برغوث طليق وأنيق.
برغوث طليق وأنيق.

فقط تحدث مع تيم كوكِريل لأي مدة من الوقت ولن تقاوم الرغبة في حك جلدك. إنه عالم حشرات حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كامبريدج، ولديه شغف تجاه حشرة يصاب معظم الناس بالرعب منها؛ البرغوث. وهو أيضًا مقدم عروض في السيرك، وهو ما يجعل خطوته المهنية القادمة واضحة إلى حدٍّ ما. يقول: «البراغيث والسيرك يعنيان … سيرك براغيث.»

إذا نجحت خطط كوكِريل، فإنه سيفتتح في العام القادم أول سيرك للبراغيث في المملكة المتحدة منذ نصف قرن. نعم، ستؤدي استعراضاته براغيث حقيقية.

يرجع تاريخ أول سيرك معروف للبراغيث إلى أوائل عشرينيات القرن التاسع عشر، عندما بدأ مدير استعراضات إيطالي يدعى لويس بِرتولوتو في الإعلان عن «استعراض استثنائي للبراغيث المجدة» في لندن، في شارع ريجنت ستريت، الذي كان في هذا الوقت من المناطق الجديدة المبهجة والمليئة بالمتاجر والأنشطة.

لم يكن استعراض بِرتولوتو استعراضًا من استعراضات السيرك قدر ما كان نوعًا من التهكم على الحياة اليومية من خلال البراغيث. فقدم فيه استعراضًا يجسد «قاعة رقص تتمايل فيها البراغيث التي ترتدي ملابس سيدات ورجال في رقصة الفالس»، وآخر ﻟ «عربة بريد يجرها أربعة براغيث»، وثالث لإعادة تمثيل معركة ووترلو، حيث لعبت البراغيث أدوار كل من دوق ويلينجتون ونابليون والفيلد مارشال البروسي بلوخر. رسم الدخول: شلن واحد.

أدر هذا الاستعراض ربحًا وفيرًا. يقول كوكِريل: «كانت له شعبية كبيرة في لندن الفيكتورية، وطاف العالم كله.» وأدى استعراض بِرتولوتو إلى ظهور العديد من المقلدين، فأصبح سيرك البراغيث فقرة أساسية في كل الاستعراضات الثانوية وأراضي المعارض.

وهناك اعتقادٌ سائد بأن استعراضات سيرك البراغيث هذه عبارة عن خدعة؛ حيلة ميكانيكية تبدو للعيان وكأن كائنات متناهية الصغر هي التي تؤديها. وظن كوكِريل هذا أيضًا، حتى أقسمت له جدته بأنها شاهدت سيركًا حقيقيًّا في شبابها. لذا بدأ يبحث في موضوع سيرك البراغيث، ولدغته حشرة. فيقول: «بدأت أجمع المطبوعات، من كتب مصورة وبطاقات بريدية، التي يشتريها الناس عند الذهاب لمشاهدة سيرك البراغيث. وكان يحتوي العديد منها على صور لبراغيث حقيقية. فكان هذا تأكيدًا.»

لم يخترع بِرتولوتو فكرة سيرك البراغيث من العدم. ففي القرن السابع عشر، كان الصاغة وصناع الساعات يتباهون بمهارتهم بصنع سلاسل وتروس وأجهزة أخرى متناهية الصغر، ويعرضونها على الناس مقابل أجر. فيقال إن أحد الحرفيين تباهى بأنه يستطيع صنع سلسلة صغيرة للغاية مكونة من ١٥ حلقة يستطيع برغوث جرها؛ وهو مجرد أسلوب للتباهي بمدى صغرها. (يبلغ طول البرغوث المُهيِّج الذي يهاجم البشر نحو ملليمترين، وهو مألوف بسبب الإزعاج الذي يثيره.) وأدرك بِرتولوتو الفكرة الضمنية وجعل البراغيث — وليس الأدوات التي يُستعان بها — نجوم الاستعراض. كانت استعراضات سيرك البراغيث لا تزال لها شعبية في الذاكرة الحية، لكنها كانت قد بدأت تتدهور، مع ظهور ثقافة الاستعراضات الثانوية، في منتصف القرن العشرين. وكان المسمار الأخير في نعش هذا السيرك هو انتشار المكنسة الكهربائية المنزلية في فترة ما بعد الحرب، التي قضت على موارد أهم أصول السيرك؛ وهي مقدمو الاستعراضات. وحاليًّا، هناك مجموعة قليلة من استعراضات سيرك البراغيث، أحدها في أوكتوبرفست بميونخ في ألمانيا، لا تزال تتبع هذا التقليد الرائع طويل الأمد.

وقبل أن يستطيع كوكِريل إحياء هذا السيرك، عليه الإمساك أولًا بمقدمي الاستعراضات. فهناك ما يقرب من ٢٠٠٠ نوع من البراغيث، ومعظمها تكيف على الحياة اعتمادًا على كائن مضيف معين. ويبلغ حجم أصغر برغوث حجم بذرة الخشخاش تقريبًا، بينما يبلغ طول أطول برغوث ١٢ ملليمترًا. ويبدو أنه لا يوجد ارتباط بين حجم المضيف وحجم البرغوث. فتعيش البراغيث العملاقة التي يصل طولها إلى ١٢ ملليمترًا على قندس أمريكا الشمالية، أما برغوث الخلد الذي يصل طوله إلى ٨ ملليمترات، فله مضيف ثانوي وهو حيوان الزبابة القزم، والذي يبلغ طوله هو نفسه ٥ سنتيمترات فقط. يقول كوكِريل: «شُبه هذا الأمر بهجوم كلاب جاك راسل على إنسان.»

تتميز البراغيث البشرية بمهاراتها، فهي بطلة قوة الاحتمال في عالم البراغيث. تقضي معظم أنواع البراغيث حياتها بكسل داخل فراء مضيفها، إلا أن افتقارنا النسبي لشعر الجسم يعني أن هذه الضيوف تعيش في الفراش أو البسط والسجاد، وتخرج منه يوميًّا لتتغذى على دمائنا. فكل هذه الحركة تمدها بقوةٍ وقدرةٍ على الاحتمال تفوق كثيرًا ما يمكن أن تجمعه نظائرها الأضعف. يقول كوكِريل: «هذه البراغيث كبيرة الحجم وقوية.»

مع ذلك، يصعب الإمساك بها. وكان بِرتولوتو يعلن دائمًا عن حاجته إلى البراغيث، وكان يدفع نصف شلن مقابل كل برغوث، مع أن البراغيث كانت منتشرة جدًّا بين سكان لندن في وقته. لكن الوضع اختلف في الوقت الحاضر. يقول كوكِريل: «إنها نادرة بشكل لا يصدق، وتكاد تكون انقرضت في المنازل.»

وبالرغم من عدم تخلي كوكِريل عن أمل الإمساك بالبراغيث البشرية، التي تخرج من حين لآخر من المصنوعات الخشبية، فإنه حاليًّا يلتقط البراغيث الشاردة والضالة من جحر قنفذ. يقول: «تشتهر القنافذ بإصابتها بالبراغيث، لذا يسهل الإمساك بها، كما أنها (البراغيث) قوية إلى حد كبير.»

الخطوة التالية تتمثل في تعليمها. تقفز البراغيث بشكل مذهل، فالجلد المطاط الذي يوجد في سيقانها الخلفية يمكّنها من القفز مسافات تساوي أضعاف طول أجسامها. لكنك في السيرك لا تريدها أن تقفز، بل تريد رؤيتها وهي تمشي.

لذلك، يجب أن تُروض. كان مديرو الحلبات في الماضي يضعون البراغيث الجدد داخل صندوق زجاجي صغير، وفي كل مرة تقفز ترتطم رءوسها بالزجاج. وبعد مرور عدة أيام، تتعلم ألا تقفز. وبعد ترويضها على هذا النحو، تصبح مستعدة للالتحاق بمدرسة السيرك.

أو هكذا يُقال. ويذكر كوكِريل أن ذلك ربما يكون هراءً من نسج خيال مخرجي الاستعراضات. يقول: «لم أستخدم الصندوق الزجاجي قط. وفي الواقع، ما الأمر إلا مزيج بين اختيار البرغوث المناسب — فكل برغوث يقوم بشيء مختلف — واعتياد البراغيث على هذا.»

يُقصد بكلمة «هذا» ربط سيقان البراغيث طوال الوقت بطوق مصنوع عادةً من سلك ذهبي، يُلف حول الزوجين الأول والثاني من سيقان البرغوث، مع ترك مسافة ضيقة بينهما. فيمكن تعليم البرغوث المروض والمربوط كل أنواع الحيل؛ ويُعد السير على حبل مشدود من الحركات الأساسية. فيلتقط مدير الحلبة البرغوث من طوقه ويضعه على خيط معلّق بين عمودين، ويسير البرغوث عليه. يا للعجب!

السيرك أو الموت

هناك أيضًا حركة قذف الأشياء في الهواء، وفيها يستلقي البرغوث على ظهره ويحرك سيقانه في الهواء. يضع مدير الحلبة كرة صغيرة مصنوعة من خيوط كتانية أو قطنية على سيقان البرغوث، مما يدفعه إلى تحريك أقدامه عليها وتدويرها، وكأنه «يمشي». أي عجب!

في الواقع، هذا ليس قذفًا للأشياء في الهواء. يقول كوكِريل: «كان لدى مدير الحلبة الحرية في تغيير الأسلوب إلى حد ما.» وكان مديرو الحلبات أذكياء في تقديمهم الاستعراضات من أجل تعويض عجز البراغيث. وكان من الفقرات المعتادة المحبوبة أن يقول: «اختفِ يا برغوث!» ويبحث فيما بين الجمهور عن سيدة حسنة المظهر ويتظاهر بالإمساك ببرغوث عليها، ويقول: «يا للأسف، هذا ليس برغوثي.» ثم يعيده.

يمكن أيضًا جعل البراغيث المدربة تجر عربات ذات أربع عجلات، وتركب دراجات ثلاثية، وتشغِّل دوامة الخيل، وتطير من أرجوحة لأخرى، وتسحب دلاءً من الآبار، وتلعب شد الحبل، وتشغل طواحين الهواء. فلا يوجد حد لهذه الألعاب إلا خيال مدير الحلبة، ومهارة صانع أدوات الاستعراض. ويمتلك كوكِريل مجموعةً من الأدوات التي صنعها بنفسه، منها أربع عربات ذات أربع عجلات، ودراجة ثلاثية، وحبل مشدود، وأرجوحة. وبعد تدربه على الحيل مع براغيث حقيقية، تتمثل الخطوة التالية في فتح السيرك للجمهور.

فيما يخص البراغيث، تُعد كل هذه الاستعراضات مملة إلى حد ما؛ فعندما يُثبت وضعها بإحدى الأدوات تظل على الوضع نفسه، حتى بعد انتهاء استعراضاتها ووضعها في علبة سجائر مبطنة باللباد، التي — وفقًا للتقاليد — تُعد بمنزلة قاطرة فنانين متنقلة. وهذا هو قدرها لما تبقى من حياتها الطويلة جدًّا على نحو مذهل. فقد ادعى بِرتولوتو أنه احتفظ ببراغيث عاشت عدة سنوات. يبدو هذا بعيد الاحتمال، ولكن هناك تقريرًا موثوقًا فيه عن أن برغوث قطط عاش في الأسر مدة ١٨ شهرًا.

هذا جيد، إذ إن سيرك البراغيث النموذجي يتطلب من ١٠ إلى ٢٠ ممثلًا، إضافةً إلى الممثلين البدلاء. يقول كوكِريل: «أنت في حاجةٍ إلى مجموعة ثانية تستخدمها عندما تصاب المجموعة الأولى بالتعب. فربما تؤدي ٢٠ أو ٣٠ استعراضًا في ليلة واحدة، وفي النهاية تتوقف عن الأداء، وعندها تحتاج أن تطعمها.»

هذه هي اللحظة التي يبذل فيها مدرب البراغيث جهدًا بالغًا. فهناك مصدر واحد فقط تعتمد عليه البراغيث في التغذية. يقول كوكِريل: «يجب أن تجعلها تتغذى على دمائك.» فعندما تكون رعاياه جائعة، يضعها على ساعده، وهي لا تزال معلقة بأدوات الاستعراض، ويدعها تلدغه. «فكما تقول المقولة القديمة: نفيد ونستفيد.»

مع هذا التعايش، أدت حقيقة انتزاع كائنات حية من البرية واستعبادها إلى أن يسأل البعض كوكِريل عما إذا كان يرى قسوة في هذا. ولكنه نفى هذه الفكرة باستياء شديد، بقوله: «كنت مندهشًا إلى حد ما عندما سمعت هذا لأول مرة؛ فمعظم الناس يكرهون البراغيث.» وأشار إلى أن الحشرات ربما لا تشعر بالألم على النحو الذي تشعر به الثدييات، وإلى أنه يطعم البراغيث الموجودة لديه جيدًا طوال الوقت، وأنه ينقذها من وفاة شنيعة يسببها المبيد الحشري الذي يوضع في جحر القنفذ.

وأخيرًا، يقول بتجهم عابر: «تستطيع أن تقول إنني أدير هيئة لإنقاذ البراغيث.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.