لطالما شعرت طوال عقود بحقدٍ شخصيٍّ شديد تجاه السكَّر. ولا أقصد أنواع السكر الآمنة غير المكررة الموجودة في العنب البرِّيِّ، والفاصوليا الخضراء، وخبز الجاودار على سبيل المثال، وأيضًا لستُ أقصد فحسب المواد السكريَّة غير الصحيَّة التي تملأ المشروبات الغازية، والفطائر المحلاة، ورغاوي القهوة، بمنتهى الوقاحة. إنني أزدري بصدق كلَّ شريحة خبز، وكلَّ إصبع بطاطس وكلَّ حبة أرز أبيض نقية وبريئة المظهر، وأعدكم ألَّا يتمكَّن أبدًا أيُّ نوعٍ من المكرونة أو البسكويت المقرمش أو رقائق الذرة من التحايل عليَّ مجدَّدًا حتى يصلَ إلى خزانة طعامي دائمة الانكماش.

في لحظات عاطفية حسَّاسة كانت أمي حسنةَ النيَّة تخبرني أني «قويُّ البِنيَة» أو أن «عظامي عريضة»، وهو — بالمناسبة — ما لا يكون صحيحًا أبدًا ما دمنا نضطر لقوله. لقد كنتُ بكلِّ بساطة ممتلئَ الجسم — بل كنت في الحقيقة بدينًا مثلي مثل ثلث الأمريكيين اليوم — حتى عامي الدراسيِّ الثاني في المدرسة الثانوية، عندما سئمت في لحظة مصيرية من هذا الحال وقرَّرتُ قرارًا حازمًا أن أسيطر على الأمر، رغم كوني ما زلت غرًّا وقتها، وبفضل التمارين القاسية والنظام الغذائيِّ المعدَّل تعديلًا جوهريًّا فقدت سبعين رطلًا من وزني في حوالي ثلاثة أشهر، ومنذئذٍ اتَّسَعَ عالمي وازداد بهجةً.

وحتَّى الآن في سنِّ السابعة والأربعين أستطيع الاستمتاعَ بكلِّ مصدرٍ للبهجة في وُسْعِ جسدي المتقدِّم في العمر تحمُّلُه. في الواقع، توقَّفْتُ مؤخَّرًا عن ممارسة رياضة رفع الأثقال والركض من أجل ممارسة رياضة القوة وتمارين البلايومترك والتمارين المتقطِّعة عالية القوة، وفي الشهر الماضي بدأت ممارسة رياضة ركوب الدراجات الجبلية (من المفترض أن تُشفَى الجروح الأولى الناتجة عن تلك التجربة قبل نشر هذا المقال)؛ لأنَّ ركوب الدرجات في الطرق العادية لم يَعُدْ مثيرًا بما يكفي.

لا أقصد التباهي بكلِّ هذا، ففي الحقيقية لستُ أتمتَّع ببراعةٍ خاصَّة في أيٍّ من تلك الرياضات، لكن المهم — حقًّا — هو حبي لهذا كله، وندمي على عدم تمتُّعي بممارسة المزيد من الأنشطة البدنية في طفولتي. فمن المحزن أنِّي بدَّدْتُ السنواتِ الأكثرَ حيويَّةً من عمري في التهام وازدراد نوع الأطعمة عديمة القيمة نفسها التي يستخدمها المزارعون كلَّ يومٍ لتسمين ما لديهم من الماشية إعدادًا للذبح. بالفعل، أشعر ببعض المرارة تجاهَ السكر.

ومن الواضح أنِّي لستُ وحدي في هذا؛ إذ يهيمن المدافعون عن ثقافة «الطعام النظيف» على مجال التغذية اليوم. ويتَّفق معظمنا في الرأي على وجه العموم مع خبير الطعام مايكل بولان في وجوب الإقلال من الأكل بشكلٍ عام، وزيادة تناول النباتات حتى تصبحَ المكوِّنَ الغالبَ في نظامنا الغذائيِّ. غير أنَّ آخرين ممَّن يقفون معنا في ذات الجبهة اعتنقوا مؤخرًا منهجًا أكثرَ تشدُّدًا وأقلَّ التزامًا بالأُسُس العلمية في التعامل مع هذه المشكلة.

نتناول هنا على سبيل المثال ثلاثةً من خبراء الصحَّة العامة بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو — هم: روبرت لستج، ولورا شميت، وكلير برينديس — الذين شبَّهوا في عددٍ حديثٍ من مجلة «نيتشر» «التأثير الفتَّاك» للسكريات المضافة (شراب الذرة عالي الفركتوز وسكَّر القصب) بتأثير الكحول (لستج وآخرون، ٢٠١٢)، ولاحظوا أن الإسراف في تناول كليهما يتسبَّب في عددٍ من الأمراض الرهيبة، من ضمنها ارتفاع ضغط الدم، واحتشاء عضلة القلب، واختلال مستوى الدُّهون البروتينية، والتهاب البنكرياس، والسمنة، وسوء التغذية، وخلل الكبد الوظيفيُّ، فضلًا عن مشكلة التعوُّد (إنْ لم يكن الإدمان) على تناولهما. (يهاجم المؤلِّفون الادِّعَاء السائد بكَوْن تلك الأمراض ناتجةً عن السمنة، ويَرَون على العكس أنَّ السمنةَ مجرَّد «علامة على اختلالٍ وظيفيٍّ للتمثيل الغذائيِّ، وهو الأكثر انتشارًا.» لتدعيم مزاعمهم يرجعون إلى إحصائيات تشير إلى تمتُّع ٢٠٪ من المصابين بالسمنة بتمثيلٍ غذائيٍّ طبيعيٍّ، وفي الوقت نفسه إصابة ٤٠٪ ممَّن لا يُعانُون من السمنة بمتلازمة الأيض.)

عدد حديث من مجلة «نيتشر» يُشبِّه «التأثير المميت» للسكريات المضافة بتأثير الكحول.

بعيدًا عن كونه مجرد «سعرات حرارية بلا قيمة غذائية»، يضيف هؤلاء الباحثون أن السكَّر قد يكون «سامًّا»؛ إذ يتلاعب بعملية التمثيل الغذائيِّ في الجسم، ويتسبَّب في رفع ضغط الدم وإحداث خللٍ في الهرمونات، ويدمِّر الكبدَ، ومَثَلُه مَثَلُ التبغ والكحول (المُقَطَّر من السُّكَّر) يؤثِّر على أدمغتنا، فيشجعنا على زيادة الاستهلاك، حتى إن استهلاك السكَّر في العالم قد تضاعَفَ ثلاثَ مراتٍ في الخمسين عامًا الماضية، وفقًا لما يقولونه.

لذا يستنتج لستج وزملاؤه أن السكَّر مسئول على الأقلِّ جُزئيًّا عن خمسةٍ وثلاثين مليون حالةِ وفاةٍ سنويًّا جرَّاءَ الإصابة بأمراض مُزْمِنَةٍ غير مُعْدِيَةٍ، وهي الأمراض التي تُشكِّل حاليًّا أخطارًا صحيَّةً تَزيد عن نظيرتها من الأمراض المُعدية على مستوى العالم وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة. كذلك يشيرون إلى تبديد الأمريكيين لما يصل إلى ٦٥ مليار دولارٍ بسبب الإنتاجية المهدرة، و١١٥٠ مليار دولارٍ من موارد الرعاية الصحيَّة سنويًّا؛ على الأمراض المتَّصلة بمتلازمة الأيض التي يسبِّبها السكَّر.

قد أبدو مبالِغًا، لكن من واجبي التأكيد على أن ١٧٪ من الأطفال الأمريكيين حاليًّا يعانون أيضًا من السمنة، وأن المواطنَ الأمريكيَّ العاديَّ يستهلكُ ما يزيد عن أربعين رطلًا من شراب الذرة عالي الفركتوز سنويًّا. تشير الأبحاث الحديثة إلى احتمال تسبُّب السكَّر كذلك في إضعاف الإدراك؛ فعلى سبيل المثال خلصت دراسة حديثة أجراها فيرناندو جوميز-بينيا عالم الفسيولوجي في جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجلوس، إلى أنَّ الأنظمة الغذائية التي تحتوي باستمرارٍ على نسبةٍ عاليةٍ من الفركتوز قد تتسبَّب في إبطاء وظائف الدماغ، وإضعاف الذاكرة والقدرة على التعلُّم لدى الجرذان (أجراوال وجوميز-بينيا، ٢٠١٢).

يعزِّز كلُّ هذا قراري الشخصيَّ الصارمَ الذي اتخذته في السابق، لكن فيما يبدو لا يَثِقُ العديد من العلماء النابغين في قدرتنا كأفرادٍ على توعية أنفسنا والسيطرة عليها فحسب، بل كذلك لا يحترمون حقوقنا في الاختلاف في الرأي أو اتِّخاذ قرارات مطلعة لكن لا تتفق تمامًا مع المنطق فيما يخص عاداتنا الاستهلاكية الشخصية. وهكذا يحثُّ لستج وزملاؤه المواطنين الأمريكيين على تشجيع فَرْض الحكومة لقيودٍ على حريتهم الشخصية، وذلك في صورة قوانين لتنظيم استهلاك السكَّر.

يعتمد لستج وزملاؤه في دَعْمِ قضيَّتهم على أربعة معاييرَ أصبحت على حدِّ قولهم: «معترَفًا بها حاليًّا على نطاق واسع من قِبَل مجتمع الصحة العامة.» وضعها في الأساس عالم النفس الاجتماعي توماس بابور عام ٢٠٠٣؛ لتبرير تنظيم استهلاك الكحول. وفقًا لتلك المعايير لا بدَّ أن تكون المادة المستهدفة سامَّة ولا يمكن تجنُّبها (أو واسعة الانتشار)، وأن يكون لها تأثير سلبيٌّ على المجتمع ويحتمل إساءة استخدامها. يستوفي السكَّر جميعَ هذه الشروط وفقًا لزعمهم؛ لذا فهو مماثل للكحول من حيث تطلُّبُه لفرض قوانين من قِبَل الحكومة.

في خطابٍ وجَّهَه لي جوميز-بينيا، عبَّر عن مخاوف لستج وزملائه، خاصًّا بالذكر ما يصاحب أمراض السكَّر والسمنة من زيادة كبيرة في احتمالات الإصابة بالعديد من الاضطرابات العصبية والنفسية. وقد أعرب عن رأيه في ضوء كلٍّ من التكاليف الإنسانية والاقتصادية قائلًا: «مِن مصلحة العامة فَرْضُ نظامٍ على المنتجات الغنية بالسكَّر، بالإضافة إلى العناصر الأخرى غير الصحيَّة في النظام الغذائيِّ وأسلوب الحياة.»

كما هو مُتَوقَّع، أحدثتِ المقالة المنشورة بمجلة «نيتشر» عاصفةً من الردود المعارضة، وسرعان ما اختلف المراقبون وثيقو الصلة بصناعة السكَّر مع كلٍّ من الحقائق التي توصَّل إليها هؤلاء الباحثون، والمنطق الذي استخدموه؛ إذ شكَّكَ ريتشارد كوتريل — مدير عام المنظمَة العالمية لأبحاث السكَّر في لندن — أولًا في صحة الحسابات التي أوردها الباحثون فيما يتعلَّق بالاستهلاك العالميِّ للسكَّر (كوتريل، ٢٠١٢)، وصحَّح ما ذكروه قائلًا: إنه مع تزايد عدد سكان العالم بما يتجاوز الضعف منذ عام ١٩٦٠، فإنَّ معدَّلَ استهلاك السكَّر زاد بنسبة ٦٠٪ فحسب لا بنسبة ٣٠٠٪. وعلاوةً على ذلك أضاف كوتريل أن استهلاك السكَّر في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا ارتفع ارتفاعًا هامشيًّا فحسب بالنسبة لإجمالي استهلاك الغذاء.

يعتبر كوتريل متلازمة الأيض «مفهومًا مثيرًا للجدل» في حدِّ ذاتها، وعليه يورد تحليلاتٍ صادرةً من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا، تفيد بعدم وجود دليل على تسبُّب الاستهلاك الطبيعيِّ للسكَّر في أيِّ مرضٍ بخلاف أمراض الأسنان. ومن ناحيةٍ أخرى، أضاف كوتريل بلهجة مؤنِّبة: «إن الإفراط في استهلاك أيِّ شيءٍ يُعَدُّ أمرًا ضارًّا، بما في ذلك الماء والهواء.»

كذلك أشار رون بوزويل — عضو مجلس الشيوخ في ولاية كوينزلاند بأستراليا — إلى أنه في حين تضاعَفَ عددُ السكَّان الذين يعانون من زيادةٍ في الوزن في بلاده، ووصلت نسبة الإصابة بمرض السكَّر إلى ثلاثة أضعافها منذ عام ١٩٨٠، إلَّا أنَّ استهلاكَ السكَّر في الحقيقة انخفضَ بنسبة ٢٣٪ خلال الفترة نفسها (بوزويل، ٢٠١٢)، مضيفًا أن وصْفَ السكَّر بأنَّه مادة «سامَّة» يتَّسِم «بالمبالغة مَثَلُه مَثَلُ تشبيهه السخيف بالكحول.» وعلاوةً على ذلك وبَّخَ عضو مجلس الشيوخ لستج وزملاءه على المجازفة «بالإضرار بمصادر رزق الآلاف من العاملين في صناعة السكَّر على مستوى العالم.» تكرَّرت نبرة اللوم نفسها لدى كتَّابٍ آخرين؛ إذِ انتقدَ كريستياني جايكومار هنري الباحث بمجال التغذية في سنغافورة المقالةَ المنشورةَ في مجلة «نيتشر» لتركيزها الحصريِّ على السكَّر (هنري، ٢٠١٢)، مشيرًا إلى الدور الذي تلعبه كذلك العديد من الأطعمة التي ترتفع مؤشرات السكَّر بها، مثل: القمح والأرز والبطاطس، في الإصابة بالسمنة ومرض السكَّر على حدٍّ سواء. وأخيرًا انتقد سليم علي الأستاذ بجامعة فيرمونت المقارنة «المضلِّلة» التي أجراها الباحثون بجامعة سان فرانسيسكو بين السكَّر والكحول والتبغ؛ إذ لا يسبِّب السكَّرُ الثَّمَلَ كالكحول، ولا يضرُّ بصحة الأفراد المحيطين كالتبغ (علي، ٢٠١٢).

وعلى صعيدٍ آخَرَ، لطالما فنَّدَ د. ديفيد كاتس — الطبيب وخبير التغذية المعروف والمدير المؤسِّس لمركز أبحاث الوقاية في جامعة ييل — مزاعم لستج؛ ففي الربيعِ الماضي على سبيل المثال وصف استراتيجيته في الهجوم على السكَّر — مصنِّفًا إيَّاه ضمنَ معسكر الشرِّ — بكونها «هراء» متعصِّب (كاتس، ٢٠١١)، مبرِّرًا ذلك بقوله: «إنَّ ما يهمُّ هو جودة نظامنا الغذائيِّ وكميته بوجهٍ عام، وليس مجرد احتوائه على مادة غذائية بعينها، سواء كانت شريرةً أو صالحةً حسب المعتقَد السائد اليوم.»

ويعيد كاتس تقييمَ الموضوع بشكلٍ جديد، من منظورٍ أوسعَ وأكثرَ فاعليةً استنادًا إلى علم التطور، فيقول: «نحن نحبُّ الحلوى؛ لأنَّ الثدييات التي تحبُّ الحلوى مهيَّأة أكثرَ للبقاء على قيد الحياة مقارنةً بالثدييات التي لا تحبُّ الحلوى، وتلك هي خلاصة الأمر.» لماذا إذن يشعر الكثيرون بالصدمة والاشمئزاز من حقيقة كون السكَّر مادةً مسبِّبةً للإدمان؟ وفقًا لكاتس لا تَكْمُنُ المفاجأةُ الحقيقية في كونِ السكَّر مسبِّبًا للإدمان؛ «بل في كون جميع الأشياء مسبِّبةً كذلك للإدمان.»

إلَّا أنَّ ردَّ كاتس التالي على مقالة مجلة «نيتشر» يبعثُ برسائلَ مبهمةٍ ومختلطةٍ على نحوٍ مثير للإحباط؛ فهو من ناحية يقرُّ بأنَّ «فرض قوانين تنظيمية على الموادِّ الغذائية يُمثِّل في حدِّ ذاته وضعًا خطيرًا.» (كاتس، ٢٠١٢)، ثم ينصحنا بحصافةٍ يشوبها بعضُ الغموض قائلًا: إن النوايا الحسنة «قد تُغرقنا حتى أذنينا في صراعٍ يحول دونَ كافَّة أنواع التقدُّم، ويشوه الأهميةَ النسبيَّةَ لمكوِّنٍ غذائيٍّ واحدٍ فحسب بالنسبة للتغذية ككلٍّ»؛ مما يؤدي إلى «عواقب غير مقصودة».

ومن ناحية أخرى يدافع كاتس صراحةً عن بعض التدخلات الحكومية التي اقترحها لستج وزملاؤه؛ إذ يدعم فَرْض قيودٍ على بيع المنتجات السكَّرية للأطفال في الأماكن التي تفرض عليهم الحضور رسميًّا، وهو ما يُعَدُّ منطقيًّا للغاية؛ إذ «لا يوجد سببٌ يدفع المدارس إلى ترويج استهلاك الطلاب للحلويات الصلبة أو السائلة.» وتُعتبَر بالفعل العديدُ من الأماكن صالحةً لتطبيق مثل تلك السياسات.

غير أن دعم الدكتور الكريم لفرض ضرائب تأديبية على المشروبات السكَّرية كان أقل نبلًا؛ إذ يشير إلى أنَّ «الدستور لا ينصُّ على حقٍّ لا يجوز التصرُّف فيه يكفُل القدرةَ على شراء المياه الغازية.» (بالطبع لا ينصُّ الدستور على حقوق لا يجوز التنازل عنها، لكنَّ إعلانَ الاستقلال الأمريكي يحفظ حقوقًا ثلاثةً مقدَّسةً، ألا وهي: الحياة والحرية والسعي وراء السعادة، وربما يتوجَّب على كاتس وغيره إعادة النظر في المغزى التاريخيِّ والفلسفيِّ لتلك الحقوق.) مضيفًا في حزمٍ أن أصحاب الإمكانيات المادية الأقل، «ربما يتوجَّب عليهم الأخذ في الاعتبار أنَّ مواردهم المحدودة لا تسمح بتبديدها على سعراتٍ حراريةٍ لا تحوي قيمةً غذائية كالموجودة في المياه الغازية»، وهو ما ينبغي لهم بالفعل عمله. لكنَّ كاتس لم يشرح قَطُّ كيف يستطيع الناس اتخاذَ قراراتٍ اتُّخِذَتْ من قبلُ بالنيابة عنهم.

لكنْ — بِاسْمِ العِلْمِ للأسف الشديد — يؤيِّد لستج وزملاؤه وَضْعَ خُططٍ تتدخَّل إلى حدٍّ بعيدٍ في حرية الأفراد، تُصاغُ بأسلوبٍ أنيقٍ كضوابطَ «بسيطة من ناحية العرض». فهم لا يرضَون بمجرد فَرْض الضرائب على المياه الغازية فحسب، بل يؤيدون فرضَ غراماتٍ مماثلةٍ على «الأطعمة المعالَجة التي تحوي أيَّ نوعٍ من أنواع السكريات المضافة»، وهذا يتضمَّن الأطعمةَ مثل: الكاتشب، والصلصة، والمربَّى، وشرائح اللحم البارد الجاهزة، والفواكه المجمدة، والكثير من أنواع الخبز، واللبن بالشيكولاتة (والذي يُعتبَر حاليًّا أحد أكثر المشروبات التي تساعد على استعادة الطاقة بعد ممارسة التمرينات الرياضية المكثفة). ويضيف الباحثون الثلاثة أنَّ مثلَ تلك الرسوم سيصاحبها «حظرٌ» كامل للإعلانات التلفزيونية، كما هو مفترَض في الأوضاع المثالية.

وعلاوةً على ذلك يرغب باحثو سان فرانسيسكو في «الحدِّ من توافر» هذه المنتجات عبر «خفض ساعات عمل متاجر البيع بالتجزئة، والسيطرة على مواقع أسواق التجزئة وكثافتها، وتحديد الأفراد المسموح لهم قانونًا بشراء هذه المنتجات»، مُلْمِحِينَ إلى مجموعةٍ من الآباء في جنوب فيلادلفيا ممَّن منعوا أطفالهم من الدخول إلى المتاجر الصغيرة لشراء الوجبات الخفيفة، متسائلين: «لماذا لا يُوضَع توجيهٌ خاصٌّ بالصحَّة العامة لتطبيق ذات التجربة؟»

أعلن عمدة نيويورك مايكل بلومبرج في أواخر شهر مايو من هذا العام أوَّل خُطَّةٍ في تاريخ الولايات المتَّحدة تحرِّم بيع عبوات الحجم الكبير من المشروبات السكرية — التي تزيد عن ١٦ أوقيةً سائلة — في جميع المطاعم، ودور العرض السينمائي، والملاعب الرياضية، وحتى في عربات بيع الأطعمة بالشارع. وإذا حازت هذه الخُطَّةُ على تصديق لجنة الصحة التي عيَّنها بلومبرج، فقد يُفعَّل هذا الحظرُ بَدءًا من شهر مارس القادم.

معظمنا يدرك ما قد يسبِّبه السكَّر من ضررٍ، لكنْ مع ذلك تظلُّ أقوى مشاعر الكُره الشديدة التي يحملها البعض تجاه أنواعٍ من طعام يحتمل كونها ضارة مجرد مسألة شخصية؛ إذ يحظى العلم بتقدير عظيم — مَثَلُه مَثَلُ الحكومة — بقدر ما يسهم به في توسيع مساحة الاختيار الشخصيِّ، لكنه يتخطَّى الحدودَ الملائمة على نحوٍ يكاد يكون دائمًا عندما يحاول الانضمامَ إلى جبهة الحكومة، أولًا للحكم على فقدان عامة الشعب للأهلية، ثم لتقييد اختياراتهم الشخصية.

أشعر بتوترٍ شديدٍ عندما يُصعِّد عددٌ من أشهر الباحثين دعواتِهم إلى حملات تدعو لفرض ضرائب على منتجٍ ما أو لمنع منتجٍ ما، أو الأفظع من ذلك عندما تؤيِّد تلك الحملاتُ على نحوٍ مُبْهَمٍ وَضْعَ ضوابط «للعناصر غير الصحية في النظام الغذائي وأسلوب الحياة.» إنَّ سلطةَ العلم الفعلية تنبع متدفِّقةً من الأدوار الصارمة والحيادية التي يضطلع بها ممارسوه كمُستكشفين وعلماء متشكِّكين، وحتى مُعلِّمين، لكنَّها لم تكن قَطُّ نِتاجًا لرغبات البعض الموهومة في لعب دور الآباء أو الكهنة بين عامة الشعب.

المراجع

  1. Agrawal, R., and Gomez-Pinilla, F. 2012. ‘Metabolic syndrome’ in the brain: Deficiency in omega-3 fatty acid exacerbates dysfunctions in insulin receptor signaling and cognition. The Journal of Physiology 590(10): 2485-99.
  2. Ali, S. A. 2012. Sugar: Other ‘toxic’ factors play a part. Nature 482: 471.
  3. Boswell, R. 2012. Sugar: There’s more to the obesity crises. Nature 482:470.
  4. Cottrell, R. C. 2012. Sugar: An excess of anything can harm. Nature 483:158.
  5. Henry, C. J. 2012 Sugar: A problem of developed countries. Nature 482: 471.
  6. Katz, D. 2011. Sugar isn’t evil: A rebuttal. Online at www.huffingtonpost.com/david-katz-md/sugar-health-evil-toxic_b_850032.html.
  7. Katz, D. 2012. Sugar on a slippery slope. Online at www.huffingtonpost.com/david-katz-md/sugar-regulation_b_1255695.html.
  8. Lustig, R. H., L. A. Schmidt, and C. D. Brindis. 2012. Public health: The toxic truth about sugar. Nature 482:27-29.
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.