إذا كان لديه ريش وأجنحة للطيران، فهذا الكائن طائر، أليس كذلك؟
إذا كان لديه ريش وأجنحة للطيران، فهذا الكائن طائر، أليس كذلك؟

اهتز عالم الحفريات عام ١٩٩٦ بفعل صورة لحفرية صينية كُشف عنها خلال الاجتماع السنوي لجمعية علم حفريات الفقاريات في نيويورك. كشفت الصورة عن ديناصور صغير، يسمى بالصينية سينوصوروبتركس (بمعنى «التنين الصيني ذو الريش») ويظهر عليه عرف من الخيوط السميكة يمتد من الرقبة حتى طرف الذيل. ودون إجراء أي فحص مجهري أو وجود لسند علمي، أُعلن أن تلك الألياف ريش أولي. بعد ذلك بفترة وجيزة، ظهرت صورة العينة المثيرة للجدل على غلاف صحيفة نيويورك تايمز مرسومة بالقلم والحبر. وجاء في الصحيفة أن «العديد من الخبراء الذين نظروا إلى الصور أعلنوا أنها تمثل إثباتًا مهمًّا جديدًا يدعم نظرية انحدار الطيور من الديناصورات.»

بدا هذا الاكتشاف تتويجًا لثورة شهدها علم حفريات الفقاريات كانت قد بدأت في أواخر ستينيات القرن العشرين عندما اكتشف جون أوستروم، الأستاذ بجامعة ييل، الديناصور الشبيه بالطيور (دينونيكَس) وأحيا الفرضية القائلة إن الطيور تطورت من الديناصورات وأن الطيران تطور لدى الكائنات الأرضية وليس لدى الكائنات التي كانت تعيش على الأشجار.

يذكر أوستروم أنه عندما شاهد «الديناصور الجديد ذا الريش» في الصين، «عجزت قدماه عن حمله بمعنى الكلمة.» لكن للأسف، على الرغم من أن أول وصف علمي لديناصورات سينوصوروبتركس وَرَد في دورية «نيتشر» عام ١٩٩٨، فلم يظهر أي دليل حتى الآن يشير إلى أن هذه الهياكل تتعدى كونها مجرد ألياف من الكولاجين تدعم الهدب المعروف في الزواحف التقليدية. ولقيت حقيقة أن الخطوط تقع داخل إطار جسدي محدد بدقة — مما يشير إلى أن الألياف لم تكن خارجية، كما ينبغي إذا كانت بُنى شبيهة بالريش — تجاهلًا تامًّا.

ورد بعد ذلك وصف لألياف إضافية من مختلف الأشكال والأطوال صُنفت على أنها أطوار متنوعة من الريش الأولي في عدد كبير من الديناصورات، ومثال ذلك ما أوردته دورية نيتشر في مقال حول التيرانوصورات. وُجدت أيضًا ألياف أخرى في طيريات الحوض آكلة العشب والتيروصورات (العظاءات المجنّحة)، التي لا تربطها علاقة بالطيور، لكن بالمثل ما من دليل يربط أيًّا من هذه البُنى بالريش.

إذا صحّت هذه الأوصاف، فلا بد أن الريش كان منتشرًا في كل من الديناصورات ومجموعة الأركوصورات الأكبر منها (كانت الأركوصورات الأرضية هي الفقاريات السائدة قبل الديناصورات).

منذ عام ١٩٩٦، اكتُشف العديد من «الديناصورات ذوات الريش» المزعومة في الصين. وفي عام ١٩٩٨، أعلنت دورية نيتشر في فخر «انتهاء الجدل» بعد أن نشرت مقالًا عن موضوع العدد يتناول ديناصورين مزعومين يبلغ عمرهما ١٢٥ مليون عام؛ هما بروتاركيوبتركس وكوديبتركس، يملكان ريش طيران حقيقيًّا (مجلد ٣٩٣، صفحة ٧٥٣).

تمثل فكرة أن الطيور «ديناصورات حية» محور فكر علم الحفريات الحديث. لكن يُخشى دائمًا خطر تحول الإجماع العام إلى معتقد مسلم به. ففي واقع الأمر — وبالنظر إلى المعتقد المتفق عليه في هذا المجال — يبدو أن كل حفرية يجري استخراجها من الرواسب الصينية تصحبها تصريحات مبالِغة تدّعي أنها سدّت فجوة عميقة في النسيج التطوري. غير أن العديد من هذه الاكتشافات يعوزه السند العلمي القوي، وبتنا نلحظ انتقالًا من قابلية الخطأ العلمية المعهودة إلى التأكيد ببساطة على ما يُعتقد خطأً أنه صحيح.

استدعى ذلك اليقين الذي جرى به التعامل مع هذه الحفريات المذهلة إلى ذهني صورًا غريبة: الديناصورات ذات الريش الأولي، والديناصورات المجنحة ذات الريش الحديث، والديناصورات الزاحفة رباعية الأجنحة، والثيروبودات الصغيرة ذات الأجنحة القادرة على الطيران التي يُفترض أنها عاشت في الحقبة الجوراسية.

رأيي في الأمر — وهو الرأي الذي أقر بأنه لا يتبناه سوى القلة، وإن كان جمهوره في تزايد — أن كل هذه الاقتراحات خاطئة. فسينوصوروبتركس ديناصور عادي لا يملك أي ريش، والعينات التي تحتوي على ريش حقيقي ترجع لطيور بدائية لا لديناصورات. فالكائنات الصغيرة التي كانت تقطن الأشجار هي طيور بدائية، والديناصورات رباعية الأجنحة — بما فيها المياكرورابتور — انحدرت من الطيور، ولم تكن أسلافًا لها.

بالعودة بالذاكرة إلى القرن التاسع عشر، يتملك الفرد إحساس بأننا شهدنا هذا الموقف من قبل. ففي عام ١٨٦٨، وضع توماس هكسلي فرضية «الأصل الديناصوري» نتيجة شغفه بالتشابهات التشريحية بين الطيور الأرضية والديناصورات. زعمت هذه الفرضية خطأً أن الطيور الحديثة تطورت من النعاميات العاجزة عن الطيران — كالنعام وما شابهه من الطيور — التي تطورت بدورها من الديناصورات، لكنها لم تمر قط بطور كانت تستطيع فيه الطيران.

كان ريتشارد أوين — خصم هكسلي — هو من صحح تلك المعتقدات الخاطئة عن الطيور الأرضية عام ١٨٧٥ عندما أوضح أنها نشأت نتيجة عملية تطور توقفت عند ذلك الحد أو — إذا استخدمنا المصطلح المتخصص — نتيجة تغير تطوري متغاير التوقيت راجع لتغيرات في معدل التطور وتوقيته. توقع أوين أن «العلم سيقبل فكرة أن طائر الدودو هو حمامة تطورت وفقدت قدرتها على الطيران وليس دينوثيريوم متطور» واضعًا بذلك لبنة الجدل الحالي.

طرح جافين رينالدز دي بير فيما بعد نظرية أوين، وجاء إنتاج دي بير كثمرة لمجموعة علم الحيوان المرموقة التي تشكّلت بين الحربين العالميتين بجامعة أكسفورد. خلف دي بير أوين مديرًا لما يُعرف الآن بمتحف التاريخ الطبيعي في لندن، ولا تزال أعماله تؤثر في طريقة تفكيرنا في الجينوم وعلم الأحياء التطوري. أما البصمة التي تركها في مجال تطور الطيور فلم تحظ بشهرة واسعة. قدّم دي بير إسهامات جليلة في دراسة الأركيوبتركس (الديناصور المجنح)، وأثبت عام ١٩٥٦ بما لا يدع مجالًا للشك أن الطيور العاجزة عن الطيران انحدرت من أسلاف كانت قادرة على الطيران، ولم تستطع تطوير القدرة على الطيران مجددًا.

استحالة الطيران

وكأن التاريخ يعيد نفسه. إن «الديناصورات ذات الريش» التي زينت غلاف دورية نيتشر عام ١٩٩٨ ليست ديناصورات، وإنما طيور عاجزة عن الطيران؛ فكر فيها وكأنها طيور كيوي عاشت في الحقبة الجيولوجية الوسطى. أعتقد أنه في نهاية المطاف سيتفق على وضعها ضمن نموذج أوين ودي بير، بوصفها منحدرة من طيور قادرة على الطيران. لم يتطور طائر قادر على الطيران قط من طائر عاجز عن الطيران، وينطبق الأمر نفسه على السجل الحفري للديناصورات. لكن المتفق عليه حاليًّا هو أن الطيور منحدرة من الثيروبودات، وأن الريش الأولي وفر سطحًا عازلًا لحماية عملية الأيض داخل أجسامها ذات الدم الحار (وهو ما لا يوجد دليل عليه)، وأن الطيران نشأ بتطوير الكائنات الأرضية للقدرة على الطيران، وهو أمر غير مرجح من منظور الفيزياء الحيوية.

والأكثر إزعاجًا هو أن المعتقد المتفق عليه حاليًّا يقضي بأن المجموعة الكاملة لتصميمات الطيران المتقدمة — بما فيها الأجنحة الديناميكية الهوائية والبُنى المخية المعقدة — قد تطورت في الديناصورات الأرضية في بيئة بعيدة عن الطيران، وهو افتراض مجافي للتطور الدارويني.

يعود بنا النموذج الذي قدمته في كتابي «لغز التنانين المكسوة بالريش» إلى المعتقد الذي ساد طوال الجزء الأكبر من القرن العشرين، حين نُظر إلى الطيور بوصفها أبناء عمومة للديناصورات، وليست سليلة مباشرة لها، وأن الاثنين ينحدران من أصل مشترك. وفقًا لوجهة النظر هذه، لا تنحدر الطيور من الديناصورات وإنما من الأركوصورات الصغيرة التي كانت تعيش فوق الأشجار والتي طورت ريشًا ليمنحها القدرة على الطيران، لا ليعزل جسدها. بدأ الطيران لدى الكائنات التي كانت تعيش على الأشجار، والتي وفر صغر حجمها والجاذبية القوة الدافعة، كما هو الحال مع جميع الحيوانات التي طورت القدرة على الطيران.

الحفريات الصينية التي تحتوي على ريش حديث هي طيور بدائية، تلك هي فكرتي المحورية التي تبدو جديدة وثورية، ولكن الجديد فيها فقط هو أنها تطبق فكر دي بير على مجموعة جديدة من الحفريات المثيرة للجدل. وإذا أعدنا صياغة مسلَّمة دي بير، لوجدنا أنها لا تزال صحيحة: إذا امتلك الكائن ريشًا وأجنحة قادرة على الطيران، فهو طائر!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.