«إن حالة الجماهير المادية هي كل ما يهم.» يجيء هذا التصريح على لسان أستاذ التاريخ موريس لاركين بجامعة إدنبرة عام ١٩٨٠، ويلخص التجاهل الذي تعرضت له — منذ ستينيات القرن الماضي — الثقافة الأرستقراطية في بدايات أوروبا الحديثة. وعلى الرغم من دراسة المؤرخين فيما بعد لأحداث انهيارها في عقود التنوير التي سبقت الثورة الفرنسية، فإن صعود نجمها لم يحظَ بالاهتمام الكافي.

بيت ألبيمارل (الذي أصبح فيما بعد بيت كلاريندون) في شارع بيكاديللي بمدينة لندن. صورة تعود إلى عام ١٦٨٣، المتحف البريطاني.
بيت ألبيمارل (الذي أصبح فيما بعد بيت كلاريندون) في شارع بيكاديللي بمدينة لندن. صورة تعود إلى عام ١٦٨٣، المتحف البريطاني.

يرجع تفرد الفترة بين عامي ١٦٥٠ و١٧٥٠ إلى عاملين؛ أولًا: انضم النبلاء العلمانيون والكهنوتيون أصحاب الأراضي ممن فرضوا دومًا قبضة شبه احتكارية على السلطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى النخبة الثقافية كذلك. وانهارت المدن التجارية مهد النهضة الإيطالية والشمالية، واضطلع الملوك والأمراء والنبلاء والأساقفة ورؤساء الأديرة بدورها كراعية أساسية للثقافة. وثانيًّا: وعلى عكس الاضطرابات السياسية والدينية التي سبقت هذه الحقبة مباشرة، وما أعقبها سريعًا من ثورات اقتصادية واجتماعية وسياسية، تمتع الجزء الأكبر من القرن الذي يفصل بين عامي ١٦٥٠ و١٧٥٠ بالاستقرار. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كان الازدهار الثقافي الكبير لتلك الحقبة وسيلة استخدمتها النخبة لمعالجة الوضع السياسي؟

في حقبتي الأربعينيات والخمسينيات من القرن السابع عشر، اهتزت أركان أوروبا جرَّاء عدد من الثورات والحروب الأهلية في بريطانيا وفرنسا وهولندا ومنطقة كاتالونيا والبرتغال ونابولي وصقلية وأوكرانيا. وهي وقائع يطلق عليها جملة «الأزمة العامة للقرن السابع عشر»، وهي عبارة تشمل أحداثًا وأحوالًا شاعت في معظم أنحاء أوروبا (أو «أزمة عالمية» في معظم أجزاء الكوكب، وفقًا لدراسة جيفري باركر الأخيرة). شجَّعت نزاعات النخبة وعصيانها على اكتساب العامة نوعًا من الحسم، ففي إنجلترا أصبحت حركة أنصار المساواة هي صوت الديمقراطية في الحكومة. وفي عام ١٦٤٩ حوكم الملك تشارلز الأول — وهو ملك باركته الكنيسة — علنًا وقُطع رأسه على يد رعاياه، وتُرجم وصف هذا الحدث الشنيع إلى ٢٠ لغة أجنبية وقرأه الناس في جميع أنحاء أوروبا. جلست النخبة الحاكمة تشاهد انقلاب العالم رأسًا على عقب، وما يتعرض له التسلسل الهرمي الاجتماعي والسياسي والديني المقدس من تهديد، كان الحدث ساحقًا بالنسبة لهم كما كان تدمير برجي نيويورك عام ٢٠٠١ بالنسبة للمراقبين المعاصرين. وكما هو متوقع أصبحت أولويتهم هي التعاون فيما بينهم واستعادة النظام، ومن ثم تآزروا مع الملوك من أجل التوسع في القدرات العسكرية والنهوض بأعباء البيروقراطية واسترداد الوحدة الدينية، وهي موضوعات يألفها المؤرخون ووثيقة الصلة بما شهدته الفترة من استقرار.

مع ذلك تمخضت الأزمة العامة عن أمر آخر لم يلقَ اهتمامًا كبيرًا، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى توافر المزيد من المعلومات عن سياسات الحكومة مقارنة بالنظم الثقافية؛ فعلى الرغم من اعتراف بعض المؤرخين بقدرة الفنون على التعبير عن الأحداث، فإنهم لا يزالون يعتبرونها أدلة لا يعتمد عليها. لكن في هذه الحالة أثبت التحالف متعدد الجوانب مع علماء الموسيقى والنقاد الأدبيين ومؤرخي الفن أنه مثمر؛ إذ كشف عن طبقة حاكمة ذات وعي ذاتي جديد، وذات ثقافة مميزة تحدد هويتها وتفرض قيمها. وإذا كانت هذه الثقافة قد ساعدت على استعادة الاستقرار بأوروبا، فإنها لم تعكس حركة التاريخ بل كانت عاملًا مؤثرًا في مساره.

رواد الثقافة

شهد القرن السادس عشر جدلًا شديدًا حول تعليم النبلاء الفرنسيين، لا باعتباره أمرًا واقعًا بل مشروعًا يستحق بذل الجهد لأجله. فقد كان المحامون وعلماء اللاهوت وموظفو الحكومة هم المصدرَ الرئيسي للريادة الثقافية حتى منتصف القرن السابع عشر تقريبًا. عندئذٍ بدأ أعضاء النخب الأوروبية من أصحاب الأراضي فرض هيمنتهم الثقافية باعتبارهم أصحاب الذوق الرفيع. وفي المسرح أصبح إظهار الاستحسان قبل أن يبدأ «أصحاب الذائقة» الجالسين في مقصوراتهم التصفيقَ فعلًا شائنًا. وبعد عام ١٦٦٠ كان الكثير من كُتاب المسرح في لندن من النبلاء الهواة، ومن ناحية أخرى كان رعاة الفنون من النخبة يمولون محترفي الأدب كي يحتفوا بفضائلهم. وتزعموا كذلك الأكاديميات الثقافية التي كانت مقصورة على إيطاليا في البداية، لكنها أصبحت آنذاك آليات تنظيم رئيسية، ومن ثَمَّ شهدت الفترة بين عامي ١٦٤٨ و١٦٧١ تأسيس ست أكاديميات في فرنسا وحدها.

لطالما ظل تمجيد النخب مهمَّة رئيسية للفنون، وقد اعتمد على رموز السلطة والثروة والمكانة المستمدة من مصادر متنوعة، مثل: الأساطير القديمة والشرائع المسيحية وقصص الفروسية الرمزية. لكن النخب الآن مُنحت «رواية» أبسط بكثير تضفي عليها الشرعية، عبر ربطها بشاغلٍ يعادل الأساطير في قِدمه؛ ألا وهو الحفاظ على نظام الدولة. وقد أوضح المؤرخ بيتر بيرك كيف تُعزى صورة لويس الرابع عشر إلى التلفيق المتعمد أكثر من التطور التلقائي، وهي سعة حيلة لم تكن أقل قدرًا لدى أعضاء النخبة على مستوى العالم، إذ كانت الثقافة الرفيعة — التي تحولت وقتها إلى شرط من شروط العضوية — أداتها الرئيسية. أما رسالتها المؤثرة فقد نسبت التناغم والاستقرار في أي دولة مزدهرة إلى الشجاعة البطولية وضبط النفس اللذين تتمتع بهما الطبقة الحاكمة؛ أي إن الدولة تستمد نظامها من حياة نخبها المنظمة.

ونظرًا لهيبة اليونان وروما القديمتين باعتبارهما قاعدة أوروبا السياسية والأخلاقية، كانت تلك الفضائل كلاسيكية أكثر من كونها مسيحية. إن خلع الصفات الرومانية القديمة كالوقار والكرامة والصرامة على النخب من شأنه أن يدعم مكانتها ويقوي نفوذها ويرهب الخاضعين لها، وتلك هوية تعزلها عن الطبقات الدنيا التي تستوعب تلك الهوية عن طريق الاصطلاح والمجاز الثقافي، كما يتضح في اللمحات التالية.

كان المعماريون الفرنسيون والإنجليز في هذه الحقبة يحترمون قواعد التوازن والهدوء الكلاسيكية، لكن دون محاولة استنساخ معبد البارثينون الإغريقي في مدينة باريس أو لندن. وطوال قرون كان سادة المزارع يديرون أملاكهم رسميًّا من بهو مهيب يرتفع حتى طابقين، ويقع عادة قرب أحد أطراف المبنى. لكن منذ خمسينيات القرن السابع عشر كان يُنظر إلى البهو المركزي باعتباره سبيلًا لترسيخ كلٍّ من التوازن البصري وارتكاز السلطة.

وكان بيت كلاريندون — الذي صُمم في ستينيات القرن السابع عشر على يد روجر برات أحد النبلاء من هواة المعمار، وسرعان ما قُلد تصميمه — أول مبنًى سكني مستقل على الطراز الكلاسيكي يقام وسط لندن. وبرز موقع القاعة من خارج المبنى عبر مثلث أعلى الواجهة يستحضر في الأذهان الرفعة الرومانية، ويعدُّ مثلث الواجهة وسيلةً لاستعراض التسلسل الاجتماعي كانت مرفوضة فيما مضى لسخافة وضع هذا المثلث في مكان خلاف الوسط. مكَّنت تلك الإبداعات التناسق المعماري المنظم من أن يعكس صورة النظام الاجتماعي والسياسي. وقد زعم كيفن شارب أن المعمار لم يستجب فحسب لنموذج النظام المثالي بل نشره كذلك، ومن ثمَّ تحوَّل إلى فرع من فروع الحكم.

وفي فرنسا كان قصر فو لو فيكونت أولَ قصر يقام بعد الانتفاضات الشعبية التي شهدتها البلاد في منتصف القرن. وبالنظر لما مثله القصر من استعراض جلي لثروة صاحبه نيكولاس فوكيه، الذي شغل منصب وزير المالية في عهد لويس الرابع عشر، فقد ارتقى بكيفية إدارة أدوات نشر الأفكار وقتها عبر دمج المباني والأراضي في تصميم واحد. كان القصر يمتد بالتوازي مع حدائقه المتناسقة على محور واحد ضخم، ومن ثم هيمن على المنظر. حُوِّلت المياه اللازمة للنوافير والشلالات الصغيرة، بينما شقت البحيرات الصناعية والمروج الريف حتى خط الأفق. وهكذا تحولت الحدائق إلى امتداد سياسي لفكرة السيطرة؛ فإذا كان بوسع الطبيعة الامتثال للأوامر العليا ففي وسع البشر فعل ذلك أيضًا.

أما باقي أوروبا فقد آثرت الأناقة والبهرجة المميزة للعمارة الكلاسيكية الباروكية، التي يرجع أصلها إلى روما عام ١٦٠٠ تقريبًا، وتعتبر الذراع المعمارية لحركة مناهضة الإصلاح الديني الكاثوليكية، وانتشرت في شتى أنحاء أوروبا في أعقاب الأزمة العامة. كانت الأعمدة والقباب والأروقة المعمَّدة من هذا الطراز المعماري ذات طابع كلاسيكي، لكنَّ اتجاهها الواضح نحو استخدام المنحنيات في التصميم لم يكن كذلك. زُيِّنت الأعمدة بالنقوش والرخام متعدد الألوان والجص المذهَّب واتسمت بأشكالها الملتوية والمتضخمة، بينما بددت اللوحات الزيتية ثلاثية الأبعاد (الترمبلوي) الملتفة على الأسقف الحدود بين الأرض والسماء. أما طراز الروكوكو — الطور الأخير من معمار الباروك — فقد اتسم ببذخ ساحر من الزخارف السطحية الرقيقة. راقت تلك التقنيات الديناميكية المتكلفة للأحاسيس والمشاعر بعمق؛ إذ أظهرت لجميع الطبقات الاجتماعية عظمة الإله وأمجاد نوَّابه على الأرض في القصور والكاتدرائيات.

استخدم رسامو هذا العصر أدق التفاصيل في تحديد هوية النخبة. ويعدُّ كارافاجيو واحدًا من أعظم الرسامين تأثيرًا في القرن السابع عشر، وقد قُلدت الواقعية الشديدة لأعماله على نطاق واسع. لكن مع ذلك نُبذ كارافاجيو في خمسينيات القرن السابع عشر؛ بسبب فجاجته التي دفعته إلى ملء لوحات تصور أحداثًا عظيمة بصور لأشخاص مدنسين تنقصهم صفات البطولة، وهو ما يسلم به المؤرخ الفني أندرو جراهام ديكسون مضيفًا أن صور القديسين الشباب في لوحاته قد يظنها البعض خطأ صورًا للصبية الجذابين العاملين في الدعارة.

الأسلوب الفخم

كان النمط الذي يعرف اصطلاحًا باسم الأسلوب الفخم هو ما دمر سمعة كارافاجيو طوال قرن، كما يذهب مؤرخو الفن، وهو المثال الأبرز على كيفية التحكم في صورة النخبة. ويرجع هذا النمط إلى فن النحت الروماني الكلاسيكي الذي ظهر أثناء عصر النهضة في إيطاليا، ثم هيمن على فن الرسم في أوروبا منذ خمسينيات القرن السابع عشر حتى خمسينيات القرن الثامن عشر. ابتكر الفنان أنطوني فان ديك هذا الأسلوب قبل الأزمة العامة بفترة قصيرة، واستحوذت عليه الطبقات الحاكمة أثناء الظروف العصيبة التي تلت ذلك. كان الأسلوب الفخم منهجيًّا وعريقًا وملحميًّا وقدم النخب في صورة مبجلة تعكس ثقتهم، وأشار إلى ما يتمتع به أفرادها من سمو وضبط للنفس؛ مما يدل على شخصياتهم السوية وحقهم في حكم الآخرين. وسواء أكان الرسامون يصورون عائلة المسيح أم زيوس أم لويس الرابع عشر، فإن هذا النمط أصبح مؤشرًا على الأصل العريق. وعبر اللوحات والتماثيل أوقع هذا الأسلوب الرهبة في قلوب العامة داخل أماكن العبادة، وأَلهمَ النخب ذاتها. وهكذا مضى النبلاء إبَّان الثورة الفرنسية إلى المقصلة برءوس مرفوعة، وإن كان ذلك بصفة مؤقتة.

وفي الأدب بسط الشعر الملحمي المنتمي إلى هذا الأسلوب الفخم نفوذه على الساحة، في تناغم مع الصورة الملحمية التي خلقها نفس الأسلوب في مجال الرسم. كانت الملاحم البطولية السابقة لشعراء مثل دانتي وتاسو قد لاقت نجاحًا، لكنها أخفقت في خلق اتجاه أدبي سائد. لكن في ستينيات القرن السابع عشر صدرت ملحمة ميلتون «الفردوس المفقود» في ذات الوقت الذي ظهرت فيه الحاجة إلى البطولة. وعبر سرد وقائع هبوط الإنسان من الجنة، والعراك بين ملائكة الرب وقوى الشيطان، ألهمت الملحمة أدباء أوروبا بمحاولة محاكاة الشعر البطولي المميز للملاحم الرومانية والإغريقية القديمة؛ إذ أيقظ أسلوب ميلتون وبحوره الشعرية ذات الطابع اللاتيني في الأذهان عظمة ملحمة فيرجيل «الإنيادة»، وتجاوزت روما القديمة وصولًا إلى الأبطال الشجعان في ملحمة هوميروس «الإلياذة» وميلاد الأدب الأوروبي. ترجمت «الفردوس المفقود» إلى الفرنسية على يد ابن أعظم كُتاب المسرح في فرنسا: راسين. واحتضنت النخب الأوروبية عراقتها ذائعة الصيت وفكرتها الملحمية الرئيسية، ولغتها الفخمة التي تصلح تمامًا لربط البشر بالآلهة والأبطال.

في الدراما، كان المزج بين المأساة الفاجعة والكوميديا الخفيفة فيما سبق يناسب الخلفيات الاجتماعية المتنوعة لجمهور المسرح. كانت ثقافة العامة متداخلة مع ثقافة النخبة، فنجد الملك لير — في مسرحية شكسبير التي تحمل ذات الاسم — يتحدى الطقس العاصف بلغة شعرية مهيبة، بينما يطلق مُهرِّجُه النكات حول الأعضاء التناسلية الذكورية مستخدمًا نثرًا عاديًّا. أما الآن فقد أدخلت القواعد المستمدة من العصر الكلاسيكي القديم النظام والاحتشام؛ فأصبحت أي إشارة أو قافية أو وزن شعري صادم تمثل المعادل الأدبي للتمرد على الدولة. فوفقًا لكتاب أرسطو «فن الشعر»، تطورت الكوميديا من الأغاني التي تحتفي بالقضيب في الاحتفالات الوثنية، وهي تتعلق بأناس أدنى شأنًا وتتناقض مع المأساة. ومن ثم نجد أن عرضًا منقحًا لمسرحية «الملك لير» في ثمانينيات القرن السابع عشر حذف طواعية شخصية المهرج من طاقم العمل.

وبالتناقض مع عبقرية شكسبير غير المنضبطة، التزمت مآسي راسين بأعراف ضبط النفس و«التهذيب». فعلى الرغم من جموح العواطف فإنها كانت تُعرض دومًا في صورة هدامة، بينما كبحت المقاطعُ الشعرية المقفاةُ البديعةُ والمكونةُ من بيتين التعبيرَ عن تلك العواطف إلى حدٍّ كبير. أما جرائم القتل فلم تكن تُمثَّل على خشبة المسرح. وعلاوة على ذلك، كان احترام وحدة الزمان والمكان والحدث في الدراما التي نادى بها أرسطو ضامنًا للإيجاز، وفي نفس الوقت رُفع التوتر والتركيز إلى أقصى درجة؛ لم يكن مسموحًا إلا بتناول قصة واحدة تدور أحداثها في يوم واحد وفي نفس المكان. وفي فرنسا وشتى أنحاء أوروبا أصبح الشعر الملحمي أو ما يكافئه في الثقافة المحلية أداةً لرواية المآسي وأسلوبًا رفيعًا في الوقت نفسه.

وخلافًا لأنواع الفنون الأخرى، نادرًا ما كان يُقصد بهذا النوع الأدبي النخبوي التأثير على العامة. ففي عام ١٦٩٤ نشرت أكاديمية اللغة الفرنسية أول قاموس رسمي للغة الفرنسية، وحاولت تنظيم اللغة عبر استبعاد الكلمات المبتذلة والبذيئة والخادشة للحياء. وبينما استخدم شكسبير عددًا غير مسبوق من المفردات يزيد عن ٢٠ ألف كلمة، كان راسين يستخدم أقل من أربعة آلاف كلمة. وهكذا تقلص نطاق الحديث المقبول لكي تعكس اللغة دماثة الخلق، ومن ثم اختفت كلمات مثل: بصق، وتقيأ، وما هو أسوء منها من أدب المجتمع الفرنسي المهذب. وأصبحت النخب في ويلز واسكتلندا والنرويج والسويد وبوهيميا تتحدث الآن لغة مختلفة كليًّا عن لغة الفلاحين.

من ناحية أخرى، كانت الأوبرا وفن الباليه في عصر الباروك — عادة ما كانت الأوبرا تتضمن فن الباليه — عبارة عن نماذج فنية أرستقراطية بلغت أَوْجَها في بلاط الملك لويس الرابع عشر. ففي هذا الوقت استورد الكاردينال مازاران — الوزير الملكي الذي كان سوء حكمه المزعوم سببًا في تعجيل الانتفاضة الشعبية الفرنسية لعام ١٦٤٨ — الأوبرا للمرة الأولى من إيطاليا إلى فرنسا. قد لا يرجع الأمر تمامًا إلى عامل المصادفة بما أن أعمال لولي وخليفته رامو الأوبرالية كانت المكافئ الموسيقي لمسرحيات راسين، حيث اهتمت بقيم النخبة الأخلاقية والسياسية. وقُدم الأبطال التاريخيون أو القدماء باعتبارهم نماذج أولية للنخب في أوائل العصر الحديث، وكانوا يظهرون الشجاعة في مواجهة المأساة ويفرضون النظام على الفوضى. أما الأعمال الأوبرالية الكوميدية فعادةً ما دعمت التمييز الاجتماعي عبر نوع من التمييز الموسيقي الصارم، فكانت الشخصيات الأرستقراطية تقدم ألحانًا منمقة تصاحبها أوركسترا كاملة تضم العديد من الطبول والأبواق، بينما تغني الشخصيات العامية ألحانًا بسيطة بأقل دعم موسيقي.

من البلاط إلى الشعب

علاوة على ذلك، لعبت موسيقى الباروك دورًا جماهيريًّا جديدًا. فمع اختراع آلات النفخ النحاسية في شكل مماثل لشكلها الحديث تقريبًا، ظهر صوت أوركسترالي جديد أبهر النبلاء والعامة على حدٍّ سواء. فمع انتقال الأبواق من حقول الصيد التابعة للأرستقراطيين إلى أوركسترا لويس الرابع عشر في قصر فيرساي، سرعان ما كانت نغماتها الرخيمة تنقل مهابة البلاط الملكي إلى جمهور أوسع بمراحل. إذ نقلت آلات الترمبون أصداء الأرستقراطية إلى موسيقى الباروك في الكنائس، بينما أدت الأبواق المقاطع العالية الرنانة في مؤلفات باخ الاحتفالية لكنيسة سانت توماس في لايبتسيج، بعدما كان استخدامها في المناسبات المقدسة ممنوعًا في الماضي. وفي مقطوعة هاندل «موسيقى الألعاب النارية الملكية» أضفت الأبواق نوعًا من الإثارة على الاحتفال الجماهيري.

دائمًا ما يستحيل تحديد تأثير «نقلة» ما عن يقين، إلا أن السعي بلا هوادة لتطبيق تلك الاستراتيجيات الثقافية الثابتة طوال قرن من الزمان عقب الأزمة العامة، لا يشير فحسب إلى وجود خطة مدروسة بل إلى نجاح واضح في دعم ثقة النخبة وإذعان الشعب لها. مع ذلك فبدءًا من خمسينيات القرن الثامن عشر توقف كلا الأمرين؛ إذ أفسد هوجارث — وهو مصورٌ والده ناظر مدرسة فقير — بلاغة الأسلوب الفخم عبر استخدامه لتصوير أشخاص يتجلى عدم انتمائهم للطبقة الأرستقراطية وخلوهم من صفات البطولة. كما كان رائدًا في «لوحات المحادثة» التي صورت النخب بلا تكلف وهم يحتسون الشاي أو يلعبون بأوراق اللعب أو يتبادلون الشائعات. كذلك أصبح مذهب المساواة التنويري فكرًا رائجًا حتى بين قطاعات النبلاء. بينما رفض كُتاب مؤثرون، مثل: ليسينج وجوته ووردزورث وكولريدج أسلوب النخبة التعبيري، وازدروا الذوق الأرستقراطي. ومن ثم دارت العجلة دورة كاملة مع تشجيع إحياء أعمال شكسبير في ألمانيا على الاستهزاء بالقواعد الكلاسيكية. لكن على الرغم من أن روائيين مثل ديكنز وترولوب غالبًا ما سخروا من الطبقات العليا أو شهَّروا بها طوال القرن التاسع عشر، فإن بعض قيم النخبة أثبتت مرونتها؛ إذ حاكى مَالِكو محالج القطن — ممن ارتقوا السلم الاجتماعي — الأسلوب الفخم بامتنان.

والأشد قسوة من ذلك كان ما لاقته موسيقى ومعمار الباروك في خمسينيات القرن الثامن عشر من إهمال بشع. فأصبح البناء الكلاسيكي المعدل من منظور معمار الباروك منبوذًا باعتباره تقليدًا سيئًا مبالغًا فيه، واستُعيض عنه بإصرار نيو كلاسيكي على الأصالة، وهكذا سرعان ما تزينت أوروبا وأمريكا الشمالية بأبنية تحاكي المعابد اليونانية والرومانية. وعلى صعيد آخر عُزفت مقطوعة باخ «آلام القديس متَّى» لأول مرة عام ١٧٢٩، وأعِيدَ عزفها بعد ذلك بفترة قصيرة ثم طواها النسيان مدة قرن. أما موسيقى «الفصول الأربعة» لفيفالدي فقد ظلت مفقودة حتى عام ١٩٢٩. أفسح تعقيد وتكلف النخبة المجال أمام الألحان الجذابة والإيقاعات سريعة الانتشار، وبينما ظل الكثير من الشخصيات الأوبرالية شخصيات كلاسيكية قديمة فإن المشاعر التي عبرت عنها كانت مألوفة ومستمدة من إنسانيتنا المشتركة. ففي أوبرا «زواج فيجارو» التي عرضت عام ١٧٨٦ قوَّض موتسارت قواعد النخبة الموسيقية عبر منح شخصية خادم مصاحَبة موسيقية أوركسترالية تليق بشخصية من النبلاء. وقد توجت أوبرا «الناي السحري» مسيرة موتسارت القصيرة، وكانت مزيجًا من الألحان الأوبرالية والأغاني الشعبية والكوميديا الهزلية. عُرضت «الناي السحري» لأول مرة على مسرح عام أمام جمهور متنوع بدا على نحو خادع شبيهًا بجمهور شكسبير.

في الواقع أعلنت خصائص الجمهور في أواخر القرن الثامن عشر عن مقدم حقبة جديدة. ووفقًا للمصطلحات الحالية، فإن «المجال العام» تجاوز «المجال الخاص»؛ إذ خلقت المعارض الفنية العامة ودور الأوبرا والقاعات الموسيقية والمسارح سوقًا ثقافيةً واسعة تحدَّت المراكز الخاصة لرعاة الفن من الطبقة الملكية والأرستقراطية والكنسية. وأصبح الآن في وسع الفنانين الاستمرار دون دعم أفراد من النخبة؛ إذ تلقَّوا دعمًا مشتركًا من الطبقات العليا والطبقات الوسطى الناشئة. وفي عام ١٧٥٥ رفص صامويل جونسون دعم إيرل تشيسترفيلد قائلًا: «أليس الراعي — يا سيدي — هو من يشاهد دون اكتراث رجلًا يصارع للبقاء على قيد الحياة وسط الماء، وعندما يصل إلى البر يعرقل طريقه بالمساعدة؟» كذلك أدى انطلاق حركة النشر في أواخر القرن الثامن عشر إلى إتاحة الأدب والموسيقى في صورة مطبوعة — بالإضافة إلى إتاحة صور اللوحات والمعمار — للملايين.

مثَّل ذلك تغيرًا حاسمًا في قواعد اللعبة. فقد وضع نهاية لسيطرة النخبة على الأجندة الثقافية، وسمح لكُتاب حركة التنوير الراديكاليين مثل فولتير وروسو وبين بتعريفها على نحو يعادي الملكية والطبقة الراقية والكنيسة. وظل من غير المؤكد ما إذا كانت الطبقات صاحبة الامتيازات التي تتبع النظام الأرستقراطي في أوروبا ستعاني تدهورًا تدريجيًّا أم ستطيح بها ثورة، لكن أحدًا لم تساوره الشكوك حول مصير الهيمنة الأرستقراطية على الثقافة الأوربية؛ فقد انتهى عهدها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Athena Achille ·٢٨ يونيو ٢٠١٤، ١١:٨ ص

    شكرا رائع