شهد الخامس من أكتوبر عام ١٩٦٢ العرض الأول لفيلم «دكتور نو» في «لندن بافيليون»، إذ كان ميلاد النجم شون كونري، الممثل الاسكتلندي المغمور نسبيًّا آنذاك. بعد إرسال الجاسوس البريطاني جيمس بوند (٠٠٧) إلى جامايكا للتحري عن حالة اختفاء مثيرة للشكوك، يتمكن بوند في النهاية من تعقب القاتل ومنظمة سرية مجهولة إلى جزيرة «كراب كي». وبمساعدة فتاة بريئة تُدعى «هَني رايدر» — مشهورة بارتداء ملابس سباحة بيضاء — يواجه بوند أول العباقرة الأشرار الكثيرين العازمين على تنفيذ خطط تضمن لهم الهيمنة على العالم. يعترف «دكتور نو» — وهو عالم مشوّه خِلقيًا لكنه موهوب — أنه يعمل لمصلحة «سبكتر» (لفظة أوائلية ترمز إلى «المنظمة التنفيذية الخاصة بالاستخبارات المضادة والإرهاب والانتقام والابتزاز»). تخطط المنظمة لتخريب برنامج الولايات المتحدة الفضائي في فلوريدا القريبة منها لتعيث في الأرض فسادًا وتشعل الصراع بين الشرق والغرب. تأمل منظمة «سبكتر» أن تثأر الولايات المتحدة من الاتحاد السوفييتي بالهجوم عليه. وبعد أن ينجو بوند من الأسر والاغتيال، يقتل «دكتور نو» ويحبط المخطط.

حقق الفيلم نجاحًا تجاريًّا كبيرًا، مع أن الآراء النقدية التي أوردتها الصحف التجارية كانت متضاربة. حقق الفيلم الذي أُنتج بميزانية مليون دولار أمريكي أرباحًا وصلت إلى ٦٠ مليون دولار تقريبًا من عائدات شباك التذاكر ليفتح بهذا صفحة جديدة استثنائية في تاريخ السينما. كان هذا أمرًا مدهشًا، خاصة في ظل الاختلاف بشأن اختيار الممثل الذي يؤدي دور جميس بوند ووجود نزاعات بشأن حقوق الرواية الأصلية وقلق في بعض استوديوهات هوليود من أن الفيلم «يغلب عليه الطابع البريطاني بشدة» ويغالي في «المشاهد الجنسية». كان الأمر سيتطلب شجاعة كبيرة لو أن أحدًا تنبأ بثقة في ذلك الوقت بأن «دكتور نو» سيجلب وراءه أكثر من ٢٠ فيلمًا آخر، ويجعل بوند رمزًا بريطانيًّا محل إعجاب يقلده الجميع في أنحاء العالم. ومنذ بداية السلسلة، شاهد أفلام بوند أكثر من مليار شخص. فهو يمثل استثمارًا رابحًا. سيكون أحدث إنتاج للفيلم بميزانية تتراوح بين ١٥٠ و٢٠٠ مليون دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يحقق قرابة ٥٥٠ إلى ٦٠٠ مليون دولار من أرباح شباك التذاكر في العالم. لقد أثبتت عناصر الفيلم من الناحية السينمائية قدرتها الهائلة على الاستمرار والتكيف على مدار ٥٠ عامًا.

نشأة بوند

لكن لماذا حظي بوند بكل هذه الشهرة؟ ابتكر إيان فلمنج (١٩٠٨–١٩٦٤) شخصية جيمس بوند بناءً على خبرته الحربية التي اكتسبها في «وايت هول» بإدارة الاستخبارات البحرية في البحرية البريطانية، وكان أول ظهور لشخصية بوند في رواية «كازينو رويال» (١٩٥٣). كانت أنشطة بوند كعميل ميداني تتناقض مع عمل فلمنج نفسه أثناء فترة الحرب، الذي كان مكتبيًّا إلى حد بعيد. غير أن طبيعة العمل هذه أتاحت له الفرصة للمراقبة والمساعدة في تخطيط عمليات استخباراتية ضمت عناصر على درجة عالية من التدريب في فرنسا وشمال أفريقيا وصقلية وألمانيا في نهاية الحرب. كان بوند شخصًا يحلم أي رجل بأن يكون مثله؛ قويًّا حاذقًا واسع الحيلة، مستعدًّا لتنفيذ مهامه بلا هوادة. يبدو جليًّا أن الشخصيات النسائية في القصص مكتوبة من أجل «رجال طبيعيين سريعي الانجذاب إلى الجنس الناعم» يلقاهن المرء أثناء انتظاره لقطار أو طائرة، والمرأة تُصور إما مجرد حبيبة للبطل أو شخصية مراوغة تمثل تهديدًا خطيرًا (مثل العقيد «روزا كليب» في فيلم «من روسيا، مع حبي»). ظهرت شخصيات نسائية أكثر تعقيدًا في الأفلام اللاحقة فقط، مثل شخصية مايداي التي جسدتها جريس جونز في فيلم «نظرة للقتل»، وشخصية جينكس التي جسدتها هالي بيري في فيلم «مت في يوم آخر» وشخصية فيسبر التي جسدتها إيفا جرين في فيلم «كازينو رويال».

ألّف فلمنج روايته «كازينو رويال» في «جولدن آي»، منزله الكائن بجمايكا، ولم تحقق نجاحًا كبيرًا فور نشرها؛ ولم يتغير الحال حتى بعد نشر رسوم مصورة عنها في صحيفة «ديلي إكسبريس». وجّه بول جونسون في مقال له نُشر بمجلة «نيو ستيتسمان» عام ١٩٥٨ نقدًا لاذعًا لوصف «فلمنج» لما أطلق عليه «الجنس والعجرفة والسادية». (تقدم رواية «كازينو رويال» وصفًا صريحًا للتعذيب الشنيع الذي تعرض له بوند على أيدي أعدائه.) أما تحول هذا الاستقبال الفاتر إلى شهرة عالمية، فقد كان بفضل إعجاب الرئيس الأمريكي جون إف كينيدي بالرواية. ربما لم يكن مُستغربًا أن يُعجب كينيدي بطل الحرب وصاحب الشخصية مفرطة الرجولة بشخصية جيمس بوند (وكانت أكثر رواية أعجبته هي «من روسيا، مع حبي» عام ١٩٥٧). كان أخوه روبرت من المعجبين بالشخصية وقد ساعد الاثنان على منح الاسم شهرة في كلا جانبي الأطلنطي. تروي آن، زوجة فلمنج، في خطاباتها المنشورة عام ١٩٨٥ بعض الذكريات الخالدة عن لقاء زوجها بعائلة كينيدي وحماستهم المشتركة لتلك الشخصية الروائية صادقة الأفعال التي نعمت بالحياة المثالية. على النقيض تمامًا من التجارب القاتمة التي تتسم بالتقشف والحزن، كان كل من بوند وعائلة كينيدي يرمزان إلى شيء أكثر إثارة وأناقة ورجولة. نظم الرئيس فيما بعد عرضًا خاصًّا لفيلم «دكتور نو» في البيت الأبيض وتمكن فلمنج من عرض أفكاره على المخابرات المركزية الأمريكية بشأن كيفية التعامل مع استيلاء «كاسترو» على السلطة في كوبا. لكن للأسف لم يعش جون كينيدي حتى يرى العرض الأول لفيلم «من روسيا، مع حبي» (١٩٦٣)، كما توفي إيان فلمنج قبيل عرض فيلم «الإصبع الذهبي» في سبتمبر ١٩٦٤.

المغامر يفوز

جاء عرض ظاهرة بوند على الشاشة الكبيرة على أيدي رجلين هما ألبرت بروكلي وهاري سولتزمان. ففي عام ١٩٦١، اشترى الرجلان حقوق روايات فلمنج جميعها عدا رواية «كازينو رويال». وتحت رعاية شركة «إي أو إن» للإنتاج، اشترك بروكلي وسولتزمان في إنتاج كل أفلام بوند حتى عام ١٩٧٥، باستثناء فيلم «كرة الرعد» الذي اشترك فيه طرف ثالث هو كيفين ماكلوري، وقد ثار الجدل حول حقوق الفيلم. أنتج بروكلي وعائلته أعمالًا تالية. وزَّعت شركة «يونايتد آرتستس» بالاشتراك مع «إي أو إن» للإنتاج الأفلام في أنحاء العالم عقودًا عديدة. وكان لأطراف أخرى دورها في نجاح هذه الأفلام. عمل كل من كاتب السيناريو ريتشارد مايبوم والمصمم كين آدم فترة طويلة في سلسلة أفلام بوند، وقدما لشركات الإنتاج خبرة واسعة وتصميمات مذهلة عكست أمام الجماهير صورة حية للتهديدات والمخاطر التي واجهها بوند أثناء مواجهة أعدائه الوحشيين.

أفلام بوند هي أفلام إثارة وحركة لها سمات عامة تتبع نهجًا واضحًا. تسير القصة في منحنى بسيط لكنه مؤثر منذ البداية. يبدأ الفيلم بمشهد يعطي نبذة عن خلفية الأحداث ويقدم بعض المشاركين الأساسيين. يظهر بوند عادةً وهو ينهي مهمة أخرى، وبعد ذلك يتلقى تفاصيل مهمته الجديدة من رئيسه «إم» في مكتبه بلندن. بعد محادثة وجيزة مع سكرتيرة «إم» التي تُدعى الآنسة مونيبيني، وأحيانًا مع «كيو» مدير فرع «كيو» ومورد أجهزة العملاء المصنوعة حسب الطلب، ينزل بوند أرض العمليات. وهناك، أثناء جمعه للمعلومات الاستخباراتية ومواجهة بعض المواقف الدرامية، يلتقي بزمرة من الحلفاء والحبيبات والأعداء. تنتهي المهمة بقتله العبقري الشرير وإحباطه المخطط الشيطاني. وحينها يتسنى لبوند الوقت لمعاودة الالتقاء بحبيبته، عادةً في مكان شاعري أو بعيد.

عجرفة بريطانية محضة

استطاع شون كونري من خلال تجسيده لشخصية بوند (من عام ١٩٦٢ إلى ١٩٦٧ وعام ١٩٧١)، مع التأكيد بصفة خاصة على حضوره الجسدي ورجولته الفائقة وفطنته الساخرة، أن يطبع هذه الهوية العامة. أُسبغت عجرفة بريطانية الطابع على العناصر الدرامية لفيلم الإثارة الذي يصور جاسوسًا في زمن الحرب الباردة (كما يتضح في فيلم «من روسيا، مع حبي» فيما يتعلق بشرب النبيذ). لكن هذا تغير في المرة الوحيدة التي لعب فيها جورج ليزينبي دور بوند في فيلم «في خدمة جلالتها السرية» (عام ١٩٦٩)، الذي صور العميل ٠٠٧ كبطل أكثر ضعفًا يحتدم بداخله صراع الجمع بين حبه لامرأة — هي تريسي — وبين واجبه كجاسوس محترف. غير أن عائدات شباك التذاكر لهذا الفيلم كانت أقل بكثير منها في عهد كونري، وبعد أن لعب شون كونري دور جيمس بوند للمرة الأخيرة في فيلم «الماس يدوم إلى الأبد» (عام ١٩٧١)، انتقل الاسم التجاري الشهير إلى ممثل تليفزيوني ناجح هو روجر مور، الذي لعب دور البطولة في سبعة من أفلام بوند في الفترة بين عامي ١٩٧٣ و١٩٨٥.

اتسمت شخصية بوند التي جسدها تيموثي دالتون في الفترة بين عامي ١٩٨٧ و١٩٨٩ بالتأمل والشعور بالمرارة، لتحل محل اللباقة والملاحظات الفكاهية الموجزة عند مور الذي أضفي على الشخصية حسًّا ثريًّا بالولاء لملكة البلاد. وفي «رخصة للقتل» (١٩٨٩)، يتحدى بوند الذي جسده دالتون أحد أوامر «إم» ويقدم استقالته. يدفعه غضبه من فقدان صديقه فيليكس لايتر إلى مباشرة مهمة تهدف إلى الانتقام من تاجر مخدرات. ويعيد بيرس بروسنان — آخر من لعب دور العميل ٠٠٧ قبل ظهور دانيال كريج — إلى شخصية بوند بشاشتها وهويتها البريطانية. فنجد بوند الذي يقدمه لنا بروسنان أكثر تفردًا وتأثيرًا؛ يحلق بالطائرات ويقود بخطورة أكبر، ويفر من مواقف متزايدة صعوبة، مثل غواصة في طريقها للهلاك (في «العالم لا يكفي» ١٩٩٩) وطائرة تتهاوي أجزاؤها (في «مت في يوم آخر» ٢٠٠٢).

الأدوات الذكية والفتيات وسحر المكان

على مدار السنين، نجح صناع الأفلام في الموازنة بين احترام العناصر المحددة لطبيعة الفيلم وإعادة تشكيل شخصية بوند. لكن مع أن بوند صار أكثر تقلبًا وتجهمًا وأحيانًا أكثر ذكاءً، ظلت طبيعته الميالة إلى الجنس الآخر وبطولته عناصر لا يمكن المساس بها دائمًا. من الظاهر، هو نفس البطل الإنجليزي/البريطاني عينه، لكن مع الحرص على ألا يخسر اسم بوند سوق أمريكا الشمالية من خلال الإفراط في إضفاء السلوكيات البريطانية على شخصيته. عمل إبراز أماكن في وسط لندن مثل وايتهول ومباني جهاز المخابرات «إم آي ٦» ومقر مجلسي البرلمان وميدان ترافلجار على تعزيز ارتباط بوند ببريطانيا. لكن إذا كان بوند يستطيع أن يمثل الملكة والدولة، فهو يستطيع أن يفعل ذلك بأسلوب واعٍ وأحيانًا قاسٍ.

تحديدًا، ساعدت ثلاثة عناصر بسلسلة أفلام جيمس بوند على توسيع نطاق انتشاره عبر الأسواق العالمية. يدور العنصر الأول حول علاقة بوند بالتكنولوجيا والأدوات الذكية. بينما تشتمل الأفلام عادةً على طائرات وسفن وسيارات فريدة، تساعد الأدوات الذكية في تلبية عدد من الأغراض الخطيرة المختلفة؛ فهي تيسر مهامه، وتبهر أصدقاءه وتصدم خصومه، إضافة إلى أنها تنقذ حياته، وأحيانًا تنقذ العالم. يُعد استيعاب بوند للتكنولوجيًا عنصرًا حيويًّا يضمن له النجاح والاستمرارية. وعندما يحصل على مجموعة أدوات جديدة من كيو برانش، قد يبدي تعليقًا وقحًا في البداية عن مسدس خاص أو قلم حبر متفجر أو نظارة مزودة بالأشعة السينية أو وحدة تنفس مصغرة، لكن في ميدان العمليات، سرعان ما يبدي قدرة عالية على إجادة استخدام هذه الأجهزة. غير أن اعتماد بوند في بعض الأحيان على الأدوات الذكية لا يقلل بأي صورة من بطولته الفائقة: فبين يديه القويتين تُظهر الأشياء براعته الشخصية.

العنصر الثاني الذي ساعد على انتشار هذا الاسم التجاري كان دور الأماكن في الأفلام؛ حيث يسافر بوند عادةً وينتقل بالجمهور إلى مواقع مشهورة أو مشاهد جذابة. لقد كشفت الأفلام منذ بدايتها عن مواقع غريبة. بحلول عام ١٩٦٧، كان بوند الذي قدمه لنا كونري قد أتم مهامه في جمايكا وتركيا ويوغوسلافيا وجزر الباهاما واليابان، في وقت كان السفر الدولي حكرًا على الأثرياء والمشاهير دون غيرهم من غالبية الناس. وفي عهد روجر مور (١٩٧٣–١٩٨٤)، اشتملت الأفلام على وجهات رائعة من شتى بقاع العالم، كالقطب الشمالي («نظرة للقتل»)، وتايلاند («عش ودعهم يموتون»)، والبرازيل («حاصد القمر»)، ومصر وساردينيا («الجاسوس الذي أحبني»)، واليونان («فقط من أجل عينيك»)، والهند («الأخطبوطي»). واستمرت هذه السمة في الأفلام. نادرًا ما نجد مواقع التصوير كئيبة إلا إذا كانت تصويرًا لأوروبا الشرقية أو الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة.

تتيح مواقع التصوير أيضًا تمثيل الحدث الدرامي عن طريق توظيف بنى مميزة (كالمباني والجسور) في الحبكة الدرامية. واستُخدمت مواقع أقل روعةً وكانت مميزة جدًّا أيضًا مثل مكتب «إم». ففي هذا المكان الذي يتخذ شركة «يونيفيرسال إكسبورتس» واجهةً له، تلقى بوند تعليماته واستمتع بمزاحه ومداعبته للآنسة «مونيبيني» سنوات عديدة. أصبحت الجماهير تنتظر هذا العنصر وتسعد به، لكنه اختفى مع تقديم «إم» الجديد (الذي جسدته جودي دينش) في مكتب ذي طابع مختلف تمامًا في عهد كل من بروسنان وكريج. ساعد هذا التغيير في دفع بوند نحو عهد جديد؛ عهد ما بعد الحرب الباردة، وفي تحديث الحبكة الدرامية لأفلام بوند في الوقت ذاته.

العنصر الأخير في قصة نجاح سلسلة أفلام بوند هو ما يُسمى بفتيات بوند. لطالما عاب النقاد على الأفلام تحيزها الجنسي الذي قد يصل إلى الحط من صورة النساء. في أسوأ الحالات، كانت الشخصيات النسائية تلعب أحد دورين؛ إما نساء ينقذهن بوند أو حبيبات له. في المرحلة الأولى، كانت الفتيات بريطانيات (مثل أونر بلاكمان وديانا ريج) فكانت ثقافتهن تتماشى مع ثقافة بوند. لكن هذا تغير في سبعينيات القرن العشرين عندما قدمت الأفلام جيلًا جديدًا من الشخصيات النسائية اللاتي لعبن في أغلب الأحيان دور الحلفاء خلفًا لعميل المخابرات المركزية الأمريكية فيليكس لايتر. تجسد شخصيتا روزي كارفر («عش ودعهم يموتون» ١٩٧٣) وهولي جودهيد («حاصد القمر» ١٩٧٩) دور الحبيبة الأمريكية مع أنهما تستسلمان في النهاية لسحر العميل ٠٠٧. استمر وجود شخصية الحليفة الأمريكية في أفلام لاحقة مثل «رخصة للقتل» لكنها كانت أقل ارتباطًا بالمخابرات المركزية الأمريكية.

شهدت أفلام تسعينيات القرن العشرين وما بعدها تغيرًا في شخصيات فتيات بوند نحو شخصية أقرب إلى امرأة مكافئة لبوند جسمانيًّا وفكريًّا. خير مثال على هذا هو شخصية جينكس في «مت في يوم آخر» (٢٠٠٢) التي تؤدي دور البطولة بمجهوداتها الشخصية وليست مجرد تابع لبوند. وكذلك تتجنب شخصية فيسبر ليند ذات الطابع البريطاني الأصيل في فيلم «كازينو رويال» نمط الشخصية السابق. في لقاء مذهل يجمع بين بوند وفيسبر على متن قطار، تثبت جدارتها الفكرية وثقافتها النفسية عندما تدرك ببصيرتها الثاقبة أنه يحمل عبئًا عاطفيًّا. تثبت ليند ولاءها وحبها لبوند، لكن دون التركيز على الجمال الخارجي الذي ينطوي على خواء فكري. وفي الواقع، هذا النوع من الجمال في شخصية دانيال كريج (وجسده) هو ما يتم إبرازه. وهنا نذكر كيف كانت الكاميرا مركزة على جسد بوند العاري أثناء إحدى جلسات التعذيب مع خصمه لوشيفر.

تغيير جذري

تستمر ظاهرة جيمس بوند ليس فقط لاعتمادها على مجموعة عناصر سينمائية ناجحة ولكن أيضًا لوجود رغبة في تكييف تلك الصيغة، فعنصرا الاستمرارية والتغيير موجودان في الآن ذاته. كان لتقديم دانيال كريج دورًا بارزًا في تجديد دماء شخصية بوند، وقد حظي أداء كريج في المجمل باستحسان النقاد. يمثل فيلما «كازينو رويال» و«قدر من العزاء» لونًا مختلفًا من ألوان أفلام بوند؛ إذ عُرضا في عصر المسلسلات التليفزيونية عالية الجودة التي تدور حول الجواسيس مثل («٢٤» و«العملاء»)، التي نجد أغلبها مستوحى من أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبداية شن الحرب على الإرهاب.

مراعاةً للآراء النقدية التي وجهت لفيلم «مت في يوم آخر»، حرصت الدعاية التي سبقت صدور فيلم «كازينو رويال» على إعداد الجماهير لنقلة مزاجية عن طريق تصوير بوند على أنه شخص مُتأمل منطوٍ على نفسه. لعب الممثل الأمريكي من أصل أفريقي جيفري رايت دور فيليكس لايتر عميل المخابرات المركزية الأمريكية. وكانت العلاقة بين الرجلين مميزة جدًّا حتى إن لايتر أنقذ حياة بوند من مؤامرة اغتيال دبرتها له المخابرات المركزية الأمريكية. عبّر كلا فيلمي كريج عن التقدير لتراث بوند عن طريق الإشارة إلى شخصيات وأحداث ماضية. في فيلم «قدر من العزاء» (عام ٢٠٠٨)، يُعثر على العميل البريطاني ستروباري فيلدز مقتولًا على فراش مغطى بالزيت. سرعان ما يدرك الجمهور وجه الشبه بين هذه الحادثة وبين مقتل جيل ماسترسون في «الإصبع الذهبي» (عام ١٩٦٤). غير أن الزيت حل محل الذهب.

تعكس أحدث أفلام بوند تغيرًا جذريًّا في تفاصيل أعمال بوند. وأكبر هذه التغييرات يتمثل في الطريقة التي رُسمت بها شخصية بوند. استطاعت مقدمة فيلم «كازينو رويال» المستوحاة من أجواء سينما أفلام الجريمة («الفيلم نوار») ذات الجو المقبض أن تستعرض انضمام بوند إلى فئة العملاء «٠٠». ويصور الفيلم ببراعة وحيوية أول عمليتي قتل صُرِّحَ بهما لبوند وهو يبدو في حالة نفسية متألمة وضعيفة. لم يعد ذلك البطل الذي لا يُقهر وبدا ضعيفًا وحساسًا تجاه نشأته يتيمًا. بدلًا من أن يستمر بوند في دور العميل السري المخلص الواثق، يصبح خطرًا يهدد أمن «إم» بعد أن يدفعه غضبه من موت فيسبر في فينيسيا إلى السعي وراء المسئولين عن موتها. تصبح رغبته في الانتقام لموتها، التي تحثه على السعي العنيف للإيقاع بشبكة كوانتوم، أقوى من شعوره بالواجب تجاه إنهاء مهمة لمصلحة الحكومة البريطانية. يبلغ الأمر أن يستقيل بوند من جهاز المخابرات «إم آي ٦» قبيل وصوله فينيسيا، وهي خطوة يفكر فيها فقط في الرواية الأصلية.

يأتي فيلم «قدر من العزاء» ليكمل المسيرة نفسها بدلًا من أن يصور بوند في بداية مهمة جديدة. ويستعرض الفيلم تطور العلاقة بين بوند و«إم» وبينه وبين لايتر، ويلقي الضوء على صراع بوند الداخلي ليتقبل خسارته لفيسبر. يبقى بوند عميلًا سريًّا غير مستقر ويتأثر إخلاصه لواجبه نتيجة للمشاعر التي لا تزال تستحوذ عليه من غضب وألم حيال موت فيسبر ليند.

بتقديم كريج، تحمّل اسم بوند التجاري الشهير مخاطر سردية وتمثيلية. فشخصية بوند أقرب إلى أفلام الحركة والإثارة المعاصرة (مثل سلسلة أفلام «باتمان» و«بورن»)، وبالرغم من ذلك نجد بطل الحركة الشهير في هوليوود يتحدث بلهجة بريطانية ويتصرف بسلوكيات بريطانية، مثل التهكم والسخرية والتحقير. لكن هذا الإصدار من بوند ليس مجرد جاسوس بريطاني نبيل من النوع التقليدي.

تراث بوند

بينما يعاود بوند هذا الشهر السعي وراء شبكة كوانتوم المراوغة في فيلم «سكايفول»، سيُطلب منه التعامل مع تحديات شخصية ومهنية في عالم يصوره الفيلم محيرًا وسريع الحركة وغامضًا على الدوام. يسعنا أن نتوقع أن المهمة التالية التي توكلها إليه الدولة ستدخل على الأغلب في صراع مع مهمته الشخصية المتمثلة في الانتقام.

يظل تأثير جيمس بوند على الثقافة العامة متعدد الأوجه ومثيرًا أيضًا، فيما يتعلق بالجغرافيا السياسية العامة. ساعدت أفلام بوند على تمثيل الحرب الباردة وتصويرها في أنحاء العالم. وكان للتوقيت والتوقعات دورهما في هذا الشأن. ففي أكتوبر عام ١٩٦٢، كان العالم على شفير «حرب عالمية ثالثة» عندما اختلفت القوتان العظميان في العالم بشأن مستقبل كوبا وبشأن وجود أسلحة نووية على تلك الجزيرة الكاريبية. اتضح أن سيناريو فيلم «دكتور نو» كان يتميز ببصيرة ثاقبة حيث دارت قصته القاتمة حول قوتين عظميين بصدد خوض صراع محتمل. أوضح كتّاب ومنتجو الأفلام كيف يمكن إجراء تجارب على المشهد الجغرافي السياسي وتصوير عملاء سبكتر الذين كانوا يعملون بالتعاون مع وكالات مخابرات وقوات مسلحة تقليدية أو بدونها.

استمرت سمات التنبؤ بالجغرافيا السياسية للحرب الباردة في أفلام جيمس بوند لما بعد ستينيات القرن العشرين. ففي فيلم «حاصد القمر» (عام ١٩٧٩)، يواجه بوند شريرًا على طراز هتلر، وهو هوجو دراكس الذي يخطط لإبادة الجنس البشري من موقع في الفضاء الخارجي. توقع الفيلم ظهور رونالد ريجان و«مبادرة الدفاع الاستراتيجي» التي قام بها (حرب النجوم) في بداية ثمانينيات القرن العشرين وحتى منتصفها، ويعرض الفيلم بصورة مذهلة التعبئة العسكرية للفضاء الخارجي. وفي نهاية درامية، تنطلق سفن فضاء أمريكية لمواجهة محطة دراكس الفضائية. ينجح بوند وجنود القوات الفضائية الأمريكية في إحباط خطة العبقري الشرير التي كانت تهدف إلى تدمير كوكب الأرض. وبهذا أثبتت أفلام بوند مرة أخرى قدرتها على تصوير العالم المعاصر والاندماج فيه، وامتد ذلك التوجه إلى أفلام أحدث تناولت موضوعات مشابهة مثل: حرب المخدرات («رخصة للقتل»)، وموارد الهيدروكربون («العالم لا يكفي»)، والشبكات الإجرامية («كازينو رويال»)، والدول المارقة («مت في يوم آخر»).

المثير للاهتمام أن الصحفيين استعانوا بأفلام بوند في محاولة لشرح شبكة القاعدة مشيرين إلى شبكة سبكتر في أفلام الستينيات لمساعدة القراء والمستمعين على استيعاب فكرة الشبكات الدولية الإرهابية أو الإجرامية. وتواصل أفلام جيمس بوند الأحدث الإشارة إلى — بل تتوقع أيضًا — الإرهاب المعاصر والحرب على الموارد والعالم الذي تسعى فيه الدول وهيئاتها المتخصصة إلى تأمين وعسكرة منظماتها ومواردها وعملياتها. فلننتظر إذن ما سيأتينا به «سكايفول».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.