هذا المقال عبارة عن خطاب أُلقِيَ أمام القسم (أ) من الجمعية الأمريكية لتقدُّم العلوم وجمعية الرياضيات الأمريكية في جلسة مشتركة في بوسطن في ٢٩ ديسمبر ١٩٠٩.

ثمة الكثير من الكتابات والأقاويل في الآونة الأخيرة بشأن عمل اللجنة الدولية لتدريس الرياضيات، ويرتبط العديد من أعضاء تلك اللجنة والجمعية التي أُلقِيَ هذا الخطاب أمامها ارتباطًا وثيقًا بحركة العمل، لدرجة أني أجد نفسي في حيرة شديدة في محاولة الإفصاح عن أية معلومات جديدة فيما يخص بدء العمل والأغراض العامة التي تشكِّل الأهداف النهائية. ومع ذلك، ربما تكون النبذة الموجزة هنا عن تشكيل اللجنة معلومة في محلها، ويعقبها بيان عن المشكلات التي تواجهنا على نحوٍ خاصٍّ هنا في الولايات المتحدة الأمريكية.

في المؤتمر الدولي الرابع لعلماء الرياضيات الذي عُقِد في روما في عام ١٩٠٨، اعتُمِدَ القرار التالي: «إدراكًا من المؤتمر لأهمية الدراسة المقارنة لأساليب دراسة تدريس الرياضيات في المدارس الثانوية وخططها في مختلف الدول، خُوِّل السادة كلاين وجرينهيل وإتش فير لتشكيل لجنةٍ دوليةٍ لدراسة هذه المسائل وتقديم تقريرٍ عامٍّ في المؤتمر المقبِل.»

لم يكن تشكيل هذه اللجنة الأولية مسألةً بسيطةً بأية حال من الأحوال. كانت الفكرة العامة ذائعةً — إن لم تكن شديدة الذيوع — وبدا لبرهة أن الخطة كانت على وشك الفشل بسبب هذه الحقيقة في حدِّ ذاتها. كانت الصعوبة تكمن في اختيار اللجنة المنظِّمة، فتحديدُها على أساس البلدان الممثَّلَة بها كان سيُسفِر عن لجنةٍ عدد أفرادها كبير للغاية، وبطبيعة الحال ستكون لجنةً يتم اختيارها على عجلٍ في أفضل الظروف. ومع ذلك، بدا في لحظات اختتام جلسة القسم الرابع أن ثمة إجماعًا عامًّا في الرأي على أن ثلاثة رجال كانوا الأنسب على وجه الخصوص للقيام بمهمة التنظيم، وهم: الأستاذ كلاين؛ بسبب إنجازاته الكبيرة في مجال الرياضيات واهتمامه الكبير بالتعليم، والأستاذ السير جورج جرينهيل؛ لما يحظى به من مكانة رفيعة في مجال الرياضيات التطبيقية، ولأنه يمثِّل البلد الذي سيُعقد فيها المؤتمر القادم، والأستاذ إتش فير؛ بسبب منصبه كمحرِّر لدورية تعليم الرياضيات. كان من المتوقَّع أن هؤلاء السادة سيشكِّلون — وفقًا لترتيب ذِكْر أسمائهم — الرئيس ونائب الرئيس والأمين العام للَّجْنة الدولية التي كانوا مخوَّلين بتشكيلها، وبالفعل صدق هذا التوقُّع، ووافَقَ حضور المؤتمر على اختيارهم بالإجماع في الجلسة العامة، بالإضافة إلى القرار الذي ذكرناه آنفًا.

شرع هؤلاء السادة — في الوقت المحدَّد — في مهمة اختيار ممثلين من مختلف البلدان التي تشارك في هذه المؤتمرات عادةً، بالتشاوُر مع أعضاء الجمعيات العلمية ذوي الخبرة — كما قيل لي — وخلال العام الجاري تدخل هذه اللجنة حيِّز التنفيذ. لن يكون من المناسب في هذا الوقت تقديمُ لائحةٍ كاملةٍ بأسماء أعضاء اللجنة المختارين، ولكن ذكر أسماء عدد قليل من الذين يشغلون هذا المنصب أو يرتبطون ارتباطًا وثيقًا باللجنة بوصفهم أعضاءً في لجانٍ وطنية هامة أو غير ذلك، سوف يعمل على إيضاح أن العمل لن يؤدَّى على نحوٍ روتينيٍّ.

من بين الذين اختِيروا لإجراء البحث والاستقصاء من ألمانيا الأساتذة: كلاين وشتيكل وجوتزمر وترويتلاين وشوتِن وشيماك، ومن فرنسا: سان جيرمان وبورليه وآبل وبوريل وتانري وأندريه وليزون، ومن إيطاليا: كاستلنوفو وإنريكي وسكورتسا، ومن النمسا: تشوبر وزوبانشيتش وفيرتينجر، ومن المجر: بيكه ورودوش وراتس وجولدزيهر، ومن بريطانيا العظمى: جرينهيل وجودفري وفليتشر، ومن روسيا: سونين وكويالوفيتش وفوجت، ومن الدنمارك: هيجو ويويل وتريا، ومن سويسرا: فير وجراف وموزر، وكل هؤلاء رجال بارزون بين الروَّاد في مجالاتهم. وفي الولايات المتحدة، يتكون المجلس الاستشاري من رئيس جمعية الرياضيات الأمريكية وجميع رؤسائها السابقين من الأحياء، ورئيس الاتحاد الأمريكي لمعلمي الرياضيات والعلوم الطبيعية، ورؤساء جامعات هارفرد وكولومبيا وشيكاجو، والمفوض الأمريكي لشئون التعليم. وفي بلادنا يحظى العديدُ من مشاهير علماء ومعلمي الرياضيات بعضوية مختلف اللجان واللجان الفرعية لدينا، وقد أبدينا جميعًا هنا — كما هي الحال في الخارج — أفضل روح تجاه هذا العمل.

السؤال الذي يطرح نفسه على نحوٍ طبيعيٍّ — إذا ما نظرنا إلى مثل هذه الحركة — هو سؤال قديم جدًّا: لمصلحة مَن هذه اللجنة؟ هذا سؤال مناسِب تمامًا ويعمل بوضوح على تثبيت الهدف المحدَّد من هذا الاستقصاء في أذهان حامِلِي المسئولية.

قبل محاولة الإجابة على السؤال بإيجاز، قد يكون من المناسب ذِكْر ما لا يمثِّل هدفًا، من أجل أن تتضح الأهداف الحقيقية أكثر. ليس من أهداف اللجنة ولا أيٍّ من أعضائها — حتى الآن كما يبدو — أن يظهروا كمجموعة من المصلِحين، ولم يظهر شيء حتى الآن يشير إلى أن أي شخص على صلة بالحركة يعتقد أن تدريس الرياضيات أكثر سوءًا من تدريس أي مادة دراسية أخرى، أو أنه بحاجةٍ أكثر إلى الإصلاح. ولم يُطالِب أحدٌ بالقيام بأي عمل ثوري، ولم يُعرِب أي فرد عن أي رغبة في أن يظلَّ تدريسُ الرياضيات جامدًا. وجميع المقالات التي كُتِبت حتى الآن بخصوص هذا العمل تبيِّن أن أعضاءَ اللجنة يرغبون في تحقيق التقدُّم الكبير نفسه في تدريس الرياضيات الموجود عمومًا في جميع المواد الدراسية الأخرى، ولم يتَّخِذ أحدٌ منهم موقف المعارَضَة من كلِّ ما هو موجود، ولم يتبنَّ أيُّ شخصٍ منهم رأيًا بأن كل ما هو موجود سيئ، وأن الجديد الذي لم يخضع للتجربة هو الأفضل دائمًا. هذا التوجُّه العام للجنة — إذا كنَّا سنحكم وفق ما تمَّ إنجازه حتى الآن — سوف يبرر عدم إحراز تقدُّم مع بعض العاملين الجادين، ولكن من المحتمل أن يلقَى قبولَ الروَّاد الكبار في مجالَي الرياضيات والتعليم اليوم.

يتضح في المقام الثاني، أنه ليس من أهداف اللجنة القيامُ بأي محاوَلَة مباشرة للتوحيد بين البلدان المختلفة؛ فطريقة إجراء الاستقصاء نفسُها تبيِّن أن كلَّ بلدٍ يتناول هذه المشكلة بالطريقة التي تبدو أفضل بالنسبة إليه، دون أدنى اعتبار للأساليب المستخدَمة في البلدان الأخرى، وهذا الاستقلال وهذا الإدراك للاحتياجات والأهداف والوسائل الخاصة المتاحة أمام مختلف البلدان سوف يستمر في الاتضاح بلا شكٍّ مع تقدُّم العمل. ومن ثَمَّ، لا يوجد مقترَح بإحداث ثورةٍ في تدريس الرياضيات، كما أنه لا يوجد مقترَح بمحاولة فرض وجهة نظر واحدة على كلِّ البلدان فيما يخصُّ المدارسَ أو التدريسَ أو الموادَّ الدراسيةَ أو المناهجَ التي تُدرَّس.

من المعروف منذ زمن علماء الرياضيات الإغريق إلى الآن أن العبارة السلبية ليسَتْ مرضية أبدًا؛ لذا فمن المناسب أن نواصِلَ حديثنا على نحوٍ إيجابيٍّ لبيان بعض أسباب هذا الاستقصاء العالمي.

مما لا شكَّ فيه أن السبب الرئيسي يكمن في قيمة تبادُل الآراء والخبرات بين الدول؛ فما هو سبب وجود الجمعية الأمريكية لتقدُّم العلوم أو جمعية الرياضيات الأمريكية، أو الاتحاد الأمريكي لمعلمي الرياضيات والعلوم الطبيعية؟ أَلَا يكفي أن يكون لدينا اجتماعاتُ هيئاتِ التدريس ودوائر القراءة المحلية، بل حتى المؤسسات الحكومية؟ أليس لدينا دوريات وتقارير وكتب دراسية وأطروحات لإبقائنا في حالة من الوعي العقلي؟ فلماذا إذن نحتاج إلى مثل هذه التجمعات الوطنية ومنها هذا الاجتماع الحالي؟ ولماذا يجب علينا التخلِّي عن أيام عطلاتنا التي نستحقها عن جدارةٍ لحضورِ هذه الاجتماعات؟ تبدو هذه الأسئلة سخيفةً إذا ما طبَّقْناها على اجتماعنا الحالي؛ إذ إن كلَّ واحدٍ منَّا يَعِي أن مثل هذا الاجتماع يُعَدُّ مصدرَ إلهامٍ كبيرًا بالنسبة إليه، وأنه يعود إلى عمله بأفقٍ أوسع؛ لأنه أُرشِدَ إلى وجهات نظر أخرى. فيرى المشكلة الوطنية بدلًا من رؤية مشكلته المحلية الضيقة فحسب، ويكتسِب عملُه قوةً بسبب هذه الحقيقة. ولا يمكنك أن تَزِنَ هذه القيمة، ولا أن تقيس حجمها أو عمقها؛ لأنها غير قابلةٍ للقياس بأية وحدة من وحدات المختبر أو وحدات التجارة، ولكن حاستنا السادسة تعرفها، بل إنها الآن أكثر واقعيةً مما ستكون عليه إذا عُبِّرَ عنها بأرقام قياسٍ بحتة.

وإذا كانت وجهة النظر ضيِّقةً باقتصارها على القرية، وحتى وجهة النظر في المدينة أو الولاية أو في هذا القسم، أو وجهة نظر بلد مثل بلدنا، فإن وجهة النظر الوطنية ضيقة هي الأخرى بالمقارَنة بوجهة نظر العالم الذي يجب أن تكون جزءًا منه؛ شاءت أم أبَتْ. إذن، هذا هو سبب وجود اللجنة؛ أن تكون بمنزلة مركزٍ لتبادُل المعلومات يسمح لكلِّ جزءٍ من العالم أن يرى ما يفعله الجزء الآخَر فيما يخصُّ تدريس الرياضيات. نحن لا نسعى إلى التوحيد، ولا يمكن أن نبلغ منه أكثر من التوحيد في الملابس، أو في الإدارة، أو في الخطابات. وسوف تسلك الحركة هذا الاتجاه، تمامًا كما اتجهت كافة التبادلات الأخرى إلى التوحيد في هذه المسارات الأخرى، ولكن سوف تنقضي قرونٌ قبل التوصُّل إلى أيٍّ من هذه النتائج، إذا أمكَنَ تحقيقُ أيٍّ منها — لسوء الحظ — من الأساس.

مثل هذه الحركة — بما تسعى إليه من إطلاع بقية العالم على ما تقوم به أية دولةٍ بعينها في تدريس الرياضيات — تحمل في طياتها ضرورةً ملقَاةً على كاهل هذه الدولة بتقييم ودراسة نتائجها والانغماس في شكل مفيد للغاية من التحليل الذاتي. والأمر الأكثر إثارةً للاهتمام بالنسبة إلى الأشخاص المرتبطين منَّا ارتباطًا وثيقًا بهذا الاستقصاء، هو معرفة مدى ما يجب علينا جميعًا أن نتعلَّمَه من المقررات الدراسية والمقدار الذي يمكن إنجازه بنجاح في العام الواحد، والمواضيع التي يتم تدريسها في مختلف أنحاء بلادنا. وسوف أوضِّح مقصدي من خلال سؤالين من الأسئلة البسيطة رغم كونهما من الأسئلة النموذجية: (١) ما أهداف مجال الرياضيات — ومن ثَمَّ ما ينبغي أن تكون عليه طبيعة العمل في هذا المجال — في مدارس المدينة الثانوية التجارية الكبرى في هذا البلد؟ (٢) ما شروط مادة الرياضيات للحصول على درجة الدكتوراه، لِنَقُلْ: في ثلاث جامعات تابعة لرابطة الجامعات الأمريكية مثلًا؟ يبدو أن الإجابة عن هذين السؤالين يجب أن تكون سهلةً في وجود أشخاصٍ أمثال مَن لدينا ضمن هذا الحضور، لكننا نجد صعوبةً في إيجاد أيِّ شخص يستطيع الإجابة عنهما في مجموعةٍ أكبر بكثير من المجموعة الممثَّلة هنا. والسبب الثاني الرئيسي لهذا الاستقصاء هو ألَّا نتعرَّف فحسب على ما يفعله العالم بأسره، ولكن لكي نعرف أيضًا أهدافنا ومناهجنا وجهودنا الرامية إلى التطوير.

ولكن لِنَكُنْ أكثر تحديدًا، ما الذي نعتزم دراسته؟ ما الذي يودُّ بقيةُ العالم أن يعرفه؟ ما الذي نحتاج نحن أنفسنا أيضًا تناوُلَه بالبحث؟

في المقام الأول، لقد أدركنا على الفور أن اقتصار هذا الاستقصاء والبحث على المدارس الثانوية أمرٌ لا معنَى له؛ فالمصطلح يدلُّ على شيءٍ ما في الولايات المتحدة، ولكنه يدلُّ على شيءٍ مختلف تمامًا في ألمانيا، وعلى شيءٍ مختلف أيضًا في بلدان أخرى. فحتى لدينا لا توجد حدود محدَّدة بوضوحٍ بين المدرسة الابتدائية ذات الست أو السبع أو الثماني أو التسع سنوات، والمدرسة الثانوية ذات الست أو الخمس أو الأربع سنوات، أو حتى أقل من ذلك؛ ولذلك تقرَّرَ في وقتٍ سابقٍ توسيع نطاق الاستقصاء والبحث ليشمل مجالَ الرياضيات المطلوبة لأي غرض من الأغراض، من مرحلة رياض الأطفال إلى الكلية والمدرسة الفنية والمدرسة المهنية. إضافةً إلى ذلك، بما أن الاستقصاء يشمل إعداد المعلمين، فإنه يجب أن يشمل أيضًا بيانًا عن الطبيعة العامة للدراسات العليا في الرياضيات في الجامعات، لا سيما متطلبات الحصول على مختلف الدرجات العلمية المتقدِّمة في الجامعات المعترَف بها.

وفي ضوء تحديد نطاق العمل العام على هذا النحو، أنتقِل إلى استعراض القليل من الموضوعات الكبيرة التي سيتناولها الاستقصاء في هذا البلد.

أول هذه الموضوعات هو رياضيات المدرسة الابتدائية العامة، حيث كانت المسائل التجارية التي عَفَا عليها الزمن وبقايا نظرية الأعداد القديمة تُعتبَر قبل بضع سنوات ذات أهمية قصوى، بينما تشكِّل الآن احتياجاتُ الحياةِ اليومية الحديثة السوادَ الأعظم من المنهج. لقد كان التغييرُ هنا أكبرَ من التغيير في أي جزء آخَر من العملية التعليمية في مجال الرياضيات في الولايات المتحدة الأمريكية، باستثناء الدراسات العليا في الجامعة فحسب. وإعداد تقرير حول هذا التغيير وبيان الوضع الحالي للعمل بالنسبة إلى أنواع المدارس المختلفة؛ عملٌ لا يخلو من الصعوبة، وسوف ينظر العالَمُ بأسره إليه باعتباره واحدًا من أهم مساهماتنا.

يلي ذلك تناوُلُ أنواعٍ خاصة معيَّنَة من المدارس الابتدائية، وهي أنواع لا نسمع ولا نعرف عنها إلا القليل لأنها لا تزال جديدةً للغاية؛ فرياضيات المدرسة المهنية ليست هي رياضيات المدرسة العامة، ولا تشبه رياضياتُ المدارس الصناعية التي تملكها الشركات الكبرى — والتي بدأت تظهر في الوقت الحالي في مناطق مختلفة من البلاد — رياضياتِ المدرسة المهنية. إننا لم نفرِّق بعدُ بين أنواع المدارس حتى الآن في هذا المجال مثلما يحدث في سويسرا — على سبيل المثال — وربما لن نحتاج أبدًا للقيام بذلك، ولكن من المؤكَّد أن هذه المدارس لدينا، وأن ثمة أنواعًا أخرى قادمة، وأن احتياجاتها في الرياضيات وطرقها في تلبية هذه الاحتياجات سوف تكون ضمن اهتمامات جميع المشاركين في النهوض بالتعليم.

تتمثَّل إحدى المشكلات الكبرى التي تواجِهنا في دراسة المدارس الثانوية العامة في الدولة، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنه يمكن القول إن الرياضيات — التي تتخطى العمليات الحسابية البسيطة — تبدأ في هذه المرحلة، والسبب الثاني هو وجود مزيدٍ من الانتقادات لهذا العمل أكثر من أي شيء آخَر باستثناء في أول سنتين من الكلية. لحسن الحظ لدينا السيد إيفانز في هذه المدينة، وهو أحد القائمين على التنظيم وذو قدرة مؤكدة، ومعه لجنة من المجتهدين في أعمالهم. وأي شخص لديه معرفة جيدة بهذه المدارس العامة يعرف أن هناك الكثير من الاختلاف بين مناهج الرياضيات في أجزاء مختلفة من البلد، وفي المدارس المخصَّصَة للأولاد أو للبنات أو لكليهما. ومن الواضح أيضًا أن الحركة الجديدة التي تسعى إلى جعل المدرسة الابتدائية ستَّ سنوات، تليها المدرسة الثانوية لستِّ سنوات؛ سوف تعدِّل كثيرًا في مناهج الرياضيات في المدارس الثانوية؛ إذ إنه بالبقاء ستَّ سنوات في المدرسة الثانوية، سيبدأ تدريس الرياضيات الحالية في وقت مبكر عمَّا هو عليه الآن، وربما تُؤخَذ بتروٍّ أكثر، وربما يؤدي ذلك في النهاية أيضًا إلى درجات أفضل من العمل. ومن ثَمَّ فإن المشكلة تتطلب اهتمامًا لم يكن أحدٌ ليتوقعه منذ بضع سنوات. وأَضِفْ إلى ذلك الجهودَ العديدة التي قُدِّمَتْ في الوقت الحاضر لصياغة مناهج جديدة في مواد مثل الجبر والهندسة، ومن الواضح أنه لدى اللجنة أعمال مهولة يجب أداؤها.

ثمة مشكلة أخرى مختلفة تمامًا، وهي مشكلة المدرسة الثانوية الخاصة، سواء للفتيان فقط أو للفتيات فقط أو لكليهما معًا، وهذه المدارس عمومًا هي مدارس مُهيِّئة للكلية. فبدلًا من التحاق نسبة مئوية قليلة بالكليات كما هي الحال في المدارس العامة، والتحاق البقية بسوق العمل، فإنه في هذه المدارس تكون النسبتان معكوستين، وتكون طبيعة العمل في مجال الرياضيات — أو ربما تكون — مختلفة جدًّا. في واقع الأمر، هي مختلفة، وربما أكثر اختلافًا مما يتوقَّعه المرء من الوهلة الأولى.

ثمة مسألة مهمة، لم يحسمها أحدٌ أبدًا، وهي ترتبط بمناهج الرياضيات في المدارس العادية، سواء المدارس العامة أو المدارس الخاصة. ويتوقف على ذلك إعداد المعلمين الذين سيعلِّمون الجيلَ الجديدَ من تلاميذ المدارس الابتدائية المبادئَ الأولية للرياضيات، وهو ما سيحدِّد إلى حدٍّ كبيرٍ إن كانوا سيهتمون بهذا المجال في السنوات اللاحقة أم لا. ومؤخرًا كان هناك اتجاه لإضعاف مناهج الرياضيات في هذه المدارس، ونأمل أن يحدِّد هذا التقريرُ الاحتياجاتِ وربما السياسة المستقبلية لهذه المؤسسات في هذا المجال المهم.

ظهر في بلدنا في الوقت الحاضر نوعٌ جديد من المدارس الثانوية معروفٌ تمامًا في قارة أوروبا، ولكنه لا يزال يشق طريقه لدينا؛ وهو المدارس الثانوية الفنية. فلدينا على سبيل المثال حتى في العام الحالي نموٌّ ملحوظٌ في المدارس الثانوية الزراعية، وفي المدارس الثانوية التجارية، وفي المدارس الثانوية الفنية العامة، ومدارس التدريب على الحِرَف اليدوية. فماذا ستكون مناهج الرياضيات في هذه المؤسسات؟ هل ستكون رياضيات إقليدس المنقَّحَة والجبر من خلال المعادلات التربيعية، كما هي الحال في المدارس الثانوية العادية؟ أم ستكون رياضيات ترتبط مباشَرةً بنوعية الأعمال الخاصة بنوعِ كلِّ مدرسةٍ منها؟

ويرتبط بهذه المدارس عدد متزايد على نحوٍ سريعٍ من المدارس الفنية المسائية والمدارس الخاصة بالتعليم بالمراسلة، ومدارس المحاسبين المعتمدين، والمدارس الصناعية للزنوج والهنود. بعض هذه المؤسسات تقوم بتدريس الرياضيات حتى من خلال حساب التفاضل والتكامل التطبيقي، ويفعلون ذلك بروحٍ من شأنها أن تسبِّب خجلًا في صفوف الكلية العادية، وسوف تساعدنا جميعًا على معرفة عملها على نحوٍ أكمل.

إحدى أهم المشكلات التي لدينا تتعلق بمسألة الاختبارات؛ فنحن عادةً ما ننظر لإنجلترا على أنها مهووسة بالاختبارات، وكثيرًا ما نسمع في الشرق القولَ بأن مدارس الغرب والوسط الغربي تدرس الرياضيات بصورة مهلهلة لدرجة أنها لا تجرؤ على تقديم تلاميذها للاختبارات في مدارس الشرق؛ ومن ثَمَّ لدينا هذه الأنواع الثلاثة: الإنجليز المتطرفون في نظام الاختبارات، والغرب المتطرِّف في نظام عدم إجراء الاختبارات، والشرق الذي يحتل مرتبةً وسطى بينهما. ومن الأمور الجيدة أننا نحاوِل تقييم مزايا هذه الخطط المختلفة على نحوٍ عادل، ودراسة طبيعة الارتقاء بمستوى المرحلة الابتدائية، ودراسة نتائج الخطط العديدة للالتحاق بالكليات، وتعريف أنفسنا بامتحانات الرياضيات التي وضعتها الدولة والسلطات المحلية لأولئك الراغبين في التدريس بالمدارس العامة. وإذا لم يتحقَّق التوحيدُ نتيجةَ كلِّ هذا العمل، فعلى الأقل سنكون أكثر تفهُّمًا وقبولًا لخطط الآخَرين، إن لم يكن لخططنا.

لقد توسَّعَتِ الحدود الجغرافية للولايات المتحدة الأمريكية في الآونة الأخيرة — سواء أكان تأثير ذلك جيدًا أم سيئًا — ومن المتوقَّع أننا سنتعرَّف على الجهود المبذولة في مجال الرياضيات في الفلبين وفي هاواي وفي بورتو ريكو وفي ألاسكا كجزءٍ من هذا التقرير، ولن يكون هذا مجرد مناقشةٍ تخصُّ المدارس الابتدائية، فهاواي مثلًا لديها أكثر من كلية جيدة، وثمة جامعة قديمة في مانيلا ستبدو جامعاتنا حديثةَ العهد أمامها إذا ما قُورِنَتْ بها.

لدينا في بلدنا بعض المؤثرات التي تميل إلى تحسين عمل المعلم، وهو ما سيهمُّ البلدان الأخرى، كما أننا سنستفيد باطلاعنا عليها على نحوٍ أفضل. إن جمعياتنا العلمية ودورياتنا محفزات للنشاط العلمي لدينا، وتتميز بروح السخاء التي ستشكِّل مثارَ حسدٍ من قِبَل عدة بلدان؛ وطبيعة هذه المنظمات والمطبوعات — ومن بينها الجمعية الأمريكية لتقدُّم العلوم ومختلف الدوريات المتخصِّصة في الرياضيات لدينا — ستكون موضوعَ أحدِ تقاريرنا المهمة. كما أننا محظوظون أيضًا بوجود هذا العدد الكبير من جمعيات معلِّمي الرياضيات، وندين لهم بالفضل في وجود معظم مناهج الجبر والهندسة التي بدأت في الظهور في الوقت الحالي. ودورات إعداد المعلمين — كالتي تُعقَد في مختلف الولايات لدينا — تبدو سمةً أصيلةً لبلدنا، وعلى الرغم من أنها لم تقدِّم الكثيرَ عمومًا لمجال الرياضيات، فقد أثبتَتْ فائدتها في كثيرٍ من الأحيان في أقسام المدارس الثانوية، وسوف تُناقِش لجنةٌ مخصَّصة لهذا الغرض تحديدًا هذه المسألةَ وما يماثِلُها.

لقد نما في هذا البلد اتجاهٌ نحو العمل التكنولوجي، ولدينا أسباب تجعلنا ننظر إليه بكثير من الارتياح؛ وهي الدرجة الجامعية التي تمنحها مؤسسات مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. هذه المدارس ليست فريدةً من نوعها ولا تقتصر على هذا البلد؛ إذ إننا في الواقع اقتبسنا الفكرةَ من ألمانيا وسويسرا وفرنسا وبلجيكا، ولكنها زادت بشكلٍ مُطَّرد في عددها وارتقَتْ في مكانتها وفي قدرتها على تقديم دورات قوية في الرياضيات الهندسية. ولكنَّ ماهيةَ العمل التكنولوجي ومظاهر اختلافه في المدارس التكنولوجية عن العمل الموجود لدى الأقسام التكنولوجية في الكليات والجامعات؛ أمورٌ ينبغي أن نرحِّب بكل المعلومات الدقيقة عنها.

وترتبط بهذه المشكلة الرياضياتُ التي تُدرَّس في المدارس المهنية الأخرى، مثل تلك الخاصة بتدريب ضباط الجيش والبحرية، وخاصة في مؤسسات التعليم العالي لتدريب المعلمين التي بدأ إنشاؤها في هذا البلد. أما مسألة كيفية مباشَرَةِ تدريبِ معلِّم الرياضيات للمدرسة الثانوية والكليات، في الكليات الرفيعة المستوى المخصَّصة لهذا الغرض، فسوف تهمُّ مَن في الخارج ومَن في الداخل.

يُنظَر إلى العمل الرياضياتي في الكليات عمومًا — من وجهة النظر التعليمية — في هذا البلد باعتباره الأقل تقدُّمًا. ربما يكون ذلك صحيحًا، ولكن على أية حال سيكون من المفيد بالنسبة إلينا أن نعرف بالضبط ما هو متوقَّع من طلاب الصف الأول الجامعي، وطلاب الصف الثاني الجامعي في الجامعة الأمريكية العادية. وأيًّا كانت المعلومات الدقيقة التي يمكننا الحصول عليها حول الأهداف والخطة العامة للتقديم والنتائج الخاصة بهذين العامين، فستكون محفِّزة في جميع المؤسسات من هذا النوع. وربما يوجد سؤال لا يقل أهميةً يجب وَضْعه في الاعتبار، يتعلَّق بطبيعة مناهج الرياضيات في الكليات المخصَّصة للنساء مقارَنَةً بالمناهج في الكليات المخصَّصة للرجال؛ هل المناهج واحدة؟ هل القدرات متشابهة؟ هذه هي بعض الأمثلة على الأسئلة التي يودُّ المهتمُّون بمجال الرياضيات تناوُلَها على نحوٍ علمي.

ربما كان السؤال الأكثر إثارةً للاهتمام على الإطلاق من وجهة نظر مجال الرياضيات يتعلَّق بأداء الدراسات العليا في جامعات هذا البلد؛ أي في المؤسسات القليلة الرفيعة المستوى والمقبولة عمومًا باعتبارها مجهَّزَةً لمثل هذا النوع من العمل الأصيل. تتناول واحدةٌ من اللجان لدينا هذه المشكلة، فتختصُّ إحدى لجانها الفرعية بمسألة دورات التعليم، وتختصُّ أخرى بالتحضير للأبحاث ودرجة الدكتوراه، وتختصُّ ثالثة بإعداد كادر التدريس للكليات والجامعات. ومن المتوقَّع أن يضع تقريرُ هذه اللجنة مقياسًا للتميُّز سيكون معتمَدًا لسنواتٍ عديدةٍ قادِمة في هذا البلد.

وأخيرًا، ثمة بعض الموضوعات العامة التي تحتاج إلى تناوُلها بالدراسة، لا سيما من أجل تقديم معلومات لدول أخرى. يتعلق أحد هذه الموضوعات بمسحٍ تخطيطيٍّ للمؤسسات التعليمية الأمريكية وتسلسُلِها والعلاقات بينها. وحقيقة أن هذا الموضوع بالذات يقع تحت إشراف لجنة فرعية برئاسة المفوض لشئون التعليم في ولاية ماساتشوستس تُعَدُّ ضمانًا أن العمل سيتمُّ على أكمل وجه. ويتعلق ثاني هذه الموضوعات العامة بنطاق وترتيب مناهج الرياضيات ككلٍّ، والتي تتميَّز عن ترتيبِ الأجزاء المحدودة التي تتناولها لجان أخرى مختلفة.

في الولايات المتحدة — كما هي الحال في بعض البلدان الأخرى — يتم هذا العمل عن طريق لجان، ولكن في دولٍ أخرى معيَّنَة تُجرَى الاستقصاءات من خلال أفراد. لدينا في هذا البلد خمس عشرة لجنة، وإحدى وستون لجنةً فرعيةً تضمُّ ما مجموعه حوالي مائتين وسبعين عضوًا، وتحلُّ هذه اللجانُ واللجانُ الفرعية مشاكلَها بطريقتها الخاصة؛ إذ يستخدم بعضُها الاستبياناتِ المفصَّلَةَ، ويستخدم بعضٌ آخَر الجمعيات، وبعضٌ آخر يستخدم التقاريرَ الإحصائية، ويستخدم غيره الاستقصاءات التي أُجرِيت في السابق عن طريق أعضاء هذه اللجان. ونأمل أن يكون عدد كبير من تقارير اللجان الفرعية جاهزًا في فبراير من عام ١٩١٠، وأن تكون جميع تقارير اللجنة جاهزةً في مايو التالي. وينبغي السماح ببعض المُهَل، ولكن نأمل ألَّا تؤخِّرَ هذه المُهَلُ من المراحل النهائية للعمل. يجب أن يكون التقريرُ الأمريكي جاهزًا بعد عام من الآن، ولا شك أن الجهدَ الشديدَ الذي يجب أن يُبذَل في سبيله سيؤدِّي بنا إلى أن نأمل في أن جميع الذين سيتلقَّون الاستبيانات سيجيبون عليها بحماسٍ وسرعةٍ لئلَّا يصبح عبءُ العمل أثقلَ.

هذا هو الغرض العام، وهذه هي الخطة العامة لهذا العمل، وهو ما يفرض على كلِّ مَن لهم صلةٌ بالأمر عبئًا ثقيلًا جدًّا، ولكن هذا العمل يجب أن يتمَّ من أجل سمعة بلادنا، ومن أجل تأثيره سواء هنا أو في الخارج. إن مطالَبَتي بأن نسعى للحصول على التشجيع والمساعدة الرئيسيَّين لَهِيَ من المصلحة التي تفيد تلك الجمعيات، كما أنه يقع على عاتق المعلمين وعلماء الرياضيات أمثالكم ممَّنْ طلبنا منهم الالتحاق باللجان المختلفة والعمل معنا على إنجاح العمل — بكلِّ حبٍ وحماسٍ، كما ينبغي أن يكون حالنا جميعًا — مسئوليةُ إنجاحِ هذا العمل ليأتي بثماره وبالفائدة على أنفسنا وعلى إخواننا في الأجزاء الأخرى من العالَم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.