طائلًا في شراء لوازم اللعبة.»

وحتى إن لم يتجه الأطفال في النهاية نحو الاستمرار في مجال معين — سواء ممارسة رياضة أو عزف آلة موسيقية — فإن الوصول إلى الاحترافية في أحد المجالات يساعدهم على فهم كيفية اكتساب مهارات طويلة الأجل في المجالات الأخرى. ربما تكون أفضل نصيحة على الإطلاق هي تعليم الآباء لأبنائهم ما تطلق عليه كارول دويك «عقلية النمو»؛ ألا وهي الإيمان بإمكانية تطوير القدرات عبر تكريس الوقت والجهد والتدريب، وبأن هذه القدرات ليست ثابتة بالفطرة. وتنصح كارول الآباء بالثناء على الجهد والتقدم، لا الذكاء والموهبة؛ فالاتجاه الأول سيشجِّعُهم على مواصلة المحاولة، أما الثاني فسيجعلهم يرغبون في الاستسلام عند أولى بوادر الفشل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.