أعيروني آذانكم وأصغوا أيها السادة،

من وُلِد منكم حرًّا،

سأحكي لكم عن خادم التاج المتواضع الصالح،

واسمه روبن هود.

مغامرات روبن هود، القرن الخامس عشر

إن لشخصية روبن هود مكانة محفوظة بين عظماء الأبطال الإنجليز؛ فلطالما أبهرت المؤرخين وكتَّاب القصص الخيالية التاريخية كما أبهرت عامة الناس. وما إذا كانت شخصية روبن هود حقيقية أم لا، فهذا الأمر محل جدل مستمر. ونجد تعبيرًا ممتازًا عن تلك المفارقة في الفقرة الخاصة بروبن هود في «قاموس أكسفورد للسيرة الوطنية»، وفيها قال المؤلف إن الشخصية الواردة في السيرة من محض الخيال.

وبصفتي مختصًّا بتاريخ القرون الوسطى، كان لديَّ اهتمام طبيعي بأساطير روبن هود، ولكني لم أعتبره قط موضوعًا أسعى إلى البحث فيه، أو أن ذلك كان حالي حتى عرفت — أثناء بحثي في قضية غزو فرنسي مهمل لإنجلترا — المزيد عن مجموعة من الرجال من العامة الذين اتخذوا من إحدى غابات إنجلترا موطنًا لهم، واستقروا فيها كخارجين على القانون، واستخدموا أقواسهم في التصدي للاستبداد والطغيان تحت قيادة بطل شعبي يحمل قوسًا طويلًا ويتمتع بكاريزما. والمسألة ليست أن ذلك الرجل لم يُعرَف قط على أنه الأصل المحتمل لحكايات روبن هود، وإنما أنه لم يكن شخصية أسطورية، بل رجل حقيقي من لحم ودم وبطل إنجليزي حقيقي.

كان آخر الأفلام والمسلسلات التليفزيونية — بلغ عددها ما يقرب من الستين — التي تناولت مغامرات روبن هود هو فيلم يحمل الاسم نفسه من إخراج ريدلي سكوت وبطولة راسل كرو، صدر عام ٢٠١٠ وحقق نجاحًا باهرًا، وصاحبه سيل لا مفر منه من الكتب التي أدخلت تحديثات على الأسطورة بتقديم عدد من التأويلات العصرية لها، في محاولة لتحديد هوية روبن هود وأتباعه — ولو في إطار عام — وتحديد السياق الزمني والجغرافي الحقيقي الذي عاشوا فيه؛ فاقترح ديفيد بولدوين المرشح الأقوى والمتعارف عليه وهو روجر جودبيرد الخارج على القانون الذي يُرجَّح أنه عاش بين عامَي ١٢٣٠ و١٢٩٠. إلا أنه يمكننا القول بأن ذلك التوقيت متأخر عن توقيت نشأة حكايات روبن هود، كما سنرى. وإضافة إلى ذلك، تطارد جودبيرد سمعة سيئة بوصفه لصًّا وقاتلًا دنيئًا — وليس ذلك من سمات بطلنا في شيء — ولم يرتبط ذكره بالرفيق الأهم، ألا وهو القوس الطويل الذي يحمل أهمية رمزية.

ولم يُلزم المؤلفان نايجل كوثورن وجيم برادبوري نفسيهما برأي، ولكنهما أوليا انتباهًا أكثر للأهمية التي تحملها القصص الشعبية لهيروارد اليقظ — المحارب الذي قاوم النورمانديين بعد غزو إنجلترا في عام ١٠٦٦ — والنبيل فولك فيتزوارين — الذي عاش في أوائل القرن الثالث عشر وكان يخرج على القانون من حين لآخر — والراهب يوستاس، القرصان الفرنسي الذي عمل لصالح الملك جون وضده على حد السواء. فقد كان كلٌّ من يوستاس وفولك البطلين (أو اللابطلين) في القصائد البطولية الشعبية الدارجة في القرن الثالث عشر.

وقد لخَّص برادبوري — في تقييمه المتمعِّن — روبن هود الحقيقي، وإن كان في النهاية مجهولًا، واصفًا إياه بأنه «مجرم سلك سبيل الإجرام والعنف، مارس عمله في يوركشاير وشيروود ونوتنجهام، وصار زعيم عصابة من الخارجين على القانون مكوَّنة من رجال ماهرين في رمي السهام». ولكن أحدهم لم يبلغ الحد الذي بلغه آدم ثورب في تصويره الخيالي في فيلمه «هود» (٢٠٠٩) لمجدِّف مجنون منتشٍ إثر تعاطي الفطر السحري، ولكن الأبحاث التي أُجريت اكتفت باحتمالات مجرَّدة لتقدم إلينا شخصية غير جذابة، لا ترتقي إلى مستوى الخارج على القانون النبيل والبطل الشعبي الذي رسمت صورته في القصائد القصصية الشعبية، مثل «مغامرات روبن هود» التي تعود إلى منتصف القرن الخامس عشر:

كان روبن رجلًا خارجًا على القانون أبيًّا،

إذا سار على الأرض؛

ما كان قط مثله رجل،

خارجًا على القانون كيِّسًا.

وقد عرفنا روبن هود من القصائد القصصية لتلك الفترة، وهذا لا يعني أنه لم تكن ثمة قصائد قصصية قبل تلك الفترة؛ فقد كانت موجودة بكل تأكيد، لكنها لم تنجح في البقاء لتصل إلينا. ففي القصيدة الملحمية التي ألفها ويليام لانجلاند عام ١٣٧٧، «الفلاح بيرز»، أقرَّ الكاهن سلوث أنه لا يحفظ صلواته عن ظهر قلب، ولكنه قال: «أعرف أشعار روبن هود»؛ مما يدل على أن ذلك التراث كان قائمًا.

الزمان والمكان

إلي أي مكان وأي زمان ينتمي روبن هود؟ بالنسبة لمعظم المؤرخين — إن كان روبن هود شخصية حقيقية فعلًا — فقد تركَّزت أنشطته في معقل المجرمين بارنسديل في ساوث يوركشاير (ومن هنا كانت محاولة راسل كرو البطولية، وإن كانت قد باءت بفشل محتوم لاستخدامه لكنة شمالية). يستند ذلك الرأي إلى إشارات وردت في وقت لاحق من العصور الوسطى من قبيل «وقف روبن هود في بارنسديل». ولكن تلك المسألة محل خلاف؛ فقد يُخلَط بين بارنسديل وبرايونسديل التي تقع على مقربة من نوتنجهام، ويشير ستيفن نايت — في «روبن هود: سيرة خرافية» (٢٠٠٣) — إلى أن المقصود بتلك الإشارة فعليًّا غابة بارنسديل في روتلاند.

وثمة مزيد من الخلاف بشأن الوقت الذي بدأ فيه استلهام حكايات روبن هود؛ فقد وقع اختيار المدرستين الفكريتين السائدتين على أوائل القرن الثالث عشر أو القرن الرابع عشر. فأما الذين يميلون إلى الحقبة الأخيرة فكثيرًا ما يستشهدون بأدلة تثبت انعدام سيادة القانون في تلك الفترة، في حين قد يشير ذكر الملك إدوارد في إحدى القصائد القصصية إلى حُكْم أيٍّ من الملوك الثلاثة (فقد حَكَم كلٌّ من إدوارد الأول والثاني والثالث في فترات متعاقبة من ١٢٧٢ إلى ١٣٧٧).

وعادةً ما كان مخرجو الأفلام يختارون تصوير أحداث تلك الأسطورة في عهد الملك ريتشارد الأول (حَكَم من عام ١١٨٩ إلى عام ١١٩٩)، ولا سيما فترة وقوع الملك في الأسر في طريق عودته من الحملات الصليبية (١١٩٢–١١٩٤). وقد رأى مؤرخ الأحداث الاسكتلندي جون ميجور — عندما كتب عام ١٥٢١ — أن حكم سلالة الإمبراطورية الأنجوية الذي تمثل في حكم هنري الثاني (من ١١٥٤ إلى ١١٨٩) وريتشارد الأول وجون (من ١١٩٩ إلى ١٢١٦) كان وقت «ازدهار نشاط اللصَّين اللذين بلغت شهرتهما الآفاق، روبن هود الإنجليزي وليتل جون، واللذين كانا يقبعان مترصِّدين في الغابة، ولكنهما لم يسلبا سوى ممتلكات الأغنياء». وربما لم يبتعد ميجور كثيرًا عن الحقيقة؛ فثمة أدلة واضحة تشير إلى أن حكايات روبن هود كانت معروفة في منتصف القرن الثالث عشر. وتشير سجلات واردة من تلك الفترة إلى أن رجلًا مشتبهًا في أنه لص — ويليام، ابن روبرت لو فيفير على قائمة مذكرات لعام ١٢٦١ — طلب من كاتب آخر أن يغير اسمه على قائمة القضاة في آير ببيركشاير عام ١٢٦١ إلى ويليام روبهود؛ مما يدل على علمه بالأسطورة. وقد سبق ذلك بوقت طويل مخطوطة مشابهة؛ ففي عام ١٢٢٥ أشارت محكمة يورك إلى المجرم الهارب روبرت هود؛ إذ مُنِح في هامش القائمة المالية لعام ١٢٢٦ لقب هوبهود، وقد سُجِّل اسم روبرت هود لأول مرة في سياق إجرامي مقترنًا بقاتل رالف سيرينسيستر في وقت ما بين عامَي ١٢١٣ و١٢١٦.

وعلى الرغم من كل تلك الإشارات والأدلة، يجب أن يكون المؤرخ أمينًا ويعترف في نهاية الأمر بجهله بهوية روبن الحقيقية، هذا إن كان حقيقيًّا أصلًا؛ فالمسألة مسألة تخمينات واحتمالات، فقد تكيَّفت تلك القصة المتطورة باستمرار مع الأزمان المختلفة والأماكن المختلفة، حيث حل اسم روبن هود بصورة طبيعية محل الهوية الحقيقية للرجل الذي اقتُبست منه شخصية روبن هود؛ لذا، فالأرجح أن يكون الاسم في حد ذاته لا يحمل صلة كبيرة بالوقوف على أصل تلك القصص. ويكاد يكون من المؤكد أن روبن هود شخصية مركَّبة، ولكن ما يبدو جليًّا هو أن ثمة أساسًا استُلهمت منه الأسطورة، وهذا ما ينبغي أن نتتبعه إذا أردنا استيعاب ذلك التراث. إلا أنه ثمة شخصية من الحياة الواقعية لها الحق ذاته مثل غيرها — إن لم يكن لها حق أكبر — في أن يُنسَب إليها أصل تلك الحكايات وقد أُغفِلت تمامًا، ألا وهي شخصية ويليام كينشام؛ فشخصية ويليام مناسبة لتلك الفترة الزمنية، والأهم من ذلك، لصورة البطل الخارج على القانون التي ترسمها الأسطورة؛ فهو ليس سفاحًا ولصًّا دنيئًا، وإنما خادم مخلص لملكه ومحارب من أجل الحرية كان يسكن الغابة ويحمل قوسًا. والأدهى من ذلك أن شهرته الشعبية الناتجة عن مآثره الجريئة بلغت حدًّا جعل منه أسطورة في حياته، وبسببها أَطلق عليه معاصروه لقب «ويليكين بطل ويلد».

ظهر ويليام كينشام (المعروف أيضًا بكاسينجهام وصيغ مختلفة من كولينجهام) كثيرًا في السجلات الرسمية للملك جون وهنري الثالث (حكم من ١٢١٦ إلى ١٢٧٢) وحتى إدوارد الأول. وكان خادمًا متواضعًا للتاج، وصار منذ عام ١٢١٧ حاكم مقاطعة سفن هاندردز بمنطقة ويلد في كينت، مكافأةً له على خدماته للملك جون وهنري في حربهما ضد الفرنسيين؛ وكانت كينشام ضيعة في تلك المنطقة. وأصوله غير معلومة، إلا أنه تبين من السجلات أنه استقر في تلك المنطقة مع أسرته، وخَلَفه ابنه رالف.

ويُذكَر ويليام باحترام كبير في الكتابات المعاصرة، وهو تقدير غير مألوف بالنسبة لذلك العصر؛ إذ كان يشغل مكانة متدنية على السلم الاجتماعي، وهو ما يعكس مبلغ الشهرة التي نالها عن جدارة، فيقول روجر من ويندوفر إن ويليام كان شابًّا عام ١٢١٦، عندما بلغت شهرته الآفاق. وقد ظهر اسمه مرارًا وتكرارًا في القوائم الرسمية بعد عام ١٢١٧ وحتى عام ١٢٥١؛ إذ ظل في خدمة الملك، وقد تضمنت مهامه الروتينية أعمالًا شرطية مؤقتة وإمداد أصدقاء هنري الثالث بالحطب. ويمكن تقدير وقت وفاته — بعد أن أمضى ٤٠ عامًا في الخدمة — من السجلات بأنها وقعت عام ١٢٥٧، وهو العام الذي مُنحت فيه زوجته حماية هنري الثالث (تصادف أن تزامن ذلك مع وفاة فولك فيتزوارين).

حرب البارونات الأولى

ما الذي أكسب ويليام شهرته إذن؟ لقد وقعت أعماله البطولية على خلفية الغزو الفرنسي، المهمَل إلى حدٍّ ما، لإنجلترا عام ١٢١٦؛ فقد تركت ثورة البارونات على الملك جون عام ١٢١٥ — التي أسفرت عن صدور وثيقة الحريات العظمى «ماجنا كارتا» في يونيو وعن حرب أهلية شاملة بحلول الخريف — البارونات في وضع خطير بحلول نهاية العام؛ فبعد أن هُزموا في حصار مطوَّل لقلعة روشستر، اختبَئُوا في لندن في حاجة إلى المساعدة، وعرضوا على الأمير لويس («الأسد») — ابن ملك فرنسا القوي فيليب الثاني من سلالة كابيت، وولي عهده — أن يعتلي عرش إنجلترا. وصل لويس في مايو من عام ١٢١٦ ومعه قوات هائلة ووطَّد قدميه في إنجلترا، وأوقعت حملة خاطفة أكثر من ثلث البلد في يد لويس، من وينشستر في الجنوب حتى لينكولن في الشمال. وفي وقت من الأوقات، كان ثلثا بارونات إنجلترا يدينون بالولاء لسليل كابيت ملقِّبين إيَّاه بلويس الأول ملك إنجلترا. وفي تطور جدير بالملاحظة، قطع ملك اسكتلندا الشاب — ألكسندر الثاني — طريقًا طويلًا من موطنه إلى دوفر في أقصى الجنوب الشرقي تكريمًا للويس — من ملك إلى ملك. وقد بقي الفرنسيون في إنجلترا مدة ١٨ شهرًا. وداخل منطقة الاحتلال الفرنسي كان ثمة ثلاث جبهات رئيسية للمعارضة: القلعتان الملكيتان في ويندسور ودوفر، وقوة المقاومة الإنجليزية بقيادة ويليام من كينشام؛ في غابة ويلد الكبيرة بكينت وساسكس.

تألفت جماعة ويليام من قرابة ألف رامي سهام متطوع (ساجيتاري) أتوا من المناطق الريفية، وكان هؤلاء الرجال على دراية كافية بالمنطقة مكَّنتهم من استغلالها أحسن استغلال؛ إذ اختبَئُوا في الغابة ونصبوا الفخاخ، واستغلوا براعتهم في رمي السهام لإلحاق خسائر جسيمة بصفوف الفرنسيين. وقد أوضحت مصادر ذلك العصر أن ويليام ورجاله كانوا فرقة مقاومة عسكرية عالية الفعالية، فكتب روجر من ويندوفر أنهم استوطنوا الغابات و«ظلوا يسببون المتاعب للفرنسيين طول فترة الحرب، وذبحوا آلافًا منهم». وتحدَّث مؤرِّخ الأحداث المعروف بالمجهول البيتوني — أحد أنصار الملك المشاركين في حرب ١٢١٦-١٢١٧ — بإعجاب عما اتسم به ويليام من «مروءة ونبل» وكيف كانت هيبته و«شهرته بين صفوف جيش لويس». وأكَّد مؤلف «تاريخ ويليام مارشال» تلك الآراء إذ أهاب بقرائه قائلًا: «اشهدوا مآثر ويليكين بطل ويلد»، مستخدمًا الاسم الذي صار شائعًا بالفعل لويليام. وقد نالت نجاحات الأخير التقدير على أرفع مستوًى في سبتمبر ١٢١٦، حين كتب الملك جون إلى رجال ويلد للإعراب عن امتنانه لإخلاصهم في خدمته.

وظل ويليام خادمًا للتاج بعد وفاة الملك جون في أكتوبر. وفي فبراير ١٢١٧، اتجه لويس إلى وينتشيلسي على الساحل الجنوبي، أملًا في استعادة ميناء راي المجاور قبل أن يعود مؤقتًا إلى فرنسا للحصول على تعزيزات. وحتى قبل وصوله إلى هناك تملَّكه القلق بشأن طرق الإمدادات المحفوفة بالمخاطر في تلك البلدات؛ إذ كانت تلك الطرق تمر عبر غابات ويلد. وعندما بلغ لويس وينتشيلسي، وجد نفسه واقعًا في فخ محكم؛ إذ سدت سفن أنصار الملك موانئ القناة، وفي الشمال تحرك ويليام لصد أي محاولات فرنسية لبلوغ معقل الفرنسيين والبارونات في لندن من خلال حراسة الطرق الرئيسية وتدمير الجسور. وقد تنامى الخوف من ويليام؛ إذ كان رجاله يتخلصون من أي أسرى فرنسيين فورًا بقطع رءوسهم. ووفقًا لأحد المصادر، ذاك القائد الفرنسي «لم يدرِ أين يذهب … فقد بلغ الانزعاج بلويس أن شعر بأنه في موقف عصيب». وكان رجاله قد بدَءُوا يتضورون جوعًا قبل أن يأتي الراهب يوستاس وأسطول فرنسي صغير لإغاثتهم.

وسُجِّل نشاط آخر لويليام في أواخر شهر أبريل، عندما عاد لويس بالتعزيزات؛ فعندما كان لويس يقترب من دوفر عبر القناة، رأى الدخان يتصاعد من معسكر الحصار الذي أقامه حول القلعة. وقد أفاد مصدر فرنسي بأن «ويليكين وكثيرًا من رجاله» شنُّوا هجمة مفاجئة على المعسكر وقتلوا حراسه، فنجح ذلك الهجوم في منع لويس من الانضمام إلى قواته هناك، وأجبره على النزول في ساندويتش عوضًا عن ذلك. وقد بلغت منزلة ويليام أن انضم إليه ابن الملك جون غير الشرعي — أوليفر، أحد كبار قادة الجيش — في الهجوم على معسكر الحصار بدوفر. وفي شهر مايو، أحرق لويس مدينتَي هايز ورومني، ولكن ويليام ورجاله أحبطوا مساعيه مرة أخرى.

وأخيرًا انتهى الاحتلال الفرنسي في أغسطس ١٢١٧ عقب انتصار آل بلانتاجينيت تحت قيادة هيوبرت دو بيرج على الأمير لويس في موقعة ساندويتش البحرية الملحمية الدامية، التي يمكن القول إنها تمثِّل انتصارًا بحريًّا أهم لبريطانيا من ذلك الذي حققته على أسطول أرمادا الإسبانية أو النصر الذي حققته في ترافلجار. وعقب تحقيق النصر، كوفئ ويليام على خدماته ضد الطغاة الفرنسيين بعقارات في إسكس، وبمنحه الوصاية على مقاطعة سفن هندردز في منطقة ويلد، وكُفِل له كذلك الحصول على راتب سنوي في حياته، بينما نالت أرملته حماية الملك لمدة سبعة أعوام بعد وفاته. وربما يكون التقدير الأعلى قيمة من هذا وذاك هو التشريف الذي ناله ويليام باعتباره بطلًا من أبطال الحرب يثني عليه الملك بشدة، وكذلك الإشادة به التي أوجزها لقب التدليل المشهور الذي أُطلِق عليه.

شتى العناصر

من الصعب أن نجد مرشحًا آخر لقصة روبن هود من ذلك الزمن أو ما بعده كان بطلًا وفي الوقت نفسه خارجًا على القانون. أما ويليام فتتوفر فيه الصفتان؛ فقد كان محاربًا مقاومًا للعدو مُحتفًى به، ويحمي الملك بإخلاص، ولكنه كان أيضًا — من وجهة نظر لويس — مجرمًا أثيمًا يتحدى الحكم القويم للنظام الجديد المفروض. وكان لويس قد كتب إلى رعاياه من الإنجليز مُطالِبًا بدعمهم وطاعتهم، وبالفعل أقسم الرجال والبلدات بمنطقة ويلد والموانئ الجنوبية الولاء رسميًّا لسيدهم الفرنسي. إضافةً إلى ذلك، لم يرتبط ذكر المرشحين الآخرين لأن يكونوا روبن هود الأصلي برماة السهام (عادةً حاملي القوس والنُّشَّاب) سوى بإشارات غير مباشرة. فيقدِّم لنا ويليام من كينشام نموذج قائد غامض لكنه لا ينتمي إلى طبقة النبلاء، تزعَّم جماعة من رماة السهام المهرة الذين عاشوا في الغابات ونصبوا الفخاخ لأعدائهم، فلم يقدِّم مدعٍ آخر حول أصول حكايات روبن هود تلك التوليفة من السمات.

وإن السياق المحيط بالغزو والاحتلال الفرنسي لذو أهمية بدوره؛ فذلك الحدث الذي تجاهله المؤرخون، من الممكن تفهُّم رؤية معاصريه له على أنه الحدث الرئيسي في تلك الحقبة، فهل صادف أن اشتُهرت قصة هيروارد اليقظ — الذي عاش في شرق أنجليا في القرن الحادي عشر — شهرة كبيرة بحلول منتصف القرن الثالث عشر؟ ففي عام ١٢١٦ — بعد مرور ١٥٠ عامًا تحديدًا على الغزو النورماندي — لا بد أن الإنجليز قد شعروا بأن التاريخ يعيد نفسه بغزو فرنسي آخر (نجح في أول الأمر). ولا بد أن تكون ذكريات الجهود البطولية التي بذلها رجل إنجليزي في الماضي لمقاومة الغزو الأجنبي قد تمَّمت أعمال ويليام كينشام المُلهِمة دفاعًا عن المملكة. وليس من قبيل المصادفة أيضًا أن الراهب يوستاس يُعتبَر شخصية مؤثرة في حكايات روبن هود؛ فقد كان لاعبًا رئيسيًّا في أحداث الغزو الذي وقع عام ١٢١٦، ولقي حتفه في معركة ساندويتش؛ حيث أُسِر وقُطِع رأسه على متن سفينته، وقد بلغت سمعته الآفاق حتى إن رأسه قد وُضع على عامود واستُعرِض في أنحاء البلدات الجنوبية لبثِّ الطمأنينة في نفوس سكانها إلى أنَّ ذلك الخائن قد مات حقًّا. وكان يوستاس بطل قصيدة خاصة به، ضمنت له الشهرة ومكانًا محفوظًا في نشأة حكايات روبن هود. (بما أنه كان راهبًا حقيقيًّا في بداية حياته المهنية قبل أن يتحول إلى القرصنة، ألن يكون موقعه الأفضل هو أنه نموذج للراهب تاك؟)

أدلة عَرَضية

تستند الحجة القائلة بأن الأسطورة لم تقع في الجنوب الشرقي إطلاقًا إلى التأكيد المتردد على أن روبن هود تربطه صلة أكيدة بمنطقة بارنسديل فقط دون سواها، ولكن كما رأينا، ثمة خلاف بشأن أي «بارنسديل» هي المقصودة. وإضافةً إلى ذلك، ثمة روابط تاريخية قوية؛ ففي النماذج القليلة المسجَّلة لكُنية روبن هود في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، أشار هولت إلى أنه «ثمة تركيز كامل في جنوب شرق إنجلترا»، وحذَّر من أن ذلك قد يعكس ببساطة «حقيقة أن السجلات القضائية الباقية عن جنوب شرق إنجلترا أكثر بكثير من الباقية عن شمالها وصادف أنها دُرِسَت بتركيز أكبر». إلا أنه من الجائز أيضًا أن ذلك التركُّز القديم للاسم يعبِّر عن منطقة شهدت ترسُّخ أصول الأسطورة في صورة ويليكين بطل ويلد، وثمة أدلة عرضية أخرى قد تكون بدورها ذات صلة.

فقد أجرت شيلا سويتنبيرج — في البحث الذي أجرته في الآونة الأخيرة عن نشاط الصيد في كينت في أواخر العصور الوسطى — دراسات على الأسماء التي كانت تُمنح للمراكب وصلتها — على سبيل المثال — بالأفكار الدينية، والنباتات والحيوانات (مثلًا: «ذا ماي فلاور» (زهرة مايو)). وعلى غير المتوقع وغير المفهوم، ذكرت أن إحدى السفن كانت تحمل اسم «روبن هود» وأخرى تحمل اسم «ليتل جون».

إضافةً إلى ذلك، يمكن ربط القصة بنوتنجهام بما يحفظ الصلة القائمة مع الجنوب الشرقي في زمن ويليام كينشام؛ فأثناء الاحتلال الفرنسي، كانت نوتنجهام المقر الرئيسي لعمليات جيش الملك، وكانت شهرة ويليام بصفته قائدًا عسكريًّا ذائعة هناك، مثلما كانت ذائعة في أنحاء منطقة الحرب. وتتبين درجة تقدير جهات التخطيط العسكري المركزية لدوره من حقيقة أن أوليفر ابن الملك انضمَّ إليه في الهجوم على معسكر الحصار بدوفر في أبريل ١٢١٧.

فقد كان حريًّا بالقيادة العليا الملكية أن تتلهف لتلقِّي المعلومات التي حصل عليها ويليام بصفة مباشرة عن تحركات قوات لويس في ذلك الجزء الحيوي من البلاد، فضلًا عن المعلومات المتعلقة بعدد قوات العدو، وحالتهم المعنوية والتداعيات السياسية المحلية للاحتلال، فلا شك أن ويليام — بصفته شاهدًا قيِّمًا للغاية يتحلى بفهم للاستراتيجيات ومعرفة مباشرة بالعدو — قد استُدعِي إلى نوتنجهام لتقديم إحاطة إلى مجلس الحرب، وهناك كان سيتسنَّى له وللرجال المرافقين له أن يُظهروا مهارتهم في رمي السهام ووصف نجاح الفخاخ التي نصبوها في الغابة ولقاءاتهم مع العدو.

قيمة الدعاية

من المرجَّح أن يكون نجاح ويليام في الجنوب قد ألهم خططًا مشابهة في الشمال، ومن المرجَّح بشدة أيضًا أن يكون قد زار نوتنجهام مرة واحدة على الأقل خلال الاحتلال الذي استمر ١٨ شهرًا، ولكن حتى إن لم يكن قد ذهب فلا بد أن الدعاية التي نالها بوصفه رجلًا إنجليزيًّا شجاعًا لا ينتمي إلى طبقة النبلاء، قاوم الاستبداد الذي فرضه الفرنسيون، كانت قيمتها هائلة بالنسبة إلى أتباع جون وهنري في نوتنجهام وسائر الأنحاء؛ فمن المتوقَّع أن يكون ولاء ويليام وإنجازاته قد أُشيعا لإلهام الناس في المعركة ضد الفرنسيين، وقد بلغت شهرته حد أن اعتبره ثلاثة من مؤرخي الأحداث المعاصرين له جديرًا بالانتباه والثناء، رغم أنه كان يفتقر إلى المتطلبات المعتادة المتعلقة ببلوغ مرتبة الفارس.

وبذلك قد تكون نوتنجهام منطقة صارت مرتبطة بخادم متواضع للملك يعيش في الغابة مع جماعته المكونة من رماة السهام الذين حاربوا من أجل الحرية. ومن الأهمية بمكان أيضًا أن تلك المدينة وغابتَي بارنسديل وشيروود القريبتين منها تقع على مقربة من لينكولن، التي وقعت فيها المعركة البرية الحاسمة بقلعة لينكولن في مايو ١٢١٧ بين رجال هنري الثالث بقيادة الوصيِّ على العرش — ويليام مارشال، إيرل بيمبروك الأول — والقوات الفرنسية، بقيادة كونت بيرش. وقد كانت الأطراف الشرقية لغابة شيروود أقرب في الواقع إلى لينكولن من نوتنجهام، وربما كانت الغابة قاعدة تُشَنُّ منها هجمات خاطفة على الفرنسيين، وربما كانت أيضًا قاعدة للاحتكاك بالعدو وعرقلة تحركاته واتصالاته مع حلفائه الشماليين والاسكتلنديين. (في الأساطير، اشتُهر رجال روبن هود بارتدائهم اللون المموَّه «الأخضر الزرعي الذي يُصنَّع في لينكولن».)

وقد قدَّم جيمس هولت حجة مقنعة — في أكثر دراسة موثوقة أُجريت عن روبن هود — أن روبن كان قد صار أسطورة بحلول ستينيات القرن الثالث عشر، وهو يرى أن حدوث ذلك أمر صعب، لكنه «ليس مستحيلًا»، فربما «تكوَّنت الأسطورة سريعًا، وربما تكون قد بدأت في حياة روبن أصلًا»؛ فذلك ما حدث بالضبط خلال عشرة أعوام من أعمال ويليام كينشام البطولية الجريئة، إلى حد أن مؤرخي الأحداث المعاصرين له كانوا على علم باسمه الشعبي.

إن الحقيقة الأرجح وراء أسطورة روبن هود هي أن رواة القصص على مر الزمان أدخلوا وخلطوا شخصيات متنوعة من مجموعة من القصص واستقروا على إطلاق اسم روبن هود الذي يسهل تعرُّفه فورًا على حارس الغابة ذاك، وربما تكون المغامرات المذهلة لشخصيات شهيرة قد أُدخِلَت في تلك القصص مع إضافة قدر كبير من التفاصيل الجذابة؛ فويليام من كينشام لا يجسِّد مفارقة البطل الشعبي/الخارج على القانون ويوفِّق بينهما فحسب، وإنما يمثِّل أيضًا رجلًا حقيقيًّا حارب مخلصًا دفاعًا عن الملك، في مقابل ما صوَّرته الدعاية في ذلك العصر على أنه خصم غير عادل، مختبئ طيلة الوقت في جوف الغابة مع جماعته المكوَّنة من رماة السهام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.