بدأت الطائرة بدون طيار — الطائرة الآلية؛ الرمز الحقيقي للتسليح الأمريكي عالي التقنية — كلعبة تجمع بين نموذج الطائرة ومحرك آلة جز العشب. وبينما كان هدفها الأصلي هو تدمير الدبابات الروسية أثناء الجولات الأولى من الحرب العالمية الثالثة، فقد تطورت لتصبح التكنولوجيا المفضلة لتنفيذ عمليات الاغتيالات الموجهة في الحرب العالمية على الإرهاب. وقد أثار استخدامها جدلًا واسعًا — في البداية داخل الأقسام بالغة السرية في الحكومة، ثم بين العامة على مدار الشهور الأخيرة — لا حول تكتيك الحرب التي تستخدم فيها الطائرات الآلية واستراتيجيتها وأخلاقيتها فحسب، بل كذلك حول الحرب الحديثة بوجه عام.

وكالة الأنباء الفرنسية (إيه إف بي).
وكالة الأنباء الفرنسية (إيه إف بي).

لكن قبل أن يتفاقم هذا النقاش — قبل أن يضع الكونجرس أو أفرع الحكومة الأخرى معايير جادة أو يطرح أسئلة وثيقة الصلة بالموضوع — لا بد من تحديد الاختلافات، ومواجهة الخرافات، واستخراج القضايا الحقيقة من وسط الإلهاءات المضللة أو تلك الناتجة عن معلومات مغلوطة.

تساعدنا خلفية تاريخية بسيطة على فهم هذا الموضوع. كانت الطائرة الآلية كما نعرفها اليوم من بنات أفكار جون ستيوارت فوستر الابن: عالم الفيزياء النووية والرئيس السابق لمختبر لورانس ليفرمور الوطني (الذي كان يسمى آنذاك مختبر لورانس للإشعاع)، والذي كان يشغل — في عام ١٩٧١ عندما خطرت له الفكرة — منصب مدير أبحاث وهندسة الدفاع، وهو أعلى منصب علمي في البنتاجون. كان فوستر متحمسًا منذ زمن لنماذج الطائرات، وفي أحد الأيام أدرك أن هوايته تلك من الممكن أن تتحول إلى سلاح من نوع جديد. تتلخص فكرته في استخدام طائرة بدون طيار موجَّهة عن بعد، وتثبيت كاميرا أسفلها والتحليق بها فوق أهداف العدو لالتقاط صور أو لتصوير فيلم، وإذا أمكن تحميلها بقنبلة تدمر الأهداف كذلك.

بعد ذلك بعامين، صممت وكالة مشاريع البحوث المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع نموذجين بناءً على فكرة فوستر، أطلقوا عليهما اسما برايري وكاليري. يعمل كلا النموذجين بمحرك آلة جز حشائش مُعدَّل، ويبلغ وزنهما ٧٥ رطلًا، وفي وسع كل منهما البقاء في الجو حتى ساعتين وهما تحملان شحنة متفجرات يصل وزنها إلى ٢٨ رطلًا.

صممت وكالات البنتاجون العديد من النماذج الأولية، لكن ظل معظمها تصميمًا على لوحة الرسم فقط ولم يدخل حيز التنفيذ. لكن فكرة فوستر أصبحت سلاحًا حقيقيًّا لأنها التقت بعقيدة دفاع جديدة؛ ففي بداية سبعينيات القرن العشرين وحتى منتصف العقد، كان الاتحاد السوفيتي يعزز قواته العسكرية التقليدية على طول الحدود بين ألمانيا الشرقية والغربية. وقبل عقد، كانت السياسة الأمريكية تهدف إلى ردع غزو أوروبا الغربية عبر التهديد بالانتقام حال حدوث ذلك مستخدمةً الأسلحة النووية. لكن آنذاك، كان السوفييت قد تمكنوا من بناء ترسانتهم النووية الضخمة. فإذا هاجمناهم بالسلاح النووي ففي وسعهم الرد علينا بالسلاح النووي أيضًا؛ لذا أمرت وكالة مشاريع البحوث المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع ببدء دراسة تهدف لاكتشاف تقنيات جديدة، قد تتيح للرئيس «مجموعة متنوعة من خيارات الرد» في حالة الغزو السوفييتي، من ضمنها «بدائل لخيار التدمير النووي الشامل».

قاد الدراسة ألبرت وولستيتر المحلل الاستراتيجي السابق في مؤسسة راند، والذي كتب في الخمسينيات والستينيات بيانات موجزة ومقالات ذات تأثير عظيم حول توازن القوى النووي. استغرق وولستيتر في دراسة العديد من المشروعات الموجودة بسجلات وكالة مشاريع البحوث المتقدمة، ورأى أن طائرات فوستر التي تحلق بدون طيار قد تفي بالمراد. خلال السنوات القليلة السابقة، طورت القوات المسلحة الأمريكية عددًا من «الذخائر دقيقة التوجيه» — وهي منتجات أفرزتها ثورة المعالجات الدقيقة — التي في وسعها السقوط على بُعد أمتار قليلة من الهدف. واقترح وولستيتر تحميل هذه الذخيرة على طائرات فوستر التي تعمل بدون طيار، واستخدامها لضرب أهداف في العمق وراء خطوط العدو — مثل وحدات الدبابات والقواعد الجوية والموانئ السوفيتية. في الماضي، لم يكن من الممكن تدمير مثل تلك الأهداف إلا عبر الأسلحة النووية، لكن قنبلة صغيرة تنفجر على بعد بضعة أقدام من هدفها في وسعها إحداث ضرر يماثل ما قد تحدثه قنبلة ضخمة (حتى وإن كانت قنبلة نووية منخفضة القوة) تخطئ هدفها بفارق بضعة آلاف قدم.

بنهاية السبعينيات، بدأت وكالة مشاريع البحوث المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع والجيش الأمريكي اختبار سلاح جديد يدعى «بادئ الهجوم»، والمستوحى مباشرة من دراسة وولستيتر. وسرعان ما تدفق إلى ترسانة الأسلحة الأمريكية كمٌّ كبيرٌ من الأسلحة فائقة الدقة الموجهة باستخدام أشعة الليزر أو انبعاثات الرادار أو الموجات المليمترية، أو — فيما بعد — عبر إشارات الأقمار الصناعية الخاصة بتحديد المواقع عالميًّا (وهي الوسيلة الأكثر دقة). كانت أسلحة «بادئ الهجوم» التي يستخدمها الجيش تعمل بالصواريخ المدفعية؛ وكانت النماذج الأولى لهذه الذخائر في القوات الجوية والبحرية — التي كان يُطلق عليها اسم ذخائر الهجوم المباشر المشترك — تُحمَّل تحت أجنحة الطائرة وتُطلق من مقصورة الطيار في الطائرات المقاتلة التي يقودها طيار.

وأخيرًا ظهر ما يشبه تصميم فوستر في منتصف التسعينيات أثناء الحرب الجوية التي شنها حلف الناتو على البلقان؛ وذلك في صورة مركبة جوية بدون طيار أُطلق عليها اسم «بريديتور»: تستطيع التحليق لمدة ٢٤ ساعة على ارتفاع يصل إلى ٢٥ ألف قدم، بينما تحمل شحنة متفجرة يصل وزنها إلى ٤٥٠ رطلًا. وكان أول إصدار لها مزودًا بكاميرا فيديو وجهاز اتصالات فحسب. وكانت الصور الرقمية التي تلتقطها الكاميرا تُرسل عبر الأشعة إلى قمر صناعي ثم تبثُ إلى محطة أرضية على بعد آلاف الأميال، حيث يتحكم مسئولو التشغيل بمسار الطائرة الآلية عبر عصا التوجيه وهم يشاهدون على شاشةٍ البثَ الحي الذي تنقله كاميرا الفيديو من داخل الطائرة.

في فبراير عام ٢٠٠١، أجرى البنتاجون ووكالة الاستخبارات المركزية أول اختبار لمركبة بريديتور معدلة، تحمل — بالإضافة إلى الكاميرا — صاروخًا من طراز هيلفاير مُوجهًا بأشعة الليزر. وذكرت القوات الجوية في بيان المهمة الذي أصدرته حول هذه الطائرة الآلية المسلحة، التي تعمل بدون طيار، أنها سلاح مثالي لضرب الأهداف «سريعة التحرك والقابلة للاختفاء». وهو تعبير كان سيعني في حقبة سابقة تدمير الدبابات في ميدان المعركة، لكنه في المرحلة الأولى للحرب الجديدة التي تشنها أمريكا على الإرهاب فسيعني مطاردة الجهاديين وقتلهم، لا سيما أسامة بن لادن ومساعديه في تنظيم القاعدة.

وهكذا تطور سلاح صُمم في أوج الحرب الباردة للحيلولة دون هجوم مدرعات يشنه السوفييت على سهول أوروبا إلى أداة لقتل عصابات من الإرهابيين الذين لا ينتمون لدولة بعينها — أو حتى إرهابي واحد — في الجبال الوعرة لجنوب آسيا. ومن هذا المنظور، نجد أن الطائرات الآلية ظلت تحوم في أجواء السياسة العسكرية الأمريكية لما يزيد عن ثلاثة عقود، تغيرت خلالها كل من الأسلحة والسياسة بالتوازي.

حرب بلا حدود

لكيفية حدوث هذا قصة أخرى لسنا بصددها هنا. واجهت الطائرات الآلية في بدايتها معارضة جدِّية من جهة ذات نفوذ؛ ألا وهي كبار الضباط في القوات الجوية الأمريكية، المؤسسة ذاتها التي طورت السلاح. إن الثقافة السائدة في جميع الأفرع العسكرية — أي الميزات التي تحظى بالتقدير ونوعيات الضباط الذين ينالون الترقية — تشكلها أنظمة الأسلحة مرتفعة القيمة. وهكذا، منذ عام ١٩٤٧ حتى عام ١٩٨١، وصل كل رئيس أركان في القوات الجوية إلى منصبه عبر الترقي في الرتب كقائد لقاذفة قنابل نووية في قيادة القوات الجوية الاستراتيجية. وطوال فترة الخمسة والعشرين عامًا التالية، ومع الارتفاع الكبير للإنفاق على القوات العسكرية التقليدية، كان جميع رؤساء الأركان يشغلون يومًا ما منصب طيار مقاتل في القيادة الجوية التعبوية.

هكذا كان الموقف في عام ٢٠٠٣ عندما أمر الرئيس جورج دبليو بوش بغزو العراق. ومع تحول حرب التحرير إلى احتلال، وهو ما أشعل فتيل حالة تمرد أعقبتها حرب أهلية طائفية، طلب القادة العسكريون الأمريكيون على أرض المعركة دعمًا من طائرات بريديتور الآلية الجديدة الرائعة. إذ كان أخطر تهديد قاتل للجنود الأمريكيين وقوات المارينز هي العبوات الناسفة يدوية الصنع أو القنابل المزروعة على جانب الطريق، لكن تستطيع كاميرا الطائرة الآلية رصد المتمرد أثناء زرع العبوة الناسفة يدوية الصنع ثم تتبعه إلى مخبئه. لكن الطائرات الآلية (باعتبارها حوامات بطيئة بدون طيار) كانت بغيضة وفقًا للثقافة السائدة لدى القوات الجوية (والتي تعتز بالطائرات المقاتلة السريعة التي يقودها طيارون)؛ لذا رفض جنرالات القوات الجوية طلبات قادة الجيش وقوات المارينز لدعمهم بمزيد من الطائرات الآلية أو تجاهلوها.

إلا أن كل هذا تغير عام ٢٠٠٦، عندما عيَّن الرئيس بوش روبرت جيتس وزيرًا للدفاع بدلًا من دونالد رامسفيلد. دخل جيتس إلى البنتاجون وفي ذهنه هدف واحد؛ وهو القضاء على الفوضى الضاربة في العراق، وصُدم حين وجد الجنرالات في الأفرع الثلاثة الرئيسية يولون اهتمامًا بالأسلحة عالية التقنية المخصصة لحروب المستقبل أكثر من اهتمامهم باحتياجات الحرب التي يخوضونها الآن. وهاله تحديدًا عداء جنرالات القوات الجوية للطائرات الآلية. وبينما زاد جيتس من إنتاج تلك الطائرات، أبطأ الجنرالات عملية التسليم، وعندما عجل من عمليات التسليم أعاقوا عملية الانتشار. ومن ثم، أقال رئيس أركان القوات الجوية — الجنرال تي مايكل موزلي — (ظاهريًّا جراء فعل آخر منافٍ للقانون لكن السبب الحقيقي هو رفضه للمركبات بدون طيار) وعين مكانه الجنرال نورتون شوارتز، الذي ترقى في المناصب كطيار للطائرات المسلحة والطائرات ناقلة البضائع في قوات العمليات الخاصة. وقبل ترقيته مباشرة، شغل شوارتز منصب رئيس قيادة النقل الأمريكية؛ أي إنه كان مسئولًا عن تسريع الدفع بالإمدادات إلى الجنود وقوات المارينز. وبصفته رئيس الأركان الجديد، أعطى شوارتز أولوية كبيرة لشحن الطائرات الآلية إلى القوات في العراق، وفي خلال السنوات القليلة التالية حوَّل الطيارين الذين يتولون التحكم في الطائرات الآلية عبر عصا التحكم إلى طاقم من الصفوة في القوات الجوية.

وبحلول خريف عام ٢٠٠٩، وقرب انتهاء العام الأول لرئاسة باراك أوباما، كانت القوات الجوية تدرب عددًا من طياري الطائرات الآلية يفوق عدد طياري الطائرات العادية. وكانت هذه بداية حقبة جديدة؛ لا في ثقافة القوات الجوية فحسب، بل كذلك في طريقة الحرب الأمريكية.

لم يشهد ذلك العام — ٢٠٠٩ — طفرة في عدد الهجمات التي نفذتها الطائرات الآلية فحسب — التي ترجعُ جزئيًّا إلى زيادة عدد الطائرات الآلية المتاحة وتلاشي المعارضة المؤسسية لها — بل شهد كذلك نقلة في أماكن تنفيذ تلك الهجمات. لم ينطوِ استخدام الطائرات الآلية في العراق وأفغانستان على أي استفزاز سياسي، فهي أسلحة حرب تُستخدم في الأساس لتقديم دعم جوي قريب للقوات الأرضية الأمريكية في البلاد حيث تخوض تلك القوات حروبًا. لكن الجدل — المستمر حاليًّا — بدأ عندما شرعت الطائرات الآلية في ملاحقة أشخاص بعينهم وقتلهم في بلدان ليست رسميًّا في حالة حرب مع الولايات المتحدة.

وقعت تلك الهجمات بالدرجة الأولى في باكستان واليمن؛ إذ كانت باكستان تمثل ملاذًا لمقاتلي طالبان في دولة أفغانستان المجاورة، بينما برزت اليمن كمركز لجناح جديد لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. وكان بوش قد أمر بتنفيذ بضع غارات في هاتين الدولتين؛ بل في الواقع كانت اليمن هي الدولة التي نُفذت فيها أول غارة لطائرة آلية خارج منطقة الحرب الرسمية، وذلك في الثالث من نوفمبر عام ٢٠٠٢، واستهدفت أحد قادة تنظيم القاعدة الذي ساعد قبل بضعة سنوات في التخطيط للهجوم على المدمرة الأمريكية يو إس إس كول. كذلك شن بوش ٤٨ غارة باستخدام الطائرات الآلية على منطقة وزيرستان في باكستان على طول الحدود الجبلية مع أفغانستان، من ضمنها ٣٦ غارة خلال عامه الأخير في الرئاسة.

الصورة الإيضاحية: مجلة «إم آي تي تكنولوجي ريفيو»، مصدر الصورة: أسوشيتد برس.
الصورة الإيضاحية: مجلة «إم آي تي تكنولوجي ريفيو»، مصدر الصورة: أسوشيتد برس.

زاد هذا الاتجاه مع قدوم أوباما الذي تعهد خلال حملته الانتخابية عام ٢٠٠٨ بالخروج من العراق والتوغل في أفغانستان؛ إذ شن ٥٢ غارة جوية بالطائرات الآلية على الأراضي الباكستانية في سنته الأولى في الرئاسة فحسب. وفي عام ٢٠١٠، تخطى أوباما ضعف هذا العدد ليصل عدد الغارات إلى ١٢٢. ثم في العام التالي انخفض العدد إلى ٧٣ غارة؛ وفي عام ٢٠١٢ انخفض أكثر ليصل إلى ٤٨، ومع ذلك كان هذا الرقم يساوى إجمالي عدد الغارات الجوية خلال الثماني السنوات التي قضاها بوش في الرئاسة. وفي تحول عكسي، شهد عام ٢٠١٢ كذلك ارتفاعًا شديدًا لعدد الغارات على اليمن من بضع غارات إلى ٥٤ غارة.

أثارت تلك الغارات الجوية احتجاجًا عنيفًا في تلك البلدان، وتسببت في تنفير حتى أولئك الذين لم يشعروا في السابق بتعاطف مع الجهاديين وقدموا — في بعض الحالات — دعمًا للولايات المتحدة. أما داخل الولايات المتحدة، احتدم النقاش السياسي والقانوني حول مدى حكمة استخدام غارات الطائرات الآلية وملاءمتها كأداة في الحرب على الإرهاب.

وساهم في احتدام هذا الخلاف حقيقة أن كل ما يخص تلك الغارات التي تُشن خارج مناطق الحرب — بما في ذلك حدوثها، وذلك حتى وقت قريب — يظل سرًّا. إذ تتولى وزارة الدفاع الأمريكية تنفيذ غارات الطائرات الآلية في العراق وأفغانستان، مثلما هو الحال مع جميع العمليات العسكرية الأخرى، لكن الغارات التي تُشن في الأماكن الأخرى هي عمليات سرية، تديرها وكالة الاستخبارات المركزية التي تعمل في الخفاء (وحتى إشراف الكونجرس عليها يقتصر على أعضاء اللجان الاستخباراتية المنتقاة) وتحت سلطة قانونية مختلفة أكثر تساهلًا (المادة رقم ٥٠ من قانون الولايات المتحدة الأمريكية، بدلًا من المادة رقم ١٠ الخاصة بوزارة الدفاع).

بدأ الرئيس أوباما في التعامل مع تلك الاحتجاجات والمخاوف إلى حدٍّ ما. (ربما يكون هذا هو السبب في أن الولايات المتحدة لم تشن سوى ثلاث عشرة غارة فحسب على باكستان بدءًا من أواخر شهر مايو عام ٢٠١٣). مع ذلك، بعض الاحتجاجات أشد إقناعًا من البعض الآخر، وبعض تصرفات أوباما أقل تجاوبًا من البعض الآخر.

حرب متعجرفة

أكثر الانتقادات الموجهة لغارات الطائرات الآلية شيوعًا هو أنها تنتهي غالبًا بقتل مدنيين، حتى عندما تكون موجهة إلى أهداف عسكرية (مثل الإرهابيين أو المنازل الآمنة للمتمردين، وغيرها). وهذا صحيح بالفعل، لكنه لا يقتصر بتاتًا على الطائرات الآلية. في الواقع، تتسبب تلك الطائرات في إصابات بين المدنيين أقل بكثير مما تسببه الأنواع الأخرى من الغارات الجوية؛ فالأسلحة التي تحملها الطائرات الآلية صغيرة ودقيقة للغاية، على سبيل المثال، يسقط صاروخ هيلفاير الموجه بأشعة الليزر والقنابل صغيرة القطر الموجهة بنظام جي بي إس على بُعد بضعة أقدام من أهدافها، وتنفجر بقوة لا تتعدى ٣٠ إلى ١٠٠ رطل من مادة تي إن تي المتفجرة. بينما في الماضي كانت القنابل الجوية أكبر بكثير وأقل دقة بمراحل.

يقدر بيتر بيرجن الذي يعمل لدى مؤسسة أمريكا الجديدة — والذي أجرى دراسة شاملة للبيانات المتاحة علنًا — أن غارات الطائرات الآلية قتلت ما بين ٢٥٨ إلى ٣٠٧ مدنيين في باكستان، في الفترة من ٢٠٠٤ حتى منتصف مايو ٢٠١٣؛ وهو ما يمثل ٧ إلى ١٥ بالمائة من إجمالي حالات القتل الناتجة عن غارات الطائرات الآلية في البلاد. وبالنسبة لليمن، كان تقدير عدد القتلى المدنيين مهمة أشد صعوبة، لكن يبدو أنهم يشكلون ٨ بالمائة من إجمالي عدد ضحايا أقل بكثير من باكستان. بالطبع لا يمكن التغاضي عن تلك الأرقام دون اهتمام، لكن الأسلحة التي كانت تستخدم قبل جيل واحد كان من شأنها أن تقتل عددًا أكبر بكثير.

ومع ذلك، إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية مختلفة، سنجد أن تلك المقارنة غير ذات صلة تقريبًا، وأن الأرقام تبدو مرتفعة بالفعل. فعندما نتحدث عن تسبب الطائرات الآلية في قتلى بين صفوف المدنيين عن طريق الخطأ في باكستان واليمن، فإننا نتحدث عن بلاد لا تخوض فيها الولايات المتحدة رسميًّا أية حروب. بعبارة أخرى، إنها دول من قُتل فيها لم يعلموا — هم وأصدقاؤهم وأقاربهم المفعمون بالمرارة — أنهم يعيشون في منطقة حرب. تخيل مثلًا أن القادة العسكريين المكسيكيين شنوا غارة جوية على مدينة حدودية في كاليفورنيا لأن أعداءهم كانوا يختبئون هناك، وأن هذه الغارة تسببت — نتيجة لضعف التصويب أو عدم صحة المعلومات الاستخباراتية أو الصدفة البحتة — في قتل مجموعة من المواطنين الأمريكيين، ستثور عندئذ ثائرة الشعب والحكومة الأمريكية، وهو رد فعل مبرر.

كما تُنتقد الغارات الجوية التي تُستخدم فيها الطائرات الآلية باعتبارها نوعًا متعجرفًا من الحروب؛ إذ تبدو فكرة قتل الناس من بعيد في الخفاء دون التعرض لخطر الانتقام في مجملها غير عادلة. لكن هذا الكلام هو نفس ما قيل عندما ألقى البريطانيون والأمريكيون القنابل من الطائرات خلال الحرب العالمية الثانية. وقد قيل كذلك عندما استخدم رماة السهام البريطانيون القوس الطويل ضد الفرسان الفرنسيين. لكن من الطبيعي أن تجد الجيوش طرقًا لرفع خسائر أعدائها إلى الحد الأقصى، بينما تقلل خسائرها إلى الحد الأدنى.

ورغم ذلك تظل تلك المقارنات غير ملائمة للموقف إلى حدٍّ بعيد، فالطائرات الآلية حالة مختلفة بالفعل بسبب الأماكن التي تستخدم فيها. يصف ستانلي ماكريستال — جنرال متقاعد كان يعتمد اعتمادًا مكثفًا على غارات الطائرات الآلية أثناء عمله كقائد العمليات الخاصة في العراق وقائد جميع قوات حلف الناتو في أفغانستان — القضية في حوار أجرته معه وكالة رويترز مؤخرًا قائلًا: «إن الاستياء الناتج عن الاستخدام الأمريكي للغارات التي تشنها طائرات بدون طيار … أشد بكثير مما يدركه المواطن الأمريكي العادي، فهي مكروهة على مستوى عميق، حتى من قِبل أناس لم يشاهدوا واحدة قط من قبل ولم يشاهدوا الآثار الناتجة عنها.»

هذا ليس مجرد تخمين، ففي شهر أبريل قدم فارع المسلمي — الناشط والصحفي اليمني — أثناء جلسة استماع أمام اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ (أول جلسة استماع علنية حول عواقب استخدام الطائرات الآلية) شهادته حول غارة نفذتها طائرة آلية على قريته قبل أسبوع فحسب. قبل الغارة — حسب قول المسلمي — كان لدى سكان القرية انطباع إيجابي عن الولايات المتحدة يرجع في المقام الأول إلى حديثهم معه حول العام الذي قضاه هناك خلال دراسته الثانوية، والذي وصفه بأنه «أحد أفضل أعوام حياتي.» لكن الآن: «عندما يفكرون في الولايات المتحدة، يتذكرون الرعب الذي يشعرون به جراء الطائرات الآلية التي تحلق فوق رءوسهم على استعداد لإطلاق الصواريخ في أية لحظة.»

في الحرب التقليدية قد يبدو هذا أثرًا جانبيًّا مؤسفًا. لكن في الحروب من النوعية التي تخوضها الولايات المتحدة مؤخرًا في اليمن وفي أماكن أخرى، فإن هذا الأثر الجانبي يزيد من حدة الأثر الرئيسي. فتلك حروب موجهة ضد من يشاركون في حرب العصابات والمتمردين والإرهابيين والأوغاد، لا يقتصر هدفها على قتل الأعداء فحسب، بل يمتد إلى التأثير على السكان (أي «للفوز بالقلوب والعقول» كما يقول المثل القديم). فإذا كان السلاح الأبرز في هذه الحرب يؤدي إلى استعداء الناس الذين يعيشون في ظل تهديده — وفي بعض الحالات يدفعهم إلى أحضان العدو سواء من أجل الحماية أو عملًا بمبدأ عدو عدوي هو صديقي — فهو إذن سلاح رديء. وقد أثار الجنرال المتقاعد ديفيد بتريوس — في الدليل الميداني للجيش الأمريكي عام ٢٠٠٦ الذي كتبه حول مكافحة التمرد — فكرة مماثلة عندما قال: «إن العملية التي تتسبب في قتل خمسة متمردين ستعطي نتائج عكسية إذا كانت أضرارها التبعية تؤدي إلى تجنيد ٥٠ متمردًا إضافيًّا.»

ومع ذلك — كما أشار بتريوس — يضطر القائد في بعض الأحيان إلى إطلاق السلاح بغض النظر عن رد الفعل المحتمل، ففي بعض الأحيان يكون الهدف شديد الأهمية ويكون التهديد شديد الخطورة بدرجة لا يمكن التغاضي عنها، لكننا نواجه هنا مصدرًا آخر للخلاف حول الطائرات الآلية. فمع تطور الغارات على مدار السنين، انخفض ضمن أهدافها عدد من يمثلون خطرًا حقيقيًّا على الولايات المتحدة، وتزايد عدد المرات التي استهدفت فيها غارات الطائرات الآلية رجال ميليشيا قليلي الأهمية بدلًا من قادة الإرهابيين. ففي عدد مدهش من الحالات، استُهدف هؤلاء الرجال بغرض القتل، على الرغم من أن هوياتهم — أي أسماءهم ورتبهم ومدى تورطهم في المنظمات الإرهابية — مجهولة.

كما ازداد أيضًا استخدام الطائرات الآلية لتنفيذ «غارات اشتباه». فقد لا يعرف الضابط أو المسئول الذي يصدق على الغارة هوية من تستهدفهم، لكن سلوكهم — كما التقطته كاميرات الطائرات الآلية أو الأقمار الصناعية أو أجهزة اعتراض المحادثات على الهواتف المحمولة أو الجواسيس على الأرض أو غيرها من «مصادر ووسائل» وكالات الاستخبارات — يشير بشدة إلى كونهم أعضاءً نشطين في منظمة ما، يمثل قادتها الأهداف المعتادة لغارة تشنها طائرة آلية. على سبيل المثال، قد يكون هؤلاء الأشخاص يترددون على مبنى معروف بكونه مكانًا لتجمع الإرهابيين، أو ربما يتلقون تدريبًا في منشأة إرهابية معروفة. بعبارة أخرى، يحمل سلوكهم «سمة» هدف مشروع لهذه الغارات.

لم تؤكد إدارة بوش أو إدارة أوباما وجود غارات الاشتباه هذه قط (فهي على درجة عالية من السرية مثلها مثل جميع غارات الطائرات الآلية التي تنفذها وكالة الاستخبارات المركزية). إلا أن مسئولًا مطلعًا أخبرني أن «الأغلبية الساحقة» من غارات الطائرات الآلية في باكستان كانت غارات اشتباه، منذ بداية الأمر وحتى الآن.

يبدو أنه لا توجد قائمةٌ رسميةٌ تضم المعايير التي لا بد من انطباقها على الإرهابي المشتبه فيه قبل استهدافه باستخدام طائرة آلية، ولا أسلوبٌ كميٌ لقياس درجة ثقة المسئول في هذا الاشتباه. لدى هؤلاء الذين يختارون الأهداف قاعدة بيانات تحوي العلاقات المتبادلة بين أنواع محددة من السلوكيات ووجود قادة إرهابيين. لكن الأمر في الحقيقة قرار اجتهادي، وعادةً لا توجد وسيلة — أو رغبة — للتحقق بعد ذلك من صحة أو خطأ هذا الاجتهاد. وقد تطورت هذه الممارسة تدريجيًّا من التكتيكات المستخدمة في العراق وأفغانستان، وهي ممارسة منطقية في منطقة حرب. فإذا رأى ضابط قناصًا على أحد الأسطح، أو شخصًا يزرع عبوة ناسفة يدوية الصنع على جانب الطريق، أو رجلًا مسلحًا يدخل ويخرج من مصنع قنابل معروف؛ فمن المؤكد أن هؤلاء من مقاتلي الأعداء في الحرب. فلا حاجة له بمعرفة أسمائهم، ولا يهم كثيرًا إن قُتلوا برصاصة أو بمدفع هاون أو بقنبلة ذكية تُلقى من هليكوبتر أو بصاروخ هيلفاير تطلقه طائرة آلية.

لكن خارج منطقة الحرب، تمثل مثل هذه الأسئلة أهمية كبيرة؛ إذ تعادل الهجمات في تلك المناطق عمليات الاغتيال التي — فضلًا عما ينتج عنها من رد فعل سياسي عنيف على المستوى المحلي — يحرِّمها القانون الأمريكي والدولي.

يعي الرئيس أوباما هذا؛ فقد تلقى تعليمه ليصبح محاميًا دستوريًّا. وقد وضع في خطبته حول الأمن القومي في ٢٣ مايو ثلاثة شروط لا بد من توفرها قبل التصديق على غارة باستخدام الطائرات الآلية؛ فقال إنه لا بد من الجزم بأن الهدف يمثل «تهديدًا مستمرًّا وشيكًا» ضد الولايات المتحدة، وإن القبض على هذا الشخص حيًّا أمرٌ متعذر تنفيذه، ووجود «شبه يقين» بأن الغارة لن تقتل مدنيين أو تصيبهم بجروح.

ليست تلك الشروط بجديدة، بل هي منبثقة عن تقرير حكومي رسمي يتكون من ١٦ صفحة صادر عن وزارة العدل سُرب إلى الصحافة في شهر فبراير. وهو تقرير يمتلئ أساسه القانوني بالثغرات، ويتسم بالمراوغة مثله مثل الخطبة المستوحاة منه.

كانت الحيلة الرئيسية التي ينطوي عليها هذا التقرير هي تعريف الشروط على نحو ينكر الحقيقة الرئيسية لتلك الهجمات، وهي أنها تنفذ خارج منطقة حرب. ومن أجل تحقيق هذا الغرض، يورد التقرير قرار «التفويض باستخدام القوة العسكرية»، وهو قرار مشترك وافق عليه الكونجرس في ١٤ سبتمبر عام ٢٠٠١ (بعد ثلاثة أيام من الهجمات الإرهابية على مركز التجارة العالمي والبنتاجون)، والذي يستطيع الرئيس بمقتضاه:

استخدام كافة أشكال القوة اللازمة والمناسبة، ضد الدول أو المنظمات أو الأشخاص الذين يجزم الرئيس بأنهم خططوا للهجمات الإرهابية التي وقعت في ١١ سبتمبر ٢٠٠١، أو صرحوا بها أو ارتكبوها أو ساعدوا في تنفيذها أو آووا هذه المنظمات أو هؤلاء الأشخاص؛ وذلك من أجل منع أي اعتداءات مستقبلية للإرهاب العالمي على الولايات المتحدة من قبل هذه الأمم أو المنظمات أو هؤلاء الأشخاص.

إن اللغة المستخدمة في القرار عامة إلى حدٍّ مدهش، فلا يوجد ذكر لأي ما يتعلق بالجغرافيا. فالافتراض الأساسي الذي يرتكز عليه القرار هو أن تنظيم القاعدة ومن يتبعه يهددون أمن الولايات المتحدة، ومن ثم يمكن للرئيس مهاجمة أعضائها بغض النظر عن مكان تواجدهم. وهكذا فإن هذا القرار — بمعناه الحرفي — يحوِّل العالم إلى منطقة إطلاق حر للنيران.

ثم يحدد التقرير بعد ذلك الشروط الثلاثة نفسها التي يقتبسها أوباما فيما بعد، ظاهريًّا لفرض قيود على ما قد يتحول دون ذلك إلى سلطة تنفيذية كاسحة. لكن في الواقع، تلك الشروط لا تمثل أية قيود. ومن الجوانب الأساسية لهذا الخداع القانوني تعريف التقرير لمصطلح «الخطر الوشيك»، فيقول:

إن الوضع الذي يشكل فيه قائد عمليات [من تنظيم القاعدة أو أي تنظيم تابع له] خطرًا «وشيكًا» يتمثل في هجمة عنيفة ضد الولايات المتحدة؛ لا يتطلب أن يكون لدى الولايات المتحدة دليل دامغ بأن هجومًا بعينه … سوف يحدث في المستقبل القريب.

بعبارة أخرى، لا تعني كلمة «وشيك» في هذا السياق كون الخطر وشيكًا بالفعل.

إن منطق التقرير هو أن قادة القاعدة وأتباعها «يخططون باستمرار هجمات» ضد الولايات المتحدة. يتطلب هذا التهديد «إذن بناءً على طبيعته، مفهومًا أوسع لمصطلح وشيك.» بمعنى أن التهديد بتنفيذ هجمات تهديدٌ ثابتٌ، ودائمًا ما يكون وشيكًا على نحو مبهم، حتى لو لم تكن هناك دلائل على هجوم فعلي. وهكذا، فإن أول شرط لا بد من توفره لتنفيذ عملية اغتيال مستهدفة — ألا وهو التهديد الوشيك بوقوع هجوم — ليس قيدًا في الحقيقة.

أما الشرط الثاني — وهو حتمية تعذر القبض على الإرهابي حيًّا — فهو بالمثل بلا معنى. فبما أن التهديد بالهجوم وشيك على الدوام، فعلى الأرجح لن تتسنى للولايات المتحدة سوى «فرصة محدودة فحسب» للحشد من أجل تنفيذ غارة أرضية. وبهذا المعيار، يصبح من المتعذر «دومًا» إلقاء القبض على أي إرهابي. ومن ثم، لا بد من قتله بمجرد العثور عليه عبر غارة تشنها طائرة آلية. مرة أخرى، فإن الأمر لا يتعدى اختبارًا صمم عمدًا ليمنع الإخفاق فيه.

وعلى الرغم من تراخي تلك المعايير، فإن الولايات المتحدة لم تلتزم بها؛ إذ يتضح أن معظم من قتلتهم الطائرات الآلية في أماكن مثل اليمن وباكستان ليسوا من قادة القاعدة، بل وفي كثير من الأحيان لا يتبعون تنظيم القاعدة على الإطلاق.

في شهر أبريل كتب جوناثان لانداي، من صحيفة «مكلاتشي»، تحقيقًا يلخص تقارير سرية لوكالة الاستخبارات المركزية حول نتائج غارات الطائرات الآلية التي نُفذت في باكستان على مدار فترة بلغت ١٢ شهرًا انتهت في سبتمبر ٢٠١١. ويوضح التحقيق أن أكثر من نصف من قتلتهم وكالة الاستخبارات المركزية عمدًا — ٢٦٥ شخصًا على الأقل من ضمن ٤٨٢ شخصًا مستهدفًا — كانوا «مصنفين» على أنهم مجرد متطرفين من أصل أفغاني أو باكستاني أو أصل غير معروف، وكثير منهم كانوا أعضاء في شبكة حقاني؛ وهي شبكة لها علاقات مع هيئة المخابرات الباكستانية، وتحارب جنبًا إلى جنب مع بعض فصائل المتمردين في أفغانستان، لكنها لم تخطط قط لهجمات خارج المنطقة. خلال تلك الفترة، لم يكن من بين من قتلتهم الطائرات الآلية سوى ستة فحسب من كبار قادة تنظيم القاعدة.

باختصار، حتى لو قبلنا المنطق الملتف للتقرير الحكومي الرسمي، فإن أغلبية تلك الغارات تخرج عن إطار الحدود المسموح بها قانونًا. فهي لم تكن موجهة ضد قادة الإرهابيين ممن يشكلون خطرًا — وشيكًا أو غيره — على الولايات المتحدة.

أما الشرط الثالث والأخير لشن غارات بالطائرات الآلية خارج مناطق الحرب — الخاص بضرورة اتخاذ خطوات لخفض الإصابات بين المدنيين إلى الحد الأدنى أو تجنبها — فهو قيد حقيقي؛ إذ أخبرني المسئولون المشاركون في تلك العمليات (شريطة عدم الإفصاح عن هويتهم) أن الغارات أُلغيت في مرات عديدة جراء هذا السبب بالذات، حتى لو كان الهدف في مرمى البصر. في بعض الحالات، كان من يتخذ قرار تنفيذ الغارة أو إلغائها هو الرئيس أوباما، وهي الحقيقة التي أثارت تقارير إخبارية حول «قائمة أوباما للقتل». وهي العبارة التي قُصد بها إحداث صدمة، لكنها من المفترض — نوعًا ما — أن تبعث على الطمأنينة؛ فعمليات القتل تلك تمثل أحداثًا استثنائية. وإذا كانت ستحدث بالفعل فمن الأفضل أن يكون القرار بين يدي الرئيس — بصفته صاحب المسئولية السياسية — لا سيما حال وجود مخاطرة بإيذاء مدنيين أبرياء في الجوار، بدلاً من أن يُترك القرار لفريق في الجيش أو لمدير وكالة الاستخبارات المركزية.

الصورة الإيضاحية: مجلة «إم آي تي تكنولوجي ريفيو»، مصدر الصورة: آيروفايرونمنت.
الصورة الإيضاحية: مجلة «إم آي تي تكنولوجي ريفيو»، مصدر الصورة: آيروفايرونمنت.

كذلك من المفترض أن يكذِّب وجودُ قائمة الرئيس للقتل ذلك التصورَ الشعبي الشائع حول كون الطائرات الآلية ليست إلا «روبوتات» — آلات ذاتية التحكم — أو أن البنتاجون يبرمجها على مطاردة الأهداف والعثور عليها ثم قتلها آليًّا دون تدخل بشري. قد تكون هذه الفكرة عملية من الناحية التقنية (فالطائرات الآلية تُصمَّم لتقوم بجميع مهامها عبر الطيار الآلي باستثناء الضغط على الزناد)، لكنها تخالف ثقافة قيادة الجيش الأمريكي. فالعامل الآلي الوحيد في المركبة التي تعمل بدون طيار هي المركبة ذاتها، فوفقًا للأرقام التي تصدرها القوات الجوية الأمريكية، تحظى كل طائرة آلية أثناء اشتراكها في دورية جوية مقاتلة بدعم من طاقم مكون من ٤٣ فردًا يعملون بالتناوب على مدار ثلاث مناوبات، من ضمنهم سبعة طيارين يتحكمون في عصا التوجيه، وسبعة من مشغلي النظام، وخمسة من منسقي المهام، تدعمهم وحدة استخباراتية تتكون من ٦٦ فردًا، من بينهم ١٨ محللًا استخباراتيًّا، وطاقم لمراقبة الفيديو يضم ٣٤ فردًا. كذلك أخبرني اثنان من المسئولين الذين يحتلون مناصب مرموقة عن قاعدة صارمة، تقتضي بعدم إطلاق سلاح الطائرة الآلية إلا في حالة تأكيد مصدرين على الأقل وجودَ الهدف، على سبيل المثال، جواسيس على الأرض بالإضافة إلى إشارات استخباراتية أو محادثات هاتفية تم اعتراضها.

يمثل هذا الأمر نقطة حاسمة. فظهور الطائرات الآلية ليس حالة خرجت فيها التكنولوجيا عن نطاق السيطرة، وإنما هي نتيجة لقرار بشري: نتيجة لحسابات سياسية وفي أغلب الأحيان مراوغة استراتيجية. وبالنظر إلى الاستخدام الموسع للطائرات الآلية على مدار الخمس سنوات الماضية، نجد أن خطرها الرئيسي هو أنها تجعل الحرب أسهل من اللازم؛ سهلة لدرجة تسمح لقادة الجيش — ومن بينهم رئيس الأركان — بخداع أنفسهم ليظنوا أنهم لا يخوضون حربًا على الإطلاق.

تحلق الطائرات الآلية على ارتفاعات شاهقة، فلا داعي إذن لإرسال قوات، حتى إن الطيارين أنفسهم يجلسون في مقطورة في قاعدة عسكرية تقع على الجانب الآخر من العالم. وفي أعقاب حربين امتدتا طوال عقد كامل في العراق وأفغانستان، قُتل فيهما ما يقرب من سبعة آلاف أمريكي، وأصيب أكثر من ١٦ ألف إصابات خطيرة؛ يصبح للحرب الموجهة عن بعد جاذبية يمكن تفهمها، ليس لدى قادة الجيش والسياسيين فحسب بل كذلك لدى جميع الأمريكيين.

سلاح أمريكي فقط، حتى الآن

إلا أن جاذبية الطائرات الآلية لم تغب عن نظر باقي قادة العالم؛ إذ تمتلك ثمانون دولة حاليًّا طائرات آلية من نوع ما في ترسانة أسلحتها، ولدى ١٦ دولةً من بينها طائرات آلية يمكن تسليحها بقنابل أو صواريخ. حتى الآن، يُعتقد أن غارات الطائرات الآلية لم تُستخدم لقتل أفراد إلا من قبل دولتين فحسب بجانب الولايات المتحدة؛ وهما المملكة المتحدة في أفغانستان وإسرائيل في غزة. بالنسبة لمعظم الدول، ليس لامتلاك الطائرات الآلية سوى بضع فوائد، فهي قصيرة المدى، والدول التي تمتلكها تفتقر إلى تكنولوجيا الأقمار الصناعية اللازمة للبث الحي المباشر أو للاستهداف الدقيق.

لكن هذا الوضع سيتغير حتمًا، فالاحتكارات لا تدوم طويلًا في منافسات الأسلحة، ومن المستبعد أن تشذ الطائرات الآلية عن هذه القاعدة. وفقًا لأحد الأقوال العسكرية المأثورة: يعدُ قتل الناس سهلًا لكن قتل الفرد صعب جدًّا. لكن لم يعد الأمر هكذا؛ فمن السهل على أحد المسئولين الأمريكيين قتل شخص بعينه في أي مكان على الكوكب طالما من الممكن العثور على هذا الشخص. وفي يوم من الأيام سيصبح حتمًا من السهل على الآخرين في أماكن أخرى قتل أي أمريكي بعينه.

إن الطائرة الآلية المسلحة تكاد تكون اليوم سلاحًا أمريكيًّا حصريًّا ذا تأثير متفاوت — وفقًا للمصطلحات العسكرية الصارمة. يجدر ها هنا تذكر عدد المرات التي زُعم فيها أن طائرة آلية قتلت «القائد الثالث للقاعدة»، فلطالما كان هناك قائد رابع للقاعدة ينتظر متأهبًا ليحل محل من قُتل. لقد تحول الأمر إلى تكرار عالي التقنية لمتلازمة إحصاء الجثث التي سادت أثناء حرب فيتنام؛ أي التوهم بوجود علاقة بين عدد القتلى من الأعداء وقرب النصر.

إن الطائرات الآلية هي أسلحة حرب، وفي بعض الأحيان تكون مفيدة للغاية؛ فهي تتيح إمكانية قتل شخص ما على نحو أسهل بكثير من ذي قبل. لكن قتل أحد الأشخاص — حتى ولو كان من أهم مقاتلي الأعداء — لا يعني الفوز بالحرب أو حتى الاقتراب من النصر. واستنادًا إلى الطريقة التي تُنفذ بها عمليات القتل، فقد تتسبب تلك الطائرات في دفع الهدف الاستراتيجي للحرب بعيدًا أكثر.

ملحوظة من المحرر: يعتمد هذا التحقيق على مصادر مجهولة لم يكن في وسعها التحدث رسميًّا والسماح بالنشر دون التعرض للمقاضاة أو غيرها من العواقب الخطيرة. وقد صرح الكاتب بهوياتها لمجلة «إم آي تي تكنولوجي ريفيو».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.