إنه لَأمرٌ بالغ الصعوبة أن يكون المرء بلا عائلة. ونظرًا لأن الأيتام غالبًا ما لا يَحْظَوْنَ بالتقدير، ويكونون مختلفين على نحوٍ مزعجٍ، فإنه يتعين عليهم النضال من أجل التكيُّف، ومكافحة الصعاب من أجل الاستفادة من إمكاناتهم. وهؤلاء الذين ينجحون — بدءًا من أرسطو وحتى ستيف جوبز — يُغيِّرون العالم أحيانًا.

جينات وحيدة.
جينات وحيدة.

مَن كان يفكر يومًا في أن حمضنا النووي يستضيف نوعًا مشابهًا من اللقطاء؟ حين بدأ علماء الأحياء في تحديد تسلسل الجينومات، اكتشفوا أن ما يصل إلى ثلث الجينات في كل نوع بيولوجي بدا بلا أبوين أو عائلة من أي نوع. ومع ذلك، بعض من هذه «الجينات اليتيمة» ذو إنجاز عالٍ، بل وقليل منها يبدو أنه قد لعب دورًا في تطور العقل البشري.

لكن ما هو منشأ هذه الجينات؟ نظرًا لكونها بلا أسلاف واضحين، بدت هذه الجينات وكأنها بلا مصدر، لكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا. افترضَ الجميع أننا مع المزيد من المعرفة قد نكتشف ما حدث لعائلات هذه الجينات، لكن هذا لم يحدث، والعكس تمامًا هو ما حدث في واقع الأمر.

منذ أن اكتشفنا الجينات، وعلماء الأحياء يدرسون أصولها. عند بدء الحياة، لا بد أن أولى الجينات قد وُجِدت بالصدفة. لكن الحياة على نحو شبه مؤكَّد قد بدأت في عالَم حمض ريبي نووي (آر إن إيه)، ومن ثَمَّ في ذلك الحين لم تكن الجينات مجرد مخططات لإنتاج الإنزيمات التي توجه التفاعلات الكيميائية، بل كانت الجينات نفسها إنزيمات. ولو أن العمليات العشوائية أسفرت عن جزءٍ من الآر إن إيه يستطيع نَسْخ نفسه عدة مرات، لَلَعِبَ الانتخاب الطبيعي دوره في الحال.

لكن مع تطور الخلايا الحية، أصبحت الأمور أكثر تعقيدًا إلى حد كبير. فقد أصبح الجين جزءًا من شفرة الحمض النووي دي إن إيه لبروتين معين. ولتخليق بروتين ما، يجب إنشاء نسخة آر إن إيه من شريط الدي إن إيه. ولا يمكن أن يحدث هذا من دون «مفاتيح الدي إن إيه»، وهي في الواقع مجرد أجزاء إضافية من الدي إن إيه بمحاذاة أجزاء تشفير البروتين والتي تقول: «انسخْ آر إن إيه من هذا الدي إن إيه.» بعدئذٍ، يتعين أن تذهب نسخة الآر إن إيه إلى مصانع تخليق البروتين. في الخلايا المعقَّدة، تتطلب هذه العملية وجود المزيد من التسلسلات الإضافية، والتي تعمل كبطاقات مكتوب عليها «انقلني.» و«ابدأ تخليق البروتين من هنا.»

المحصلة هي أن احتمالات قيام الطفرات العشوائية بتحويل جزء من الدي إن إيه المهمل غير المشفر إلى جين جديد تبدو بالغة الضآلة. فوفقًا للمقولة الشهيرة التي كتبها عالم الأحياء الفرنسي فرانسوا جيكوب منذ ٣٥ عامًا: «احتماليةُ أن يظهر البروتين الوظيفي من جديد من خلال الاتحاد العشوائي للأحماض الأمينية شبه منعدمة.»

بدلًا من ذلك، في سبعينيات القرن العشرين، أُشير إلى أن النَّسْخ العرضي للجينات يمكن أن يسفر عن جينٍ وحيدٍ من شأنه أن يُنشئ عائلة كاملة من الجينات، وهو ما يُشبِه إلى حدٍّ كبير الطريقة التي تتفرع بها الحيوانات إلى عائلات مترابطة الأنواع على مدار الوقت. من الشائع أن تتضاعف جينات كاملة عرضيًّا. وعادةً ما تضيع النسخ الفائضة، لكن أحيانًا ينتهي الحال بنُسَخِ الجين إلى تقاسم وظيفة الجين الأصلي فيما بينها، أو قد تنحرف نسخة من نُسَخِ الجين عن مسار النُّسَخ الأخرى لتضطلع بوظيفة جديدة. خذ على سبيل المثال الأصباغ المسئولة عن استشعار الضوء والمعروفة باسم الأوبسينات. الأوبسينات المختلفة في عيوننا لا ترتبط ببعضها البعض فحسب، وإنما ترتبط بتلك الموجودة لدى الحيوانات أيضًا، بدءًا من قنديل البحر وحتى الحشرات. لقد تطورت كل تلك الآلاف من جينات الأوبسين المختلفة الموجودة عبر مملكة الحيوان من خلال التضاعف، وقد بدأت بجين واحد لدى سلف مشترك عاش منذ حوالي ٧٠٠ مليون سنة. (انظر الشكل.)

شأن عائلي: لقد تطورت كل جينات أصباغ استشعار الضوء لدى الحيوانات من خلال التضاعف من جين وحيد لدى سلف مشترك. ويُعتَقَد أن كل الجينات تقريبًا نشأت بهذه الطريقة، ومن ثَمَّ فإنها كانت تنتمي لعائلات.
شأن عائلي: لقد تطورت كل جينات أصباغ استشعار الضوء لدى الحيوانات من خلال التضاعف من جين وحيد لدى سلف مشترك. ويُعتَقَد أن كل الجينات تقريبًا نشأت بهذه الطريقة، ومن ثَمَّ فإنها كانت تنتمي لعائلات.

تنتمي معظم الجينات إلى عائلات مشابهة، ومعظم أسلافها ترجع أصولها إلى ملايين عديدة من السنوات. لكن عند تحديد تسلسل جينوم فطر الخميرة منذ حوالي خمسة عشر عامًا، وُجِدَ أن حوالي ثلث جينات فطريات الخميرة بدا أنها بلا عائلة. وقد استُخدِمَت كلمة أيتام لوصف الجينات المستقلة، أو المجموعات الصغيرة من الجينات شديدة الشبه، والتي ليس لها أقارب معروفون.

يقول كين فايس، الذي درس تطور الصفات المعقدة بجامعة بنسلفانيا: «إذا رأيت جينًا لا تستطيع أن تجد أقرباءه، فإنك تتشكك في الأمر.» رجَّح بعضهم أن الجينات اليتيمة هي النظائر الوراثية للحفريات الحية كأسماك سيلكانث، وهي آخِر الأفراد المتبقين على قيد الحياة من عائلة قديمة. في حين اعتقد آخرون أن هذه الجينات لا تمثِّل شيئًا ذا طبيعة خاصة، بل مجرد جينات لم يُعثَر على عائلتها بعدُ. فعلى أي حال، كانت هذه مجرد البداية لعملية تحديد تسلسل جينومات كاملة.

كثير جدًّا من الأيتام

لكن مع تحديد تسلسلات الجينومات لدى المزيد والمزيد من الكائنات الحية، ثبُت أن حدوث التئام شمل عائلي في الوراثة هو الاستثناء وليس القاعدة. ومنذ ذلك الحين، استمر العثور على الجينات اليتيمة في كل جينوم يُحدِّد تسلسله حتى وقتنا هذا، بدءًا من البعوضة وحتى الإنسان، ومن الدودة المستديرة حتى الجرذ، ولا تزال أعداد هذه الجينات في تزايد.

لا تزال دراسة الجينات اليتيمة في مهدها، ونحن لا نعرف عن معظمها سوى النذر اليسير. وتلك التي نعرف معلومات عنها عبارة عن خليط متنوع؛ بعضها يدخل في إصلاح وتنظيم الدي إن إيه، أو في مراقبة نشاط جينات أخرى. لقد تطور جين «فلايتين» في الحشرات، وهو جين يحمل شفرة بروتين جناح عضلي، ليساعد على الطيران. وفي دراسة نُشِرَت العام الماضي، أظهر مانيوان لونج من جامعة شيكاغو وفريقه أن جينين يتيمين جديدين في الحشرات تطوَّرَا مؤخرًا يساعدان على تشكيل سلوك البحث عن الغذاء لدى ذبابة الفاكهة — الدروسوفيلا.

في المرجان وقنديل البحر والبولب، توجه الجينات اليتيمة تطور الخلايا اللاسعة الانفجارية، وهي تراكيب معقَّدة تُطلِق كبسولات مليئة بمادة سامة تُفقِد فريستها صوابها. وفي بولب الهيدرا الذي يعيش في الماء العذب، تقود الجينات اليتيمة تطوُّر مجسات التغذية التي تحيط بفم هذا الكائن. أما جين مقاومة التجمد اليتيم في سمك القد القطبي فيُمَكِّن هذا النوع من الأسماك من البقاء على قيد الحياة في القطب المتجمد الشمالي.

أمر بعيد الاحتمال

من العجيب أن الجينات اليتيمة غالبًا ما تظهر في الخصيتين؛ وفي المخ أيضًا. بل إن البعض أقدم مؤخرًا على التخمين بأن الجينات اليتيمة قد أسهمت في حدوث التطور الأهم على الإطلاق، أَلَا وهو المخ البشري. في عام ٢٠١١، حدَّد لونج وزملاؤه ١٩٨ جينًا يتيمًا في البشر والشمبانزي وإنسان الغاب يُعبر عنه في قشرة الفص الجبهي، وهي تلك المنطقة من المخ المرتبطة بالقدرات المعرفية المتقدمة. من بين هذه الجينات ثمة ٥٤ جينًا خاصًّا بالبشر. بلغة التطور، تُعَدُّ تلك الجينات حديثة السن، إذ يقل عمرها عن ٢٥ مليون سنة، ويبدو أن ظهورها يتزامن مع انتشار هذه المنطقة من المخ في الرئيسيات. يقول لونج: «هذا يرجح أن هذه الجينات الجديدة مرتبطة بتطور المخ.»

يعتقد النقاد أن معظم الجينات — سواء كانت حديثة أو قديمة — ترتبط بطريقة ما بآليات عمل المخ، وهذا الارتباط لا يُثبِت وجود علاقة سببية. لكن لونج يستشهد بدراسة حديثة على الحيوانات من شأنها إعطاء مصداقية للنظرية. إن تعبير أحد الجينات البشرية اليتيمة، «إس آر جي إيه بي ٢ سي» SRGAP2C، عن نفسه في الخلايا العصبية للفئران النامية لا يجعل أدمغتها تزداد حجمًا، لكنه يحث الخلايا العصبية على إنماء مجموعات من الأشواك التغصنية الأكثر كثافة، وهي تلك النتوءات الضئيلة التي تمكِّن الخلايا العصبية من الارتباط بجاراتها. وحسبما يرى لونج، قد تؤدي زيادة الروابط إلى زيادة القدرة على الحوسبة. لذا فإن هذه الجينات البشرية حديثة التطور ربما تكون قد ساعدت في تشكيل المخ البشري. يقول اختصاصي علم الوراثة ديتهارت تاوتس من معهد ماكس بلانك لعلم الأحياء التطوري في بلون بألمانيا: «أعتقد أننا لم نقدِّر الجينات اليتيمة حقَّ قدرها.»

لكن ما منشأ هذه الجينات؟ في عام ٢٠٠٣، ألمح تاوتس وزميل له إلى أن الجينات اليتيمة تشكَّلت من عملية التضاعف، لكنها تطورت بعدئذٍ بسرعة كبيرة جدًّا بدرجةٍ طُمِس معها أيُّ تشابه مع الجين الأصلي. وكان لديهما دليل بدا أنه يدعم هذه الفكرة؛ فقد برهَنَا على أن الجينات اليتيمة في ذباب الفاكهة تتطور بسرعةٍ أكبر ثلاث مرات من تلك التي تتطور بها الجينات غير اليتيمة.

وهكذا أُقحمت الجينات اليتيمة في النموذج القديم لنشأة الجينات بالتضاعف. مع ذلك، تشير دراسات لاحقة إلى أن هذا النموذج قد يوضِّح أصولَ أقلِّيَّةٍ فقط من الجينات اليتيمة. ومن ثَمَّ، على الرغم من أن العملية ذات أهمية واضحة، فإنها ليست كل شيء. يقول تاوتس: «كانت الفكرة تبدو معقولة في ذلك الوقت، لأن البديل بدا مستبعَدًا جدًّا.»

ما هو البديل؟ كان الاحتمال الآخر الوحيد أن الجينات يمكن أن تنشأ من لا شيء، من جزيئات عشوائية من الدي إن إيه غير المشفِّر. وهذه هي الفكرة التي لطالما نُبِذَت لكونها مستبعَدة الحدوث تمامًا، لأن القفزة من جزيء دي إن إيه غير مُشفِّر إلى جينٍ يُخلِّق منتجًا بروتينيًّا مفيدًا اعتُبِرَتْ قفزة كبيرة جدًّا إلى حد المستحيل. لكن الطبيعة لا تتقيد بما نمتلكه من معرفة. فمنذ بضع سنوات، بدأت الأدلة تظهر على نشأة الجينات «من لا شيء» في فطر الخميرة والأرز والفئران وذباب الفاكهة. وبعد ذلك، في عام ٢٠٠٩، أثبت ديفيد نوليس وإيفه ماكليسات من جامعة دبلن في أيرلندا أن ثمة ثلاثة جينات يتيمة لدى البشر قد نشأت من لا شيء في الواقع.

لقد وجَدَا أن تسلسلات الدي إن إيه تلك تتطابق تقريبًا مع الجينات الموجودة في رئيسيات أخرى عديدة لكنها كانت غير مُشفِّرة، مما يعني أن الجينات قد نشأت بالتأكيد في وقتٍ ما بعد أن وُضِع خطٌّ فاصلٌ بين الإنسان والشمبانزي باعتبارهما نوعين منفصلين. كما أثبتا أن الجينات اليتيمة تُنسَخ إلى الآر إن إيه ثم تُتَرجَم إلى بروتين في أنسجة متعددة، رغم أن وظائف الجينات ليست معروفة حتى الآن.

في عام ٢٠١١، وصف فريق آخَر ٦٠ جينًا بشريًّا يتيمًا آخر نشأ من عدم. لكن ماكليسات تظن أن هذا قد يكون مبالغة في التقدير؛ فهي تؤمن بأن تخلُّق الجينات الجديدة ظاهرة نادرة.

ومع ذلك، بدأ بعض الباحثين الآخرين يعتقدون أن هذه الظاهرة قد تكون شائعة على نحوٍ غير متوقع. فقد وجدت دراسة أُجريت على ٢٧٠ جينًا يتيمًا في الرئيسيات، بقيادة إم مار ألبا وماكارينا تول رييرا من معهد البحوث الطبية التابع للمؤسسة البلدية في برشلونة، بإسبانيا، أن ربع هذا العدد فقط يمكن تفسير نشوئه بالتطور السريع بعد عملية التضاعف («مولكيولر بيولوجي آند إيفولوشن»، المجلد ٢٦، صفحة ٦٠٣). ومن ناحية أخرى، بدا أن حوالي ٦٠٪ من الجينات جديدة. يقول تاوتس: «من الواضح أن التطور من العدمِ يمثِّل قوةً شديدةً؛ إذ تتولد عنه باستمرار جينات جديدة. وفكرة أن معظم الجينات اليتيمة قد تطورت من عدمٍ تبدو ممكنة.»

لكن كيف يمكن أن تكون ممكنة؟ أوضح نوليس وماكليسات أن الجينات اليتيمة التي وجَدَاها تستقر بجوار الجينات الأكبر سنًّا الموجودة بالفعل وتتداخل معها تداخلًا طفيفًا، وبالتالي قد تصبح الجينات اليتيمة قادرة على «استعارة» مفاتيح الجينات القديمة. وبالمثل، وجدت كلٌّ من ألبا وتول رييرا أن حوالي نصف المائتين والسبعين جينًا الموجودة لدى الرئيسيات قد اكتسبت تسلسلات من جينات «الينقول»، وهي طفيليات وراثية يمكنها القفز بين أرجاء الجينوم. في الوقت نفسه، أظهرت دراسة موسوعة عناصر الدي إن إيه (المعروفة اختصارًا باسم إنكود) للجينوم البشري، التي نُشِرَت في وقتٍ مبكرٍ من هذا العام، أن الدي إن إيه البشري يكتظ بملايين من تسلسلات التحكم القصيرة التي يحتمل أن تكون مفيدة، ومفاتيح التحكم المنفردة هذه يمكنها التفاعل مع جينات عديدة.

كل هذا يرجح أنه من السهل نسبيًّا لأي دي إن إيه غير مُشفِّر الحصول على مفاتيح التحكم اللازمة لإنشاء نُسَخ آر إن إيه منه. وفي الواقع، وجدت دراسة إنكود أن حوالي ٨٠٪ من الدي إن إيه يُنسَخ إلى آر إن إيه على الأقل من حينٍ إلى آخَر. ويزعم البعض أن هذا الآر إن إيه وظيفي، لكن ثمة تفسيرًا آخَر يقول إن معظم هذا النشاط مجرد ضجيج، وأن الدي إن إيه المهمل غير المشفر يُنسَخ إلى آر إن إيه على نحوٍ روتينيٍّ.

الجينات الأولية

إذا كان الأمر كذلك، فإننا نجرب باستخدام آلاف الجينات المحتملة الجديدة طوال الوقت؛ وقد أوضحت آن روكساندرا كارفونيس من جامعة كاليفورنيا بسان دييجو أن هذا هو الحال في الواقع، على الأقل في فطر الخميرة. في السنة الماضية، حلَّل فريقها ١٠٨ آلاف من التسلسلات القصيرة والمجهولة التي قد تحمل شفرة تخليق بروتين في جينوم فطر الخميرة («نيتشر»، المجلد ٤٨٧، صفحة ٣٧٠). أكثر من ١٠٠٠ من هذه التسلسلات كانت تتفاعل مع مصنع بناء البروتين داخل الخلية، مما يرجح أنها كانت تتحول إلى بروتينات. تقول كارفونيس: «قد تكون هذه قمة جبل الجليد فحسب.»

ترجح النتائج التي توصلت إليها كارفونيس أن مصانع إنتاج البروتين في فطر الخميرة تنتج باستمرار بروتينات جديدة على نحوٍ ميكانيكيٍّ وبكميات كبيرة، مما يتيح «إجراء التجارب عليها»، وهي ترجح أن الشيء نفسه يحدث في كافة الكائنات الحية المعقدة. ما بين الدي إن إيه غير المُشفِّر والجينات المكتملة، تعتقد كارفونيس أن ثمة نطاقًا كاملًا من «الجينات الأولية». معظم هذه الجينات يحمل شفرة تخليق بروتينات محايدة أو ضارة، وبالتالي لن يحدث انتخاب وستتحول الغالبية العظمى من الجينات الأولية إلى دي إن إيه غير مُشفِّر آجلًا أم عاجلًا. لكن قليلًا من الجينات الأولية المحايدة أو ربما حتى المفيدة سوف تثابر أحيانًا، وتبدأ في جمع الطفرات الوراثية المفيدة. وعلى مدار ملايين السنوات من الانتخاب الطبيعي، يمكن أن تصبح هذه الجينات الأولية جينات حقيقية — وهكذا تولد الجينات اليتيمة.

كل هذا يساعد على تفسير السبب وراء تعبير الجينات اليتيمة عن نفسها في الخصية في الغالب. ففي معظم الخلايا، يكون الدي إن إيه مغلَّفًا بإحكام، مما يقلِّص من احتمالات إنشاء نسخ آر إن إيه، ولكن في خلايا حيوانات منوية غير ناضجة بعينها، يكون التركيب أكثر انفتاحًا، مما يسهل نَسْخ الجينات الأولية إلى آر إن إيه. ومع مرور الوقت، قد يعبر الجين عن نفسه في أنسجة أخرى ويطور وظائف جديدة.

علاوة على ذلك، تجعل الاكتشافاتُ الجديدة حول طبيعة البروتينات نشأةَ الجينات من العدم تبدو أكثر احتمالًا إلى حد بعيد. لقد كان يُعتقد فيما مضى أن البروتينات يجب أن تطوى في شكل مركَّبٍ رقيق ودقيق وثلاثي الأبعاد يعمل بدقة، لكن يبدو الآن أن بروتينات عديدة توجد في حالة عدم نظام ذاتية، متنقلةً بين آلافٍ من الأشكال المختلفة المحتملة، حيث تقوم بوظيفتها كما ينبغي طيلة الوقت. إن حوالي نصف البروتينات البشرية تضم على الأقل قطاعًا واحدًا طويلًا غير منظم ذاتيًّا، في حين أن ١٠٪ من البروتينات غير منظمة من البداية إلى النهاية.

يعتقد بيتر تومبا، من معهد فلاندرز للتكنولوجيا الحيوية في بروكسل، الذي يدرس البروتينات غير المنظمة ذاتيًّا، أن الجينات اليتيمة الجديدة تحمل على الأرجح شفرة تخليق بروتينات غير منظمة، لأن تخليق هذه البروتينات أسهل من تخليق البروتينات المطوية. والبروتينات غير المنظمة غالبًا ما تلعب دورًا في التأشير والتنظيم داخل الخلية. يقول تومبا: «لن أشعر بالدهشة إذا اتَّضَح أن الجينات اليتيمة تؤدي وظائف تنظيمية.»

ربما يساعد هذا في تفسير السبب وراء إمكانية أن تصبح الجينات اليتيمة أساسية بسرعة كبيرة. في عام ٢٠١٠، استخدم فريق لونج تدخُّلَ الآر إن إيه لوقف عمل الجينات الكبيرة والصغيرة التطورية في ذباب الفاكهة. وجد أفراد الفريق أن الجينات الحديثة — بما فيها الجينات اليتيمة — أساسية لحياة الكائنات الحية على الأرجح كالجينات الكبيرة («ساينس»، مجلد ٣٣٠، صفحة ١٦٨٢). يقول لونج: «هذا يخالف ما يرد ذكره في الكتب، والتي تقول إن الجينات التي تحمل شفرات الوظائف الأساسية خُلِقَت في العصور الغابرة.»

لا يزال هناك الكثير مما يمكن أن نعرفه عن الجينات اليتيمة، لكننا بدأنا الآن في تتبُّع نَسَبِها. ويبدو أننا لم نستطع إيجاد عائلات لمعظم الجينات اليتيمة لأنها بلا عائلات في واقع الأمر. من الممكن تتبُّع الدي إن إيه الخام الذي نشأت منه، لكنها كجينات هي الأولى من نوعها. وبهذا الشكل، قد تكون كلمة أيتام خطأً في التسمية. ربما ينبغي إعادة تسميتها بجينات دُمْيَة بينوكيو؛ أيْ إنها تكوينات غير جينية نحتتها يد الصدفة والانتخاب الطبيعي لتصبح جينات حقيقية «فعَّالة».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.