في ٢٥ مارس عام ١٥٨٦، سُحقت مارجريت كليزرو في كشك دفع الرسوم على جسر الإوز بمدينة يورك حتى لفظت أنفاسها الأخيرة وهي عارية إلا من قميص نسائي داخلي من الكتان، وكان هذا العقاب معروفًا ﺑ «الصارم والشديد» وقتها. وتحكي القصة أن مارجريت «لقيت حتفها في ربع ساعة؛ إذ «وُضع تحت ظهرها حجر حاد في حجم قبضة اليد»، وفوقها — أو بالأحرى فوق الباب الموضوع فوقها — وُضعت حجارة «يصل وزنها إلى سبعة أو ثمانية قناطير على الأقل؛ مما أدى إلى تحطيم ضلوعها واندفاعها خارج الجلد».»

صدر الحكم على مارجريت في ظروف مثيرة للجدل جدًّا شهدتها البلاد قبل بضعة أيام من الحكم. وبينما تجادلت كليزرو ومأمور المدينة السيد فاوست في لحظاتها الأخيرة حول ما إذا كانت ستموت شهيدة في سبيل المعتقد المسيحي والكنيسة (الكاثوليكية) الحقة أو خائنة لزوجها وأطفالها وبلدها، كان مساعد المأمور — السيد جبسون — واقفًا ينشج على الباب. إن مصير كليزرو كان استثنائيًّا — كواحدة من ثلاث سيدات فحسب استشهدن على يد حكومة الملكة إليزابيث — وكان إعدامها نتاجًا لحشد من الظروف الاستثنائية بدورها؛ إذ خرجت إجراءات الدعوى ضدها عن نطاق السيطرة لتبلغ ذروتها في محاكمة شكلية جاءت نتائجها على عكس ما تمنَّت السلطة المحلية التي أقامتها، وجلبت التعاطف وسوء السمعة على حدٍّ سواء للسيدة كليزرو نفسها.

كانت مارجريت كليزرو (التي وُلدت تقريبًا عام ١٥٥٢) زوجة جزار، وكانت على صلة جيدة نسبيًّا بذوي الشأن في مجتمع مدينة يورك. وكان زوج أمها هنري ماي رجلًا ينتظره مستقبل مرموق، فقد كان أحد المقربين من هنري هاستنجز رئيس مجلس الشمال والملقب باسم الإيرل البيوريتاني، وهو الإيرل الثالث لمدينة هنتنجدون. ولذا أدى صعود ماي السريع، والذي كان فيما يبدو من الصعب مقاومته، إلى توليه منصب عمدة مدينة يورك في أوائل عام ١٥٨٦.

ربما كانت مدينة يورك مركز الحكومة الملكية في الشمال، إلا أنها كذلك كانت مأوى لكثير من الكاثوليكيين البارزين وسط نخبتها الحاكمة، وهم أناس ظلت عقيدتهم الكاثوليكية في كثير من الأحيان سرية وثابتة بذات الدرجة. وقد جارى الكثير منهم الجو السائد كي ينسجموا مع الناس، فكانوا يحاكون مظاهر الخضوع للكنيسة الوطنية، بينما استمروا في اعتناق المعتقدات الكاثوليكية والاحتفاظ بمعارف من الكاثوليكيين، وفي بعض الأحيان كانوا ينحرفون عن هذا التوجه تجاه الانفصال العلني عن الكنيسة، لكنهم كانوا يرتدُّون مجددًا إلى شكل من أشكال الخضوع (إذعانًا لقانون المذهب الواحد عام ١٥٥٩) كي لا يقعوا تحت طائلة القانون، وللاحتفاظ بتأثيرهم وسيطرتهم على المناصب المحلية.

راحة مباركة

منذ سبعينيات القرن السادس عشر، برز تكتل من «المنشقين» (الرافضين) حضور قداس الكنيسة المهرطقة مهما كلَّفهم من ثمن، وكانت السيدة كليزرو من بينهم. وكان تمردها راسخًا، بالرغم من خضوع زوجها، جون كليزرو، للكنيسة (ولدواعي المفارقة؛ دعم هذا الخضوع تمردها جزئيًّا)، فكان يدفع الغرامات المفروضة عليها جراء عصيانها، وكان فيما يبدو يتغاضى دون اكتراث عن فترات حبسها الدورية. ويبدو أن السيدة كليزرو نفسها كانت تعتبر فترات حبسها نوعًا من الراحة المباركة من دورها اليومي المرهق كزوجة وأم وسيدة أعمال محلية. وقد استغلت وقتها في السجن لتعلِّم نفسها القراءة ضمن أشياء أخرى.

ورغم خضوع زوجها للكنيسة، أصبح منزل كليزرو في شارع شامبلس مركزًا للنشاط الكاثوليكي، فكان بمنزلة منزل آمن للقسيسين الذين تدربوا في المعاهد اللاهوتية الجديدة في أوروبا، وكان كذلك بمنزلة مدرسة كاثوليكية صغيرة ومكانًا لإقامة القداس وسماع الاعترافات.

كان رفض كليزرو الذهاب إلى الكنيسة وفترات سجنها الناتجة عن ذلك سببًا في جعل تحديها للكنيسة أمرًا معروفًا للجميع. لكن مع أوائل عقد الثمانينيات في القرن السادس عشر، ومع اشتداد الإجراءات الصارمة التي فرضتها السلطات على الحركة الانفصالية الكاثوليكية، واعتقال كثير من القسيسين الذين كانت تُئويهم، واتهامهم بالخيانة، ومن ثم شنقهم وسحلهم والتمثيل بجثثهم عبر تمزيقها إلى أربع قطع في نيفزماير (الموقع المعتاد لتنفيذ أحكام الإعدام العلنية في مدينة يورك)؛ أصبح تمردها أكثر علنية، وبلغ ذروته مع الزيارات الليلية التي كانت تقوم بها إلى منطقة نيفزماير ذاتها. ووفقًا لجون ماش — القس الذي سمع اعترافات كليزرو في العامين الأخيرين من حياتها — فقد كانت تركع وتصلي هناك على الأرض التي شهدت مقتل القسيسين لفترات تتوقف على مدى قوة أعصاب شركائها في الجريمة التي كانت ترتكبها ممثلةً في هذه الزيارات، وهو ما يعدُّ تفانيًا شبه سري، ولكنه كذلك خطوة شبه علنية واستفزازية في غاية الجرأة.

إن رواية ماش التالية لحياة السيدة كليزرو — في كتابه «حياة وموت السيدة مارجريت كليزرو» — والتي يعتمد عليها جزء كبير من هذا المقال، توحي بأن حياتها في محل الجزارة في شارع شامبلس في يورك لم تكن هادئة تمامًا؛ إذ تحدث ماش بغموض شديد عن حجم المعاناة التي كانت مجبرة على تحملها بسبب زواجها. وكان زعم ماش الأكثر إثارة للجدل هو أن أفعال كليزرو المفعمة بالتحدي — مثل أدائها العلني لمظاهر العصيان الكاثوليكي القائم على مبادئ كانت تعتنقها — لم تكن موجهة فحسب إلى السلطات البروتستانتية، بل كانت موجهة كذلك نحو أقرانها الكاثوليكيين ممن اختاروا اتجاهًا يتضمن أدنى قدر (أو قدرًا قليلًا) من المقاومة وخضعوا على نحو ما لشروط النظام الحاكم، بعبارة أخرى: التزموا بدرجات مختلفة بشروط قانون المذهب الواحد. لم يعتبر هؤلاء الأشخاص موقفهم تخليًا عن المبادئ، لكن هكذا كان رأي الكاثوليكيين المتعصبين فيما فعلوه. في الحقيقة، كان أكثرهم تشددًا يصر على أن من يحضر قداس الكنيسة الوطنية يقترف إثمًا شنيعًا وهو الانشقاق عن الملة. وكان هذا الزعم على سبيل المثال محورًا رئيسيًّا في بعثة اليسوعيَّيْن إدموند كامبيون وروبرت بارسونز وقتها؛ إذ مر كامبيون بمدينة يورك قبل بضع سنوات، ولم يقابل السيدة كليزرو لكونها مسجونة في هذا الوقت، إلا أن تحديها العلني جعلها نموذجًا بارزًا إلى حد ما لدى رجال الدين المتشددين هؤلاء، وموضوعًا لاستمرار توبيخ إخوانها في الدين ممن يتبعون سياسةً أقل مواجهةً منها. وهذا لم يجعلها ذات شعبية في أوساط الكاثوليكيين الأكثر هدوءًا ممن كانت تتحدى موقفهم. ويروي جون ماش أن بعضًا منهم كانوا يردون على وعظها المسيحي حول هذا الموضوع بوعظ مماثل عبر الإشارة إلى أن موقفها المجابه للنظام يزيد الأمور سوءًا عبر جذب انتباه السلطات العدائي إليها، وفي الوقت ذاته يحرم زوجها وأبناءها من رعاية الزوجة والأم.

رسم توضيحي من كتاب جورج كارلتون «ذِكرٌ شكورٌ لرحمة الله» المنشور عام ١٦٢٧، يُظهر اليوسعيَّيْن روبرت بارسونز وإدموند كامبيون في دير. يحمل بارسونز إجازة بابوية، بينما يظهر كذلك في الخلفية مصير كامبيون وهو التعليق على حبل المشنقة. المتحف البريطاني.
رسم توضيحي من كتاب جورج كارلتون «ذِكرٌ شكورٌ لرحمة الله» المنشور عام ١٦٢٧، يُظهر اليوسعيَّيْن روبرت بارسونز وإدموند كامبيون في دير. يحمل بارسونز إجازة بابوية، بينما يظهر كذلك في الخلفية مصير كامبيون وهو التعليق على حبل المشنقة. المتحف البريطاني.

أصبح ذلك التضارب في الآراء عنيفًا إلى حد إثارة عدد من الإشاعات حول أن العلاقة بين السيدة كليزرو وضيوفها من رجال الدين أكثر حميمية مما ينبغي، وحول أن عصيانها لزوجها بلغ درجة يتنافى معها لقب القديسة الذي يُطلقه عليها أتباعها؛ أي إن مزاعم القداسة السامية كانت تواجهها اتهامات بالنفاق، والغرور، والفساد.

مع منتصف عقد الثمانينيات في القرن السادس عشر، تحول وضع السيدة كليزرو إلى قضية محلية مشهورة. ومن ناحية أخرى كانت السلطات مسلحة بتشريع جديد مُعادٍ للكاثوليكيين أجازه برلمان عام ١٥٨٥، وقررت السلطات حينها اتخاذ إجراءات ضدها، وبهذه الطريقة تتعامل مع التوترات الظاهرة داخل المجتمع الكاثوليكي المحلي وتتصدى للنشاط الذي تمارسه أقلية ضمن هذا المجتمع على حدٍّ سواء. وبالتأكيد أخذت السلطات في اعتبارها فيض المؤامرات حديثة العهد التي كانت تحاك ضد الملكة إليزابيث لصالح ماري ستيوارت بدعم من أقارب ماري المنتمين إلى عائلة جويز بفرنسا وبعض ممثلي الملكية الإسبانية، وهو التآمر الذي هدد أمن الدولة البروتستانتية الإنجليزية.

في حالة مارجريت كليزرو، كانت السياسة الجزئية لمدينة يورك — وقطعًا السياسية العائلية الداخلية — مرآة لقضايا وطنية ودولية أوسع؛ إذ تسبب موت أمها وصعود زوج أمها — هنري ماي — إلى منصب العمودية في حرمانها من مصدر حماية رئيسي، ومنح ماي الطَّموح دافعًا شخصيًّا وكذلك أيديولوجيًّا لتعرف حجمها. وهكذا في العاشر من مارس عام ١٥٨٦، استُدعي جون كليزرو فجأة للمثول أمام مجلس الشمال (لتبرير حقيقة إرسال زوجته لابنهما للخارج كي يتلقى تعليمه، كما كان يعتقد)، لكن في الحقيقة كان استدعاؤه مكيدة لإزاحته عن الطريق بينما يجري تفتيش بيته. وتمكن الكاهن المقيم وناظر المدرسة الكاثوليكية (المنعقدة في بيته) من الهرب، لكن السيدة كليزرو اعتُقلت وبحوزتها كم كبير من لوازم أداء الطقوس، واتُهمت بجريمة جديدة عقوبتها الإعدام؛ وهي إيواء قسيسين. ونظرًا لاختفاء الكاهن أصبح الشاهدَ الوحيدَ ضدها صبيٌّ يبلغ من العمر ١٤ عامًا تعرض للترويع حتى اعترف بأنها تُئوي رجال دين يعلمون الكاثوليكية في بيتها.

قررت السلطات تقديم السيدة كليزرو إلى محكمة شكلية معقودة لإظهار ثمن تحدي القانون أمام كاثوليك الشمال. وظل أمر محاكمتها مبهمًا، سواء أكان الهدف النهائي منها هو قتلها أو ترويعها حتى تُبدي شكلًا من أشكال الخضوع. وعلى الأرجح، كان الخيار الثاني هو المفضل لدى السلطات، لكن لا بد أن الخيار الأول ظل عاقبة مقبولة إذا أثبتت عنادها، وهو بالضبط ما برهنت عليه، ليس عبر رفضها للخضوع فحسب، بل عبر رفضها الرد على التهمة الموجهة إليها. ومع رفض مارجريت الخضوع للمحاكمة أمام هيئة المحلفين لم يعد أمام السلطات خيار قانوني آخر سوى معاقبتها بوسيلة التعذيب السائدة في القرون الوسطى، وهي السحق تحت الأثقال حتى تخضع بالرد على التهم الموجهة إليها أو تموت.

أسباب المقاومة

ما الذي دفع مارجريت على وجه التحديد للمقاومة بهذه الطريقة؟ فقد زعمت علانية أنها قررت عدم الرد على التهمة الموجهة إليها بدافع من المحبة المسيحية، فهي لم ترغب في أن تُحمِّل المحلفين وزر دمها. ويبدو أنها توقعت (وهو ما يدعمه البحث التاريخي المحلي) أنها إذا أذعنت بالفعل لإجراءات المحكمة المعمول بها فسوف تتضمن قائمة المحلفين بعضًا من كاثوليكيِّي يورك الأكثر خضوعًا للكنيسة (وهم نفس من نزعوا لانتقاد تعصبها) وتعينهم للحكم عليها، لا بالمعني القانوني الرسمي للكلمة فحسب، بل بالمعنى الأخلاقي كذلك. وهو أمر لم تكن مارجريت لتفضله قط.

كان رفض كليزرو الرد على التهم الموجهة إليها سببًا في قلب الطاولة على السلطات. فإذا كانت السلطات قد سعت إلى عقد محاكمة تُظهر حجم الخرافات والتحريض الكاثوليكي المحلي بهدف توضيح ثمن التمادي في تحدي كليزرو، فإنها حققت أكثر مما توقعته. إذ نالت المحاكمة المرغوبة؛ لكن تلك المحاكمة أصبحت الآن حدثًا يمكن استغلاله بمنتهى السهولة لإثبات استبداد النظام الذي كان يستعد لتنفيذ حكم السحق حتى الموت على زوجة وأم بريئة دون محاكمة فعلية على الإطلاق.

يبدو أن الموقف سبَّب ذعرًا كبيرًا على منصة القضاة؛ إذ ضاعفوا جهودهم لدفع مارجريت للخضوع للقانون، وزارها في السجن بعضٌ من أتقى رجال الدين البروتستانتيين بمدينة يورك، بل إن واحدًا منهم على الأقل — وهو جيلز ويجينتون المنتمي للمذهب البيوريتاني — ربما شعر ببعض الشفقة تجاهها. وحاول أفراد عائلتها إقناعها بالإذعان للسلطة، حتى إن زوج أمها — بعدما أدرك بدء تفاقم الوضع نحو الأسوأ — ركع على ركبتيه متوسلًا لها أن تبدي إشارة صغيرة نحو الخضوع كي يتمكن من تحريرها. وكان أحد القضاة — يُدعى جون كلينش — واثقًا في قرارة نفسه من أن القضية ضد كليزرو ضعيفة إلى حد يكفل خروجها من السجن قطعًا إذا وافقت فحسب على الخضوع للمحاكمة.

إلا أن كليزرو رفضت جميع تلك المحاولات رفضًا باتًّا. وأشار إليها البعض أنها قد تكون حاملًا، وبناءً على ذلك ربما يُقرَّر إرجاء تنفيذ العقوبة. وعليه اجتمعت هيئة محلفين من النساء لفحصها، وكان رأيهنَّ أنها على الأرجح حامل. مع ذلك لم تكن كليزرو ستذعن للمحاكمة دون التصريح بأنها قد تكون حاملًا، لكن حسم هذا الأمر يرجع للآخرين وليس لها.

عند هذه المرحلة، بدأ كلينش يصر على أنهم لا يستطيعون إعدام امرأة حامل، لكن من ناحية أخرى إذا اتبع القضاة هذا المسار فستبدو كليزرو هي الفائزة. وسواءٌ أكانت حاملًا أم لا، أصر بعض من الأعضاء القساة بمجلس الشمال على ضرورة موتها. ويروي ماش مشهدًا تجمَّع فيه بعضٌ من أكثر أعضاء المجلس قسوة حول كلينش في مكتبه في إحدى الأمسيات وأخبروه على نحو قاطع أن حكم الإعدام سينفذ سواءٌ أأعجبه الأمر أم لا، وأضاف رالف هرلستون أنه إذا كانت كليزرو حاملًا، فليتحمل هو إذن إثم موت الجنين. وهكذا سارت الأمور حتى تمخضت عن مشهد الختام الرهيب في كشك تحصيل الرسوم.

طوال الوقت لعبت السيدة كليزرو دور الشهيدة بحماس وإيمان راسخ، ذلك الدور الذي كانت تستعد له عن طريق مشاهدتها لكثير من مرشديها ورعاياها الكهنوتيين وهم يسيرون نحو حتفهم في نيفزماير. وفي لحظة ما، أخبرها ماش أنها إذا استمرت فيما تفعله فعليها أن تعد نفسها للاستشهاد. وكان سلوكها أثناء المحكمة يوحي بأنها أخذت كلماته بمنتهى الجدية، وحرصت على الابتسام بلامبالاة في وجه السلطات وإزاء مصيرها المحتمل.

شهيدة حقيقية أم شيطان أشِر

نتج عن ذلك مجموعة من الآراء المتناقضة حول سلوكها: فبينما رأى البعض أن الروح المقدسة كانت تغمرها وأنها ماتت ميتة الشهيد الحق، زعم آخرون أن ابتساماتها تدل على أنها كانت ممسوسة من «شيطان أشِر»، وأن تمردها لم يكن في الحقيقة سوى انتحار. وبعدما تقرر مصيرها، بذلت السلطات محاولة أخيرة يائسة لقلب الأمور لصالحهم، وذلك عبر اللجوء إلى تكتيك نشر الإشاعات حولها. فقد نشر زوج أمها مزاعم بأن قربها الروحاني من القسيسين قد اتخذ شكلًا شهوانيًّا ذا طابع جنسي واضح. بعبارة أخرى: أسفر عصيان مارجريت كليزرو لزوجها وإهمالها لأطفالها عن خيانة زوجية فعلية، إذ تحولت الزوجة العنيدة والأم العاقة بالكامل إلى امرأة زانية وعاهرة، وهو ما يتفق والتصور السائد في هذا العصر عن النساء بخصوص دورهن ومسئولياتهن في المجتمع. وكانت تلك محاولة لتحويل اللامبالاة التي أبدتها السيدة كليزرو في وجه هلاكها الوشيك وأدائها المتكامل لدور الشهيدة إلى النقيض التام، استنادًا إلى مجموعة متنوعة من التفسيرات المتناقضة تمامًا لشخصيتها، والتي انتشرت بين كلٍّ من البروتستانتيين، والأدهى من ذلك بين كاثوليكيِّي يورك على مر السنوات القليلة الماضية.

وكان نص جون ماش هو ثمرة النقاشات المترتبة على ذلك؛ إذ يعيد كتاب «حياة وموت السيدة مارجريت كليزرو» تقديم العديد من الإشاعات التي انتشرت حولها، وذلك من أجل تفنيدها، وبالطبع يمنحنا الكتاب عبر ذلك نظرة تنويرية استثنائية على السياسة الجزئية في مدينة يورك في منتصف ثمانينيات القرن السادس عشر. وقد أُعِدَّ نص ماش لإثبات أن كليزرو شهيدة وقديسة، أثبتت قدسية حياتها وموتها للأبد حقيقة التشدد الكاثوليكي الذي اعتنقته من لحظة اعتناقها الكاثوليكية في منتصف السبعينيات من القرن السادس عشر. إن رواية ماش — والتي تُعدُّ رائعة أدبية في حد ذاتها — لحياة كليزرو شكَّلت عملًا جدليًّا موجَّهًا، ليس فقط للنظام الذي أعدمها، لكنه موجَّه أيضًا إلى جيرانها الكاثوليكيين الأقل همة وحماسة، ممن فشلوا في تطبيق نموذجها وشاركوا بحماس في حملات التشويه ضدها عبر افتراءات العصيان والأنانية والدنس الجنسي.

على ضوء ما سبق، تَبرزُ كليزرو كضحية لنظام متعصب حقًّا، إلا أن أحداث بداية عام ١٥٨٦ لم تأتِ من فراغ، كما بدا لنا؛ إذ يمكن أن نجادل بأن انفصال كليزرو وأصدقائها عن الكنيسة كان سياسيًّا قدر ما كان دينيًّا (حيث إن هذين المصطلحين كان يمكن الفصل بينهما بالفعل في هذه الحقبة). فرواية ماش لحياة كليزرو على سبيل المثال هي واحدة من عدة نصوص كتبها في ثمانينيات القرن السادس عشر. وقد أَمكن على نحو نهائي تقريبًا إثبات أن على الأقل عملين جدليين بارزين آخرين مجهولَي المصدر كان قد كتبهما بين عامي ١٥٨٦ و١٥٨٨: أحدهما يدين بشدة حكومة إيرل هنتنجدون في شمال إنجلترا بوصفها حكومة استبدادية غاشمة، بينما يوجه الآخر نقدًا لاذعًا للكاثوليكيين المستعدين لتقديم درجة من الامتثال الديني والزعم — بناءً على ذلك — أنهم مخلصون سياسيًّا للملكة وفي ذات الوقت كاثوليكيون صالحون. والجدير بالملاحظة أن هذا العمل الثاني — الذي كان يدعو بالفعل جميع الكاثوليكيين الصالحين إلى رفض سلطة النظام المضطهد المهرطق — اكتمل يوم ١٠ مايو عام ١٥٨٨، قبل أسابيع فحسب من ظهور قوات الأسطول الإسباني (الأرمادا) في بحر المانش.

ظهر عام ١٥٨٧ رسمٌ يعرض مصير كليزرو في كتاب ديني بقلم ريتشارد فيرستيجان، وهو كاتب رأي عمل لدى ما كان يُعرف باسم الرابطة الكاثوليكية المقدسة، وهي عبارة عن اتحاد لمجموعة من الرجال الفرنسيين بدعم من فيليب الثاني ملك إسبانيا الذي كان يعارض جلوس المهرطق هنري ملك نافارا على عرش فرنسا خلفًا لآخر سلالة عائلة فالوا؛ الملك هنري الثالث. وتضمن نفس الكتاب كذلك رسمًا لمشهد إعدام ماري ستيوارت. لذا لا يمكن حقًّا لوم نظام الملكة إليزابيث عندما انتهى إلى حتمية الدفاع عن نفسه ضد التآمر الكاثوليكي، سواء ذلك الذي يحاك في أماكن مثل مدينة يورك أو ذلك الذي يهدف إلى تحقيق المطامع العالمية للملكية الإسبانية.

يساعد كل هذا في الإشارة إلى جوانب المخاطرة الأوسع نطاقًا التي تضمنتها قضية كليزرو. فمن ناحية قد نميل إلى النظر لكليزرو — كما نظر إليها مجموعة من المعلقين الأوائل — بصفتها ضحية، ليس لاستبداد واضطهاد دولة الملكة إليزابيث بوجه عام ونظام حكم إيرل هنتنجدون في الشمال بوجه خاص فحسب، لكنها كذلك ضحية — نوعًا ما — لرعاتها من رجال الكهنوت؛ إذ زعم البعض أنهم في الواقع تلاعبوا بمستوى التدين الطبيعي لامرأة بسيطة غير متعلمة واستغلوه للدفاع عن رؤيتهم المتزمتة لكاثوليكية منشقة بالكامل والإخلاص لفكرة الاستشهاد التي تدعم هذه الرؤية. فرغم كل ذلك، كانت مارجريت متأثرة بشدة بالأداء الحماسي للورع المميز لحركة الإصلاح الكاثوليكي المضاد. وبعد موتها، سعى ماش لإدراج قصتها كمثال في الحملات الأيديولوجية العنيفة التي كان يشنها.

إلا أن كليزرو تَبرُز كذلك عبر رواية ماش كشخص يعي تمامًا المخاطر الروحية والفردية والسياسية التي كانت تخاطر بها. وكانت طريقة وتوقيت موتها، على حدٍّ سواء، نتيجة مباشرة لاختياراتها التي توسل إليها مجموعة متنوعة من الناس وهددوها كي تتخذ نقيضها، والتي ظلت مخلصة لها وحدها في زنزانتها، وأخيرًا في كشك تحصيل الرسوم. وفي النهاية، قد ننظر إليها بصفتها سيدة مصيرها؛ إذ كانت تعي تمامًا المغزى المقصود من محاكمتها وموتها، وكانت مقتنعة بأن خلاصها الأبدي معرض للخطر، وأنها كانت تموت في سبيل الدين الحق. وعبر ذلك آمنت كليزرو قطعًا بأنها كانت تقدم لمعاصريها مثالًا هُم في حاجة ماسة إليه، بينما ترسل روحها مباشرة إلى الجنة، وهكذا صاغت نهايتها بكل العزم والسمو والعداء السلبي المنتظر من «قديسة» وشهيدة.

لكن إذا كانت مارجريت قد ماتت ضحية لنظام قمعي اضطهادي فقد كانت أيضًا — كما رأينا — ضحية للموقف السياسي الأشمل منذ بداية عقد الثمانينيات بالقرن السادس عشر حتى منتصفه. وتكمن أهمية هذا الحدث الرهيب في أنه يمكِّن المؤرخين — على أقل تقدير — من ذكر شيء ذي دلالة حول عمليات الإصلاح الديني الإنجليزية اللاحقة، ويتيح لنا نظرة مختلسة على العالم السياسي الجزئي للتحول الديني في إنجلترا بعد حقبة الإصلاح. ولو لم يكتب ماش روايته للحدث لم نكن لنعرف شيئًا عن العالم الصادم والمفعم بالتوتر بخصوص النوع والسياسة العائلية؛ ذلك العالم الذي شكَّل تجربة مارجريت كليزرو في التحول الديني بمدينة يورك في عهد الملكة إليزابيث. وفي الواقع، إذا لم يحدث الإعدام وعرفنا بأمر السيدة كليزرو بأي حال من الأحوال، فقد كنا سننظر إليها على الأرجح باعتبارها مجرد زوجة أخرى منشقة عنيدة — إن لم تكن حمقاء — لزوج خاضع للكنيسة. في هذا السيناريو كانت ستصبح نموذجًا مثاليًّا على الطريقة التي استمر بها المذهب الكاثوليكي في أماكن مثل يورك في ظل تنظيم من السلطات البروتستانتية، وكذلك عبر ما تفرضه من إشراف وسيطرة من خلال آليات الزواج والأنواع الأخرى من العلاقات العائلية. إذن، كان هذا الحدث ليصبح نموذجًا مثاليًّا على مدى اعتدال الإصلاح الديني الإنجليزي، الذي ينظر إليه العديد من الباحثين باعتباره الإنجاز الأعظم لتسوية إليزابيث الدينية.

لكن في عالم مارجريت كليزرو لم تسِرْ الأمور على هذا النحو، فتصف رواية ماش لحياتها السياسات الداخلية الجامحة للمجتمع الكاثوليكي عقب الإصلاح الديني في محاولته الاستجابة لمطالب النظام فيما يخص الخضوع إليه من الناحية الدينية. وقد رغب بعض الكاثوليك في قبول غصن الزيتون المقدم من النظام الحاكم والذي يمثل الخضوع للكنيسة، بينما لم يرغب البعض الآخر في ذلك، وظل آخرون مترددين فيما عليهم فعله. إلا أن مصير مارجريت كليزرو — وقطعًا هويتها اللاحقة كقديسة وشهيدة (إذ طوِّبت قديسة عام ١٩٢٩ وأعلنت قداستها عام ١٩٧٠ كواحدة من الشهداء الأربعين لإنجلترا وويلز) — أظهر المخاطر الكامنة في ممارسة لعبة السياسة على ضمائر الناس وفي إعادة تحديد الخط المتنازع عليه بالفعل بين الدين والسياسة، بين الولاء الدنيوي والهوية الدينية، وهي قضية تظل عصية على الحل اليوم، كما كانت بالضبط في يورك أثناء ثمانينيات القرن السادس عشر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.