في الفترة ما بين عامي ١٩١٤ و١٩١٨، طغت القصص البطولية التي تدور أحداثها حول الجبهة الغربية — الحرب في الجو أو في البحر — على قصص المغامرات الموجهة للصبية والشباب. ومع ذلك، بعد عام ١٩١٨، وفي الوقت الذي ظلت تُنشَر فيه العديد من القصص حول الحرب العظمى، بدأ المؤلفون يبحثون عن مواقع جديدة للمغامرات ليجعلوها مسرحًا لأحداث قصصهم. وقد انجذب كثيرون منهم إلى المستعمرات الجديدة في الشرق الأوسط؛ فقد كانت الفرص هناك غير محدودة لكتابة القصص المثيرة حول الشباب البريطاني الذي يجلب السلام والنظام إلى منطقة زعزع الصراع استقرارها؛ وكانت تلك القصص تعقد المقارنات بين البريطانيين المخلصين المستقيمين والأتراك القساة، والعرب المخادعين، والمصريين الأنذال. ومثل هذه القصص لم تقدم فقط فرصًا للبطولات الرجولية في أراضٍ غريبة، وإنما خدمت هدفًا وطنيًّا كذلك؛ إذ إنها بررت الوجود البريطاني في الشرق الأوسط، وأظهرت المزايا العظيمة للاستعمار البريطاني للسكان الأصليين، وسمحت لذوي الأحاسيس المرهفة إنهاء بعض التوترات — من خلال الأعمال الأدبية — التي خلقها احتلال الشرق الأوسط.

في عام ١٩١٩، في إطار التسوية الإقليمية في المنطقة، انتدبت عصبة الأمم بريطانيا لحكم الأقاليم التي كانت تابعة للدولة العثمانية؛ وهي الموصل وبغداد والبصرة (في العراق حاليًّا) وفلسطين. كانت المنطقة قد عانت تاريخًا طويلًا من الفوضى والعنف، ولم يكن سكانها يدينون بالولاء سوى لشيوخ القبائل والقادة الدينيين. تحت حكم المندوب السامي الذي عينته لندن، كانت مهمة بريطانيا المعلنة هي الحيلولة دون نشوب النزاعات بين القبائل والخصومات بين الدول بعد الاضطرابات والتغيرات التي خلفتها الحرب. أما الغرض الحقيقي للإدارة الجديدة، فكان — بالطبع — حماية الاستثمارات البريطانية وحفظ النظام في إحدى نقاط التوقف للراحة النافعة على الطريق البري المؤدي للهند والشرق الأقصى. ومع ذلك، ففي العراق، كان عدد من الجماعات السرية المحلية تقاوم الاحتلال، وفي صيف عام ١٩٢٠، كانت السيطرة البريطانية تواجه المقاومة في إقليم تلو الآخر. وفي يوليو من العام ذاته، اندلعت في العراق ثورة عارمة، خاصةً في أنحاء بغداد والشمال الكردي. ورغم أن التوافق بين المجموعات المتمردة كان محدودًا، كانت البلاد في حالة اضطراب، وكان الجيش والقوات الجوية الملكية في حالة عمل مستمر. وبحلول الخريف، كانت الغارات التأديبية التي شنتها القوات الجوية الملكية والدوريات العسكرية المستمرة وبناء المعاقل المحصنة قد سيطرت على أسوأ أشكال العنف. وفي عام ١٩٢١، وفي محاولة لتهدئة حالة التمرد، قرر مؤتمر القاهرة تأسيس مملكة عراقية تحت حكم الأمير الهاشمي فيصل بن حسين — ابن حسين بن علي، شريف مكة سابقًا. ولكن رغم وجود ملك يتولى حكم العراق، استمر البريطانيون في إدارة شئون البلاد، مدعومين بحضور عسكري قوي. ورغم أن فيصل لم يكن محبوبًا من جميع العراقيين، نجحت الحكومة الجديدة في تهدئة أسوأ الاضطرابات، ومع ذلك ظلت نيران الاستياء مضطرمة تحت الرماد. كان العديد من العراقيين يبغضون الاحتلال البريطاني، مما يشير إلى أن الأوضاع لم تتغير كثيرًا منذ الإطاحة بالحكام الأتراك.

عبء البلدان البربرية

في الأدب القصصي، لم تُعقَد قط مقارنة واقعية بين «الأتراك البُغَضاء» والإدارة البريطانية الجديدة. فالحكم البريطاني دائمًا ما كان يلقى الترحاب. على سبيل المثال، في طبعة عام ١٩١٩ من الكتاب الرائج للمؤلف هاري جولدينج «كتاب عجائب الإمبراطورية»، كانت كل السياسات البريطانية في الشرق الأوسط مبررة لأن:

إمبراطوريتنا قد التحمت بالدم والدموع، وبشجاعة أجيال عديدة وآمالها، تلك الأجيال التي كدحت وضحَّت من أجل مجد إنجلترا. ورغم أننا ارتكبنا أخطاءً جسيمة، فلا يوجد سبب على الإطلاق لنشعر بالخزي من الطريقة التي أدرنا بها إرثنا … لكن، علينا جميعًا أن نتأكد أن عصورًا أزهى تنتظر هذه الشعوب التي دخلت تحت مظلة حكم الإمبراطورية البريطانية، والتي — مهما كانت أخطاؤها — تقوم على أسس مبادئ العدل والإنسانية والحرية.

وفي العام نفسه، أعرب هربرت سترانج — مؤلف قصص مغامرات شهير ومحبوب، والذي كان يكتب لقسم الدعاية الحكومي في مكتب دعاية الحرب البريطاني (ويلينجتون هاوس) خلال فترة الحرب — عن التوجه نفسه في روايته «جولات توم ويلوبي الاستطلاعية». وفيها، يدعي أحد المسئولين الإمبرياليين في القصة وهو ميجور برنابي، أن «الطمع لا يقدم أساسًا حقيقيًّا تقوم عليه أي إمبراطورية»، ويقارن توجه «الاستحواذ على كل شيء» الذي تتبعه بعض الأمم بنموذج الإمبراطورية البريطاني المتنور، فيقول:

لم تسعَ بريطانيا قط للهيمنة على البلدان والشعوب الأخرى. إن إمبراطوريتنا تكبر بالتدريج، وعلى الأرجح يكون هذا النمو عرضيًّا؛ وقد فُرض معظم هذا الاتساع علينا … لقد حملنا على عاتقنا عبء حكم البلدان البربرية … أو حكم بلدان مثل الهند ومصر، حيث ذوت الحضارة، واللتين لولانا لأصبحتا إما موطنًا للاضطرابات والقلاقل أو تربة خصبة للعبودية والطغيان. وأنا لا أقول إن دوافعنا هي الأنقى أو أن طرقنا هي الأمثل؛ لكنني أقول إننا لم يسبق لنا قط — كدولة — أن وضعنا نصب أعيننا الاستيلاء عمدًا على ما لا يخصنا، مُجبِرين كافة الحضارات على القولبة في قالبنا الخاص، أو مخضعين كل الأمم الأخرى بالإرهاب الوحشي المحض.

في رواية «مع ألِنبي في فلسطين» (١٩١٩) — وهي قصة تدور أحداثها خلال الحملة على الشرق الأوسط إبان الحرب — كتب المقدم إف إس بريرتون بحماس عن هذه الحملة الصليبية الأخيرة التي حررت الأرض المقدسة:

بعد سنوات طويلة مرهقة، أعاد العالم المسيحي اكتشاف نفسه بوقوع القدس — تلك المدينة المقدسة — في قبضته، في حين تنفست الشعوب المضطهدة في تركيا وفلسطين وبلاد الرافدين نسائم الحرية بعد سنوات من الخضوع … ورحب المسيحيون والأرمن والعرب والمسلمون واليهود بوصول البريطانيين بالتصفيق والهتاف.

لكن على الرغم من التفكير التواق الذي يتبناه بريرتون، لم تهتف شعوب المنطقة للنصر. لقد نبذت تلك الشعوب يد الإمبريالية البريطانية الكريمة التي مُدَّت إليها ورفضت رؤية مزايا الحكم البريطاني. ومن ثم، فقد اضطر بريرتون في رواية لاحقة له أن يتناول هذه الحقيقة. ففي رواية «الجولات الاستطلاعية لدوريات بغداد» (١٩٢١)، وضَّح أن هذا الرفض سببه طبيعة العرب المتقلبة، فقال: «إن العربي شخص غريب»:

أولًا والأهم هو أن العربي شخص بالغ الثقافة على الأغلب، نشأ نشأة جيدة لكنه ولد محاربًا؛ ورحالة بحكم العادة؛ وسارق وسفاح. لذا، لمَّا لم يعد ثمة أتراك ليحاربوهم، انقلب كثير من العرب على البريطانيين الذين أتوا لمساعدتهم. وسيظلون للأبد يثيرون الحروب والمناوشات … وستعرف أن الرجل الإنجليزي لا بد وأن يكون يقظًا، خاصةً حينما يدس أنفه خارج نطاق المدينة.

تعليق كهذا يكشف كثيرًا عن العلاقة المثيرة للفضول التي تجمع بين العرب والبريطانيين خلال سنوات ما بين الحربين العالميتين؛ إنه يعكس توجهًا تبناه المستشرقون على نطاق واسع وكذلك في الإدارات الحكومية. فمن جانب، كان العربي ابن الصحراء النبيل، الذي يتسم بالفروسية والثقافة؛ لكنه على الجانب الآخر سفاح خسيس لا يمكن الوثوق به. لكن في رواية بريرتون، كانت ثمة حالة من السلام — في نواحي بغداد على الأقل — فرضها الجيش؛ قوات حفظ السلام التي لا تطلق النيران على المتمردين إلا عند الضرورة القصوى، وبالمساعدة الضرورية من قبل قوات الكشافة التي تتشكل من الأبناء الشباب للبريطانيين المدنيين والعسكريين المقيمين في بغداد والذين يعرِضون الصداقة على الشباب العراقي المحلي ويقدمون لهم القدوة.

رجل شرطة العالم

بحلول منتصف عشرينيات القرن العشرين، قبلت الحكومة البريطانية على مضض أن تتولى — في مقابل فرض سيطرتها على جزء جوهري من الشرق الأوسط — مسئولية حفظ الأمن والنظام في الصراعات بين القبائل أو بين الأعراق، وأن تتحمل الخزي الذي سيجلبه عليها هذا الدور. وتعد رواية آلان ويسترن «صقر الصحراء» التي صدرت في عام ١٩٣٧، ذات صلة في هذا الصدد، رغم أن أحداثها تدور حول حفظ النظام في فلسطين تحديدًا. وكما يوضح المؤلف، لجأت عصبة الأمم إلى بريطانيا بصفتها «حامي حمى العالم» لحفظ النظام في هذا البلد الذي يشهد اضطرابات، فيعبر عن ذلك قائلًا:

كانت القوات الأجنبية تسير في شوارع القدس، ومرة أخرى جرى استعادة قدر من الهدوء في أرجاء المدينة. لكن في خضم محاولة الحفاظ على اتزان ميزان العدالة، نال البريطانيون كراهية الطرفين، اللذين كانا يفضلان المحاباة لأحدهما على حساب العدالة. كان كل من اليهود والعرب يظنون أن البريطانيين متساهلون للغاية مع الطرف الآخر، وكلا الفريقين يتشوقان إلى الإمساك بزمام الأمور لتسويتها إلى الأبد مع سفك كثير من الدماء.

هنا تنحسر تعقيدات حفظ السلام في فلسطين إلى سرد مفرط في البساطة لكنه مثير للاهتمام، حيث يؤدي الدور الرئيسي في الرواية كابتن جون بنسون من المخابرات الحربية، والذي يتنكر في هيئة شيخ قبيلة بدوي، يحارب لحفظ السلام وينال بالتدريج احترام عديد من الشخصيات على كلا الجانبين بسبب حس الإنصاف الذي يتمتع به.

وقد حاكت شخصية بنسون عن كثب شخصية تي إي لورنس — «لورنس العرب» — الذي ربما يكون أكثر أبطال الحرب العظمى رومانسية، فهو «حارس الرمال الصامت» و«الرجل الذي فاز بالحرب بمفرده»، مثلما تقول إحدى قصص الأطفال. لقد كان لورنس يلائم تمامًا الحالة المزاجية العامة للعصر؛ فقد كان عبقريًّا وقاسيًا وغير تقليدي، ولا يتحمل العقلية الرسمية. ومن المؤكد أن مغامراته في الشرق الأوسط خلال وقت الحرب شكلت أساسًا قامت عليه روايات أخرى تدور أحداثها في المنطقة. على سبيل المثال، تروي قصة بيرسي وسترمان المتسلسلة «العربي الأبيض» — التي نشرت في صحيفة «تشامز» للقصص المصورة للأطفال التي كانت تنشر القصص على حلقات — مغامرات دينيس هورنبي، خبير خدمة الاستخبارات السرية البريطانية ذي التسعة عشر عامًا، وسعيه لاكتشاف من يحرض على التمرد في الشرق الأوسط (وهم بالطبع البلشفيون). كذا يتبين تأثير لورنس في رواية «رحلة بيجلز إلى الشرق» من تأليف دبليو إي جونز. في هذه المغامرة التي تدور أحداثها في وقت الحرب في عام ١٩١٧، يدخل بيجلز فلسطين متنكرًا لإحباط خطط لورنس الألماني، والذي يُطلق عليه «الشريف». لكن اتضح أن الشرير الحقيقي هو البروسي إيريش فون شتالهاين، الذي قُدر له أن يكون العدو اللدود لبيجلز خلال الحربين العالميتين.

يعيش كابتن بنسون في القدس مع عائلته، لكنه يرحل كثيرًا في رحلات غامضة إلى الصحراء متنكرًا في هيئة رجل عربي. ووظيفته هي تتبع هؤلاء الذين كانوا سيلقون باليهود والبريطانيين في البحر والتعامل معهم. وفي مهمة بعينها محفوفة بالمخاطر ضد العملاء الأجانب الذين يحاولون إشعال حرب مقدسة، أنقذه ابنه ذو السبعة عشر عامًا، الذي كان قد تعلم قيادة الطائرات لتوه. وعلى الرغم من تلاشي الحرب في هذه المرة، توصل الغرب إلى نهاية تشاؤمية مفادها أنه لا يوجد سلام في فلسطين. فالأرض هادئة، لكنه هدوء حذر، يراقب فيه كلا العدوين الأزليين أحدهما الآخر مثل ملاكمين يتربص كل منهما للآخر. لقد تم تفادي الخطر الكبير، لكن كم سيطول ذلك؟

لا يمكن أن يجيب عن هذا السؤال سوى هؤلاء الرجال الهادئين الذين يذهبون إلى أعمالهم دون أن تصحبهم الدعاية، والذين يعرفون المشكلة قبل أن تحدث ويبدءون في اتخاذ الخطوات اللازمة لإيقافها، والذين غالبًا ما يلقون حتفهم وحدهم دون حتى سطر واحد في الأوراق يشير إلى الطريقة التي ماتوا بها. فهؤلاء الرجال لا يخدمون بلادهم فحسب، وإنما يخدمون العالم بأسره في قضية السلام … وقد كان لورنس العرب أحد هؤلاء الرجال، لكن في حين أن صدى اسمه سيتردد عبر القرون، ثمة رجال كثيرون يؤدون عملًا ذا أهمية بالغة والذين لن تُسمع أسماؤهم أبدًا. إن المخاطر مروعة؛ والمثوبة ضئيلة؛ لكن مبدأ الخدمة سيظل مثاليًّا لهؤلاء الذين يتمنون أن يقترن اسم إنجلترا بالسلام.

لم يرَ الرجل الغربي أملًا كبيرًا في تسوية سلمية في الشرق الأوسط. والأمر المثير للاهتمام أنه بدا متقبِّلًا حقيقة أن الحذر الدائم هو الثمن الذي يجب أن تدفعه بريطانيا لضمان تحقق السلام عبر أرجاء الإمبراطورية وأقاليم الانتداب؛ بعبارة أخرى، يجب على الرجل الأبيض — وخاصة الرجل الإنجليزي — الاستمرار في حمل عبئه على عاتقه.

السلام من فوق السحاب

في الواقع، دائمًا ما كان حفظ السلام يتم بطرق مريبة من الناحية الأخلاقية. ففي إطار بحث الحكومة البريطانية عن طريقة فعالة ومنخفضة التكلفة لتهدئة مناطق الاضطرابات في الشرق الأوسط وغيره، قررت استخدام القوات الجوية الملكية. فقليل من الطائرات كان يمكنه تغطية المساحات الشاسعة المتضمنة بفاعلية تفوق كثيرًا القوات البرية، وتحديد أماكن المنشقين ومثيري المتاعب، وإيقاع عقوبات سريعة على البغاة والمتمردين من خلال القصف الجوي، وكل ذلك بجزء ضئيل من تكلفة طوابير قوات الجيش التأديبية القديمة. وكانت الطائرات اختراعًا متقدمًا للغاية آنذاك؛ فهي سلاح ذكي وسريع وفتاك، علاوة على كونها جوهر الحداثة ووجودها إشارة قوية على تفوق بريطانيا التكنولوجي.

زعمت الجيوش العسكرية أن الهجمات الجوية كانت إنسانية، وأنها من الممكن أن تتم بدقة بالغة بحيث تجتث المذنبين دون غيرهم، وأنها السلاح الذكي للجيل. ولكن لا يبدو أن الأدلة تثبت ذلك؛ مثال على ذلك قصف المتمردين الأكراد في السليمانية — عاصمة كردستان — في مايو ١٩٢٣؛ فقد علمت المخابرات البريطانية أن المتمردين الأكراد كانوا متمركزين في المدينة، وتلقَّت القوات الجوية الملكية الأوامر بالتحرك. أسقطت القوات الجوية أولًا منشورات تأمر المنشقين بالاستسلام أو مواجهة الهجوم الجوي. وقد عملت المنشورات كذلك كتحذير مبكر للأبرياء للمغادرة قبل وصول قاذفات القنابل. ولكن كما ذكرت امرأة كردية في وقت لاحق: «قليل منا فقط كانوا يستطيعون القراءة، ولم نكن نعرف ما هي الغارات الجوية، فبقينا في المنطقة.» وحينما لم يستجب المتمردون، قصفت القوات الجوية المدينة في عدة أوقات، مخلفةً دمارًا كبيرًا والعديد من القتلى والجرحى. وفر المتمردون إلى الجبال واحتل الجيش السليمانية. ورغم أن الهجمات الجوية الانتقامية حققت القليل وقتلت من المدنيين الأبرياء أكثر مما قتلت من المتمردين، كان الأمر بالنسبة للقوات الجوية الملكية مجرد اتباع للأوامر. وقد وضح أحد الطيارين فيما بعد بتعالٍ، قائلًا:

كانت لديَّ مهمة عليَّ تنفيذها. فقد كان ولائي الأول لقائدي. وإذا لم يكن الأكراد قد تعلموا التصرف بطريقة متحضرة، كان علينا أن ننزل بهم العقاب … وقد حدث ذلك باستخدام القنابل والبنادق …

وسرعان ما وصلت القصص المزعجة حول سلوك القوات الجوية الملكية خلال هذه العمليات إلى لندن، خاصةً تقارير تشير إلى أن الطيارين يطلقون نيران البنادق الآلية على المدنيين الأبرياء بصورة متكررة. من الواضح أن الطيارين الاستطلاعيين قد تلقوا الأوامر بالهجوم على أي شخص يبدو عدوانيًّا، وقد فهموا ذلك على أنه مهاجمة أي شخص يحمل سلاح. ولكن في بلد يعتبر حمل البندقية وسيلة حماية عادية، كان من المستحيل تقريبًا التمييز بين المتمردين والرعايا الملتزمين بالقانون. وقد تمادى بعض الطيارين إلى أبعد من ذلك واعتبروا كل السكان المحليين أهدافًا مشروعة. وقد كتب ونستون تشرتشل — الذي أزعجه تقرير أبلغ بأن النساء والأطفال كانوا يُستهدَفون بالنيران عمدًا — إلى اللورد هيو ترينشارد، القائد الأعلى للقوات الجوية الملكية:

إن إطلاق النيران على النساء والأطفال عمدًا لهو فعل مشين. وإنني أشعر بالذهول لأنك لم تأمر بمحاكمة الضباط المسئولين محاكمة عسكرية.

كان رد ترينشارد الوحيد هو ضمان أن قادته الميدانيين في العراق يُخضعون تقاريرهم للرقابة قبل إرسالها إلى مقر الحكومة البريطانية.

ومن الواضح أن القوات الجوية الملكية لم تصدر أية تفاصيل حول عملياتها في العراق خلال عشرينيات القرن العشرين. فلم تصدر مستندات في هذا الشأن حتى تسعينيات القرن العشرين؛ حين نُشرت مستندات كشفت عن أن القوات الجوية الملكية درست مجموعة كاملة من الأسلحة الجديدة لحفظ النظام في الشرق الأوسط خلال عشرينيات القرن العشرين، وقد تضمنت هذه الأسلحة القنابل الموقوتة، والغازات غير المميتة والسوائل الحارقة والقنابل الفسفورية والكرات الحديدية الشائكة، والتي كانت تُبعثَر في مناطق المتمردين لإصابة الماشية والأشخاص الغافلين بإعاقات دائمة. ولم تكن هذه هي الصورة التي رسمها الأدب الروائي الشعبي لعمليات حفظ السلام.

مغامرات مرحة

في عام ١٩٣٥، نشر كابتن دبليو إي جونز — مؤلف رواية بيجلز — روايته القصيرة «الغارة». في هذه القصة، يشارك ملازم أول طيار اسمه جاي بارينج في عملية حفظ الأمن والنظام الجوية. ويوضح بارينج لعالِم آثار أن فن حفظ السلام يتمثل في قصف الأهداف الصحيحة:

في هذه الأيام، لا نبحث عن الرجال، فبوسعهم أن يختبئوا في الكهوف على أية حال. إننا نبحث عن المواشي، فليس بوسعهم حمايتها. فحين تتمرد قرية، لا يتطلب الأمر سوى ظهور سرب من الطائرات العسكرية ليشعر إخواننا ذوو البشرة الداكنة بالقلق، القلق الشديد. إنهم لا يخشون على أنفسهم، أو على نسائهم — الذين يمكن أن تحل محلهن نساء أخريات في الغارة التالية — وإنما فكرة تأذي ممتلكاتهم الثمينة التي ترعى عند منحدر التل هي التي تأتي بهم — وقد طار صوابهم — رافعين راية السلام بيد وغصن الزيتون باليد الأخرى.

ويتبع ذلك مغامرة ممتعة تضم الطيران والقتال والإثارة البالغة؛ حيث يحبط الطيارون الشباب الشجعان محاولة أخرى لطرد البريطانيين من العراق وإشاعة الفوضى في المنطقة. وكان من شأن تأثير هذا النوع من الكتابات بقلم جونز وغيره من الكتَّاب الكثيرين الذين يخرجون هذا النوع من الروايات، أن يقلص الصراع في الشرق الأوسط إلى مجموعة من المغامرات المثيرة والمخاطرات البطولية، التي تأسر خيال قرائهم وتقدم تفسيرًا للسبب الذي دفع بالبريطانيين لتولي مهمة حامي حمى العالم، التي لا تلقى أي مقابل لها ولا حتى الشكر. لكن مثل هذه «الأفعال» كثيرًا ما كان لها عواقب وخيمة على هؤلاء الذين كانوا يجدون أنفسهم في وسط تبادل النيران.

أعداء متبادلون

كان ليو شارلتون أحد كبار الضباط السابقين في القوات الجوية الملكية، والذي ترك الخدمة بعد خلافات كبيرة حول السياسات والإجراءات وتحوَّل إلى الكتابة. وتدور روايته «مغامرة في الشرق الأدنى» التي نُشرت عام ١٩٣٠، حول رجلين إنجليزيين يعملان في العراق ويكوِّنان صداقات في قرية بعينها. وعبر سلسلة من المواقف التي حدث بها سوء تفاهم، يفترض سرب القوات الجوية الملكية المحلي أن العراقيين متمردون ويهاجمهم، مما يسفر عن مقتل عديد من العراقيين. وحين يكتشف قائد السرب خطأه لاحقًا، يقول للرجلين الإنجليزيين:

حمدًا لله أنكما نجوتما لتخبرانا بالحقيقة. ورغم أنه من المستحيل إعادة أصدقائكما إلى الحياة، فإننا يمكننا تعويض القبيلة تعويضًا تامًّا عن موتهم. فلا يمكننا تحمل خسارة صداقة [زعيم] بني صخر.

فلا بأس بما حدث إذن!

في فترة ما بين الحربين العالميتين، كان التمرد منتشرًا في الشرق الأوسط: في العراق وفلسطين ومصر والسودان، وهي البلاد التي جعل منها المؤلفون مسرحًا لعدد من القصص المثيرة. لكن معظم الروائيين وجدوا أنه من المستحيل تصديق أن أي سكان أصليين يمكن أن يرفضوا الرؤية الإمبريالية، ومن ثم كان هناك ما يحركهم للبحث عن سبب للقلاقل؛ كبش فداء ليلقوا عليه اللوم في الاضطرابات الدائمة في جميع أنحاء الإمبراطورية. في الأدب الشعبي — على الأقل — كان اللوم يُلقى دائمًا على المتطرفين من المسلمين الذي يريدون شن حرب مقدسة ضد الأوروبيين، أو — وهو الأكثر شيوعًا — على البلشفيين الذين كانوا يتوقون إلى تدمير الإمبراطورية البريطانية، والذين كانوا يحرِّضون المواطنين المحليين ويمدونهم بالأسلحة والمال. وفي جزء كبير من الروايات التي تدور أحداثها حول الشرق الأوسط، يكون المحرضون الشيوعيون هم من يحرضون على التمرد. في كل من روايتي دبليو إي جونز «الغارة» و«ليل الصحراء»، كان الشيوعيون هم المذنبين، مثلما هي الحال في روايات ريلتون هولدون خلال ثلاثينيات القرن العشرين: «أجنحة الثورة» و«عش الدبابير». ويمكن أخذ الأخيرة كمثال نموذجي، ففيها يحقق ضابط إنجليزي مع مخبر ليعرف السبب وراء الاضطرابات الجارية، فيسأله قائلًا: «هل هي انتفاضة للمسلمين؟»

فيجيب المخبر اللندني: «كلا، لا تحلم بذلك، بل هم البلشفيون.»

– «روسيون؟»

– «كلا، بلشفيون، روسيون إن شئت، بلشفيون ألمان وسويديون وفرنسيون ومن أصول إيطالية، ومكسيكيون … بلشفيون كل بلد مزدهر في العالم … يسعون للحصول على ما يريدون دون أقل جهد …»

ومن ثم، فإن التمرد على البريطانيين كان — وفقًا للرأي العام — من عمل أيدٍ خارجية؛ مثيري شغب ومتطرفين يثيرون المواطنين الأصليين ويجعلونهم ينسون المزايا الهائلة للعيش في ظل الحكم البريطاني. ولكن في حين أن التهدئة البريطانية للشرق الأوسط في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين في الواقع خلفت تراثًا من المرارة والعدائية التي لا تزال باقية حتى اليوم، فإنها كانت تُصور في ذلك الوقت على أنها مهمة نبيلة. ففي نهاية الأمر، كما كتب أحد الإمبرياليين القدامى بفخر في سنوات العقد الثالث من القرن العشرين: «… إن روح إنجلترا هي أقوى قوة من أجل الخير في العالم اليوم.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.