الدبق الذي يُستخدم لأغراض التزيين في عيد الميلاد ليس سوى نوع من بين أكثر من ١٣٠٠ نوع.
الدبق الذي يُستخدم لأغراض التزيين في عيد الميلاد ليس سوى نوع من بين أكثر من ١٣٠٠ نوع.

يعشقه الرومانسيون كبار السن، ويبغضه حراس الغابات، لكن بالنسبة لعالم البيئة الأسترالي ديفيد واطسون فإن الدبق ليس مبررًا لتبادل القبلات، وليس ببليَّة تمتص عصارة الحياة من الأشجار. لقد قضى واطسون أكثر من عَقد يدرس الدبق في ثلاث قارات في مهمة لمحو السمعة السيئة عن هذه النباتات الطفيلية الغريبة. وما اكتشفه هذا العالم سيتحدى كل شيء ظننت أنك عرفته عن النباتات الطفيلية.

بدايةً، انسَ أمر الدبق الذي تُزَيَّن رسوماته بطاقات عيد الميلاد، وتُتبادل أسفله القبلات المسروقة، الذي استخدمه كهنة الدرويد، وورد في الأساطير القديمة: حيث إن الدبق الأبيض الأوروبي ما هو إلا نوع واحد من بين ١٣٠٠ نوع في جميع أرجاء العالم؛ إذ يوجد الدبق في كل القارات ما عدا قارة أنتاركتيكا. وتنمو معظم نباتات الدبق على فروع الأشجار، وتشكِّل كتلة خضراء وكثيفة، تتدلى منها سيقان عصارية وفيرة. وما يربط بين هذه النباتات ليس انتسابها إلى سلالة واحدة، حيث إن الدبق تطور خمس مرات على الأقل في فصائل مختلفة من النباتات، وإنما نمط حياتها هو الذي يربط بينها. فالدبق من النباتات نصف الطفيلية: حيث إنه يُكوِّن كربوهيدراته من خلال عملية البناء الضوئي، لكنه يحصل على المياه والمعادن عن طريق تثبيت نفسه على الجهاز الوعائي للنبات العائل باستخدام «مُشَبِّث» لحيم يشبه الجذر.

ربما يكون الدبق محصولًا مربحًا للغاية لبعض الناس في فصل الشتاء، لكن حراس الغابات بوجه عام يرون أن هذا النبات الطفيلي الهوائي قاتل للأشجار. يقول واطسون، الذي يعمل في جامعة تشارلز ستورت بألبوري بولاية نيو ساوث ويلز في أستراليا: «في معظم الأماكن، يَعتبر مديرو الغابات الدبق آفة زراعية مدمرة ينبغي إزالتها.» ويتحدى البحث الذي يجريه واطسون وجهة النظر هذه، ويرجح أن هذه النباتات زاخرة بالخيرات. فأينما نما الدبق، تحل معه الحياة، على حد قول واطسون. ويضيف واطسون: «الدبق هو السبيل لغابة صحية خصبة؛ إنه المحرك الذي سينقل التنوع من أرض الغابة إلى مظلتها.»

على مدار العقدين الماضيين، سجَّل واطسون ورفاقه من علماء البيئة قائمة لانهائية للأنشطة التي تتمحور حول الدبق. وفي كل مكان، بدءًا من الغابات الأوروبية الشمالية الباردة إلى المناطق الاستوائية في أفريقيا وآسيا والأمريكتين والغابات شبه الجافة في الجزء الذي يقطن فيه واطسون في أستراليا، تتكرر الصورة نفسها. فالدبق الدائم الخضرة، الذي يضمن حظه من الماء باستمرار، يُعد مصدر غذاء يُعتمد عليه طوال العام للكثير من سكان الغابة، حيث يوفر أوراقًا غنية بالمواد الغذائية، ورحيقًا حلو المذاق، وثمارًا لبية عصارية غنية بالدهون. إضافةً إلى ذلك، توفر الكتل الكثيفة التي يشكِّلها الدبق أماكن للاختباء، وبيئةً معتدلة الحرارة لنيل قسط من الراحة، في حين أن كتل السيقان المتشابكة القوية توفر أماكن سرية للطيور الصغيرة لتُعَشِّش فيها، وقاعدة متينة للطيور الأكبر لبناء أعشاشها عليها. وكل هذا النشاط يجذب الحيوانات المفترسة كذلك (انظر عنوان «الدبق الرائع»).

ويجادل واطسون بأن كل هذه الاكتشافات تُرجح أن الدبق يدر إلى الغابة الشاسعة فوائد تعوِّض إلى حدٍّ بعيد الضرر البسيط الذي يسببه للأشجار المنفردة. وفي حين أن الدراسات قد أظهرت أن الدبق يمكن أن يبطئ من نمو الأشجار التي تعوله، فإنه نادرًا ما يقتلها، وإذا ما فعل، فذلك لا يحدث إلا حينما يكون عبؤه أثقل من قدرة احتمال الأشجار. وقول واطسون: «وحتى في ذلك الحين، يكون موت الأشجار ناتجًا عن مسببات الأمراض الأخرى، كخنافس اللحاء، أو هجوم الفطريات.»

أجرى واطسون تجربته النهائية لإثبات وجهة نظره، ويقول: «المفارقة هي أن إجراء هذا البحث تطلب مني إزالة الدبق من غابات كاملة. وكان هناك سبب جيد لذلك، إذ تظهر تجربتنا مدى قيمة هذا النبات.»

قطع واطسون وزميله ماثيو هيرينج، بمساعدة ومعاونة متطوعين بارعين في استخدام مقصات ومناشير التقليم، ٥٥٠٠ كتلة من الدبق، من ١٧ دغلًا كبيرًا من غابة الأوكالبتوس في جنوب شرق ولاية نيو ساوث ويلز. وكان النوع السائد هو دبق الأميما ميكيولي، الذي تنمو منه نبتات متهدلة تتدلى لمسافة تصل إلى خمسة أمتار. ومثله مثل باقي أنواع الدبق، يعتبر الأميما ميكيولي بمنزلة خلية من النشاط، إذ يتباين زائروه ما بين الطيور التي تتغذى على رحيقه، والجرابيات آكلة أوراقه، وحيوانات الأبوسوم الباحثة عن مكان لتخلد إلى الراحة. وبعد مرور ثلاث سنوات، فحص كل من واطسون وهيرينج أثر إزالة الدبق على مجموعة من حيوانات وطيور الغابة التي من السهل ملاحظتها ومراقبتها. وقد كانت النتائج التي نُشِرَت في بداية عام ٢٠١٢ مثيرة (بروسيدينجز أوف ذا رويال سوساييتي بي، المجلد ٢٧٩، صفحة ٣٨٥٣).

يوضح واطسون قائلًا: «لقد كان التغيير أكبر وأسرع مما تصورنا؛ إذ فقدنا أكثر من ثلث طيور الغابة في الأماكن التي أزلنا منها الدبق.» والأكثر من ذلك أن الطيور التي اختفت لم تكن تلك التي كان اختفاؤها متوقعًا. فقد افترض الباحثون أن أكثر الأنواع تضررًا سيكون الأكثر استخدامًا للدبق. «لكن لم يكن ذلك ما حدث، فقد طالت الخسائر كل الأنواع، ولحقت أبرز الخسائر بآكلات الحشرات التي تتغذى من الأرض.»

زعم واطسون لوقت طويل أن الدبق مورد رئيسي، فهو نبات ذو تأثير متفاوت على باقي النظام البيئي، وعامل أساسي في دعم وفرة الأنواع البيولوجية. وتجربة التشذيب واسعة النطاق التي أجراها أثبتت بدقة مدى أهمية الدبق في دعم التنوع في الغابة، لكن ليس للأسباب التي ربما تكون قد توقعتها.

أوراق زاخرة بالخيرات

أكبر الإسهامات التي يقدمها الدبق لثراء الحياة في الغابات هو الأوراق الغزيرة التي يسقطها على الأرض، حسبما يزعم واطسون. فغالبًا ما تحتوي أوراق الدبق على ضعف القيمة الغذائية المتوافرة في أوراق النباتات العائلة لها، وعلى عكس الأشجار، لا يمتص الدبق المواد الغذائية من أوراقه قبل إسقاطها. يقول واطسون: «هذه الأوراق زاخرة بالخيرات.»

هذا يجعل نثار الأوراق أسفل الشجر التي يُعرِش عليها الدبق أغنى وأكثر كثافةً من أي مكان آخر، مما يشجع على تكاثر ميكروبات التربة، ويسرِّع من إعادة تدوير المواد الغذائية التي تدعم نمو النباتات. وكذلك، يُعد نثار الأوراق الكثيف موطنًا لعدد أكبر وتنوع أكثر في اللافقاريات، التي توفر بدورها الغذاء للحيوانات الأكبر حجمًا، مثل طيور الغابة التي اختفت مع إزالة الدبق خلال وقت تجربة واطسون. وإذا لم يكن ذلك كافيًا، فإن الطبيعة غير المتسقة لنثار الأوراق — إذ يكون غنيًّا وكثيفًا تحت الأشجار التي تعول الدبق وأقل كثافةً وثراءً بالمواد الغذائية في بقية الأماكن — تُمَكِّن العديد من الأنواع من التشارك في الغابة نفسها.

وكما هو متوقع، وجد واطسون في دراسات المتابعة التي يجريها في الأماكن التي أُزيل منها الدبق أن نفس نتائج إزالة الدبق تتكرر بين الحشرات والعناكب، وحيوانات أخرى في الغابة. ويعلِّق واطسون قائلًا: «الرسالة التي تأتينا بصوت عالٍ وواضح هي أنه أينما وُجد الدبق، يَكُنْ له تأثير واسع الانتشار على العديد من سكان الغابة بدرجة ينبغي معها الاهتمام به. فبدلًا من اعتبار الدبق بليةً علينا التغلب عليها، ينبغي أن يُعتبر منقذًا لغاباتنا الطبيعية.»

الدبق الرائع

  • تقيم فيه الشياهم وخز الصنوبر والسناجب في بياتها الشتوي.
  • يستخدمه الورل الأفريقي للتمويه لنصب الفخاخ للطيور.
  • تتخذه ٦٠ فصيلة من الطيور مأوًى مثاليًّا، بدءًا من الطيور المغردة الصغيرة وحتى الصقور والبوم ثقيل الوزن.
  • تتغذى على رحيقه العثث وطيور الطنان وحيوانات الليمور.
  • تتغذى الثدييات العاشبة، من الغزال ووحيد القرن إلى الغوريلا والأبوسوم، على أوراقه الغنية بالمواد الغذائية.
  • يتغذى على ثماره اللبية الغنية بالدهون، من بين الكثير من الحيوانات، أحد أنواع أسماك الفأس الذي يعيش في نهر الأمازون.
  • تبطِّن بعض الطيور آكلة اللحوم أعشاشها يوميًّا بأوراقه النضرة، التي يُعتَقد أنها تتمتع بخصائص مضادة للبكتيريا.
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    نصرالدين عميار ·٢٨ يوليو ٢٠١٦، ٢٢:٢٣ م

    تحية حب و إعتزاز أستاذة سارة عادل على هذا المقال الرئع. فقط أريد الأسم العلمي أو اللاتيني لنات الدبق و شكرا مسبقاً.