استغرق أسلافنا مليوني سنة ليجيدوا صناعة الفأس الحجري، لكن هذا لا يعني أبدًا أنهم افتقدوا القدرة على الإبداع. فهذه الفئوس الثلاثة يرجع تاريخها إلى نحو ٥٠٠ ألف عام مضت.
استغرق أسلافنا مليوني سنة ليجيدوا صناعة الفأس الحجري، لكن هذا لا يعني أبدًا أنهم افتقدوا القدرة على الإبداع. فهذه الفئوس الثلاثة يرجع تاريخها إلى نحو ٥٠٠ ألف عام مضت.

عندما خرج الأميرال تشينج خه بأسطوله من ميناء الصين الشرقي سوجو عام ١٤٠٥، كان المشهد حتمًا عظيمًا وجديرًا بالمشاهدة. كانت أكبر السفن التي انطلقت تحت قيادته من بين بضع مئات من السفن تعادل ناقلة الطائرات الحديثة حجمًا وتستوعب ٥٠٠ رجل. قام الأسطول بسبع رحلات استكشافية في المجمل للإعلان عن قوة سلالة أسرة مينج الحاكمة في أنحاء المحيط الهندي، لكن بعد أن عاد إلى الميناء للمرة الأخيرة، تم تفكيكه ليختفي وتختفي معه الخبرة الهندسية التي كانت وراء إنشائه. وأثناء العقود القليلة التالية، كانت السفن الصينية العابرة للبحار التي يقع عليها الاختيار أقل شأنًا بكثير من سابقاتها.

يبدو من غير المعقول أن يختفي مثل هذا الكيان المعرفي المبهر المؤثر على هذا النحو، لكن التاريخ حافل بأمثلة كهذه؛ فعندما بدأ علماء الآثار التنقيب في بومباي في القرن الثامن عشر، اكتشفوا نظام قنوات روماني لجر المياه أكثر تقدمًا من النظام المستخدم في ذلك الوقت. بالمثل، لم تبُح الأهرامات المصرية لنا بكل أسرار إنشائها حتى الآن. وإذا رجعنا لوقت أقدم من هذا، لوجدنا الاكتشافات في منطقة هويسون بورت شلتر في جنوب إفريقيا تشير إلى أن السكان كانوا يصنعون أدوات حجرية متقدمة جدًّا هناك إلى ما يقارب ٦٠ ألف عام مضت، ثم عادوا لأسباب غير معروفة إلى إنتاج أدوات أبسط بكثير.

إننا نميل إلى الاعتقاد بأن التطور التكنولوجي يسير في شكل منحنى أسي يبدأ مسطحًا إلى حد ما في أوائل العصر الحجري ويتسارع كلما اتجهنا نحو الوقت الحاضر. لكن فكرة أن قدراتنا الإبداعية تتزايد ربما تكون مجرد وهم. وإذا دققنا النظر في المنحنى الذي يبدو منتظمًا لوجدنا أنه ينقسم إلى سلاسل محمومة من الارتفاعات التي يليها انخفاضات ثم ارتفاعات أخرى، وهو ما يصفه بيتر ريتشرسون، الذي يدرس التطور الثقافي في جامعة كاليفورنيا بدافيس، بأنه «تأرجح» التطور. وفي الواقع، ربما نكون قد فقدنا على مدار التاريخ البشري بأكمله ابتكارات تفوق ما نمتلكه الآن، وفقًا لرأي لوك بريمو أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة ولاية واشنطن في بولمان.

إنها فكرة صادمة تدعونا إلى أن نفيق من غفوتنا. ففي اللحظة التي كنا نعلق آمالنا فيها على التوصل إلى حلول تكنولوجية متقدمة لمشاكلنا المعاصرة — مثل تغير المناخ والزيادة السكانية والأمراض المعدية الناشئة، وغيرها — نكتشف أننا لا نتقدم بثبات نحو الكمال التكنولوجي بأي حال من الأحوال. ومع ذلك، فإن الاستيعاب الأفضل لكيفية تطور الوسائل التكنولوجية قد يعطينا دروسًا مفيدة من أجل المستقبل. وعن طريق رسم صورة أدق تعكس التاريخ البشري التكنولوجي، قد نتوصل إلى ما يدلنا على ما سيصلح وما لن يصلح.

يتمثل أحد الألغاز شديدة القدم حول التطور البشري التكنولوجي في أسباب إبداء أسلافنا في العصر الحجري كل هذا الافتقار إلى الإبداع في صنع أدواتهم. إن أقدم أدوات اكتشفت إلى يومنا هذا هي رقائق حجرية يبلغ عمرها ٢٫٦ مليون عام وُجدت فيما يُعرف حاليًّا بإثيوبيا. وتشير هذه الرقائق إلى بداية عملية تطوير لم تثمر عن فئوس حجرية فعالة حقًّا إلا بعدها بحوالي مليوني عام. وقد عُزي هذا البطء في التقدم — أو الجزء المسطح من منحنى التطور التكنولوجي — إلى محدودية القدرات المعرفية لدى أشباه البشر البدائيين. ولأنهم لم يتمكنوا من التعلم من الأجيال السابقة لهم، كان على كل منهم البدء من نقطة الصفر، وهذا يفسر سبب افتقارهم إلى ما يُعرف بالثقافة التراكمية.

تعد الثقافة التراكمية هي ما يميز الإنسان عن بقية الرئيسيات بصفة عامة، وهي تقوم على مهارتين أساسيتين: التعلم الاجتماعي؛ وهو نقل المعرفة إلى الأفراد الجدد في المجموعة، والإفراط في المحاكاة؛ وهي التقليد الدقيق للسلوك، بما في ذلك السلوكيات العرضية وغير المهمة، مما يتيح نقل السلوك والسياق الذي يحيط به معًا. اعتقد بعض الباحثين أن الثقافة التراكمية لم تظهر إلا منذ حوالي ١٠٠ ألف عام تزامنًا مع ظهور الإنسان العاقل (نيو ساينتيست، ٢٤ مارس، صفحة ۳٤). لكن ديتريتش ستاوت الخبير في الأنثروبولوجيا والأدوات الحجرية والأستاذ المساعد في جامعة إموري بأطلانطا في جورجيا، لديه رأي مخالف.

ينبع الابتكار في الأغلب من ارتكاب أخطاء في التقليد، سواء حدث ذلك عمدًا أو بأي طريقة أخرى، وهو ما يوازي الطفرات الجينية في التطور البيولوجي، وفي الغالب يكون للأخطاء التي تتميز بالقدرة على المواءمة الأفضلية في الانتقال للأجيال التالية. ويرى ستاوت أن البشر البدائيين ربما كانوا يتمتعون بالقدرة المعرفية اللازمة للتعلم من أسلافهم، وكل ما في الأمر أن وجود هذه الأدوات البسيطة تحت تصرفهم لم يترك لهم مجالًا واسعًا للوقوع في أخطاء في التقليد (فيلوسوفيكال ترانزاكشنز أوف ذا رويال سوسايتي بي، مجلد ۳٦٦، صفحة ١٠٥٠). ويضيف قائلًا إن المقصود ببساطة هو «أنك لا تستطيع أن تجري الكثير من التغييرات على فأس حجري إذا كنت لا تزال تريده أن يؤدي جميع وظائفه المعتادة». إلا أنه مع زيادة تعقيد الآلات، زادت إمكانية الإبداع.

يقترح بريمو سببًا آخر محتملًا يعلل لنقص الإبداع لدى إنسان العصر الحجري. على مدار الفترة التي امتدت مليوني عام، والتي تبدو غير حافلة بالأحداث، كان البشر يقتاتون على الصيد وجمع الثمار ويعيشون في جماعات عائلية ممتدة متنقلة يتراوح عدد أفرادها بين ٢٠ و٤٠ بالغًا بالإضافة إلى الأطفال. ووفقًا لرأيه: «كان من الممكن جدًّا أن تتعرض هذه الجماعات الصغيرة لظروف من شأنها أن تؤدي إلى إبادة الجماعة بأكملها» سواء أكان السبب في ذلك مرضًا أم إصابة أعاقت أفضل صياد بها عن عمله، أم حدوث تغير سريع في الظروف البيئية. وعندما تُباد مجموعة من السكان المحليين بكاملها، فإن هذا يعني إبادة كل ابتكاراتها معها، بل ربما يعني أحيانًا خسارة خبرة تكونت على مدار أجيال.

في عام ٢٠١٠، وبالتعاون مع ستيفن كون عالم الأنثروبولوجيا بجامعة أريزونا في توسن، طور بريمو نموذج كمبيوتر يلخص سلوك مجموعات أشباه البشر المبدعين من مستخدمي الأدوات في أحد مشاهد العصر الحجري. أوضح هذا النموذج أن حقبة الإبداع التكنولوجي التي يليها زوال المبدعين وأقاربهم تماثل على نطاق واسع حقبة الركود التكنولوجي (بلوس وان، مجلد ٥، صفحة ﻫ ١٥٥٨٢).

لكن إذا كان صناع الأدوات في العصر الحجري مبدعين، فأين الدليل على ذلك؟ من المعروف أن السجل الأثري غير مكتمل، وكلما رجعنا بالزمن إلى الوراء، وجدنا حلقاته أكثر تباعدًا. إلا أن ما يبدو من افتقار إلى التقدم قد يرجع جزئيًّا إلى الإطار الزمني الذي نختار دراسته. جمع شارل بيرو الباحث في معهد سانتا في بنيو مكسيكو في بحث له سيصدر قريبًا معلومات عن ٥٠٠ عينة أثرية — شملت أدوات وأوعية وغيرها من المصنوعات اليدوية الأثرية التي يعود تاريخها إلى ١٠ آلاف عام ماضية والتي تنتمي بصفة أساسية إلى أمريكا الشمالية — وحلل كيفية تغيرها بمرور الوقت. اكتشف شارل أن معدل التغير كان يعتمد على طول الفترة التي يحسب خلالها، فبدا سريعًا خلال الفترات القصيرة وأبطأ خلال الفترات الأطول. السبب الرئيسي في هذا هو اشتمال الفترات الأقصر على العديد من نقاط الارتفاع والانخفاض التي يميل كل منها إلى إلغاء الآخر في الإطار الزمني الأطول.

ثمة وجه شبه مثير للاهتمام بين هذا وبين التطور البيولوجي. في عام ١۹٨۳، درس فيليب جينجريتش أستاذ علم الأحياء القديمة بجامعة ميشيجان كيف أن الشكل والبنية قد تغيرا على مدى ملايين السنين في مجموعة كبيرة من الحيوانات. وقد اكتشف هو الآخر وجود علاقة عكسية بين معدل التغير وطول فترة القياس، واستنتج شأنه شأن بيرو أن هذا مجرد اختلاف في المنظور (ساينس، مجلد ٢٢٢، صفحة ١٥۹). ويتمثل الاختلاف الأساسي بين الدراستين في أنه وفقًا لحسابات بيرو، يحدث التغير التكنولوجي أسرع بنحو ٥٠ مرة من التغير المورفولوجي.

بالإضافة إلى أن هذه الاكتشافات تتحدى أفكارنا المسبقة حول القدرة الإبداعية لدى أسلافنا الذين عاشوا في العصر الحجري، فإنها أيضًا قد عززت الإدراك المتزايد بأن الابتكارات التكنولوجية عُرضة للانقراض إلى حد بعيد. وقد أشار نموذج بريمو وكون إلى وجود العديد من الأسباب وراء عدم انتشار الابتكارات حتى تلك التي تبدو ذكية أو انقراضها. على أرض الواقع، يوجد نموذج واضح لهذا في جزيرة تسمانيا. منذ ما يقرب من ١٢ ألف عام، عندما ارتفعت درجات الحرارة ومستوى سطح البحر في نهاية العصر الجليدي الأخير، انفصلت تسمانيا عن الأراضي الأسترالية وحوصر قاطنوها عليها. وتشير الدلائل الأثرية إلى أنه حتى انقطاع جسر اليابسة بينهما، كان أهل تسمانيا يمتلكون مجموعة كبيرة من الوسائل التكنولوجية المعقدة، مثل ملابس الطقس البارد وشبكات الصيد والرماح والأسلحة الخشبية المرتدة. وعندما وصل الأوروبيون بعد ذلك بعشرة آلاف سنة، لم يجدوا شيئًا من هذا. بل وجدوا أناسًا يمتلكون أبسط تكنولوجيا استخدمتها أي مجموعة بشرية معاصرة معروفة على الإطلاق.

من وجهة نظر ستيفن شينان، مدير معهد الآثار التابع ليونيفيرسيتي كوليدج لندن، كان انخفاض الكثافة السكانية وضعف شبكات نقل المعرفة السببين الرئيسيين وراء هذه الخسارة. مع ذلك، فقد أشار إلى الدور الذي لعبته عوامل مؤثرة مختلفة في أماكن وعصور أخرى. فعلى سبيل المثال، تستطيع قوى السوق والعوامل السياسية أو الاجتماعية أن تحدد معدلات الإبداع. قد يكون وجود طبقة راقية من الأثرياء ضروريًّا لتعزيز ودعم مجتمع من الحرفيين الذين يحتاجون إلى فترة طويلة من التدريب حتى يتعلموا صنع المشغولات اليدوية التي ترغب فيها هذه الطبقة. ظهرت براءات الاختراع بمعناها الحديث في القرن الخامس عشر، وقبل ذلك الوقت كان الحرفيون يلجئون إلى طرق أخرى لجني الربح من وراء معرفتهم لأطول مدة ممكنة؛ قد أثّرت هذه الطرق على تطور التقنيات محل الدراسة. وظهرت الطوائف المهنية لحماية المعرفة المهارية؛ فكانت مثلًا تحافظ على ارتفاع السعر لكنها كانت تقلص عدد ناقلي المعرفة، ومن ثم يكونون عرضة للزوال إذا تغيرت الظروف.

أيضًا تحدد بعض العوامل الجوهرية لتكنولوجيا معينة مدى تطورها. وأحد الأمثلة على هذا هو كاتانا الساموراي؛ والكاتانا كلمة يابانية تعني السيف. ظلت هذه السيوف قرونًا دون تغيير لأن أي أخطاء في تشكيل شفرة السيف ينتج عنها تكاليف باهظة، مما أثنى صناع السيوف عن التجربة. يقول شينان: «لا نميل إلى احتساب نسب التكاليف إلى الأرباح» لكنها قد تكون حاسمة الأهمية. ويضيف: «في الواقع، قد يختفي شيء يُعد ابتكارًا بالغ الأهمية بسبب التكاليف المرتبطة به.» وعلى النقيض من ذلك، قد تنتشر إحدى الوسائل التكنولوجية على حساب بدائل أفضل لأنه فور ظهورها، يصبح من المكلف جدًّا تجربة حلول بديلة. أحد الأمثلة على هذا هو لوحة المفاتيح القياسية التي تكون الكتابة عليها أبطأ من الكتابة على غيرها من لوحات المفاتيح ذات ترتيب الحروف المختلف، لكنها لا تزال تحتكر سوق لوحات المفاتيح في أنحاء العالم الناطقة بالإنجليزية.

تستطيع الشائعات والنميمة رسم مسار التكنولوجيا أيضًا. في الماضي، كان استخدام أداة جديدة أو عشب طبي قد يصمك بالسحر، مما شجع الناس على إخفاء الاكتشافات أو قمعها. ولا تزال المؤسسات الدينية تملك نوعًا خاصًّا من القوة: إذا أضفت قيمة أخلاقية أو روحية على ابتكار ما فإنها تعطيه الضوء الأخضر، وإذا استنكرته، يمكنها منع انتشاره.

ماذا عن المستقبل إذن؟ هل الأوضاع مختلفة حاليًّا، بما يتيح للتطور التكنولوجي الاستمرار بسرعة أكبر من أي وقت مضى؟ بسبب أعدادنا الهائلة على كوكب الأرض، لم تعد الكثافات السكانية الضئيلة وشبكات نقل المعرفة الضعيفة تمثل تهديدًا خطيرًا على الإبداع. علاوةً على أنه منذ اختراع الكتابة، أصبحنا قادرين على تخزين المعرفة خارج عقول الناس ونشرها على نطاق واسع. لكن ربما وضعنا عوائق أخرى في طريق التقدم دون أن ندري.

من وجهة نظر أليكس ميسودي، عالم الأنثروبولوجيا التطورية بجامعة دورام في المملكة المتحدة، كان التقدم التكنولوجي يتسارع بالفعل بخطوات هائلة — وفقًا لمؤشرات قياسه التي تشمل معدل النشر العلمي وتسجيل براءات الاختراع — على مدى القرون القليلة الماضية، لكن بدأت تظهر عليه الآن علامات البطء. وهو يرى أن المشكلة تكمن في تراكم كم هائل من المعرفة حتى إن الشباب يقضون الآن في التعلم من الأجيال السابقة وقتًا أطول نسبيًّا من الذي يمضونه في الإبداع. ويتعلم تلاميذ المدارس والطلاب المادة وفقًا لمراحل تطورها التاريخي. فطلبة الفيزياء على سبيل المثال يخضعون لاختبارات تقيس مدى فهمهم للاكتشافات التي تمت في الفترة قبل عام ١۹٠٠. يقول أليكس: «فقط عندما يصلون إلى مرحلة الماجستير، يبدءون في تعلم المواد الخاصة بالقرن العشرين.» وهذا التأخر له عواقبه الوخيمة بالتأكيد.

أوضح ميسودي في بحث نُشر له العام الماضي أن متوسط أعمار الحاصلين على جائزة نوبل عند توصلهم للاكتشافات التي أهلتهم للحصول على الجائزة، أو المخترعين عند ابتكارهم للاختراعات الجديرة بالدخول في سجل الابتكارات التكنولوجية المتميزة قد ازداد من ۳٢ عامًا سنة ١۹٠٠ إلى ۳٨ عامًا بعد ذلك بقرن واحد. وهذه هي الفترة التي رصد خلالها انخفاضًا في إجمالي معدلات الإبداع (بلوس وان، مجلد ٦، صفحة ﻫ ١٨٢۳۹). ويضيف ميسودي: «تشير بعض الأدلة إلى بطء التقدم في مجالات المعرفة.»

ثمة شيء آخر يحدث أيضًا. بينما تزداد الوسائل التكنولوجية تعقيدًا، تُفقد المعرفة المحيطة بها أو المسببة لها. من يصنعون السيارات في أيامنا هذه لا يفهمون بالضرورة آلية عمل السيارة، على سبيل المثال، لأنهم قد يجمعون جزءًا واحدًا فقط أو يشغلون إنسانًا آليًّا يقوم بالمهمة نيابةً عنهم. في فيجي، حيث تُبنى المنازل بحيث تصمد في وجه الأعاصير، اكتشف روبرت بويد — عالم الأنثروبولوجيا بجامعة ولاية أريزونا في مدينة تمبي — أن السكان المحليين يفهمون جيدًا الأسباب التي تجعل مواد معينة أفضل من غيرها في تحمل الأعاصير، ولكنهم لا يفهمون لماذا تصلح بعض تصميمات البناء ولا يصلح البعض الآخر. ويستأنف حديثه قائلًا: «فهم الأسباب شديد الفعالية والفائدة … ولو أنك وضعت في موقف مختلف، بسبب تغير البيئة التي تعيش فيها، مثلًا، فسوف تستطيع التكيف بسرعة أكبر بكثير عندما تفهم آلية عمل التقنية مقارنة بما لو كنت ستتكيف ضمن مجموعة من خلال المحاولة والخطأ.»

لم يتضح بعد إلى أي مدى يمثل هذا مشكلة؛ لأن المعلومات غالبًا ما تُسجل ومع أن مجموعة الأشخاص الذين يفهمونها صغيرة نسبيًّا فإنها كبيرة بما يكفي لضمان الحفاظ على هذه المعلومات. عندما نشر ميسودي النتائج التي توصل إليها، كان يقصد بث الحماس لا التشاؤم. لقد أراد للناس أن يفكروا في كيفية تكيف البشر الذين طالما اتسموا بالقدرة على التكيف مع المشكلات الجديدة التي تتسبب فيها التقنيات الحديثة. ويقترح مثلًا أن أحد السبل لنتغلب على مشكلة طول الفترة الزمنية للتعلم هو تطبيق مبدأ العمل الجماعي في العلم. فالنشاط العلمي الذي طالما كان نشاطًا فرديًّا على الأغلب أصبح الآن الشغل الشاغل لجماعات تساهم معًا في بناء الثروة المعرفية. وربما نجني فوائد أخرى إذا سمح لنا هذا المبدأ باستغلال قوة العقل الجمعي.

يأمل ميسودي أن يتمكن الباحثون عن طريق تجسيد حالات التكيف هذه في صورة نماذج للتطور التكنولوجي من التوصل إلى تنبؤات أكثر دقة والتعرف على العوامل التي تنبئ بنجاح ابتكار أو فشله. لن تكون كل هذه العوامل تحت سيطرة المخترعين. غير أنهم يستطيعون، إذا ما تمتعوا بنفاذ البصيرة، أن يخفضوا على الأقل احتمال تكرار تجربة المسكين تشينج خه الذي فقد أفضل أسطول بحري عرفه العالم حتى الآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.