بخلاف ما يحدث في الأفلام السينمائية، لا ينتصر الأخيار دائمًا في الحياة الواقعية. وقد عَرَف المتواضع المبجَّل نورمان هيتلي (١٩١١–٢٠٠٤) — عالم الكيمياء الحيوية الموهوب الذي لعب دورًا بارزًا في تطوير البنسلين — ما تعنيه هذه العبارة حق المعرفة. وقصة هذا العالِم جديرة بأن تُروَى نظرًا لما عاناه من ظلم بَيِّنٍ على يد المجتمع العلمي الدولي الذي حرمه حقه في الحصول على الجوائز القيِّمة التي مُنحَت لمن يُنسَب إليهم الفضل في اكتشاف واحد من أهم العقاقير على الإطلاق. فمن عرفوا أساليب هيتلي المُبتكَرة غير التقليدية — التي استخدمها في استخلاص البنسلين وتنقيته بكميات تكفي لإجراء التجارب السريرية على القوارض والبشر على حدٍّ سواء في عام ١٩٤٠ — لم يساورهم الشك في أنه لولا هيتلي، ما كان سير ألكسندر فلمنج وبروفسور هوارد فلوري ودكتور إيرنست تشين لينالوا جائزة نوبل عام ١٩٤٥. ودون عمله الإبداعي والمبتكر في كلية سير ويليام دَن لعلم الأمراض بجامعة أكسفورد، وتعاونه الفيَّاض مع علماء من وزارة الزراعة الأمريكية في بيوريا بولاية إلينوي، وشركة ميرك في راواي بولاية نيوجيرسي، لمَا أمكن استخلاص البنسلين — أول المضادات الحيوية — وتنقيته، وإنتاجه أثناء الحرب العالمية الثانية، ولَفَقَد الكثيرون حياتهم جراء العدوى البكتيرية.

كيف استطاع المجتمع العلمي تجاهل عالم أدى حدسه المستنير إلى تحقيق نجاحات تقنية مهمة في اكتشاف البنسلين؟ إنه سؤال مزعج. فلم يُشرك هيتلي في جائزة نوبل (التي لا يمكن أن يتقاسمها سوى ثلاثة أفراد فقط)، ولم يحظ بزمالة الجمعية الملكية. وعلى عكس زملائه الثلاثة الرئيسيين، لم ينل من الألقاب ما يجعله واحدًا من النبلاء. فكل ما حصل عليه من الدولة كان وسام الإمبراطورية البريطانية في نهاية مسيرته المهنية. إن عدم الاعتراف بحقيقة الدور الذي لعبه هيتلي في قصة اكتشاف البنسلين أمر جائر ومؤسف؛ فإسهاماته في هذا الشأن جديرة بأن تُذكَر.

وُلِد نورمان هيتلي في مدينة وودبريدج بمقاطعة سافيك الإنجليزية في العاشر من يناير عام ١٩١١، ليكون الطفل الوحيد الذي تكتب له الحياة من بين أبناء طبيب المدينة البيطري وزوجته. وبعد انتهائه من الدراسة في مدرسة داخلية بمدينة تونبريدج، التحق بكلية سانت جون جامعة كمبريدج حيث نال شهادته الجامعية في العلوم الطبيعية عام ١٩٣٣، وبعدها بثلاث سنوات نال درجة الدكتوراه تحت إشراف جوزيف نيدام الذي كان شعلة نشاط في كلية الكيمياء الحيوية. وأثناء الوقت الذي قضاه هيتلي مع نيدام، جذبت مهارته — لا سيما في مجال الكيمياء المجهرية المعقد — انتباه دكتور إيرنست تشين؛ ذلك المغترب الألماني الشاب الصاعد الذي كان يعمل في مختبرات جامعة كمبريدج الخاصة بالبروفسور سير فرانكلين هوبكنز الحائز على جائزة نوبل. انتقل تشين — المفعم بالحماس والطموح — إلى أكسفورد محاضِرًا في علم الأمراض عام ١٩٣٥، لينضم إلى فريق يرأسه الأسترالي المتميز هوارد فلوري، أصغر أستاذ علم أمراض في تاريخ جامعة أكسفورد. شعر فلوري — الذي اتسم بموهبته المذهلة ونشاطه المتقد — أن توجه كلية دَن لعلم الأمراض بحاجة إلى إصلاح جذري، وأقلقه توقف هيئة التدريس بالكلية عن إجراء أبحاث متقدمة. لذا، أسعدته الفرصة التي سنحت له لإحداث تغيير جذري في المجتمع العلمي والطبي الذي قعد عن تحقيق الإنجازات، وعزم على ضم كلية دَن إلى مركز الأبحاث الطبية الرائد في البلاد.

وصل هيتلي الشاب المتفائل إلى أكسفورد في الثالث من سبتمبر عام ١٩٣٦ مفعمًا بالحماس بشأن الوظيفة البحثية التي حظي بها في جامعة مرموقة، ومشتاقًا إلى بذل أقصى ما لديه لمصلحة الفريق العلمي الذي سينضم إليه. لم يكن هيتلي مزهوًّا بنفسه، فهو واثق في قدارته لكن دون تعجرف. ولما كان يشعر بالامتنان لتمكنه من العمل تحت إشراف عدد من كبار العلماء، فإنه لم يعتبر نفسه نجمًا في مجاله قط. بل على العكس، كان يرى في نفسه عالمًا عمليًّا أكثر من كونه عالمًا نظريًّا؛ وكان شخصًا حي الضمير دقيقًا يتمتع بذهن عالي الحدس مكَّنه من حل مشكلات عديدة بأسلوب غير تقليدي عادةً.

كان هيتلي يهوى إصلاح الأشياء؛ فنادرًا ما كان يتخلص من أي شيء يمكن استخدامه في مرحلة ما في المستقبل لغرض آخر غير غرضه الأساسي، فضلًا عن أنه ابتكر أساليب يمكن من خلالها استخدام مجموعة متنوعة كاملة من قطع الغيار لتحقيق أقصى فائدة منها. وصلت مهارته في هذا الشأن إلى درجة استطاع معها تصميم عدد كبير من المواد والأدوات ذات البراعة في التصميم لأداء عدد من المهام سواء بالغة البساطة أو التعقيد في المنزل أو المختبر. ومع أنه لم يكن يقصد تقليد رسام الكاريكاتير البريطاني المبدع هيث روبينسون، فإنه كان مدركًا لوجود هذه المقارنة، مع أنها لم تكن تضيف إليه في بعض الأحيان.

مع أن فلوري هو من دعا هيتلي رسميًّا إلى أكسفورد، فقد عمل في البداية خبيرًا بارعًا في هندسة الكائنات الدقيقة مع تشين في مشروعه عن الإنزيمات المرتبطة بالسرطان. بيد أن العمل مع تشين لم يكن سهلًا؛ فبقدر ما كان عبقريًّا ومبدعًا، كان متقلب المزاج حاد الطبع. ومن ثم، كانت العلاقة بين هاتين الشخصيتين المختلفتين تمامًا مشحونة بالتوتر دائمًا. كان تشين مندفعًا متعجرفًا تلقائيًّا عنيفًا؛ وكان هيتلي مهذبًا متحفظًا مراعيًا لمشاعر الآخرين متواضعًا. ومع أنه نادرًا — إن لم يكن محالًا — ما كان تشين يمتدح أحدًا سوى نفسه، فإن هيتلي كان يلتمس النصح دائمًا من العلماء الآخرين، وكان باحثًا كريم الخلق؛ فلا يزال ينطبق عليه شعار طلاب جامعة وينشستر «الأخلاق تصنع الرجال». إذا كانت شخصيتاهما متعارضتين، فإن طريقتي عملهما كادتا تكونان على طرفي نقيض. كان تشين سريع الغضب في عمله دائم النزاع يذرع المختبر مختالًا وهو يتحدث بصوت عالٍ، إما بحثًا عن الإلهام أو تزلفًا إلى الآخرين. أما هيتلي فكان كفؤًا دون صخب لا يحب شيئًا أكثر من النظام والهدوء من أجل التركيز على تجاربه وملاحظاته المعملية. وبمرور الوقت هكذا، ازداد ضيق الإنجليزي الشاب وارتباكه من تشين وأساليبه المتغطرسة. ومع أن هيتلي كان لا ينزع إلى الصدام بطبعه، فهو لم يكن مستعدًّا لاستئساد تشين عليه، ومن ثم، صار الجدل بينهما سمة مزعجة ودائمة للحياة في المختبر. ومن الواضح أنه لولا تدخل فلوري لحل هذا الفريق المليء بالمشكلات في سبتمبر عام ١٩٣٩، لترك هيتلي كلية دَن وتوجه إلى كوبنهاجن من أجل الحصول على زمالة روكفلر.

لكن من حسن الحظ أن فلوري أدرك أن كلية دن بحاجة إلى تعديل جهودها لتصبح أكثر ملاءمة وجذبًا للمتبرعين المحتملين. فالأموال المخصصة للمساعي العلمية كافة كانت محدودة في تلك السنوات. علم فلوري أن كلية دن لن تستفيد من أي منحة مالية إلا إذا استطاع إعطاء الجهات المانحة شيئًا يريدونه. وفي أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، ومع قرب اندلاع الحرب، قرر فلوري تشكيل فريق من زملائه للعمل على المواد المضادة للميكروبات. وكان من المعروف جيدًا أن عدد الجنود الذين لقوا حتفهم في الحرب العالمية الأولى نتيجة العدوى البكتيرية يفوق عدد من ماتوا بالرصاص أو القذائف في أرض المعركة. وبناءً عليه، أثار اهتمامه — مثل كثيرين غيره — بحث ألكسندر فلمنج المُبتكَر الذي نُشِر في دورية «بريتش جورنال أوف إكسبريمنتال باثولوجي» عام ١٩٢٩، والذي يستعرض فيه الأثر المضاد للبكتيريا لفطر بنسيليوم نوتاتوم. كان فلمنج قد عمل على محاولة عزل المركب غير المستقر، واستخلاصه، وتنقيته على مدار العامين أو الأعوام الثلاثة التالية، لكنه فشل في إحراز أي تقدم ملموس فيما يتعلق باكتشافه الأولي. وبحلول منتصف الثلاثينيات، وصل إحباط فلمنج من العنصر النشط المقاوِم حدًّا اعتقد معه أنه من المستبعد أن يكون السر الخفي للعفن الفطري ذا أهمية علاجية للبشر. وفي عام ١٩٣٨، طلب فلوري — الذي لم يثنه يأس العلماء البريطانيين الآخرين أيضًا من هذا المجال من الدراسة — من تشين المتململ أن يراجع ما نُشِر في المجال، ويقترح نهجًا يمكن لكلية دن أن تسير عليه. نفذ تشين ما طُلب منه على الفور، فقرأ المراجع بنهم — كما كان يفعل دائمًا — وفي الوقت المناسب كان قد جمع المعلومات المتاحة للاستخدام العام والخاصة بالمواد التي قد تقدم بعض الأمل فيما يتعلق بالخصائص المضادة للبكتيريا. وعلى الرغم من الخصائص المراوغة لفطر بنسيليوم نوتاتوم، فقد بدا أنه يقدم أفضل فرصة للوصول إلى اكتشاف مهم، ولا سيما لأن جزءًا من مستنبت الفطر الأصلي — الذي استُخدِم في مختبر فلمنج في مستشفى سانت ماري في بادينجتون — كان موجودًا بالفعل في كلية دن، ويمكن البدء بمحاولة زراعة ما عرفه العالم بعد ذلك باسم البنسلين، واستخلاصه وتنقيته.

بينما سعى تشين لتحليل البنية الكيميائية لفطر بنسيليوم نوتاتوم، تولى فلوري تقييم أثره البيولوجي. مع ذلك، لم يتمكن أيٌّ منهما من تحقيق الكثير دون استخلاص وتنقية كمية كافية من المكوِّن الفعال للبنسلين من العفن الفطري. طُلِب من هيتلي تولي مسئولية زراعة كمية من هذا السائل الفطري أكبر مما كان قد أُنتِج حتى ذلك الحين. وقد كانت زراعة الفطر، وتطعيمه ببوغ من بنسيليوم نوتاتوم، وتحضينه مدة عشرة أيام في درجة حرارة تتراوح بين ٢٤ و٢٦ درجة مئوية، من الإجراءات المتعارف عليها بالفعل. غير أن زراعته كانت الخطوة الأسهل، في حين اتسمت الخطوات الأخرى بالتعقيد الشديد. اكتشف فلمنج أن البنسلين متقلب للغاية، وأنه يتلاشى قبل تقطيره كما ينبغي. وقد ثَبت أن استخلاصه — ناهيك عن تنقيته — يفوق قدرات فلمنج الهائلة. تُرَى هل سيتمكن هيتلي من تحقيق نتائج أفضل؟ كان هذا هو التحدي الذي يروق له؛ لغزًا في الكيمياء الحيوية يحتاج حلًّا، ولكن بطرق غير تقليدية. استلزم الأمر تفكيرًا إبداعيًّا، وتلك هبة وُلد بها.

جاء إسهام هيتلي الرئيسي الأول في صورة تصميم جهاز عملي مقبول إلى حد كبير؛ جهاز دقيق سمح له باختبار قدرة البنسلين عن طريق القياس الدقيق لقدرته على منع نمو العنقوديات في مستنبَت مُثقَل بالبكتيريا (آجار). وأدى عمله التجريبي إلى ظهور وحدة أكسفورد للبنسلين المُعترَف بها دوليًّا. كشفت تجاربه أيضًا عن الوقت الذي يصل فيه النشاط المضاد للبكتيريا إلى ذروته، والوقت الذي ينبغي فيه حصاد المستنبت لتحقيق أقصى فائدة. بيد أن هذا لم يكن سوى قفزة أخرى مهمة للأمام، ولا يزال هناك الكثير. وعلى مدار الأسابيع التي تلت ذلك، صار استنبات الفطريات أكثر تنظيمًا وفعالية. انتهى هيتلي، مثلًا، إلى أنه يمكن استخدام بساط الفطر الواحد ما يصل إلى اثنتي عشرة مرة لإنتاج المكوِّن النشط الحيوي للبنسلين. ومع إنتاج قدر أكبر من البنسلين على هذا النحو، احتاج هيتلي أوعية ملائمة لإنبات السائل الفطري. وسرعان ما توصل إلى أنه يمكن الاستعانة بالعديد من الأشياء من أجل هذه العملية، بدءًا من الزجاجات المعقمة وصولًا إلى الأدوات القاصر استخدامها على غرض معين مثل صفائح البنزين، وأطباق الفطائر، وعلب البسكويت. لكن ثبت أن أفضل هذه الأوعية — وربما أكثرها بغضًا — نونيَّات الأسرَّة القديمة المطلية بالمينا التي حصل عليها من مستشفى رادكليف بعد أن صارت زائدة عن الحاجة.

مع تمكن هيتلي من إنتاج قدر من السائل الفطري أكبر من أي وقت مضى، فإن المكوِّن النشط للبنسلين لم يمثل سوى ملليجرام واحد في كل لتر من السائل الأصفر الذي ينتج بعد عملية الحضانة. واستخراج هذه الكمية الصغيرة للغاية كان أمرًا حاسمًا. فالبنسلين — كما اكتشف فلمنج ورايستريك وآخرون في الفترة ما بين عامي ١٩٢٨ و١٩٣٤ — مركب غير مستقر على الإطلاق ويمكن أن يتلف بفعل القلويات والأحماض القوية، وكذلك كيماويات ومعادن معينة، وبعض درجات الحرارة. وما كانت الأساليب التقليدية وحدها لتكفي. ومرة أخرى خاض هيتلي التحدي بنجاح، واخترع ماكينة تيار معاكس بإمكانها إجراء عملية استخلاص عكسي، كان تشين قد توصل في أول الأمر إلى أنها غير دقيقة وغير جديرة بالمحاولة. وثبت أنه كان مخطئًا؛ إذ حققت نجاحًا مبهرًا. كانت العملية تقوم في الأساس على ترشيح المستنبت المُحمَّض بعض الشيء الذي تمت حضانته تحت بساط الفطر، وذلك باستخدام القماش الحريري لإحدى مظلات الهبوط القديمة، ثم تبريده ووضعه في حالة تلامس مستمر مع الإثير في أنبوب زجاجي طويل. عدَّل هيتلي فيما بعد هذا المصدر الحيوي للتلامس بحيث تُرَش المادة المُرشَّحة بواسطة فتحات دقيقة داخل عمود من أسيتات الأميل يتحرك لأعلى. وما إن تنتهي هذه العملية حتى يُجمَع المُذيب المحتوي على البنسلين من أعلى العمود الزجاجي، في حين تُسحَب المادة المترسبة من القاع ويُتخلَّص منها.

سعى هيتلي بعد ذلك لاستخدام عملية تيار معاكس مماثلة من أجل الاستخلاص العكسي لمحلول الإثير (أو أسيتات الأميل) المُحمَّض في ماء قلوي إلى حد ما، مع تجميع البنسلين في هذه الحالة من قاعدة العمود. جفف تشين بالتبريد الناتج النهائي من هذه العملية المزدوجة ليصبح مسحوقًا مرنًا بني اللون يمكن أن ينتج عنه على أفضل تقدير خمس وحدات فقط من البنسلين لكل ملليجرام. وعلى الرغم من نجاح طريقة الاستخلاص التي اتبعها هيتلي نجاحًا مبهرًا، كان لا بد من رؤية الأداة ذاتها حتى يمكن تصديقها. لقد صُمِّمت تلك الأداة باستخدام مجموعة متنوعة من المواد التي استطاع الحصول عليها بسهولة، مثل خزانة كتب قديمة لا حاجة إليها من مكتبة بودليان، وممخضات لبن، وزجاجات مشروبات غازية، وعدد كبير من الأنابيب الزجاجية والمطاطية، ومؤشرات ضوئية، وجرس دراجة قديمة.

ومع أن استخلاص البنسلين كان لا يزال ضئيلًا وغير نقي في الأساس، فقد حصل تشين على كمية من المكوِّن النشط تكفي فلوري في إجراء التجربة الأولى في العطلة الأسبوعية التي وافقت يومي ٢٥-٢٦ مايو عام ١٩٤٠. حقن فلوري جرعة قاتلة من العنقوديات في بطن ثمانية فئران. وبعد ساعة، أعطى فأرين من تلك الفئران جرعة من البنسلين مقدارها ١٠ ملليجرامات، وأعطى فأرين آخرين جرعة من البنسلين مقدارها ٥ ملليجرامات في الوقت نفسه، ثم أربع جرعات أخرى مقدارها ٥ ملليجرامات بعد الحقن بثلاث وخمس وسبع وإحدى عشرة ساعة، في حين لم تحصل الفئران الأربعة الأخرى (المجموعة الضابطة) على أي جرعات من البنسلين على الإطلاق، وتدهورت حالتها سريعًا. وفي حين ماتت المجموعة الضابطة بعد مدة تتراوح من ١٣ إلى ١٧ ساعة بعد الإصابة بالعدوى، بدت الفئران التي خضعت للعلاج نشيطة وبصحة جيدة. وبينما كان هيتلي وحده في المختبر في الساعة الرابعة إلا الربع صباحًا، سجل إحدى اللحظات التاريخية في ذلك العقد في مذكراته: «يبدو حقًّا أن البنسلين قد يكون ذا أهمية عملية.» ذكر أيضًا أنه وجد نفسه وقد ارتدى سرواله التحتي معكوسًا وهو ما اعتبره فألًا حسنًا. ربما كان كذلك فعلًا. أفضى لي هيتلي بسره لاحقًا أنه أثناء سيره بالدراجة على جسر ماجدلين مع بزوغ فجر يوم جديد، وجد نفسه يتغنى بلحن بهيج. إنه هيتلي الرائع.

كان تفاؤله المبدئي قائمًا على أساس سليم. فبحلول وقت الغداء يوم الأحد — والفئران التي خضعت للعلاج لا تزال حية وبصحة جيدة — شعر فلوري وفريقه بالابتهاج. غير أنهما لم يتأكدا بعد هل سيكون البنسلين اكتشافًا حقيقيًّا في مقاومة البكتيريا. على مدار الشهور التسعة التالية، أجرى فريق أكسفورد مجموعة من التجارب الأخرى على الحيوانات في محاولة لإثبات القدرات العلاجية للبنسلين. مع ذلك، هل ستكون هذه الخصائص المميزة المضادة للبكتيريا على القدر نفسه من الفعالية في الإنسان الذي هو أكبر حجمًا وأكثر تعقيدًا بكثير من حيوانات المختبر التي أُجريت عليها التجارب حتى الآن؟ ماذا لو كان للبنسلين أي آثار جانبية خطيرة على البشر (كما هو الحال مع خنازير غينيا)؟ كان ثمة سبيل واحد لاكتشاف ذلك، وهو إجراء مجموعة من التجارب السريرية على مرضى يعانون عدوى بكتيرية.

غير أنه قبل بدء أي من هذه التجارب، لا بد من استخلاص وتنقية قدر من البنسلين أكبر مما تم الحصول عليه حتى ذلك الحين. استُخدمَت ستمائة وحدة من البنسلين — بما يمثل نتاج أسبوع كامل — لإجراء تجربة حماية الفئران، لكن تجربة سريرية على مرضى المستشفيات ستتطلب ضعف هذا الرقم بنحو ٦٠٠ مرة للمريض الواحد. ومع أن ماكينة التيار المعاكس التي ابتكرها هيتلي كادت تخلو من العيوب، فإنها لم تكن تنتج سوى ١٢ لترًا من المستنبت في الساعة. وكان يعلم أن فكرة الاكتفاء بالمتاح لن تكفي لتوفير الكميات المطلوبة من البنسلين لاختبارها على الإنسان، ومن ثم شرع في تصميم وعاء استنبات أكثر فعالية، وعثر على شركة في بيرسلم في بوتريز على استعداد لتصنيعه. كانت أوعية التخمير الجديدة ستُدمَج في النهاية في خط الإنتاج الموجود في كلية دن نفسها. على الرغم من تجميع قدر من البنسلين أكبر من ذي قبل، فلا تزال الكمية المنتَجة أقل بكثير من الكمية المطلوبة. عرف فريق فلوري والهيئة الطبية بمستشفى رادكليف في أكسفورد هذه الحقيقة المؤسفة عند فقدانهم مريضًا يعاني عدوى بكتيرية حادَّة في مارس عام ١٩٤١، لنفاد البنسلين قبل استكمال علاجه.

مع الأدلة المتزايدة على الآثار العلاجية المهمة للبنسلين، لم تحرك شركات الأدوية البريطانية ساكنًا — أيًّا ما كان السبب — بعد ما توصل إليه فريق أكسفورد من اكتشافات في عامي ١٩٤٠ و١٩٤١. سافر فلوري وهيتلي — اللذان تملكهما الإحباط بسبب هذه اللامبالاة ولكن دون أن يثنيهما ذلك عن عزمهما — إلى الولايات المتحدة في محاولة لعرض فكرتهما من أجل كسب التعاون لتنفيذ مشروع البنسلين على مجموعة من كبرى الشركات والمؤسسات البحثية الأمريكية. كشف العالمان البريطانيان — اللذان تجنبا استغلال الفرصة للحصول على أي براءات اختراع لاكتشافاتهما — لمضيفيهما الأمريكيين عن كل ما توصلوا إليه. كانت تلك بادرة بالغة السخاء؛ شيء أشبه بقانون «الإعارة والتأجير» ولكن في اتجاه عكسي. لم يكن الأمريكيون ينظرون بعين الشك إلى المنح البريطانية من هذا النوع، وإنما كانوا يتلقونها بالترحاب، وسرعان ما اتُّفِق على ذهاب هيتلي للعمل فترة مؤقتة لدى وزارة الزراعة الأمريكية في أحد مختبرات التخمر التابعة لها في بيوريا بولاية إلينوي. كُلِّف هيتلي بالعمل مع دكتور آندرو موير، وهو كبير باحثين نابغ متعنت وشديد العداء للبريطانيين للأسف. ومع اتفاقه مع هيتلي ضمنًا على العمل معًا والاشتراك في نشر أي نتائج يتوصلان إليها من خلال تعاونهما، فقد نكث موير وعده في نهاية الأمر، ونشر عددًا من الأبحاث باسمه وحده لاحقًا أثناء الحرب، وحصل على خمس براءات اختراع تتعلق بتحضير البنسلين.

بعد أن قضى هيتلي أربعة أشهر مع موير، وشهد ارتفاع مستوى إنتاجية السائل الفطري عشرة أضعاف بتغيير الوسط من «تشابك دوكس» (الذي أساسه الجلوكوز والملح) إلى وسط أساسه اللاكتوز وسائل منقوع الذرة، غادر هيتلي في مهمة بحثية لمدة ستة أشهر في مختبرات ميرك في راواي بولاية نيوجيرسي. لكن قبل وصوله في منتصف ديسمبر، كانت رحى الحرب قد دارت في الولايات المتحدة. وعندما أتم هيتلي بعثته البحثية في صيف ١٩٤٢ وعاد إلى أكسفورد، كان سر البنسلين قد وصل إلى كل من يهمه الأمر في أمريكا الشمالية. ومع تزايد نقاء البنسلين، ازداد التأكد من إمكانية استخدامه في المستقبل عقارًا مفضلًا للتعامل مع عدد من صور العدوى البكتيرية، وهي الحقيقة التي أُدرِكَت مبكرًا عندما فرضت حكومة روزفلت حظرًا على جميع المخزون الأمريكي من العقار. بدأت شركات الأدوية الأمريكية بعد ذلك في استغلال اكتشافات كلية دن التي خاب أملها من عدم الحصول على شيء في المقابل. وليس من المدهش أن الاتفاق لم يكن تبادليًّا على النحو الذي تصوره فلوري وهيتلي عند سفرهما في البداية إلى نيويورك في يونيو عام ١٩٤١.

مع أنه لا مجال للطعن في إسهامات هيتلي المتميزة في اكتشاف البنسلين، فإنه عندما اعترف المجتمع العلمي الاعتراف اللائق بعمل من شاركوا مشاركة أساسية في اكتشاف العقار، تعرض هيتلي للتجاهل على نحو مثير للدهشة. ومع أن هيتلي باعتراف الجميع لم يفعل شيئًا للترويج لنفسه، كان على الجمعية الملكية تدارك الموقف واختياره زميلًا بها. لكن مع الأسف رفض المجلس ترشحه بدعوى أنه لم يكن سوى مساعد لفلوري. وفي ذلك إجحاف شديد، لأنه كان يتمتع بقدرات تفوق بكثير قدرات فني مختبرات ذي شأن. ولما كان هيتلي عالمًا بارعًا، فإنه لم يسع وراء الشهرة، ولم يتجاوز حدود اللياقة عندما تجاوزتْه. وربما يكون هذا هو الدليل الفعلي على ما كان يتمتع به من شخصية مثيرة للإعجاب. وفي عام ١٩٩٨، لخَّص سير هنري هاريس — أستاذ الطب الملكي بجامعة أكسفورد — الإسهامات العلمية في اكتشاف البنسلين قائلًا: «لولا فلمنج ما كان تشين أو فلوري، ولولا تشين ما كان فلوري، ولولا فلوري ما كان هيتلي، ولولا هيتلي ما كان البنسلين.» إنها شهادة رائعة، وهيتلي جدير بها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.