منذ ثماني سنوات — بمدينة بيركلي في ولاية كاليفورنيا — أدرك بن مور أنه لا يعرف مما يتألف الكون، وكانت تلك اللحظة من اللحظات الهامة في حياته.

في ذلك الوقت، كان من المزعوم أن الكون يتكون في الأغلب من مادة إشكالية تدعى «المادة المظلمة الباردة». وعلى الرغم من أنه لم يرصدها أحد قط، فإن الأدلة الظرفية المتوافرة كانت كافية لإقناع علماء الفيزياء الفلكية بأن تلك المادة المجهولة غير المرئية تشكل ٩٠٪ من الكون. وكان العلماء يعتقدون كذلك أن المادة الطبيعية التي تكونت منها النجوم والناس والجمادات هي مجرد جزء صغير من مادة الكون، لكن مور اكتشف خطأً يكتنف هذه الفكرة.

إذا كانت المادة المظلمة الباردة تتصرف كما اعتقد الفيزيائيون، فإن جاذبيتها كانت ستجعلها تتجمع في مراكز المجرات، لكن مور لاحظ أنها لا تفعل ذلك. وفي محاولة لتفسير هذا الاكتشاف، اضطر الفيزيائيون إلى اختلاق بدائل عجيبة للمادة المظلمة الباردة، بينما انبرى آخرون للدفاع عنها، ملقين ظلالًا من الشك على البيانات التي استخدمها مور. تتزايد سخونة هذا الجدال وهو ما يبدو منطقيًّا؛ فالسؤال المطروح بالفعل سؤال جوهريٌّ: ممَّ يتألف الكون؟

بالتأكيد سنحتاج إلى نظرية غريبة لتفسير سبب تحرك النجوم والمجرات بسرعة كبيرة. فعلى سبيل المثال، تدور مجرة درب التبانة حول نفسها مرة كل مائتي مليون سنة، وعلى الرغم من أن تلك السرعة قد لا تبدو كبيرة إلى الحد الذي يصيب بالدوار، فإنها كفيلة بأن تتسبب في تمزيق المجرة كلها. والقوة الوحيدة المسئولة عن تماسك مجرتنا هي الجاذبية، ولكنها أضعف من أن تكبح هذا الدوران … إلا إذا كانت المجرة تحوي كمًّا أكبر من المادة يفوق ما نستطيع رؤيته، وهذه المادة هي مصدر الجاذبية الإضافية اللازمة لتماسك المجرة.

وعلى نحو مماثل، تبدو الحركة السريعة للمجرات الكاملة داخل عناقيدها أكثر منطقية إذا كانت تترابط عبر سحب شاسعة من مادة خفية. يوجد كذلك عدد من التفسيرات البديلة، من بينها — على سبيل المثال — وجود خطأ ما في فهمنا للجاذبية، لكن المادة المظلمة لا تزال النظرية المفضلة لدى معظم الفيزيائيين.

إن السبب الذي نحتاج لأجله هذا التفسير العجيب يرجع إلى أن المادة المظلمة الطبيعية — كالنجوم المحترقة مثلًا — لا تكفي وحدها لتفسير الظاهرة؛ لأننا نعلم بالفعل مقدار المادة الطبيعة الموجودة. فبعد الانفجار العظيم ببضع دقائق، تراصت البروتونات والنيترونات ملتصقة بعضها ببعض، حتى إن بعضها اندمج معًا مكونًا نوًى أثقل، مثل الهيليوم. وإذا كان قد وُجد وقتها قدر أكبر من هذه المادة، لانضغطت على نحو أقوى، واندمجت معًا لتكوِّن عناصر أثقل، وكانت النجوم وسحب الغاز المنتشرة بينها ستحتوي على كميات أكثر بكثير من الهيليوم والبورون والنيون — على سبيل المثال — مما يرصده علماء الفلك.

إذن، أيًّا كانت المادة المكونة للكتلة المفقودة، فإنها لا بد ألا تكون قابلة للاندماج النووي. وأشهر المواد المرشحة لذلك هي المادة المظلمة الباردة، التي تتكون من غاز جسيمات ثقيلة دون ذرية — يُطلق عليها اسم «الجسيمات الثقيلة ضعيفة التفاعل» — تؤثر على المادة الطبيعية ويؤثر بعضها على بعض عن طريق الجاذبية والقوة الضعيفة. لا تستشعر تلك الجسيمات القوى الكهرومغناطيسية أو القوة النووية الشديدة التي تربط بين البروتونات والنيترونات في النواة، ومن ثم فهي محصنة ضد الاندماج النووي وغير قابلة فعليًّا للتصادم؛ أي تمر مباشرة عبر بعضها.

إن الجسيمات الثقيلة ضعيفة التفاعل هي أبسط أنواع الجسيمات التي يعتقد علماء الفيزياء الفلكية بقدرتها على أداء تلك المهمة. والأدهى من ذلك أن الكثير من النظريات التجريبية الجديدة حول فيزياء الجسيمات — التي وُضعت في محاولة لتوحيد قوى الطبيعة — تتنبأ بوجود جسيمات ثقيلة ضعيفة التفاعل. إذن، يتفق فيزيائيو الجسيمات على أن الجسيمات الشبيهة بالجسيمات الثقيلة ضعيفة التفاعل قد توجد بالفعل.

ومن أهم أسباب تفضيل العلماء للجسيمات الثقيلة ضعيفة التفاعل هي قدرتها على تشكيل الكون؛ إذ تظهر المحاكاة الحاسوبية أن جاذبيتها تنجح في تجميع المادة في كتل في حجم المجرات، وأن تلك المجرات تحتشد فيما بعد مكونةً شبكة من الجدران والعقد والفراغات التي تشبه إلى حدٍّ ما قرص عسل شبه ذائب، وإلى حدٍّ بعيد تشبه البنية واسعة النطاق للكون الحقيقي؛ مما يعتبر إنجازًا حقيقيًّا بالنسبة لمادة افتراضية.

لكن بينما يهنئ الفريق الداعم للمادة المظلمة الباردة أنفسهم على نجاحهم في تخيل جسيم بوسعه حل مشكلة المادة المظلمة، كان مور يلقي نظرة فاحصة على اكتشافهم. وقد لاحظ أن المحاكاة الحاسوبية تظهر تراكم المادة المظلمة الباردة في مراكز المجرات؛ مما يعني أنك إذا رغبت في إعداد رسم بياني يوضح كثافة المادة المظلمة بدءًا من أحد جانبي المجرة إلى الجانب الآخر، فسوف يظهر لك منحنًى يحوي نقطة بارزة تدعى نقطة الالتقاء. يصعد المنحنى أسرع فأسرع مع اقترابك من مركز المجرة، حتى تصل إلى نقطة الذروة في الوسط بالضبط، مكونًا المادة المظلمة على شكل جبل ماترهورن (انظر الشكل التوضيحي).

مشكلة نقطة الالتقاء في المادة المظلمة: تغمر هالات المادة المظلمة المجرات على نحو لم ندركه بعد.
مشكلة نقطة الالتقاء في المادة المظلمة: تغمر هالات المادة المظلمة المجرات على نحو لم ندركه بعد.

أدرك مور أنه لا بد من وجود دليل على نقاط الالتقاء تلك في البيانات الخاصة بغاز الهيدروجين المجرِّي، المستقاة من التليسكوبات اللاسلكية. ترسل جزيئات الهيدروجين إشارة لاسلكية بطول موجي مميز يبلغ ٢١ سنتيمترًا، لكن إذا كان الغاز يتحرك وفقًا لسرعتنا، فإن طول الموجة الذي نلاحظه سيتعرض للتغير نتيجة لتأثير دوبلر. إن قياس تأثير دوبلر يخبرنا بمدى سرعة تحرك الغاز؛ فالغاز السريع يعني عادةً مزيدًا من الجاذبية، ومن ثم توافر المزيد من المادة في المنطقة المحيطة. لذا، من المفترض أن يظهر أي تركز شديد للمادة المظلمة في كل مجرة على شكل تزايد حاد لغاز الهيدروجين بالقرب من المركز.

مع ذلك، كشف الرصد اللاسلكي لكثير من المراكز المجرِّية القريبة أن غاز الهيدروجين خامل إلى حدٍّ كبير؛ مما يشير إلى وجود استقرار نسبي في كثافة المادة المظلمة وليس نقطة التقاء، فتُمثل الكثافة بجبل تيبل وليس جبل ماترهورن. وتبدو تلك المشاهدات متناقضة مع نظرية المادة المظلمة الباردة.

بعدما نشر مور اكتشافه في مجلة نيتشر (المجلد ٣٧٠، صفحة ٦٢٩)، أشار بعض الفلكيين إلى إحدى المشاكل؛ ألا وهي ضعف قدرة التليسكوبات اللاسلكية على التمييز المكاني. بعبارةٍ أخرى، من المرجح أن تغفل التليسكوبات اللاسلكية أي نقاط التقاء مركزية؛ لأن رؤيتها ضبابية إلى حدٍّ يعيقها عن ملاحظة شيء صغير إلى هذا الحد. إلا أن فلكيين آخرين بدءوا في تجميع البيانات باستخدام تليسكوبات بصرية تدعم قدرة أعلى على التمييز المكاني.

راقبتْ تلك التليسكوبات الجديدة على وجه الخصوص غاز الهيدروجين وغاز أول أكسيد الكربون داخل المجرات الصغيرة المعروفة باسم المجرات القزمة؛ حيث لا تواجه المادة الطبيعية المضيئة مثل السُّدم والنجوم الكثيرَ من المعوقات إلى حدٍّ ما. ومن ثم، يصبح في وسع الفلكيين هنا التأكد بدرجة كبيرة من أن الكتلة التي يتحرَّونها تتكون في معظمها من المادة المظلمة.

ومن جديد، أظهرت الخطوط الطيفية المنبعثة من الغاز أنه كان يتحرك ببطء. وبينما تشير النظرية إلى وجوب وجود أكوام من المادة المظلمة الباردة، تُظهر المشاهدات غير ذلك. ويعلق جيري سيلوود — الباحث بجامعة روتجرز في نيوجيرسي — على هذا قائلًا: «أرى أن هذا الدليل مقنع للغاية.»

أدت هذه الأزمة إلى فيض من الفرضيات حول طبيعة المادة المظلمة (انظر الجزء الوارد تحت عنوان «المادة المثالية») فظهرت مادة مظلمة دافئة وأخرى قوية التفاعل، بالإضافة إلى مادة مظلمة متفجرة — تنفجر جسيماتها عند الملامسة — ومادة مظلمة متفتتة؛ تنهار ببساطة. بل وظهرت كذلك مادة مظلمة خفيفة الجسيمات؛ تتكون من جسيمات تتباعد بآلاف السنوات الضوئية.

يتمتع كل نوع من تلك الأنواع العجيبة من المادة المظلمة بما يلزم لتفادي مشكلة نقطة الالتقاء؛ فبطريقة أو بأخرى تتجنب تلك المواد الاحتشاد بكثافة في مراكز المجرات. وجميعها ينتج عنه أيضًا البنية الصحيحة واسعة النطاق للكون، ولكن لجميعها عيوب. ويوظف كل حل من تلك الحلول خاصية جديدة من خواص جسيمات المادة المظلمة، يحكمها مُعامل لا بد من ضبطه كي يتلاءم مع المشاهدات، مثل كتلة الجسيم أو عمره.

لا يحب واضعو النظريات الاضطرار إلى إدخال معاملات إضافية غير محددة، والكثير منهم يتشكك بهدوء في التخمينات التي توصلوا إليها بأنفسهم. ومن ثم تُثبَّط عزيمتهم بسبب تخبط نظرياتهم، حتى إنهم نزعوا إلى الارتياب في البيانات التجريبية. فيقول واين هو، الباحث بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «لا توجد أي مشاهدات تزعم بضرورة تجاوزنا للمادة المظلمة الباردة التقليدية، فما زال ممكنًا أن تكون الجسيمات الثقيلة ضعيفة التفاعل هي ما يهمنا.» ويتفق معه بول شتاينهرت من جامعة برنستون في ولاية نيوجيرسي قائلًا: «لا يمكنني الزعم أن المادة المظلمة الباردة — التي تتكون من جسيمات باردة غير قابلة للتصادم — قد استبعدت.»

كما لا يعتقد كارلوس فرينك — الباحث بجامعة دُرَم — بوجود أزمة على الإطلاق، إذ يرى أن المشاهدات تتضمن أخطاءً منهجية، كأن توجه التليسكوبات إلى نقطة تبعد مسافة ضئيلة عن مركز المجرة؛ مما يضعف المشاهدات ضعفًا جسيمًا، ويقول: «وأي خطأ سيوحي بعدم وجود نقطة التقاء.» ومن بين ٢٤ مجرة قزمة راقبها ستاسي مجَّاو — الباحث بجامعة مريلاند في كوليدج بارك — يزعم فرينك أن ثلاث مجرات فحسب أظهرت بيانات تكفي لاستبعاد نقطة التقاء، ويعلق على ذلك قائلًا: «إذا كان ١٠٪ من العينة التي تفحصها عبارة عن حالات شاذة، فهل يحتم عليك ذلك استبعاد النظرية أم دراسة تلك الحالات بمزيد من الاهتمام؟» يشعر فرينك أن المادة المظلمة الباردة تدعمها أدلة قوية للغاية تدفعنا إلى التمسك بها.

لكن مجَّاو غير مقتنع: «إن هذا الجدل الواضح ليس سوى مثال قديم جيد على محاولة خلق توافق غير منطقي — بين النظرية والبيانات — فالبيانات تختلف مع النظرية، ومن ثم يلقي واضعو النظريات اللوم على البيانات.» يتفق معه سيلوود ويزعم أن واضعي النظريات الداعمة للمادة المظلمة يتعلقون الآن بخيوط واهية: «لقد أصبحوا خياليين جدًّا في هذه المرحلة، ويزعمون أن الوضع في غاية التعقيد.»

أحبطت تلك الجهود سيلوود ومجَّاو؛ مما دفعهما إلى تفضيل منهج مختلف تمامًا، كان موردخاي ميلجروم هو أول من اقترحه منذ عشرين عامًا تقريبًا، بينما كان يعمل لدى معهد الدراسات المتقدمة بجامعة برنستون. ويتضمن هذا المقترح تعديلًا لقانون الجاذبية الذي وضعه نيوتن منذ ٣٠٠ عام. ومنذ أن وضع ميلجروم صيغة قانونه المعدل للجاذبية، لم يثبت أحد قط خطأه طوال السنوات التالية. على الرغم من ذلك، يظل تغيير غير محسوب كهذا في علم الفيزياء خيارًا مرغوبًا عنه.

وبينما يعادي ميلجروم المادة المظلمة، يعكس مور إحباطًا واضحًا، إذ يقول: «لقد كُتب ما يزيد عن ١٠ آلاف ورقة بحثية حول هذا الموضوع بتكلفة تزيد عن مليار دولار، وما زلنا لا نعرف شيئًا تقريبًا عن طبيعة المادة المظلمة.» إلا أن الفيزيائيين لن يتخلوا عن الموضوع، فعلى سبيل المثال سيجتمعون خلال الأسبوع الحالي في جمعية لندن الملكية لمناقشة سبل البحث عن المادة المظلمة.

حتى الآن لم يُستبعد أي شيء، لكن التليسكوب الفضائي جيمس ويب التابع لوكالة ناسا — خليفة تليسكوب هابل الفضائي — قد يدحض الكثير من النظريات الجديدة عقب إطلاقه عام ٢٠١٠.

إذن، هل من الممكن توافر منهج ثالث إيجابي لا يتطلب جسيمات جديدة غريبة أو إعادة نظر جذرية لمفهوم الجاذبية؟ يرى جيريمايا أوسترايكر — الباحث بجامعة كمبريدج — أن أحد الاقتراحات المهملة القديمة يستحق الالتفات إليه وتحسينه. فربما يتخذ القدر الأكبر من المادة المكوِّنة للكون شكل ثقوب سوداء ضخمة، يزيد حجم كل منها عن كتلة الشمس بمليون مرة. يعتقد البعض أن تلك الثقوب قد نشأت في اللحظة الأولى التالية للانفجار العظيم، وإذا كان الأمر كذلك، فسوف تلتف على نحو حلزوني داخل المجرات باتجاه المركز، وتحتشد على هيئة أسراب. وفي الأجزاء الأكثر كثافة من السرب، تشترك الثقوب السوداء في رقصة معقدة عنيفة تؤدي في النهاية إلى قذف كثير منها خارج المجرة تمامًا؛ مما يضع حدًّا أقصى لكثافة الأسراب، ومن ثم يحل مشكلة نقطة الالتقاء.

يقول أوسترايكر: «والآن، بعدما عُثر على ثقوب سوداء ضخمة في جميع نوى المجرات، يبدو هذا الاحتمال أكثر إثارة للانتباه.» وبالطبع تتوافق الثقوب السوداء بمنتهى السهولة مع معايير المادة المظلمة: فهي ضخمة وثقيلة، والأكثر من ذلك تفي بأهم الشروط؛ إذ تتمتع بأقصى درجات الظلمة.

المادة المثالية

المادة القوية

ماذا لو كانت الجسيمات الثقيلة ضعيفة التفاعل التي تتكون منها المادة المظلمة ليست ضعيفة إلى هذا الحد؟ من المحتمل أن هذه الجسيمات تتفاعل مستخدمة قوة شديدة. وإذا كان الأمر كذلك، فعندما تعمل الجاذبية على تماسك غاز تلك الجسيمات وانضغاطه، فإن تفاعلاتها القوية ستقاوم عملية الانضغاط، ومن ثم سوف يرتد بعضها عن بعض مكونة موجات اصطدامية للمادة المظلمة. وبدلًا من ارتفاع الكثافة الحاد في مركز المجرات، يظهر نتوء أكثر استواءً؛ وهو ما يتوافق مع المشاهدات.

مع ذلك، فإن لتلك المادة المظلمة قوية التفاعل عيوبها. فتلك التفاعلات وما يترتب عليها من موجات اصطدامية تجعل كتل المادة المظلمة كروية على الأرجح، بينما تتخذ المجرات عامةً شكلًا بيضاويًّا، وهو ما ينطبق كذلك على هالات المادة المظلمة المحيطة بها. وفي الشهر الماضي، أعلن ديفيد بوت — الباحث بجامعة كاليفورنيا بمدينة إرفاين — وزملاؤه أن هالة المادة المظلمة المحيطة بمجرة اسمها إن جي سي ٧٢٠ تتخذ بالفعل شكلًا بيضاويًّا.

يستبعد ذلك أبسط أنواع التفاعلات داخل المادة المظلمة، ويجبر واضعي النظريات على افتراض نوع من التفاعل أكثر تعقيدًا، تعتمد قوته على معدل سرعة اقتراب الجسيمات من بعضها. ويشير احتمال آخر إلى تفاعل المادة المظلمة تفاعلًا ضعيفًا مع المادة الطبيعية، بينما تتفاعل بقوة مع نفسها فحسب. وسيكون أفضل اختبار هو فحص توزيعات المادة المظلمة بمزيد من التفصيل، وإذا كشفت المشاهدات المستقبلية عن أن مراكز المجرات التي تحوي المادة المظلمة بيضاوية الشكل، فسيُستبعد إذن احتمال المادة المظلمة قوية التفاعل للأبد.

المادة الدافئة

عندما يتحدث المتخصصون عن مادة مظلمة ساخنة أو باردة، فإن ما يعنونه حقًّا هو مادة تتحرك جسيماتها إما ببطء أو بسرعة. إن الجسيمات الثقيلة ضعيفة التفاعل في المادة المظلمة الباردة هي جسيمات ثقيلة نسبيًّا، تبلغ كتلة كل منها أضعاف كتلة البروتون. وتكمن مشكلة المادة المظلمة بطيئة التحرك في وجوب تجمعها على نحو كثيف للغاية في مراكز المجرات، مما لا يتوافق مع المشاهدات. لكن إذا كانت الجسيمات المظلمة أكثر سخونة وسرعة، فسيهرب كثير منها من مركز المجرة أثناء تكون الكتلة، وسيؤدي ذلك إلى جعل نقطة الالتقاء أكثر استواءً في منحنى كثافة المادة المظلمة؛ مما يجعلها أصغر من أن يلاحظها الفلكيون.

إلا أن المادة المظلمة الدافئة لا تروق للجميع. فمن المفترض أن تساعد المادة المظلمة المجرات على النمو عبر التكدس سريعًا عقب الانفجار العظيم وسحب الغاز إلى الداخل. لكن إذا كانت تلك المادة دافئة أكثر مما يجب، فسوف تنمو الكتل ببطء شديد.

لا تزال المادة المظلمة الدافئة احتمالًا، لكن فرصه تتناقص بشدة مع تحسن المشاهدات. فإذا كشف تليسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لناسا — خليفة تليسكوب هابل الفضائي — عن حدوث تكدس في مراحل الكون الأولية، فسيُستبعد هذا الاحتمال نهائيًّا.

المادة المتفتتة

طرح رينيو سين — الباحث بجامعة برنستون — فكرة المادة المظلمة المتفتتة التي تنهار جسيماتها من تلقاء نفسها دون أن تصطدم بأي شيء، مثلها مثل الذرات المشعة. إذا تصرفت المادة المظلمة على هذا النحو، فسوف تتحول تدريجيًّا عبر مليارات السنوات إلى فوتونات ونيوترونات وجسيمات أخرى تندفع مباشرةً إلى خارج المجرة، فيتبدد أي ارتفاع مركزي للكثافة.

من السهل جدًّا اختبار هذه الفكرة؛ فإذا كانت المادة المظلمة تتفتت، فعلى الأرجح يتوافر المزيد منها في الكون الأولي مقارنةً بما يتوافر منها الآن. وبما أن جاذبية المادة المظلمة تشكل بنية الكون، فإنه يوجد على الأرجح عدد أكبر من البنى على نطاق أصغر؛ أي مزيد من المجرات المصغرة على سبيل المثال. إذن، من المفترض أن يتمكن الفلكيون من اختبار هذه النظرية، إذا استطاعوا فحص المجرات البعيدة بمزيد من التفاصيل.

إذا كان سين محقًّا، فسنواجه مستقبلًا عجيبًا. فمع اختفاء المادة المظلمة، ستضعف سيطرتها على المجرات، وسوف تتمدد مجرة درب التبانة تدريجيًّا ثم تتشتت في اتجاهات عدة، وسينتهى المطاف بكل نجم وحيدًا في الكون. ولحسن الحظ — كما هو حال معظم التنبؤات الفيزيائية الفلكية — لن يحدث هذا السيناريو إلا بعد مرور عدة مليارات من السنوات.

المادة خفيفة الجسيمات

قد يكون النوع الذي ابتدعه الباحث واين هو — من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا — هو أغرب أنواع المادة المظلمة. وتتلخص فكرته في أن جسيمات المادة المظلمة خفيفة للغاية، تتراوح كتلتها من ١٠ إلى ٢٢ إلكترون فولت؛ مما يعني أن البروتون الواحد تعادل كتلته ألف مليار مليار مليار مرة قدر كتلة تلك الجسيمات.

وفقًا لقواعد المنطق، لا بد أن تكون تلك الجسيمات ضئيلة للغاية إذا كانت خفيفة إلى هذه الدرجة، لكنها ليست كذلك، فطبيعتها الكمية تتحدى المنطق؛ إذ ينص مبدأ عدم اليقين الذي صاغه هايزنبرج على أنه كلما كان الجسيم أخف، قل وضوح موقعه. ومن ثم، تنتشر جسيمات المادة المظلمة فائقة الخفة التي اقترحها «هو» في شكل سحب، يمتد كل جسيم خفيف مستتر فيها عبر مساحة شاسعة، ويفصل بينها عدة آلاف من السنين الضوئية. وهكذا تستبعد تلك النظرية احتمالية وجود تركز كثيف للمادة المظلمة.

المادة المتفجرة

ماذا لو انفجرت جسيمات المادة المظلمة عند الملامسة؟ بالتأكيد سيمنعها ذلك من التكثف بمعدل كبير. وإذا تجمع قدر كافٍ منها في مساحة صغيرة، فستحدث تصادمات طوال الوقت، وسيتعرض معظمها للتدمير.

وتكمن النقطة المثيرة للاهتمام بخصوص تلك العلمية في أنها لا تحدث إلا في مراكز المجرات، حيث تبرز مشكلة الكثافة. ومن ميزاتها الأخرى كذلك أنها تكبح نفسها ذاتيًّا؛ فعندما تنخفض الكثافة يتوقف تدمير الجسيمات. وبناءً على ذلك، تتمتع كل مجرة بنفس مستوى الكثافة النهائية تقريبًا، وهو تنبؤ أكدته المشاهدات.

يبدو هذا الحل ملائمًا، إلا أن مبتكره مانوج كابلينجات — الباحث في جامعة كاليفورنيا في ديفيز — سرعان ما أشار إلى عيوبه. فبينما لا تتطلب الجسيمات الدافئة أو قوية التفاعل سوى تعديلات بسيطة نسبيًّا على نظرية فيزياء الجسيمات، يظل إيجاد أساس نظري للمادة المظلمة المتفجرة مهمة أكثر صعوبة. ويعلق كابلينجات على ذلك قائلًا: «من بين جميع نماذج المادة المظلمة، يشتمل هذا النموذج على أقل أنواع فيزياء الجسيمات استساغة.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.