لطالما كانت العلاقات الإنجليزية الأمريكية متأزمة — بالرغم من تبجيلها منذ أربعينيات القرن الماضي — لكن ذلك التأزم بلغ ذروته عندما خاضت القوتان حربًا في عام ١٨١٢. وعلى الرغم من الإشارة إلى حرب ١٨١٢ أحيانًا بالصراع المنسيّ، فقد لعبت هذه الحرب دورًا أساسيًّا في تحديد طبيعة العلاقات بين الدولتين.

تحتفي الأساطير الشعبية الأمريكية بأحداث هذا الصراع التي من أبرزها الدفاع عن حصن ماك هنري عام ١٨١٤، وهو الحدث الذي استُمدت منه كلمات النشيد الوطني الأمريكي «الراية الموشَّحة بالنجوم»، وأيضًا انتصار أندرو جاكسون خارج نيو أورليانز عام ١٨١٥. دخل الأمريكيون الحرب عام ١٨١٢ لإنهاء الحصار الذي فرضته بريطانيا على التبادل التجاري مع فرنسا في عهد نابليون، وأملًا في غزو كندا لإنهاء الدعم البريطاني الفعلي أو المحتمل لسكان أمريكا الأصليين. وخلافًا للمتوقع صمدت كندا وعجزت الولايات المتحدة عن إرغام بريطانيا على قبول تفسيرها للحقوق البحرية.

عمل تفوق «الأسطول الملكي» جنبًا إلى جنب مع جبهة الدفاع القوية على الحدود الكندية على كبح جماح التحدي الأمريكي. وتحتفل كندا بذكرى بعض الأحداث بصفتها لحظات فارقة في الحفاظ على هويتها كبلد يدين بالولاء للحكم البريطاني وإن كان مستقلًّا. وفي الثالث عشر من أكتوبر عام ١٨١٢، تقهقر الغزاة الأمريكيون الذين عبروا نهر نياجرا. قُتل القائد البريطاني إيزاك بروك في هجوم على الأمريكيين، في حادث أعاد إلى الأذهان مقتل جيمس وولف خارج حدود كيبيك عام ١٧٥٩.

تحطمت أيضًا الآمال الأمريكية على ثلوج القفار الروسية النائية. فقد قررت أمريكا خوض حرب ضد بريطانيا في يونيو عام ١٨١٢ أثناء فترة بدت بريطانيا فيها ضعيفة. ثم جاء غزو نابليون لروسيا بعد ذلك بأسبوع بجيشه الذي كان يمثل جزءًا من تحالف ضم أغلب جيوش أوروبا. ولما كان الرئيس الأمريكي ماديسون يتوقع نجاح الفرنسيين، فقد راوده الأمل في أن تضطر بريطانيا للاعتراف بخسارتها كندا.

غير أن موقف بريطانيا في أواخر عام ١٨١٢ تغير تغيرًا جذريًّا إلى الأقوى. فقد أدى إخفاق نابليون في روسيا إلى وضع حليف فرنسا المُرغَم «بروسيا» على الجبهة. ففي يناير من عام ١٨١٣، رفض نابليون شروط «بروسيا» التي تضمن استمرار دعمها، وفي مارس أعلنت «بروسيا» الحرب على نابليون.

انهارت كل آمال الولايات المتحدة في الاستفادة من حدوث أي توازن في أوروبا. وفي عام ١٨١٣، عرضت النمسا — وهي حليف كانت الحكومة البريطانية تشك فيه لأسباب وجيهة — على نابليون شروطًا من شأنها تمكين فرنسا من التركيز على بريطانيا، مما يؤثر كثيرًا في الحرب مع الولايات المتحدة. غير أن نابليون فشل في قبول أو عرض شروط تبث الفرقة بين صفوف أعدائه. أتاح هذا لبريطانيا اتخاذ قرار بشأن الجهد العسكري اللازم في أمريكا وأيضًا الإصرار على أن تكون أي مفاوضات مع حكومة الولايات المتحدة مفاوضات مباشرة.

كان العبء الاقتصادي للحرب يتثاقل على كاهل الأمريكيين، مثلما حدث أثناء «حرب الاستقلال». لكن فرنسا هذه المرة لم تستطع أن تكون ندًّا للأسطول الملكي ولا حتى أن تلهيه عن مخططه، مما أكسب الحصار البريطاني فعالية أكبر: انخفضت صادرات الولايات المتحدة من ٤٥ مليون دولار عام ١٨١١ إلى ٧ ملايين دولار عام ١٨١٤، مع تأثر صادرات الحبوب بصفة خاصة، حيث انخفضت من ٩٧٢ ألف برميل عام ١٨١٣ إلى ما يزيد قليلًا عن ٤١ ألف برميل عام ١٨١٤.

يبدو أن الصورة التي تسكن ذاكرة الشعب الأمريكي عن هذا البعد من أبعاد الحرب مزيفة نتيجةً لتأكيد أمريكا على نجاحها في الاشتباكات البحرية المباشرة. كانت الاشتباكات المباشرة مبهرة ولها نتائجها، لكن النتائج البحرية الأساسية على المستوى الاستراتيجي عكست قوة الأسطول البريطاني، وكان الوضع أشبه به في العالم الأوروبي أثناء العقد الأول من القرن التاسع عشر، حينما عجزت فرنسا عن التصدي بقوة لبريطانيا في البحر. عجزت السفن الحربية الأمريكية عن تحقيق أي إنجاز ملموس في مجال التجارة — ناهيك عن الأمن — في المياه الإقليمية البريطانية، وعن منع الاختراق البريطاني للمياه الإقليمية للولايات المتحدة. وأيضًا لم تستطع السفن الأمريكية فك الحصار. في أواخر عام ١٨١٤، أدت المشكلات الاقتصادية المتفاقمة التي واجهها الأمريكيون إلى الحد من قدرتهم على نشر السفن. وعندما اتجهت السفن الحربية إلى البحر، كان البريطانيون هم الجانب الأقوى في الاشتباكات. لم تكفِ قوة أمريكية صغيرة مكونة من بارجتين وقاربين شراعيين أبحرت في شتاء عام ١٨١٤ للتعويض عن استمرار بقية الأسطول تحت الحصار، حتى إن بعض السفن لم تكن مجهزة بجنود مستعدين للاشتراك في عمليات فعلية.

أدى تنازل نابليون غير المشروط عن عرشه في الحادي عشر من أبريل عام ١٨١٤ إلى تمكين البريطانيين من إرسال المزيد من السفن الحربية بالإضافة إلى قوات غفيرة إلى أمريكا الشمالية تفوق تلك التي شهدها عاما ١٨١٢ و١٨١٣. وبينما كانت المبادرات البريطانية السابقة محدودة نسبيًّا، وكانت تعتمد جزئيًّا على التعاون مع سكان أمريكا الأصليين (كما حدث عند اقتحام أوهايو في مستهل عام ١٨١٣)، استطاع البريطانيون عام ١٨١٤ شن حملة واسعة النطاق. شملت هذه الحملة عمليات في شيسبيك وتركيزًا على غزو الأراضي الأمريكية خاصةً في طريق بحيرة ليك شامبلين وفي مين. كانت حملة شيسبيك حملة تمويهية ترمي إلى تخفيف الضغط على كندا، عن طريق تشتيت القوات الأمريكية وكذلك لفت انتباه الأمريكيين إلى مخاطر استمرار القتال. علاوةً على ذلك، كان الهدف من غزو الأراضي الأمريكية هو تحسين موقف بريطانيا التفاوضي في محادثات السلام النهائية.

هاجم الأمريكيون مع ذلك كندا عام ١٨١٤، لكنهم أخفقوا في تحقيق أي مكاسب. حققت الولايات المتحدة بعض النجاحات في ذلك العام ضد شعب كريك أو ماسكوجي في جنوب شرق أمريكا، لكن هذا لم يؤثر في السياسة البريطانية. فأثناء حملة شيسبيك بادر البريطانيون بالهجوم، وحظوا بنصر سهل في الرابع والعشرين من أغسطس في مدينة بلادنسبيرج في مريلاند على القوة الأمريكية التي كانت تحمي واشنطن واحتلوا المدينة دون أن تعترضهم أي مقاومة. دمرت القوات البريطانية المنشآت العامة ردًّا على الخراب الذي أحدثه الأمريكيون في يورك (تورنتو حاليًّا) عام ١٨١٣، وذلك الهجوم أيضًا لم يُذكر كثيرًا في التاريخ العام للولايات المتحدة. احترمت القوات حرمة الملكية الخاصة، باستثناء بضع منشآت كانت مصدرًا للمقاومة. وبعض المنشآت دُمرت بأيدي الأمريكيين أنفسهم الذين كانوا عازمين بقوة على الحيلولة دون استيلاء البريطانيين على الترسانة البحرية ومخازنها.

في خِضم الأزمة التي خلفتها هذه الهزيمة، اتسمت القيادة الأمريكية بالضعف والانقسام. أُقيل جون أرمسترونج — وزير الحربية آنذاك وكبش الفداء المناسب الذي أصر على عدم وجود أي تهديدات لأمن واشنطن — من منصبه.

أبحرت السفن البريطانية مرة أخرى، وتوغل البريطانيون في عمق شيسبيك في بالتيمور، أحد أهم الموانئ في أمريكا والمركز التجاري في المنطقة. لكن تحصيناته كانت قد خضعت للتعزيز منذ صيف عام ١٨١٣، وهو ما يعكس ثراء المدينة وعزيمتها، حيث لم تكن الحكومة الفيدرالية مؤهلة لتأمين الدفاعات الكافية. هذا إضافةً إلى أن القوات البريطانية كانت أقل عددًا بكثير. وبعد أن رست السفن على بُعد عشرة أميال، تقدمت القوات نحو بالتيمور لكن اعترضتها القوات الأمريكية. تحركت السفن الحربية المساعِدة باتجاه مصب نهر باتابسكو، وقصفت حصن ماك هنري بصواريخ كونجريف وقذائف الهاون، مما أغلق المداخل المؤدية إلى ميناء بالتيمور. أخفقت القوات البريطانية في تدمير الحصن، وأحد أسباب هذا أنها قصفته من نقطة خارج نطاق المدافع التي تزود عنه. وأخفقت محاولة ليلية للاستيلاء على الحصن عن طريق هجوم برمائي، عندما ضلت القوارب طريقها في الضباب وأُلغيت المهمة. أبحرت القوات إلى جامايكا حيث يسهل عليها من هناك تنفيذ عمليات في خليج المكسيك.

لاقى الهجوم على نيو أورليانز في شتاء ١٨١٤-١٨١٥ نجاحًا أقل من عمليات شيسبيك. كان بُعد نيو أورليانز عن البحر عاملًا مهمًّا، بالإضافة إلى سوء الأساليب الحربية التي اتُّبعت وقت الهجوم على الخطوط الأمريكية في الثامن من يناير عام ١٨١٥. أدى الإخفاق في نيو أورليانز إلى حرمان البريطانيين من قاعدة عسكرية لكنه لم يوقف عملياتهم في خليج المكسيك، نظرًا لغياب أسطول بحري أمريكي قوي يمكن أن يرابط في نيو أورليانز أو في أي موقع آخر من خليج المكسيك. وقد واصل البريطانيون زحفهم إلى موبيل ونفذوا عمليات ضد جورجيا في نهاية الحرب وكانوا يفكرون في اتخاذ إجراء عسكري ضد كارولينا الجنوبية.

ماذا لو استمرت الحرب؟ بعودة نابليون إلى السلطة في فرنسا عام ١٨١٥، أصبحت هناك حاجة إلى حصار السفن الحربية البريطانية لفرنسا ودعم اتخاذ إجراء ضد الموانئ هناك وفي جبال الإنديز الغربية الفرنسية. ومع أن القوات البحرية البريطانية كانت منتشرة في أنحاء العالم في مستهل عام ١٨١٥، فقد كانت توجد قوة كافية في المياه الأوروبية كفيلة بالتعامل مع التهديد الذي يمثله نابليون. تمثلت نقطة الضعف الرئيسية في نقص السفن الخطية المسلحة البريطانية، وكان الحل الأسرع هو إعادة تكليف سفن أخرى بتنفيذ العمليات بدلًا من سحب تلك الموجودة في الخدمة من أمريكا.

على كل حال، انتهت الأزمة العالمية في ووترلو؛ فبعدها انقض البريطانيون على الممتلكات الفرنسية في مدينتي مارتينيك وجوادلوب التي استسلمت بعد رسو الأسطول البريطاني بيومين.

تبين أن حرب ١٨١٢ كانت صراعًا مرهقًا وشاقًّا بث الفرقة بين كل أطرافه وكلفهم الكثير. ومن حسن حظ الولايات المتحدة، أن بريطانيا كانت قد أُنهكت من الحروب؛ فسعت للحصول على هدنة سلام في نهاية الحروب النابليونية. علاوةً على ذلك، لم يحظ أي من القادة البريطانيين في أمريكا الشمالية بنفوذ سياسي كبير، وشكَّ ويلينجتون في إمكانية تعرّض الأمريكيين لهجوم يرغمهم على الاستسلام.

لم تكن المنظومة السياسية والحكومية في الولايات المتحدة تناسب طموحاتها العسكرية. لاقت الحرب معارضة قوية من الفيدراليين في نيو إنجلاند، مما أدى إلى التأكيد على حقوق الولايات في المنطقة بالإضافة إلى بعض الحديث الجامح عن الاستقلال. أعطى التيار المعارض للحرب — الذي تجسد في صورة اجتماعات سرية بين مفوضي نيو إنجلاند انعقدت في الفترة بين ١٥ ديسمبر عام ١٨١٤ و٥ يناير عام ١٨١٥ في إطار اتفاقية هارتفورد — البريطانيين أملًا في أن تصاب أمريكا بالانقسامات والإنهاك من الحرب، وقوّض العمليات الأمريكية ضد مونتريال. فرح الفيدراليون بسقوط نابليون آملين أن يكون سببًا في انتهاء الحرب في أمريكا الشمالية.

كانت الأوضاع المالية الأمريكية تزداد سوءًا. ففي سبتمبر ١٨١٤، عجز ألكسندر دالاس — وزير الخزانة الذي كان قد عيِّن مؤخرًا — عن سداد مستحقات فوائد الدين القومي. ورفض المتعاقدون سندات الخزانة. وفي الشهر التالي، علم مجلس الشيوخ من جيمس مونرو — وزير الحربية والخارجية أيضًا — أن نيويورك سيتي معرضة للخطر. طالب مونرو بزيادة قوة الجيش النظامي إلى ١٠٠ ألف جندي، مع أن قوام الجيش قرب نهاية الحرب لم يكن يتعدى ٤٩ ألف جندي. أيضًا شهد عام ١٨١٤ محاولة لمعالجة الأزمة المتفاقمة المتمثلة في التهرب من الخدمة العسكرية، فشهد هذا العام مقتل عدد كبير يقدر بمائتين وخمسة جنود أمريكيين أُعدموا أثناء الحرب.

وكما حدث في «حرب الاستقلال»، تغاضت الحكايات الشعبية عن المعدلات المرتفعة للتهرب من الخدمة العسكرية. ولعب انطباع النجاح الذي تركه سرد أحداث مختارة من الحملات عامي ١٨١٤ و١٨١٥ دورًا رئيسيًّا في خلق إحساس بالهوية الوطنية، في حين كان واقع الحرب كعادته مغايرًا تمامًا. في تعليق أدلى به ريتشارد راش — المراقب المالي على الخزانة — عن السلام، قال: «الواقع أنه يحِل في لحظة من أسعد لحظات الزمن ليحقق مصالحنا ويمنحنا الشهرة.» في حين أخبر ماديسون الكونجرس أن الحرب «اتسمت بأبهى النجاحات»، وأعلن أيضًا أن الله قد «أنشأ» أمريكا «على القوة وحباها بالموارد التي مكّنتها من التأكيد على حقوقها الوطنية وتعزيز هويتها القومية». كان هناك تأكيد على أهمية الوحدة وبعض التفاؤل حيال المستقبل؛ فقد سقطت فرنسا ولم تسقط أمريكا.

غير أن الحرب أعقبها قلق من احتمال نشوب قتال جديد، غالبًا مع بريطانيا. زاد حجم الجيش والأسطول البحري الأمريكي خلال فترة السلام، وأدت الحرب إلى إطلاق برنامج نظامي لتحصين السواحل ظل فترة طويلة محور سياسة الدفاع الأمريكية.

تحقق التوسع الإقليمي الذي أعقب الحرب لا على حساب كندا وإنما على حساب سكان أمريكا الأصليين وإسبانيا في فلوريدا. أجبرت بريطانيا الولايات المتحدة بموجب اتفاقية جِنت للسلام التي أنهت حرب عام ١٨١٢ على إعادة سكان أمريكا الأصليين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل الحرب وعلى التفاوض مع القبائل لعقد اتفاقيات، لكن بريطانيا لم تضمن لهم حفظ موقعهم ولم تفعل شيئًا لدعم سكان أمريكا الأصليين. أعقبت حرب عام ١٨١٢ عمليات أمريكية في فلوريدا اختُتمت بغزو عام ١٨١٨ تحت قيادة أندرو جاكسون. وفي العام التالي، تنازلت إسبانيا عن المطالبة بفلوريدا بموجب «المعاهدة القارية». وبعد التصديق على هذا الاتفاق عام ١٨٢٠، أصبح الشريط الساحلي الأمريكي يمتد دون توقف من مين وحتى لويزيانا. ومن ثم، نجد أن حرب عام ١٨١٢ مع إخفاقها ساعدت في التأكيد على مكاسب الولايات المتحدة التي منحتها إياها معاهدة فرساي عام ١٧٨٣ وشراء لويزيانا عام ١٨٠٣، والتطلع إلى مزيد من التوسعات المهمة. لقد كان صراعًا ثانويًّا يحمل نجاحات مشوبة بالإخفاق للولايات المتحدة، لكن كانت له تداعيات بالغة الأهمية على المدى الطويل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.